بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد
نرحب بكم يا طيب في

موسوعة صحف الطيبين

في أصول الدين وسيرة المعصومين



التحكم بالصفحة + = -
❀✺✸☼❋❉❈❊

تكبير النص وتصغيره


النص المفضل

لون النص والصفحة
حجم النص

____ لون النص ____

أحمر | أزرق | أخضر | أصفر |
أسود | أبيض | برتقالي | رمادي |

____ لون الخلفية ____




صحيفة جعفر بن أبي طالب ذو الجناحين الطيار في الجنة

عليه السلام

ولحضرتكم يا طيب : مختصر حياته الكريمة :

اسمه الكريم : جعفر بن أبي طالب عليه السلام .

كنيته : أبو المساكين ، أبو عبد الله

لقبه : الطيار ، ذو الجناحين .

يا طيب : نسب جعفر بن أبي طالب عليه السلام ، هو نسب رسول لله صلى الله عليه وآله وسلم ، لأنه أبن عمه ، رسول الله نبينا الأكرم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ، وجعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب ، وإن أبو طالب وعبد الله في نصوص الروايات أطهر طاهرين تفرق فيهم النور الإلهي فكان محمد وعلي صلى الله عليهم وسلم وأجتمع بفاطمة الزهراء مرة أخرى ، ولمعرفة هذ المعنى تدبر صحيفة أبو طالب جد الأئمة ، كما سترى هنا أن جعفر أحد أفضل السبعة الذين خلقهم الله تعالى ، وسترى إنه فضلا عن كون نسبه نسب رسول الله ، ترى أنه طيب طاهر مقدس له مقام عالي في مراتب الوجود وله من الكرامات الإلهية التي يخص بها أكرم أولياءه من الأنبياء وأوصياء الأنبياء ، ولمعرفة هذا تدبر ما يأتي من نسبه المادي بالتولد، ونسبه المعنوي الروحاني في الكرامات قبل الدنيا وفيها وبعدها ، فتدبر:

ولد عليه السلام : في مكة المكرمة سنة 20 قبل البعثة وأسلم بعد أخيه علي عليه السلام وخديجة أم المؤمنين عليها السلام

 هاجر للحبشة : يقود المؤمنين وهم سبعين بعد 5 سنوات من البعثة ، وكان عمره 25 سنة.

مدة إقامته بالحبشة : 15 خمسة عشر سنة

هاجر للمدينة المنورة : سنة 7 للهجرة

استشهد عليه السلام : في سنة 8 للهجرة في مؤته في مدينة الكرك في الأردن الآن ، وله مرقد مجلل كريم وله في أفق السماء تنير كل طيب لمحل الهدى ودين الله الحق .

عمره الشريف : مدته 41 سنة .

فسلام الله عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيا


وصحيفة جعفر الطيار عليه السلام :

في 490 صفحة فتدبر فيها واقتبس ما تشاء منها وأنشره في المواقع الاجتماعية مشكورا ، ولكم من الله الأجر والثواب الجزيل .

تأليف : خادم علوم آل محمد عليهم السلام

الشيخ حسن جليل الأنباري

موسوعة صحف الطيبين في أصول الدين وسيرة المعصومين عليهم السلام

صحيفة الشهيد جعفر الطيار عليه السلام

https://www.alanbare.com/jafr
وهنا كتاب الكتروني
https://www.alanbare.com/jafr/jafr.pdf

صحيفة جعفر بن أبي طالب ذو الجناحين الطيار في الجنة عليه السلام
صحيفة جعفر بن أبي طالب ذو الجناحين الطيار في الجنة عليه السلام

صحيفة جعفر بن أبي طالب ذو الجناحين الطيار في الجنة عليه السلام
من هنا
تَنْزِيلُ الصَّحِيفَةُ وَقِرَاءتُها

كتاب الكتروني بي دي اف pdf

جيد للقراءة والمطالعة على الجوال والحاسب
رحم الله الشيخ الأنباري إذ قال :

أشبهت خَلقي وخُلقي قال النبي لجعفر

وسيم بهي الطلعة متألق الحسن جعفر

خُلقه القرآن وآدابه سنن الرسول جعفر

كريم السجايا جميل الشيم الطيار جعفر





موسوعة صحف الطيبين في
أصول الدين وسيرة المعصومين


صحيفة
جعفر الطيار في الجنة

عليه السلام

مقدمة صحيفة جعفر الطيار:

بسم لله الرحمن لرحيم : والحمد لله رب العالمين ، الواحد الأحد الفرد الصمد ، والشكر لله الذي جعلنا من الموحدين له بخير دين ، والعارفين بما أوجب علينا من هداه الحق المبين ، وعلمنا تعالميه التي أختصها بنبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ، فصلاة الله وسلامه عليهم أجمعين ، وعلى صحبهم المخلصين المنتجبين ، وأسأل الله تعالى أن يجعلنا بهداه متمسكين ، وبصراطه المستقيم عند المنعم عليه له سالكين ، إنه ولي التوفيق وخير ناصر ومعين .

يا طيب : هذه صحيفة جعفر بن أبي طالب الطيار بجناحين في الجنة ، شبيه النبي الأكرم خَلقا وخُلقا وخليله وأخيه ومحدثه ، السيد المؤمن والسابق الموقن ، المختار المصطفى من الله تعالى مع آله آل البيت النبوي الكرام الطيبين الطاهرين، وخير أهل الأرض السادس عشر بعد النبي وآله المعصومين وعمه حمزة صلى الله عليهم وسلم أجمعين .

ثالث المؤمنين : ذو الهجرتين وقائد المهاجرين ، المجاهد البطل المقدام الشهيد ناصر الله ورسوله ، ذو الجناحين الطيار في الجنة مع الملائكة ، ذو الخلق الكريم والأدب الرفيع ، الجواد الرؤوف أبو المساكين ، العالم الفقيه والمحدث الصديّق ، والعارف الحافظ للقرآن ومفسره ، سفير رسول الله وناقل الإسلام بهداه وصراطه المستقيم بأتم حكمة وبلاغة ، ومبين ضلال أهل الكفر والعصيان بأتم لباقة وحذاقه ، ذو الحجج الدامغة والبراهين الواضحة ، والبيان الساطع والأسلوب الناصع ، والمجادل بالحسنى وهادي العباد والمدافع عن المؤمنين والداعي إلى الله تعالى ، وفيّ العهد القاضي نحبه والباذل مهجة في سبيل الله ، الصديق الشهيد ذو المقامات العالية والشأن الرفيع المغبوط في الجنة.

ويا طيب : تجد في هذه الصحيفة المباركة إن شاء الله ، أغلب ما يهم معرفته عن البطل الصنديد ، والعابد الزاهد ، والمهاجر المجاهد ، جعفر بن أبي طالب عليه السلام ، فنرى نسبه ولقبه وكنيته ، وشرفه وشأنه الكريم ، وعلو منزلته وفضله المجيد القديم ، وأنه من أهل البيت المصطفين الأخيار فضلا عن كونه من الصحابة ، ونرى هجرته وسببها ومدتها ، وكيف أثر على ملك الحبشة النجاشي حتى أسلم ، وخلقه العظيم الذي أثر على النصارى حتى عادوا معه في هجرته الثانية للنبي الأكرم في المدينة المنورة مسلمين لله رب العالمين ، ومؤمنين برسالة سيد المرسلين ، كما نرى أهم أحواله وآيات وروايات كان مصداقها الأتم في الفضل وعلو الشأن ، وكثير من الأحاديث رويت في حقه الشريف وأحواله وصفاته حتى شهادته ، كما نلحق به بعض المعارف عن زوجته وأولاده وأحفاده وشأنهم الكريم .

وأسأل الله تعالى : وهو ولي التوفيق ، أن يجعلنا نتمم ما بدأنها ، ويجعله خلصا لوجه الكريم ، وينفع به المؤمنين ، ويعرفهم بعض الفترات الكريمة من تأريخ الهدى والدين، وما بذله من أجل تبليغه ونشره وتعريفه آل خير المرسلين وصحبهم الطيبين صلى الله عليه وآله وسلم ، وأن يجعلنا من معارفها مستفيدين ، وباذلين أنفسنا في طاعة الله سبحانه وتعالى، وإحياء شريعته ومعلميها وناشري معارفها بحق نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ، إنه أرحم الراحمين ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

خادم علوم آل محمد عليهم السلام

موسوعة صحف الطيبين

الشيخ حسن جليل الأنباري

 




نسب جعفر الطيار

يا طيب : نسب جعفر بن أبي طالب عليه السلام ، هو نسب رسول لله صلى الله عليه وآله وسلم ، لأنه أبن عمه ، رسول الله نبينا الأكرم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ، وجعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب ، وإن أبو طالب وعبد الله في نصوص الروايات أطهر طاهرين تفرق فيهم النور الإلهي فكان محمد وعلي صلى الله عليهم وسلم وأجتمع بفاطمة الزهراء مرة أخرى ، ولمعرفة هذ المعنى تدبر صحيفة أبو طالب جد الأئمة ، كما سترى هنا أن جعفر أحد أفضل السبعة الذين خلقهم الله تعالى ، وسترى إنه فضلا عن كون نسبه نسب رسول الله ، ترى أنه طيب طاهر مقدس له مقام عالي في مراتب الوجود وله من الكرامات الإلهية التي يخص بها أكرم أولياءه من الأنبياء وأوصياء الأنبياء ، ولمعرفة هذا نذكر مختصرا من نسبة المادي بالتولد، والمعنوي الروحاني في الكرامات قبل الدنيا وفيها وبعدها ، فتدبر:

 

نسب جعفر في الدنيا :

جعفر : بن أبي طالب (عمران ) بن عبد المطلب بن هشام بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن مرة بن لوي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة مدرك بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان ، وهم سادت العرب وقريش ، وجدهم الكبير هو أبو الأنبياء إبراهيم خليل الرحمان من ابنه نبي الله إسماعيل المفدى من الذبح ، كما أن بني إسرائيل من ولد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم أخ إسماعيل الأصغر.

ويا طيب : هذا النسب طيب طاهر مطهر لم يكن فيه سفاح أبدا ، وهو نسب نبي الرحمة لأن أبوه عبد الله ، أخ أبو طالب من أب وأم وحدة ، وقد بينا النسب مفصلا في صحيفة النبوة وفي صحيفة أبو طالب وبينا بعض شأن آبائهم الكرام عليهم السلام فراجع .

 

عُمر جعفر الطيار مختصرا:

يا طيب : جعفر بن أبي طالب عاش عمرا مباركا ، وقضاه مؤمنا مهاجرا مجاهدا في سبيل الله ، ولا يعد بالسنين ، ولكن على المتعارف بتقدير السنين نذكر مقدار عمره تقريبا على ما ذكر :

قال أبو الفرج الأصفهاني : جعفر بن أبي طالب:

فأول قتيل : منهم في الإسلام جعفر بن أبي طالب عليه السلام.

واسم أبي طالب : عبد مناف بن عبد المطلب، وهو شيبة بن هاشم وهو عمرو بن عبد مناف ، ويكنى أبا عبدالله فيما يزعم أهله.

وروى بسند عن أبي هريرة قال:

 كان جعفر بن أبي طالب : يكنى أبا المساكين.

وقال بن الأثير : وكان رَسُول اللَّهِ يسميه: أبا المساكين . روى عنه: ابنه عَبْد اللَّهِ، وَأَبُو موسى الأشعري، وعمرو بْن العاص.

كتاب أسد الغابة ج2ص541ر759.

وروى بسنده عن ابن عباس : كان جعفر بن أبي طالب : الثالث من ولد أبيه، وكان طالب أكبرهم سنا، ويليه عقيل، ويلي عقيلا جعفرا ، ويلي جعفرا علي ، وكل واحد منهم أكبر من صاحبه بعشر سنين، وعلي أصغرهم سنا.

وأمهم جميعا فاطمة : بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، وأمها فاطمة، وتعرف بحبى بنت رواحة بن حجر بن عبد بن معيص بن عامر بن لؤي.

وفاطمة : بنت أسد بن هاشم، أول هاشمية تزوجت هاشميا وولدت له، وأدركت النبي صلى الله عليه وآله، فأسلمت وحسن إسلامها، وأوصت إليه حين حضرتها الوفاة فقبل وصيتها، وصلى عليها ونزل في لحدها واضطجع معها فيه وأحسن الثناء عليها...

وكانت فاطمة : بنت أسد أول امرأة بايعت رسول الله صلى الله عليه وآله.

مقاتل الطالبيين ج1ص6.

 

وعن بن عقدة : عن ابن عبّاس قال:

كان جعفر بن أبي طالب: الثالث‏ من‏ ولد أبيه.

 و كان طالب : أكبرهم سنّا، و يليه عقيل، و يلي عقيلا جعفر، و يلي جعفرا عليّ.

و كلّ واحد منهم : أكبر من صاحبه بعشر سنين، و عليّ أصغرهم سنّا .

فضائل أمير المؤمنين عليه السلام ص11ف1ح1. ومقاتل الطالبيين ص 3 . والخصال ج1ص181ح247.

 

ويا طيب : إن كان على التحقيق ولد علي بن أبي طالب عليه السلام وهو آخر أخوة جعفر وجعفر بالعمر أكبر منه عشر سنين ، فيكون عمره حين البعثة 20 سنة .

ولد جعفر : سنة 20 قبل البعثة ، أي سنة 33 قبل الهجرة .

آمن برسول الله : في أول للبعثة فيكون عمره حين أسلم 20 سنة لأنه في أول البعثة أسلم بعد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أخيه عليهم السلام .

هاجر للحبشة : سنة 5 خمسة للبعثة فيكون عمره حين الهجرة 25 سنة .

هاجر من الحبشة للمدينة : سنة 7 للهجرة يوم فتح خيبر في يوم 24 من رجب  ، فيكون عمره الشريف مهاجرا في الحبشة 8 سنين حتى هاجر رسول لله للمدينة أول سنة ثلاثة عشر للهجرة ، وحتى سنة 7سبعة للهجرة فتح خيبر ، فقد كان 15 عشر سنة مهاجرا في الحبشة حتى عاد لرسول الله في المدينة وعمره الشريف لما رجع لرسول الله ، فصار عمره الشريف 40 سنة .

قاد حرب مؤمته : سنة 8 للهجرة أي بعد أقل من سنة من قدومه للمدينة من الحبشة ، فيكون عمره الشريف حين أستشهد فيها 41 سنة ، فسلام الله عليه يوم ولد ويوم أستشهد ويوم يبعث حيا ، وحشرنا الله معه وعلى منهجه الشريف ، دفاعا عن دين الله ورسول الله ، مجاهدا صابر مهاجرا إلى الله .

 

ألقاب جعفر الطيار:

الطيار ، وهو أشهرها ، ذو الجناحين ، خليل النبي ، شبيه النبي ، ذو الهجرتين ، وتجد هذه الألقاب الكريمة له بنص أحاديث آتية .

وكنيته :

أبو عبد الله:لأن أبنه الأكبر أسمه عبد الله .

أبو المساكين : لكثرة عطفه على المساكين والاعتناء بأمرهم ووصلهم بالإحسان إليهم .

وصفاته :

 كان جعفر رحمه الله : شبيه خَلقا وخُلقا بالنبي الأكرم لأنه قال له  صلى الله عليه وآله وسلم ، أشبهت خَلقي وخُلقي ، فكان خلق مطهر و خُلقه القرآن كخَلق وخُلق ابن عمه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم .

يقول أبو نعيم الأصفهاني عنه: إنسان خطيب وسخي، شجاع وعارف.

أبو نعيم الأصفهاني.

حلية الأولياء ج1ص114.

 أما ابن قدامة فيقول عنه: إنه كان متواضع.

العكبري التبيين ص 115.

ويقول الذهبي بحقه: جعفر بن أبي طالب كبير الشأن، سيد الشهداء والمجاهدين.

الذهبي، سير أعلام النبلاء ج1ص206.

ويا طيب : ستجد ما ذكرنا في أحاديث أخرى في هذه الصحيفة المباركة بوفره.

علي للنبي وجعفر للعباس :

يا طيب : أهم مرحلة في حياة جعفر بن أبي طالب الطيار في الجنة ، هو انتقاله إلى بيت عمه العباس بن عبد المطلب ، فكان معه حتى أسلم .

ذكر بن هشام في السيرة : نعمة الله على علي بنشأته في كنف الرسول ، وكان مما أنعم الله به على علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان في حجر رسول الله صلى الله عليه و سلم قبل الإسلام .

قال ابن إسحاق : وحدثني عبدالله بن أبي نجيح عن مجاهد بن جبر بن أبي الحجاج قال :

 كان من نعمة الله على علي بن أبي طالب : ومما صنع الله له وأراده به من الخير ، أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة ، وكان أبو طالب ذا عيال كثير .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : للعباس عمه وكان من أيسر بني هاشم ، يا عباس : إن أخاك أبا طالب كثير العيال ، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة ، فانطلق بنا إليه فلنخفف عنه من عياله ، آخذ من بنيه رجلا وتأخذ أنت رجلا فنكلهما عنه ، فقال العباس : نعم .

فانطلقا حتى أتيا أبا طالب فقالا له : إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه .

فقال لهما أبو طالب : إذا تركتما لي عقيلا فاصنعا ما شئتما - قال ابن هشام : ويقال : عقيلا وطالبا .

فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : عليا فضمه إليه .

وأخذ العباس : جعفرا فضمه إليه.

 فلم يزل : علي مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى بعثه الله تبارك وتعالى نبيا فاتبعه علي رضي الله عنه وآمن به وصدقه .

ولم يزل جعفر : عند العباس ، حتى أسلم واستغنى عنه .

السيرة لأبن هشام ج2ص85. وذكر قسما من الحديث الطبري الكبير في المسترشد في إمامة علي بن أبي طالب عليه السلام ص 564.

 

معنى جعفر :

يا طيب : ذكروا في أغلب كتب اللغة إن معنى جعفر هو النهر المليء بالماء ، والجَعْفَرُ : النهر عامَّةً ؛ وجعفر من صفة النهر الملآن ، وبه شبهت الناقة الغزيرة ، وقيل : الجَعْفَرُ النهر الكبير الواسع ؛ وأَنشد : تَأَوَّدَ عُسْلُوجٌ عَلى شَطِّ جَعفَر وبه سمي الرجل .

وقالت أم سلمه رحمها الله: تنعى ابن عمها الوليد رحمه الله :

أنْعَى الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ
أَبَا الْوَلِيدِ فَتَى الْعَشِيرَة
حَامِي الْحَقِيقَةِ مَاجِدٌ
يَسْمُو إِلى‏ طَلَبِ الْوَتِيرَة
قَدْ كَانَ غَيْثاً فِي السِّنِينَ‏
وَ جَعْفَراً غَدَقاً وَ مِيرَة

وكأن هذه الأبيات كلها : تحكي معنى جعفرا على الحقيقة وبأجمل معانيه .

والجعافر : الرواة من نسل جعفر بن أبي طالب ، وكذا يلقب الجعفري لكثير من الرواة من نسل جعفر بن بي طالب عليه السلام ، وسنذكر قسما منهم ومن رواياتهم الجميلة .

وحبا لأسم جعفر : وإحياء لذكره سمى الإمام علي عليه السلام أحد أبناءه جعفرا وهو أخ العباس من أمه فاطمة الكلابية ، وكذا سمى الإمام محمد بن علي بن الحسين أنبه جعفرا ، وهو إمامنا لسادس ، وإن كان التسمية من الله ورسوله له سابقة كما في كثير من الأحاديث ، ولكون في زمانه وجد أغلب أصحاب المذاهب وبدأ نشوئها، وسمي الشيعة بالجعفرية نسبة للإمام جعفر الصادق بن محمد بن علي بن الحسين عليه السلام ، فصار اسم جعفر حي في قلوب كل المؤمنين من شيعة رسول رب العالمين .




 

حقيقة نسب جعفر النوراني :

يا طيب : عرفت أنه في الدنيا والتولد نسب جعفر هو نسب رسول الله صلى الله عليه وآله ، وتوجد معرفة أعلى وأكرم في النسب الخلق الكوني ، وهو خلق الأنوار التي خلق منها الكون ، وأن أول نور هو نور نبينا الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثم نور آله المعصومين عليهم السلام ومعهم نور حمزة وجعفر ، ويذكر هذا المعنى في عدة أحاديث نختار منها :

عن أبان عن سليم عن سلمان‏ قال : كانت قريش إذا جلست في مجالسها، فرأت رجلا من أهل البيت قطعت حديثها ، فبينما هي جالسة إذ قال رجل منهم : ما مثل محمد في أهل بيته إلا كمثل نخلة نبتت في كناسة .

فَبَلَغَ ذَلِكَ : رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فغضب ثم خرج، فأتى المنبر فجلس عليه حتى اجتمع الناس، ثم قام : فحمد الله و أثنى عليه .

ثم قال : أيها الناس ، من أنا ؟ قالوا : أنت رسول الله .

قَالَ : أَنَا رَسُولُ اللَّهِ ، وَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، ثُمَّ مَضَى فِي نَسَبِهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى نِزَارٍ .

ثُمَّ قَالَ: أَلَا وَ إِنِّي وَ أَهْلَ بَيْتِي .

 كُنَّا نُوراً : نَسْعَى بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ، قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ آدَمَ بِأَلْفَيْ عَامٍ ، وَ كَانَ ذَلِكَ النُّورُ إِذَا سَبَّحَ سَبَّحَتِ الْمَلَائِكَةُ لِتَسْبِيحِهِ.

فَلَمَّا خَلَقَ آدَمَ : وَضَعَ ذَلِكَ النُّورَ فِي صُلْبِهِ ، ثُمَّ أَهْبَطَ إِلَى الْأَرْضِ فِي صُلْبِ آدَم، َ ثُمَّ حَمَلَهُ فِي السَّفِينَةِ فِي صُلْبِ نُوحٍ ، ثُمَّ قَذَفَهُ فِي النَّارِ فِي صُلْبِ إِبْرَاهِيمَ .

 ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَنْقُلُنَا : فِي أَكَارِمِ الْأَصْلَابِ، حَتَّى أَخْرَجَنَا مِنْ أَفْضَلِ الْمَعَادِنِ مَحْتِداً ، وَ أَكْرَمِ الْمَغَارِسِ مَنْبِتاً .

بَيْنَ الْآبَاءِ وَ الْأُمَّهَاتِ: لَمْ يَلْتَقِ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى سِفَاحٍ قَطُّ .

أَلَا وَ نَحْنُ بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ :

سَادَةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ

أَنَا وَ عَلِيٌّ

وَ جَعْفَرٌ وَ حَمْزَةُ

وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ

وَ فَاطِمَةُ وَ الْمَهْدِيُّ ...

 كتاب سليم بن قيس الهلالي ج2ص856ح45. يا طيب : الحديث طويل أخذنا منه ، ما يخص جعفر ، وباقيه في فضل أمير المؤمنين عليه السلام والأئمة المعصومين خاصة ، فإن أحببته فراجعه في صحيفة النور أو كتاب سليم .

فجعفر عليه السلام : من أهل البيت صلى الله عليهم وسلم ، وسيد من سادة أهل الجنة ، ومن أكرم خلق الله قبل الدنيا وفيها وبعدها .

يا طيب : حين يذكر السبعة الأوائل والمهدي فجعفر أحدهم ، وإن الذكر المعصومين كلهم فهو بعدهم مباشرة وعلى حدهم .

 

جعفر أحد خير أهل الأرض :

يا طيب : في هذه الرواية المؤيدة بكثير من الروايات من مثلها ، وهي تبين فضل أهل بيت النبي وآله المقربين ، فتبين خير أهل الأرض والآخرة من أمة محمد صلى الله عليهم وآله وسلم ، ويكون جعفر بن أبي طالب عليهم السلام السادس عشر من خير أهل الأرض والجنة من أمة النبي الأكرم ، وذلك هو : بعد المعصومين الأربعة عشر وعمه حمزة صلى الله عليهم وسلم ، الخمسة عشر قبله هم : النبي محمد بن عبد الله المصطفى ، وعلي بن أبي طالب المرتضى ، وفاطمة الزهراء ، والحسن المجتبى ، والحسين سيد الشهداء ، وعلي بن الحسين زين العابدين ، ومحمد بن علي الباقر ، وجعفر بن محمد الصادق ، وموسى بن جعفر الكاظم ، وعلي بن موسى الرضا ، ومحمد بن علي الجواد ، وعلي بن محمد الهادي ، والحسن بن علي العسكري ، والحجة المهدي بن الحسن المنتظر ، وثم حمزة بن عبد المطلب سيد الشهداء ، وثم جعفر بن أبي طالب الطيار في الجنة ، صلى الله عليهم وسلم ، ولمعرفة هذه الحقيقة التي تعرفنا مناقب أهل البيت عليهم السلام وشأنهم الكريم وعظيم منزلته عند الله الذي أختارهم واصطفاهم ، تدبر الحديث الآتي:

قال سليم : سمعت سلمان الفارسي يقول‏ : كنت جالسا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضه الذي قبض فيه، فدَخَلَتْ فَاطِمَةُ عليه السلام ، فَلَمَّا رَأَتْ مَا بِرَسُولِ اللَّهِ مِنَ الضَّعْفِ خَنَقَتْهَا الْعَبْرَةُ حَتَّى جَرَتْ دُمُوعُهَا عَلَى خَدَّيْهَا .

فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ : يَا بُنَيَّةِ مَا يُبْكِيكِ ؟

قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أخشى على نفسي و ولدي الضيعة من بعدك .

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : و اغرورقت عيناه بالدموع ، يَا فَاطِمَةُ : أَ وَ مَا عَلِمْتَ أَنَّا أَهْلُ بَيْتٍ اخْتَارَ اللَّهُ لَنَا الآخرة على الدنيا ، و أنه حتم الفناء على جميع خلقه ، و إن الله تبارك و تعالى اطلع إلى الأرض اطلاعه فاختارني منهم فجعلني نبيا ، ثم اطلع إلى الأرض ثانية فاختار بعلك ، و أمرني أن أزوجك إياه ، و أن أتخذه أخا و وزيرا و وصيا، و أن أجعله خليفتي في أمتي .

فَأَبُوكِ : خير أنبياء الله و رسله ، و بعلك خير الأوصياء و الوزراء ، و أنت أول من يلحقني من أهلي .

ثم اطلع إلى الأرض : اطلاعه ثالثة فاختارك و أحد عشر رجلا من ولدك و ولد أخي بعلك منك ، فأنت سيدة نساء أهل الجنة ، و ابناك الحسن و الحسين‏ سيدا شباب أهل الجنة .

وَ أَنَا وَ أَخِي وَ الْأَحَدَ عَشَرَ إِمَاماً : أَوْصِيَائِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، كلهم هادون‏ مهديون ، أول الأوصياء بعد أخي الحسن ، ثم الحسين ثم تسعة من‏ ولد الحسين، في منزل واحد في الجنة، ِ وَ لَيْسَ مَنْزِلٌ أَقْرَبَ إِلَى اللَّهِ مِنْ مَنْزِلِي ثمّ‏ وَ مَنْزِلِ إِبْرَاهِيمَ وَ آلِ إِبْرَاهِيمَ ...... ثم ذكر عدة فضائل ومناقب لآله الكرام .. إلى أن قال صلى الله عليه وآله وسلم :

 

يَا بُنَيَّةِ : إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ أَعْطَانَا اللَّهُ سَبْعَ خِصَالٍ لَمْ يُعْطِهَا أَحَداً مِنَ الْأَوَّلِينَ، وَ لَا أَحَداً مِنَ الْآخِرِينَ غَيْرَنَا .

أَنَا : سَيِّدُ الْأَنْبِيَاءِ وَ الْمُرْسَلِينَ وَ خَيْرُهُمْ .

وَ وَصِيِّي : خَيْرُ الْوَصِيِّينَ، وَ وَزِيرِي بَعْدِي خَيْرُ الْوُزَرَاءِ .

وَ شَهِيدُنَا : خَيْرُ الشُّهَدَاءِ أَعْنِي حَمْزَةَ عَمِّي‏.

قالت : يا رسول الله سيد الشهداء الذين قتلوا معك ؟ قال : لا بل سيد الشهداء من الأولين و الآخرين ما خلا الأنبياء و الأوصياء.

وَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ :

 ذُو الْهِجْرَتَيْنِ وَ ذُو الْجَنَاحَيْنِ الْمُضَرَّجَيْنِ‏ يَطِيرُ بِهِمَا مَعَ الْمَلَائِكَةِ فِي الْجَنَّةِ .

وَ ابْنَاكِ : الحسن و الحسين سبطا أمتي ، و سيدا شباب أهل الجنة .

وَ مِنَّا وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ : مَهْدِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، الذي يملأ الله به الأرض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا .

قَالَتْ فَاطِمَةُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَيُّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ سَمَّيْتَ أَفْضَلُ ؟

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : أَخِي عَلِيٌّ أَفْضَلُ أُمَّتِي ، وَ حَمْزَةُ وَ جَعْفَرٌ ، هَذَانِ أَفْضَلُ أُمَّتِي بَعْدَ عَلِيٍّ ، وَ بَعْدَكِ ، وَ بَعْدَ ابْنَيَّ وَ سِبْطَيَّ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ ، وَ بَعْدَ الْأَوْصِيَاءِ مِنْ وُلْدِ ابْنِي هَذَا وَ أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ بِيَدِهِ إِلَى الْحُسَيْنِ .

مِنْهُمُ الْمَهْدِيُّ : و الذي قبله أفضل منه الأول خير من الآخر لأنه إمامه و الآخر وصي الأول‏.

إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ : أخْتَارَ اللَّهُ لَنَا الْآخِرَةَ عَلَى الدُّنْيَا .

ثم نظر رسول الله : إلى فاطمة و إلى بعلها و إلى ابنيها .

فقال : يا سلمان أشهد الله ، أني حرب لمن حاربهم ، و سلم لمن سالمهم ، أما إنهم معي في الجنة ، ثم أقبل النبي على علي ، فقال : يا علي‏ إنك ستلقى بعدي‏.....إلى أخر الحديث .

كتاب سليم بن قيس الهلالي ج2ص565ح1. ورواه بسنده الصدوق في كمال الدين و تمام النعمة ج1ص263ب24ح10 . وروي بعدة كتب أخرى.

 

وروى قريب منه في المعنى والألفاظ الهيثميعن عليّ بن عليّ الهلالي عن أبيه قال : دخلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله و سلّم في شكاته الّتي قبض فيها :

 فاذا فاطمة : رضي اللّه عنها عند رأسه ، قال : فبكت حتّى أرتقع صوتها فرفع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم طرفه إليها ، فقال: حبيبتي فاطمة ما الّذي يبكيك ، فقالت: أخشى الضّيعة بعدك .

فقال: يا حبيبتي أ ما علمت :

أنّ اللّه عزّ و جلّ : اطلع إلى الأرض اطلاعة ، فاختار منها أباك فبعثه برسالته ، ثم اطّلع إلى الأرض اطلاعة : فاختار منها بعلك ، و أوحى إليّ أن أنكحت إيّاه.

 يا فاطمة : و نحن أهل بيت قد أعطانا اللّه سبع خصال ، لم تعط لأحد قبلنا و لا تعطي أحدا بعدنا.

 أنا خاتم النّبيين : و أكرم النّبيين على اللّه ، و أحبّ المخلوقين إلى اللّه عزّ و جلّ ، و أنا أبوك .

و وصيّي : خير الأوصياء ، و أحبّهم إلى اللّه ، و هو بعلك.

و شهيدنا : خير الشّهداء ، و أحبّهم إلى اللّه و هو عمّك حمزة بن عبد المطّلب ، و عمّ بعلك .

و منّا من له جناحان :

أخضران ، يطير مع الملائكة في الجنّة حيث شاء ، و هو ابن عمّ أبيك ، و أخو بعلك .

و منّا سبطا هذه الأمّة : و هما ابناك الحسن و الحسين ، و هما سيّدا شباب أهل الجنّة ، و أبو هما و الّذي بعثني بالحقّ خير منهما .

يا فاطمة : و الّذي بعثني بالحقّ ، إنّ منهما مهديّ هذه الأمّة ، إذا صارت الدّنيا هرجا و مرجا ، و تظاهرت الفتن ، و تقطّعت السّبل ، و أغار بعضهم على بعض، فلا كبير يرحم صغيرا، و لا صغير يوقّر كبيرا، فيبعث اللّه عزّ و جلّ عند ذلك منهما من يفتح حصون الضّلالة و قلوبا غلفا ، يقوم بالدّين آخر الزّمان ، كما قمت به في أوّل الزّمان ، و يملأ الدّنيا عدلا كما ملئت جورا، .

يا فاطمة : لا تحزني و لا تبكي ، فانّ اللّه عزّ و جلّ أرحم بك و أرأف عليك منّي ، و ذلك لمكانك من قلبي ، و زوّجك اللّه زوجا و هو أشرف أهل بيتك حسبا ، و أكرمهم منصبا ، و أرحمهم بالرّعية ، و أعدلهم بالسّوية ، و أبصرهم بالقضّية.
 و قد سألت ربّي عزّ و جلّ : أن تكوني أوّل من يلحقني من أهل بيتي.

 قال علي رضى اللّه عنه : فلمّا قبض النّبي صلّى اللّه عليه و سلّم ، لم تبق فاطمة رضي اللّه عنها بعده إلّا خمسة و سبعين يوما ، حتّى ألحقها اللّه عزّ و جلّ به صلّى اللّه عليه و سلّم.

و عن أبي أيّوب الأنصاري قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم لفاطمة: نبيّنا خير الأنبياء و هو أبوك ، و شهيدنا خير الشّهداء و هو عمّ أبيك حمزة .

و منّا من له جناحان : يطير بهما في الجنّة حيث شاء ، و هو ابن عمّ أبيك جعفر.
 و منّا سبطا : هذه الأمّة الحسن و الحسين و هما ابناك ، و منّا المهديّ.

 مجمع الزّوائد ج9ص 168.

 

جعفر سيد من النجباء :

يا طيب : إن جعفر وحمزة عليهم السلام لهم ذكر خاص في شرافة المنزلة مع النبي محمد وآله المعصومين صلى الله عليهم وسلم ، وبه نعرف أن جعفر بن عبد المطلب مؤمن نجيب أي الفاضل الكريم السّخىّ نفيس في نوعه لا يدانى بالفضل والشرافة أحد إلا نبينا وآله المعصومين وحمزة وهو سباعهم . ومن الأحاديث ما عرفت وتدبر ما يأتي ، وبهذا المناسبة ننقل ما :

حدث بن حيون النعمان المغربي : بإسناده عن محمّد بن إبراهيم، بإسناده، عن علي عليه السّلام، أنه قال:

ما من نبي : إلا و قد أعطي

سبعة نجباء رفقاء.

 و أن نبينا صلّى اللّه عليه و آله : قد أعطي أربعة عشر.

 أنا و أبني: حسنا و حسينا، و حمزة أسد اللّه و أسد رسوله صلّى اللّه عليه و آل.

و جعفر : له جناحان مضرّجان بالدم‏

يطير بهما في الجنة حيث يشاء.

و عبيدة بن الحارث‏ ، و زيد بن حارثة، و بلال، و سلمان، و عمار، و المقداد، و حذيفة، و ابن مسعود رضوان اللّه عليهم أجمعين.

شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار عليهم السلام ج2ص51408ح909. وفي مناقب الخوارزمي ص 212: و العباس‏ بدل زيد بن حارثة .

وقال في الحديث بعده : بسنده عن إسحاق بن عبد اللّه بن طلحة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

 نحن بنو عبد المطلب : سادة الجنة، أنا، و علي، و جعفر بن‏ أبي‏ طالب‏، و حمزة بن عبد المطلب، و الحسن، و الحسين، و المهدي.

وعن أبن المغازلي قال : أخبرني أبو طاهر محمّد بن عليّ بن محمّد بن عبد اللّه البيّع البغداديّ قال: حدّثنا أبو الحسن أحمد بن محمّد بن موسى بن القاسم بن الصلت المالكيّ قال:

حدّثنا أبو بكر محمّد بن القاسم بن بشّار الأنباريّ النحويّ قال: حدّثنا أحمد بن الهيثم قال: حدّثني سعد بن عبد الحميد قال: حدّثنا عبد اللّه بن زياد الهماميّ ، قال: حدّثنا عكرمة بن عمّار عن إسحاق بن عبد اللّه بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال:

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

نحن بنو عبد المطّلب : سادة أهل الجنّة ، أنا، و عليّ و جعفر ابنا أبي طالب، و حمزة بن عبد المطّلب، و الحسن و الحسين عليهم السّلام.

ابن المغازلي في المناقب ص 48 .

ومر حديث النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم : في ذكر نسبه إلى نزار ثم قال : فَلَمَّا خَلَقَ آدَمَ : وَضَعَ ذَلِكَ النُّورَ فِي صُلْبِهِ ، ثُمَّ أَهْبَطَ إِلَى الْأَرْضِ فِي صُلْبِ آدَم، َ ثُمَّ حَمَلَهُ فِي السَّفِينَةِ فِي صُلْبِ نُوحٍ ، ثُمَّ قَذَفَهُ فِي النَّارِ فِي صُلْبِ إِبْرَاهِيمَ .

 ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَنْقُلُنَا : فِي أَكَارِمِ الْأَصْلَابِ، حَتَّى أَخْرَجَنَا مِنْ أَفْضَلِ الْمَعَادِنِ مَحْتِداً ، وَ أَكْرَمِ الْمَغَارِسِ مَنْبِتاً .

بَيْنَ الْآبَاءِ وَ الْأُمَّهَاتِ: لَمْ يَلْتَقِ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى سِفَاحٍ قَطُّ .

أَلَا وَ نَحْنُ بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ : سَادَةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنَا وَ عَلِيٌّ وَ جَعْفَرٌ وَ حَمْزَةُ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ وَ فَاطِمَةُ وَ الْمَهْدِيُّ ......

 كتاب سليم بن قيس الهلالي ج2ص856ح45.

 

وذكر الصدوق بسنده : عن محمد بن الحنفية رضي الله عنه يقول‏ :

 فِينَا سِتُّ خِصَالٍ : لم تكن في أحد ممن كان قبلنا ، و لا تكون في أحد بعدنا ، منا محمد سيد المرسلين ، و علي سيد الوصيين، و حمزة سيد الشهداء ، و الحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنة .

وَ جَعْفَرُ بْنُ‏ أَبِي‏ طَالِبٍ‏ :

الْمُزَيَّنُ بِالْجَنَاحَيْنِ يَطِيرُ بِهِمَا فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ يَشَاءُ.

وَ مَهْدِيُّ : هذه الأمة الذي يصلي خلفه عيسى ابن مريم .

المحاسن ج1ص9ب4ح28 . ورواه في الخصال ج1ص320ح1.

قال بن طاووس رحمه الله في الطرف :

أمّا الروايات : الدالّة على أنّ حمزة و جعفر من النجباء و من المخلصين ، و أنّهم مع الخمسة أصحاب الكساء فكثيرة جدّا، منها قوله صلّى اللّه عليه و آله: نحن بنو عبد المطّلب سادة أهل الجنّة، أنا و عليّ و حمزة و جعفر و الحسن و الحسين. انظر هذا النصّ و ما يؤدي معنى انتجابهم .

طرف من الأنباء و المناقب ص238. وذكر محقق الطرف ، أن هذا المعنى ذكر في : تذكرة الخواص ص48 ، و تاريخ بغداد ج9ص434 ، و ذخائر العقبى ص15، 89، و الرياض النضرة ج2ص182 ، و شرح النهج ج7ص64 ، و الخصال ص412، و أمالي الصدوق ص172، و ينابيع المودّة ج2ص69، و تفسير القمي ج2ص126،  و الكافي ج1ص450، و روضة الواعظين ص269، و دلائل الإمامة ص256، و بصائر الدرجات ص141، و مناقب ابن شهرآشوب ج2ص169، و المسترشد ص611، و مناقب ابن المغازلي ص48، و مناقب الخوارزمي ص212.

جعفر من أفضل الخلق :

يا طيب : هذا حديث كريم يعرفنا بأن جعفر بن أبي طالب من أكرم وأفضل خلق الله ، وهو يعرفنا منزلته وشأنه الكريم وعلو مقامه السامي خَلقا وخُلقا وهدى ودينا وعبودية لله تعالى .

روى الكليني : بسنده عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله جعفر الصادق عليه السلام قال: خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ذات يوم و هو مستبشر يضحك سرورا، فقال له الناس : أضحك الله سنك يا رسول الله و زادك سرورا .

فقال رسول الله : إنه ليس من يوم و لا ليلة إلا و لي فيهما تحفة من الله ، ألا و إن ربي أتحفني في يومي هذا بتحفة لم يتحفني بمثلها فيما مضى ، إن جبرئيل أتاني فأقرأني من ربي السلام، و قال :

يَا مُحَمَّدُ : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ اخْتَارَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ سَبْعَةً، لم يخلق مثلهم فيمن مضى و لا يخلق مثلهم فيمن بقي.

 أَنْتَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ سَيِّدُ النَّبِيِّينَ .

وَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : وَصِيُّكَ سَيِّدُ الْوَصِيِّينَ .

وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ : سِبْطَاكَ سَيِّدَا الْأَسْبَاطِ .

وَ حَمْزَةُ : عَمُّكَ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ .

وَ جَعْفَرٌ : ابْنُ عَمِّكَ

الطَّيَّارُ فِي الْجَنَّةِ، يَطِيرُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ حَيْثُ يَشَاءُ.

وَ مِنْكُمُ الْقَائِمُ: يُصَلِّي عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ خَلْفَهُ ، إِذَا أَهْبَطَهُ اللَّهُ إِلَى الْأَرْضِ ، مِنْ ذُرِّيَّةِ عَلِيٍّ وَ فَاطِمَةَ مِنْ وُلْدِ الْحُسَيْنِ .

الكافي ج8ص49ح10.

يا طيب : يؤيد هذا الحديث بالمعنى نصا ومفهوما ، كثير من الأحاديث ، وإنه مع تفصيله فهو مجمل بالنسبة لأحاديث أخرى شرحت وفصلت أفضل الخلق ، ومر قسما وسنذكر قسما آخر.

ذات يوم : أي في يوم من الأيام ، ضحك السن ظهور الضرس وهو بيان سرور أشد من حالة التبسم ، والتحفة من الله : أي اللطف والهدية والكرامة من الله وبيان شأن عالي له ، لا يخلق مثلهم فيمن بقي ، أي من غير المعصومين من الأئمة لأنهم نور واحد ولهم مقام فارد لم يصل إليه غيرهم وهم لا يقاس بهم أحد.

ويا طيب : ذكر فضيلة لكل واحد منهم تبين اختصاصه بها ، لحالة وصفة تخصه ، فالنبي سيد المرسلين ، وعلي سيد الوصيين ، و الحسن والحسين سيدا الأسباط وهكذا أسباط الحسين المعصومين بعده ، وحمزة سيد الشهداء حتى زمانه وبعده حتى شهادة الحسين فهو سيد الشهداء ، وجعفر سيد من يطير في الجنة والعباس بن علي بعده ، وهكذا هذه المعاني تبينها أحاديث أخرى تشرحها ، وكلهم في أعلى مقام في الجنة يحفون بالنبي الأكرم محمد ومعه آله الطيبين الطاهري صلى الله عليهم وآله وسلم ، وحشرنا الله معهم .

ويا طيب : فالحديث يبين بعض من هم أفضل الخلق ، وإن الأئمة المعصومين من ذرية الحسين عليهم السلام فهم كالسبعة في الفضل، وإن فاطمة الزهراء عليها السلام سيدة نساء العالمين في الدنيا والآخرة ، وأنها والأئمة من الأنوار المخلوقة الأولى قبل الدنيا ، وإنما أختصر الحديث أفضل الخلق بالسبعة لأنه يريد الله ورسوله أن يبين للمسلمين ما يعرفون من بني هاشم في زمانهم ، وذكر القائم لأنه مما يؤمن به كل المسلمون وكل الأديان ، بأنه لابد من أن يتم الله دينه ويورث الأرض لخير خلقه ، وأنه يأتي زمان يعبد الله كل أهل الأرض ، وهذا لابد فيه أن يبين مصلح آخر الزمان .

ويا طيب : إن ذكر جعفر بن أبي طالب بهذه الصفة : الطَّيَّارُ فِي الْجَنَّةِ يَطِيرُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ حَيْثُ يَشَاءُ. جاء في كثير من الأحاديث، ومعناه حكاه النبي الأكر صلى الله عليه وآله وسلم بينه بعدة ألفاظ تعطي نفس المعنى ، وهذا أحدها ومر وسيأتي الكثير منها ، بحيث نعرف منزلة وشأن جعفر بن أبي طالب عليه السلام الرفيع ، وأنه من أفضل خلق الله وأكرمهم ، وأنه له منزلة عالية في الجنة ، وسنجمعها إن شاء الله في موضوع مختصر فتابع .

جعفر من خير الخلق والشهداء:

يا طيب : هذا المعنى للرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله ، يعرفنا فيها خير الخلق وهم سبعة من عبد المطلب كما عرفت ، ويرويها أمير المؤمنين بعد معركة صاحبة الجمل ، وبأسلوبه الجميل فلنذكرها :

ذكر الكليني بسنده :‏ عن أصبغ بن نباتة الحنظلي قال:

 رأيت أمير المؤمنين عليه السلام : يوم افتتح البصرة و ركب بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال :

أَيُّهَا النَّاسُ : أَ لَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الْخَلْقِ يَوْمَ يَجْمَعُهُمُ اللَّهُ ؟

 فقام إليه أبو أيوب الأنصاري فقال : بلى يا أمير المؤمنين ، حدثنا فإنك كنت تشهد و نغيب .

فَقَالَ عليه السلام : إِنَّ خَيْرَ الْخَلْقِ يَوْمَ يَجْمَعُهُمُ اللَّهُ سَبْعَةٌ مِنْ وُلْدِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، لا ينكر فضلهم إلا كافر ، و لا يجحد به إلا جاحد.

 فقام عمار بن ياسر رحمه الله فقال : يا أمير المؤمنين سمهم لنا لنعرفهم.

 فَقَالَ عليه السلام : إِنَّ خَيْرَ الْخَلْقِ يَوْمَ يَجْمَعُهُمُ اللَّهُ الرُّسُلُ ، وَ إِنَّ أَفْضَلَ‏ الرُّسُلِ‏ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وآله وسلم .

وَ إِنَّ أَفْضَلَ : كُلِّ أُمَّةٍ بَعْدَ نَبِيِّهَا وَصِيُّ نَبِيِّهَا ، حَتَّى يُدْرِكَهُ نَبِيٌّ ، أَلَا وَ إِنَّ أَفْضَلَ الْأَوْصِيَاءِ وَصِيُّ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ وَ آلِهِ السَّلَامُ .

أَلَا وَ إِنَّ أَفْضَلَ : الْخَلْقِ بَعْدَ الْأَوْصِيَاءِ الشُّهَدَاءُ.

أَلَا وَ إِنَّ أَفْضَلَ الشُّهَدَاءِ :

حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ

وَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ:

لَهُ جَنَاحَانِ خَضِيبَانِ يَطِيرُ بِهِمَا فِي الْجَنَّةِ

 لَمْ يُنْحَلْ أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ جَنَاحَانِ غَيْرُهُ

 شَيْ‏ءٌ كَرَّمَ اللَّهُ بِهِ مُحَمَّداً صلى الله عليه وآله وَ شَرَّفَهُ.

وَ السِّبْطَانِ : الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ .

وَ الْمَهْدِيُّ : يَجْعَلُهُ اللَّهُ مَنْ شَاءَ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ .

ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: { وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ عَلِيمًا (70) } النساء.

الكافي ج1ص450ب111ح34. تفسير فرات الكوفي ص111ح113، في أوله وصف قسما من حرب الجمل ، ثم قال ثم مضى و مضينا معه حتى انتهينا إلى العسكر فقام إليه ناس من أصحاب النبي منهم أبو أيوب الأنصاري و قيس بن سعد و عمار بن ياسر و زيد بن حارثة و أبو ليلى ، فقال : أ لا أخبركم بسبعة من أفضل الخلق يوم يجمعهم الله تعالى ، ..... وفي آخره قال : أبشروا ثلاثا ، ثم ذكر الآيتين ، ومعنى جناحان خضيبان : الخِضَابُ: الاسم، و كل شي‏ء غير لونه بحمرة كالدم و نحوه ، فهو مَخْضُوبٌ. وقريبا من ألفاظ الحديث في دلائل الإمامة ص479.

 

جعفر خليل رسول الله وأخيه:

يا طيب : هذا حديث كريم في أجمل أخلاق المؤمنين وأعلاها وأكرمها ، ويبين سخاء جعفر وكرمه ومعرفته بأخلق الإسلام بقمة المعرفة ، بل ويطبقها علما وعملا وصفاتا بأحسن صورة ممكنة.

 وفضلا عن هذا : وأهم منه أنه يذكر في هذا الحديث ، أن جعفرا خليل رسول الله ، والخلة هي أعلى منزلة في الصحبة والمحبة والمودة بين الأفراد .

روى البرقي بسنده : عن داود بن عبد الله بن محمد الجعفري‏ عن أبيه‏ : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، كان في بعض مغازيه .

فمر به : ركب و هو يصلي ، فوقفوا على أصحاب رسول الله ، فسألوهم عن رسول الله ، و دعوا و أثنوا .

و قالوا : لو لا أنا عجال ، لانتظرنا رسول الله ، فأقرأوه السلام و مضوا .

فانفتل النبي : مغضبا ، ثم قال لهم : يَقِفُ عَلَيْكُمُ الرَّكْبُ يَسْأَلُونَكُمْ عَنِّي، وَ يُبْلِغُونَنِي السَّلَامَ ، وَ لَا تَعْرِضُونَ عَلَيْهِمُ الْغَدَاءَ .

يَعِزُّ عَلَى قَوْمٍ : فِيهِمْ خَلِيلِي جَعْفَرٌ .

 أَنْ يَجُوزُوهُ : حَتَّى يَتَغَدَّوْا عِنْدَهُ‏ .

المحاسن ج2ص417ب22ح178.

و خَليل: اسم ، الجمع : أخِلاّء و خُلاّن ، المؤنث : خليلة ، و الجمع للمؤنث : خليلات و خلائلُ ، والخليل: الصديق الخالص، وصفيّ خالص المحبَّة ، الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ .

وخليلُ الله و خليلُ الرَّحمن: سيدنا إبراهيم عليه السلام ، وخليل سيد المرسلين جعفر بن أبي طالب ، والخليل : وَلِيّ .

الخُلَّةُ :الصداقةُ والمحبَّة التي تخلَّلت القلب فصارت خلاله، أي في باطنه ،صَادِقَةٌ : إِخَاءٌ، مَودَّةٌ، مُصَادَقَةٌ .

 

ويا طيب : ستأتي أحاديث كان النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وينادي جعفر بأخي ، وهي أحاديث كثيرة ومنها :

قال ابن سعد : أخبرنا وهب بن جرير قال : حدثنا أبي قال : سمعت محمد بن أبي يعقوب يحدث عن الحسن بن سعد ، عن عبد الله بن جعفر قال : بعد أن ذكر شهادة قادة مؤتة ....

 ثم أمهل : ( رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ) آل جعفر ثلاثا أن يأتيهم ، ثم أتاهم .

 فقال : لا تبكوا على أخي بعد اليوم .

 ثم قال : ائتوني ببني أخي .

الطبقات الكبرى ج ٤ص27 رقم345.

وهذه أخوة : النبي الأكرم لجعفر كما كان ينادي علي ابن أبي طالب أخي ، وقد آخى النبي بينه وبين علي بن أبي طالب في يوم المؤاخاة في المدينة المنورة حين آخى بين المسلمين ، راجع صحيفة الإمام علي عليه السلام موضوع الأخوة ومعناه والزمان الذي آخى النبي بين المسلمين ، وجعفر كان في الحبشة.

جعفر من أهل البيت :

يا طيب : في هذا الحديث عن سعد بن قيس بن عبادة سيد الأنصار في زمانه ، ويبين فيه لمعاوية كثير من فضائل الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ، فقر بها ولم يكذبها مع عدائه له ، وذكر له قيس أن جعفر بن أبي طالب الطيار وحمزة سيد الشهداء أنهم من أهل البيت فلم يكذبه ولم يعترض عليه ، وهذا المعنى يعد من فضائل ومناقب جعفر الطيار عليه السلام ، فتدبر :

عن أبان عن سليم: وعمر بن أبي سلمة حديثهما واحد هذا و ذلك ، قالا: في حديث قيس بن سعد بن عبادة ، يخاطب معاوية لما قدم المدينة بعد صلح الإمام الحسن عليه السلام ، في حديث طويل يذكر فيه فضائل علي بن أبي طالب عليه السلام، وذلك لما أستفزه معاوية ، إلى أن قال : .......

فجمع رسول الله : جميع بني عبد المطلب ، و هم يومئذ أربعون رجلا فدعاهم رسول الله، و خادمه يومئذ علي ، و رسول الله [يومئذ في حجر عمه أبي طالب ، فقال : أيكم ينتدب أن يكون أخي و وزيري و وارثي‏ و خليفتي في أمتي ، و ولي كل مؤمن بعدي؟

 فسكت القوم : حتى أعادها رسول الله ثلاث مرات ، فقال: علي أنا يا رسول الله صلى الله عليك ، فوضع رسول الله رأس علي في حجره و تفل في فيه‏ ، و قال: اللهم املأ جوفه علما و فهما و حكما ، ثم قال لأبي طالب‏ : يا أبا طالب اسمع الآن لابنك علي و أطع ، فقد جعله الله من نبيه بمنزلة هارون من موسى .

و آخَى بَيْنَ النَّاسِ‏ : وَ آخَى بَيْنَ عَلِيٍّ وَ بَيْنَ نَفْسِهِ ؟

فلم يدع قيس بن سعد : شيئا من مناقبه إلا ذكرها و احتج بها .

وَ قَالَ : مِنْهُمْ أَهْلَ‏ الْبَيْتِ .

جَعْفَرُ بْنُ‏ أَبِي‏ طَالِبٍ‏ :

الطَّيَّارُ فِي الْجَنَّةِ بِجَنَاحَيْنِ‏

أخْتَصَّهُ اللَّهُ بِذَلِكَ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ .

 وَ مِنْهُمْ : حَمْزَةُ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ ، وَ مِنْهُمْ : فَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ‏.

فإذا وضعت : من قريش رسول الله ، و أهل بيته و عترته الطيبين‏ .

فنحن و الله : خير منكم ، يا معشر قريش، و أحب إلى الله و رسوله ، و إلى أهل بيته ، منكم ، لقد قبض رسول الله ......

كتاب سليم بن قيس الهلالي ج2ص777ح26.

 

جعفر شبيه النبي ومن شجرته :

يا طيب : ذكر كثير من الرواة أن جعفر بن أبي طالب عليه السلام كان شبيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خُلقا وخَلقا ، وهذا وصف عظيم كريم جميل في الصفات الشخصية ، وإن رسول الله فضلا عن جماله الذي يرتاح له ويفرح كل طيب كما وصفوه ، فإن خُلقه القرآن وقد قال الله له : { وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) } القلم ، وهذا هو خلق جعفر بن أبي طالب الطيار عليه السلام ، وأما أنهما من شجرة واحدة فتؤكده الروايات السابقة وأن جعفر كما عرفت من أهل البيت عليهم السلام ، وأما الحديث أنه يشبه رسول الله خلقا وخلقا ، فرواه الكثير من العامة والخاصة ، ومنها ما رواه :

 بن حيون النعمان المغربي : عن محمد بن الحسين الأشناني، عن محمد بن عبيد المحاربي، عن علي بن غراب، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام، قال:

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لجعفر:

أنتَ أَشْبَهْتَ‏ خَلْقِي‏ وَ خُلُقِي.

تخريج شرح الأخبار ج3ص548ح1-1136.

وعنه : عن محمد بن الحسين الأشناني، عن جعفر بن محمد الرماني، عن محمد بن جبلة، عن محمد بن بكر، عن أبي الجارود، عن عبد اللّه بن‏ معاوية بن عبد اللّه بن جعفر، عن أبيه، عن جده، قال:

خرج : رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و هو يقول:

خلق الناس من أشجار شتى

و أنا و جعفر من شجرة واحدة.

شرح الأخبار ج3ص548ح1 - 1136.

و عن سلمة بن شيش بإسناده، عن جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال: سمعت أبي يقول: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

خلق الناس : بأشجار شتى

و خلقت أنا و جعفر من طينة واحدة.

و أنا و آل عبد المطلب : من شجرة واحدة.

و أنا و جعفر :

من غصن من أغصانها ، فأشبه خَلقي خَلقه ، و خُلقه خُلقي .

تخريج أحاديث شرح الأخبار ج3ص205ح1136.

 

في كتاب ربيع الأبرار للزمخشري:

عند ما كان يمرّ جعفر : على جماعة ، يتصورون أنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و يقولون له: السلام عليك يا رسول اللّه.

فكان جعفر يقول: أنا جعفر و لست رسولا.

 حياة القلوب ج2ص128، و ذخائر العقبى ص 215.

 

وقال أبن الأثير : أخبرنا يحيى بن محمود بن سعد، إجازة بإسناده إلى أبي بكر أحمد بن عمرو بن الضحاك، قال: حدثنا محرز بن سلمة، أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد ومحمد بن نافع بن عجير، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب:

أن النبي قال:

وَأَمَّا أَنْتَ يَا جَعْفَرُ

فَأَشْبَهْتُ خَلْقِي وَخُلُقِي

وَأَنْتَ مِنْ عِتْرَتِي الَّتِي أَنَا مِنْهَا، وفي الحديث قصة.

كتاب أسد الغابة ج2ص541ر759.

 

يا طيب : وقصة الحديث كاملة : أنه في شهر ذي القعدة من العام السادس للهجرة (مارس 627م) خرج النبي صلى الله عليه وآله وكثير من المسلمون يقدرون ألف وسبعمائة لعمرة الحج فصدتهم قريش بصلح الحديبية على أن تكون العمرة في السنة الآتية ، وفي سنة سبعة من الهجرة في ذي القعدة أعتمر النبي الأكرم والمسلمون ، وبعد ثلاثة أيام خرج النبي من مكة ، فالتحقت بهم ابنة حمزة ، فحب كل من علي وزيد وجعفر بأن تلتحق بهم ويربوها ، فخصها النبي بجعفر لأن خالتها ابنة عميس كانت عنده فربتها ، وقال النبي لجعفر أشبهت خلقي وخلقي ، والقصة الكاملة مختصر في هذا الحديث :

وروى المجلسي في البحار : و روى ابن الأثير في جامع الأصول، عن البخاري و مسلم بسنديهما عن البراء بن عازب قال: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، في ذي القعدة ، فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة ، حتى قاضاهم على أن يدخل من العام المقبل يقيم فيها ثلاثة أيام ، فلما كتبوا الكتاب، كتبوا هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله ، قالوا : لا نقر بها ، فلو نعلم أنك رسول الله ما منعناك ، و لكن أنت محمد بن عبد الله .

فقال : أنا رسول الله ، و أنا محمد بن عبد الله ، ثم قال لعلي بن أبي طالب : امح رسول الله. قال: لا و الله لا أمحوك أبدا ، فأخذ رسول الله و ليس يحسن يكتب ، فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله لا يدخل مكة السلاح إلا السيف في القراب ، و أن لا يخرج من أهلها بأحد إن أراد أن يتبعه ، و أن لا يمنع من أصحابه أحدا إن أراد أن يقيم بها .

 فَلَمَّا دَخَلَهَا : و مضى الأجل ، أتوا عليا ، فقالوا : قل لصاحبك اخرج عنا فقد مضى الأجل .

فَخَرَجَ النَّبِيُّ : فَتَبِعَتْهُ ابْنَةُ حَمْزَةَ ، تُنَادِي يَا عَمِّ يَا عَمِّ .

فَتَنَاوَلَهَا عَلِيٌّ " فَأَخَذَ بِيَدِهَا ، وَ قَالَ لِفَاطِمَةَ عليها السلا ، دُونَكَ بِنْتُ عَمِّكَ ، فَحَمَلَتْهَا .

فَاخْتَصَمَ فِيهَا : عَلِيٌّ وَ زَيْدٌ وَ جَعْفَرٌ.

 قَالَ عَلِيٌّ : أَنَا أَخَذْتُهَا ، وقَالَ الْحُمَيْدِيُّ : أَنَا أَحَقُّ بِهَا وَ هِيَ بِنْتُ عَمِّي.

 وَ قَالَ جَعْفَرٌ : بِنْتُ عَمِّي وَ خَالَتُهَا فِي بَيْتِي تَحْتِي .

وَ قَالَ زَيْدٌ : بِنْتُ أَخِي؟

 فَقَضَى بِهَا النَّبِيُّ : لِخَالَتِهَا ، وَ قَالَ : الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ .

وَ قَالَ لِعَلِيٍّ : أَنْتَ مِنِّي وَ أَنَا مِنْكَ .

وَ قَالَ لِجَعْفَرٍ : أَشْبَهْتَ‏ خَلْقِي‏ وَ خُلُقِي .

وَ قَالَ لِزَيْدٍ : َنْتَ أَخُونَا وَ مَوْلَانَا.

بحار الأنوار ج38ص328ب67ح39.

ويا طيب : ممن أشبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الإمام الحسن المجتبى بن علي بن أبي طالب عليهم السلام ، ذكر بن شهر آشوب : روى البخاري و الموصلي ، و أبو السعادات ، و السمعاني :

قال إسماعيل بن خالد لأبي جحيفة:

رَأَيْتَ : رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَ كَانَ الْحَسَنُ يُشْبِهُهُ.

وعن أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: دَخَلَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَ هُوَ مُغْتَمٌّ ، فَظَنَنْتُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بُعِثَ.

وعن الْغَزَالِيُّ وَ الْمَكِّيُّ فِي‏ الْإِحْيَاءِ وَ قُوتِ الْقُلُوبِ:‏

 قَالَ النَّبِيُّ لِلْحَسَنِ : أَشْبَهْتَ‏ خَلْقِي‏ وَ خُلُقِي.

وقال ابن حماد رحمه الله :

إمام ابن الإمام أخو إمام
تخطفه الردى و إليه أما
شبيه محمد خلقا و خلقا
و حيدرة الرضي فهما و علما

مناقب آل أبي طالب عليهم السلام لابن شهرآشوب ج4ص20.

 

ويا طيب : ممن شبه رسول الله خلقا وخلقا علي الأكبر بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام :

وذكر المجلسي في حديث المقتل : قالوا ثم تقدم علي بن الحسين عليه السلام ، و قال محمد بن أبي طالب و أبو الفرج و أمه ليلى بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفي ، و هو يومئذ ابن ثماني عشرة سنة ، و قال ابن شهرآشوب و يقال ابن خمس و عشرين سنة .

قالوا و رفع الحسين سبابته نحو السماء و قال عليه السلام :

اللَّهُمَّ " اشْهَدْ عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ ، فَقَدْ بَرَزَ إِلَيْهِمْ غُلَامٌ :

أَشْبَهُ النَّاسِ خَلْقاً وَ خُلُقاً وَ مَنْطِقاً بِرَسُولِكَ

كُنَّاإِذَااشْتَقْنَا: إِلَى نَبِيِّكَ ، نَظَرْنَا إِلَى وَجْهِهِ .

اللَّهُمَّ : امْنَعْهُمْ بَرَكَاتِ الْأَرْضِ ، وَ فَرِّقْهُمْ تَفْرِيقاً ، وَ مَزِّقْهُمْ تَمْزِيقاً ، وَ اجْعَلْهُمْ طَرَائِقَ قِدَداً ، وَ لَا تُرْضِ الْوُلَاةَ عَنْهُمْ أَبَداً ، فَإِنَّهُمْ دَعَوْنَا لِيَنْصُرُونَا ثُمَّ عَدَوْا عَلَيْنَا يُقَاتِلُونَنَا.

ثُمَّ صَاحَ الْحُسَيْنُ عليه السلام : بِعُمَرَ بْنِ سَعْدٍ ، مَا لَكَ قَطَعَ اللَّهُ رَحِمَكَ ، وَ لَا بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَمْرِكَ ، وَ سَلَّطَ عَلَيْكَ مَنْ يَذْبَحُكَ بَعْدِي عَلَى فِرَاشِكَ .

كَمَا قَطَعْتَ رَحِمِي ، وَ لَمْ تَحْفَظْ قَرَابَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ .

ثُمَّ رَفَعَ الْحُسَيْنُ عليه السلام صَوْتَهُ وَ تَلَا: { إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34) ‏} آل عمران.

ثم حمل علي بن الحسين على القوم و هو يقول‏ ...... ويا طيب راجع تمام حياة علي الأكبر عليه السلام في صحيفته من موسوعة صحف الطيبين .

بحار الأنوار ج45ص42بقية الباب 37 ، مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 109، مقاتل الطالبيين ص 55 و 56.

جعفر من خير الناس :

وذكر بن جرير الطبري الآملي : حدثنا أبو حفص عمر بن علي بن يحيى، قال: حدثنا قيس بن حفص، قال: حدثنا يونس‏ ، عن علي بن حزور ، عن الأصبغ بن نباتة، عن علي عليه السلام قال:

إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ : فَخَيْرُ النَّاسِ سَبْعَةٌ ، كُلُّهُمْ مِنْ وُلْدِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.

 يُدْعَى نَبِيُّكُمْ : خير الأنبياء من ولد عبد المطلب.

وَ وَصِيُّ نَبِيِّكُمْ : سيد الأوصياء ، من ولد عبد المطلب.

وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ : سيدا شباب أهل الجنة، من ولد عبد المطلب.

وَ حَمْزَةُ : سيد الشهداء من ولد عبد المطلب.

وَ جَعْفَرٌ :

 ذُو الْجَنَاحَيْنِ مِنْ وُلْدِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.

وَ الْمَهْدِيُّ : الذي يخرج في آخر الزمان من ولد عبد المطلب.

نِحْلَةً مِنَ اللَّهِ : لَمْ يُعْطِ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ مِثْلَهَا.

المسترشد في إمامة علي بن أبي طالب عليه السلام ص611ح278.

 

و وذكر بن جرير الطبري الآملي : و روى يحيى بن عبد الحميد، قال: حدثنا قيس بن الربيع، عن الأعمش عن عباية الأسدي، عن أبي أيوب الأنصاري:

 أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لِفَاطِمَةَ : إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ أُعْطِينَا سَبْعَ خِصَالٍ ، لَمْ يُعْطِهَا أَحَداً مِنَ الْأَوَّلِينَ قَبْلَنَا ، وَ لَا يُدْرِكُهَا أَحَدٌ مِنَ الْآخِرِينَ غَيْرُنَا.

نَبِيُّنَا : خَيْرُ الْأَنْبِيَاءِ وَ هُوَ أَبُوكِ.

 وَ وَصِيُّنَا : خَيْرُ الْأَوْصِيَاءِ وَ هُوَ بَعْلُكِ.

 وَ شَهِيدُنَا : خَيْرُ الشُّهَدَاءِ وَ هُوَ حَمْزَةُ عَمُّكِ.

وَ مَنْ لَهُ جَنَاحَانِ : يَطِيرُ بِهِمَا فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ يَشَاءُ

وَ هُوَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ابْنُ عَمِّكِ.

 وَ مِنَّا سِبْطَا : هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَ مَهْدِيُّهُمْ وُلْدُكِ‏ .

المسترشد في إمامة علي بن أبي طالب عليه السلام ص613ح279.

 

وقال الشيخ المفيد : وجدت في كتاب أبي جعفر محمد بن العباس الرازي ، حدثنا محمد بن خالد قال حدثنا إبراهيم بن عبد الله قال حدثنا محمد بن سليمان الديلمي عن جابر بن يزيد الجعفي عن عدي بن حكيم عن عبد الله بن العباس.

قال: لنا أهل البيت سبع خصال ، ما منهن خصلة في الناس ، منا النبي ، و منا الوصي خير هذه الأمة بعده علي بن أبي طالب ، و منا حمزة أسد الله و أسد رسوله و سيد الشهداء .

وَ مِنَّا جَعْفَرُ بْنُ‏ أَبِي‏ طَالِبٍ‏ :

الْمُزَيَّنُ بِالْجَنَاحَيْنِ يَطِيرُ بِهِمَا فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ يَشَاءُ .

و منا سبطا هذه الأمة : و سيدا شباب أهل الجنة الحسن و الحسين ، و منا قائم آل محمد الذي أكرم الله به نبيه و منا المنصور.

الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ج1ص37.

البشارة لجعفر بالجنة :

 حدث بن حيون النعمان المغربي : بإسناده، عن الإمام علي عليه السّلام أنه قال: صلّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله صلاة الفجر، ثم التفت إلينا، فنظر مليا، ثم سجد ست سجدات.

فقال له العباس: يا رسول اللّه، ما هذا السجود؟

فقال: هبط عليّ جبرائيل فقال:

إنك : يا محمّد في الجنة، فسجدت.

 ثم بشّرني : أن عليا في الجنة، فسجدت.

ثم بشرني : أن فاطمة في الجنة، فسجدت.

ثم بشرني : أن الحسن و الحسين في الجنة و أنهما سيدا شبابها، فسجدت.

ثم بشرني : أن عمي حمزة في الجنة، فسجدت.

ثم بشرني : أن ابن عمي جعفر في الجنة

يطير فيها بجناحين، فسجدت.

قال: فكان العباس بعد ذلك يقول: منا سبعة ليس في الناس مثلهم.

 منا : رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و علي و فاطمة و الحسن و الحسين و حمزة و جعفر ذو الجناحين، و ليس من هذه الأمة أحد يعدلهم، فمن ناصبنا حربا أو جحدنا حقنا فقد حارب اللّه و رسوله و جحد ما أنزل اللّه عزّ و جلّ على نبيه صلّى اللّه عليه و آله.

شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار عليهم السلام ج2ص508ح899.




آيات وروايات مصداقها جعفر

 

جعفر أختاره الله :

يا طيب : سترى في صلاة جعفر وإسلامه أن إسلامه بعد إسلام الإمام علي عليه السلام وخديجة ، وأنه صلى مع النبي الأكرم وأخيه صلى الله عليهم وآلهم وسلم أول صلاة جماعة في الإسلام ، وكما وسترى أنه أول المهاجرين والمجاهدين ومن أكرم الشهداء ، وأما بيان فضله كما عرفت أعلاه ، فهو مصداق تام للسابقين للإسلام في الحديث وأنه ممن أختاره الله من أكرم خلقه بعد النبي وعلي ثم حمزة في الآتي :

ذكر علي بن إبراهيم القمي في تفسيره : أخبرنا الحسن بن علي عن أبيه عن الحسن بن سعيد عن الحسين بن علوان الكلبي عن علي بن الحسين العبدي عن أبي هارون العبدي عن ربيعة السعدي عن‏ حذيفة بن اليمان‏ :

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ : أرسل إلى بلال فأمره فنادى بالصلاة قبل وقت كل يوم ، في رجب لثلاثة عشر خلت منه، قال: فلما نادى بلال بالصلاة ، فزع الناس من ذلك فزعا شديدا، و ذعروا و قالوا رسول الله بين أظهرنا لم يغب عنا و لم يمت، فاجتمعوا و حشدوا.

فأقبل رسول الله : يمشي حتى انتهى إلى باب من أبواب المسجد فأخذ بعضادته، في المسجد مكان يسمى السدة ، فسلم ثم قال: هل تسمعون : يا أهل السدة ؟ فقالوا : سمعنا و أطعنا .

فَقَالَ : هَلْ تُبَلِّغُونَ ؟ قالوا: ضمنا ذلك لك يا رسول الله.

 قال : أخبركم أن الله خلق الخلق قسمين ، فجعلني في خيرهما قسما، و ذلك قوله‏ : { أَصْحابُ الْيَمِينِ‏ (27)} الواقعة و { أَصْحابُ الشِّمالِ‏ (41)} الواقعة ، فأنا من أصحاب اليمين و أنا خير أصحاب اليمين .

ثم جعل القسمين : أثلاثا ، فجعلني في خيرها أثلاثا ، و ذلك قوله: { فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) } الواقعة، فأنا من السابقين و أنا خير السابقين.

ثم جعل الأثلاث قبائل : فجعلني في خيرها قبيلة ، و ذلك قوله: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ( 13) } الحجرات، فقبيلتي خير القبائل .

وَ أَنَا سَيِّدُ وُلْدِ آدَمَ : وَ أَكْرَمُكُمْ عَلَى اللَّهِ وَ لَا فَخْرَ.

 ثم جعل القبائل بيوتا : فجعلني في خيرها بيتا ، و ذلك قوله : { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) }الأحزاب .

أَلَا وَ إِنَّ إِلَهِي : اخْتَارَنِي فِي ثَلَاثَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي ، وَ أَنَا سَيِّدُ الثَّلَاثَةِ ، وَ أَتْقَاهُمْ لِلَّهِ وَ لَا فَخْرَ.

اخْتَارَنِي : وَ عَلِيّاً ، وَ جَعْفَراً ابْنَيْ أَبِي طَالِبٍ ، وَ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ .

كُنَّا رُقُوداً بِالْأَبْطَحِ : ليس منا إلا مسجى بثوبه على وجهه .

عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَنْ يَمِينِي.

وَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَنْ يَسَارِي.

وَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عِنْدَ رِجْلِي.

فَمَا نَبَّهَنِي : عَنْ رَقْدَتِي ، غير خفيق أجنحة الملائكة ، و برد ذراع علي بن أبي طالب في صدري ، فانتبهت من رقدتي و جبرئيل في ثلاثة أملاك.

 يقول له أحد الأملاك الثلاثة : إلى أي هؤلاء الأربعة أرسلت، فرفسني برجله ، فقال : إلى هذا.

 قَالَ: وَ مَنْ هَذَا يَسْتَفْهِمُهُ ؟

فَقَالَ : هَذَا مُحَمَّدٌ سَيِّدُ النَّبِيِّينَ.

وَ هَذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ سَيِّدُ الْوَصِيِّينَ.

وَ هَذَا جَعْفَرُ بْنُ‏ أَبِي‏ طَالِبٍ‏ لَهُ جَنَاحَانِ خَضِيبَانِ ، يَطِيرُ بِهِمَا فِي الْجَنَّةِ.

 وَ هَذَا حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ سَيِّدُ الشُّهَدَاء .

تفسير القمي ج2ص346. وأورد تفسير فرات الكوفي ص340ح465 قسمه الأخير لآية التطهير فما بعدها عن بن عباس رحمه الله. والأمالي للطوسي ص723م43ح1523- 7.

 

وذكر الصدوق : في احتجاج أمير المؤمنين ص بمثل هذه الخصال على الناس يوم الشورى‏ ، بسنده : عن عامر بن واثلة قال: كنت في البيت يوم الشورى فسمعت عليا عليه السلام و هو يقول : استخلف الناس أبا بكر و أنا و الله أحق بالأمر و أولى به منه ، و استخلف أبو بكر عمر و أنا و الله أحق بالأمر و أولى به منه ، إلا أن عمر جعلني مع خمسة نفر أنا سادسهم لا يعرف لهم علي فضل و لو أشاء لاحتججت عليهم بما لا يستطيع عربيهم و لا عجميهم المعاهد منهم و المشرك تغيير ذلك‏.

 ثم قال : نشدتكم بالله أيها النفر هل فيكم أحد وحد الله قبلي ؟ قالوا : اللهم لا. قال : نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِن‏ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي غَيْرِي . قالوا : اللهم لا .... وذكر خصال كثيرة ثم قال :

 نشدتكم بالله : هل سمعتم رسول الله يقول " كل سبب و نسب منقطع يوم القيامة إلا سببي و نسبي فأي سبب أفضل من سببي و أي نسب أفضل من نسبي ، إن أبي و أبا رسول الله لأخوين ، و إن الحسن و الحسين ابني رسول الله و سيدي شباب أهل الجنة أبناي ، و فاطمة بنت رسول الله ص زوجتي سيدة نساء أهل الجنة غيري؟ قالوا : اللهم لا .

قَالَ نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ : هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ فَفَرَّقَهُمْ فِرْقَتَيْنِ فَجَعَلَنِي مِنْ خَيْرِ الْفِرْقَتَيْنِ ، ثُمَّ جَعَلَهُمْ شُعُوباً فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِ شُعْبَةٍ ، ثُمَّ جَعَلَهُمْ قَبَائِلَ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِ قَبِيلَةٍ ، ثُمَّ جَعَلَهُمْ بُيُوتاً فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِ بَيْتٍ .

ثُمَّ اخْتَارَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي " أَنَا وَ عَلِيّاً وَ جَعْفَراً .

فَجَعَلَنِي : خَيْرَهُمْ فَكُنْتُ نَائِماً بَيْنَ ابْنَي أَبِي طَالِبٍ .

 فَجَاءَ جَبْرَئِيلُ : وَ مَعَهُ مَلَكٌ. فَقَالَ : يَا جَبْرَئِيلُ إِلَى أَيِّ هَؤُلَاءِ أُرْسِلْتَ ؟ فَقَالَ : إِلَى هَذَا ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَأَجْلَسَنِي غَيْرِي ؟ قَالُوا اللَّهُمَّ لَا . ... وذكر فضائل أخرى فراجع الحديث كامله في المصدر .

الخصال ج2ص553ح31.

جعفر من المصطفين :

في تفسير فرات الكوفي : في تفسير قوله تعالى : { إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34)} آل عمران ، عن أبي مسلم الخولاني قال:

دَخَلَ النَّبِيُّ : عَلَى فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ ، و عائشة و هما يفتخران ، و قد أحمرت وجوههما ، فسألهما عن خبرهما، فأخبرتاه .

فقال النبي : يا عائشة ، أ وَ مَا عَلِمْتِ أَنَّ اللَّهَ‏ أصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ‏ وَ عَلِيّاً وَ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ .

وَ حَمْزَةَ وَ جَعْفَرَ : وَ فَاطِمَةَ وَ خَدِيجَةَ عَلَى الْعالَمِينَ‏.

تفسير فرات الكوفي ص80ح56.

 

جعفر من أفضل المنعم عليهم :

عن فرات بسنده : عن الأصبغ‏ بن نباتة قال: قال لي إن‏ علي بن أبي طالب عليه السلام، إني أريد أن أذكر حديثا ، فقال عمار بن ياسر فاذكره ، قال إني أريد أن أذكر حديثا، قال أبو أيوب الأنصاري قلت‏ فما يمنعك يا أمير المؤمنين أن تذكره ، فقال ما قلت هذا إلا و أنا أريد أن أذكره .

ثم قال : إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ ، كَانَ أَفْضَلُهُمْ سَبْعَةً مِنَّا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ .

الْأَنْبِيَاءُ : أَكْرَمُ خَلْقِ اللَّهِ عَلَى اللَّهِ‏، وَ نَبِيُّنَا أَفْضَلُ أَكْرَمُ‏ الْأَنْبِيَاءِ .

ثُمَّ الْأَوْصِيَاءُ : أَفْضَلُ الْأُمَمِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ ، وَ وَصِيُّهُ أَفْضَلُ الْأَوْصِيَاءِ .

ثُمَّ الشُّهَدَاءُ : أَفْضَلُ الْأُمَمِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ وَ الْأَوْصِيَاءِ .

وَ حَمْزَةُ : سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ .

وَ جَعْفَرٌ : ذُو الْجَنَاحَيْنِ يَطِيرُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ ، لَمْ يُنْحَلْهُ شَهِيدٌ قَطُّ قَبْلَهُ.

 وَ إِنَّمَا ذَلِكَ : شَيْ‏ءٌ أَكْرَمَ اللَّهُ بِهِ وَجْهَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم .

ثم قال: { وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ عَلِيمًا (70) }النساء .

ثُمَّ وَ السِّبْطَانِ : حَسَناً وَ حُسَيْناً ، وَ الْمَهْدِيُّ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ وَ التَّحِيَّةُ وَ الْإِكْرَامُ‏ ، جَعَلَهُمُ‏ اللَّهُ مِمَّنْ يَشَاءُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ .

تفسير فرات الكوفي ص113ح114 .

 

جعفر من الطينة المرحومة :

ذكر الصدوق :بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم ، و هو آخذ بيد علي بن أبي طالب عليه السلام و هو يقول :

يا معشر الأنصار : يا معشر بني هاشم ، يا معشر بني عبد المطلب .

أَنَا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ : أَلَا إِنِّي خُلِقْتُ مِنْ طِينَةٍ مَرْحُومَةٍ .

فِي أَرْبَعَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي : أَنَا وَ عَلِيٌّ وَ حَمْزَةُ وَ جَعْفَرٌ .

فقال قائل : يا رسول الله هؤلاء معك ركبان يوم القيامة .

فقال : ثكلتك أمك إنه لن يركب يومئذ إلا أربعة أنا و علي و فاطمة و صالح نبي الله .

فأما أنا : فعلى البراق ، و أما فاطمة ابنتي فعلى ناقتي العضباء ، و أما صالح فعلى ناقة الله التي عقرت ، و أما علي فعلى ناقة من نوق الجنة من نور ، زمامها من ياقوت ، عليه حلتان خضراوان ، فيقف بين الجنة و النار ، و قد ألجم الناس العرق يومئذ ، فتهب ريح من قبل العرش فتنشف عنهم عرقهم .

فيقول : الملائكة المقربون و الأنبياء و الصديقون ، ما هذا إلا ملك مقرب أو نبي مرسل ، فينادي مناد من قبل العرش ، معشر الخلائق إن هذا ليس بملك مقرب و لا نبي مرسل و لكنه علي بن أبي طالب أخو رسول الله في الدنيا و الآخرة.

الأمالي للصدوق ص206م37ح7، والخصال ج1ص204ح20.

ويا طيب : توجد روايات كثيرة تبين أن من يحب آل البيت ويقتدي بهم ويتخذهم أئمة ويطيعهم فهو مخلوق من فاضل الطينة المرحومة.

جعفر المؤمن المهاجر المجاهد :

عن الكليني بسنده عن أبي بصير عن أحدهما الباقر أو الصادق عليهم السلام :‏ في قول الله عز و جل : { أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ (29) }التوبة ، نَزَلَتْ فِي حَمْزَةَ وَ عَلِيٍّ وَ جَعْفَرٍ ، و العباس و شيبة ، إنهم فخروا بالسقاية و الحجابة ، فأنزل الله جل و عز :{ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ (29) }التوبة .

 وَ كَانَ عَلِيٌّ وَ حَمْزَةُ وَ جَعْفَرٌ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمُ : الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ جَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ‏ .

الكافي ج8ص203ح245.

يا طيب : تمام الآية وما بعدها في قوله تعالى : { أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19) الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (20) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ (21) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (22)} التوبة .

ويا طيب : قد شرحنا تفسير الآية وسبب نزولها في صحيفة تبليغ سورة براءة للإمام علي عليه السلام ، وإنها نزلت فيه خاصة وفيمن حاجه وهما عباس عمه كان بيده سقاية الحاج وشيبة كانت بيده مفاتيح الكعبة والنبي أقرهما على منصبهما ، ولكن لا يستوى ما بيدهم مع إيمان علي عليه السلام وهجرته وجهاده في سبيل الله تعالى له أجر عظيم ، وقد بينها بشرح مفصل عميق طويل في صحيفة تبليغ سورة براءة ، وإنما في هذه الرواية أضيف حمزة وجعفر لأنهما أقرب الناس منه منزلة وشأنا ، ويبين هذا المعنى ما في هذه الرواية الحديث الآتي .

 

وعن فرات بسنده: عن سليم بن قيس‏ ، عن الحسن بن علي عليه السلام : أنه حمد الله تعالى و أثنى عليه ، و قال‏ { وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100) }التوبة. فَكَمَا أَنَّ لِلسَّابِقِينَ فَضْلَهُمْ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ ، كَذَلِكَ لِأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَضْلُهُ عَلَى السَّابِقِينَ بِسَبْقِهِ السَّابِقِينَ .

وَ قَالَ‏ : { أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19) }التوبة ، وَ اسْتَجَابَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَ وَاسَاهُ بِنَفْسِهِ .

ثُمَّ عَمُّهُ حَمْزَةُ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ : وَ قَدْ كَانَ قُتِلَ مَعَهُ كَثِيرٌ ، فَكَانَ حَمْزَةُ سَيِّدَهُمْ بِقَرَابَتِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّه.

 ثُمَّ جَعَلَ اللَّهُ لِجَعْفَرٍ :جَنَاحَيْنِ يَطِيرُ بِهِمَا مَعَ الْمَلَائِكَةِ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ يَشَاءُ.

 وَ ذَلِكَ لِمَكَانِهِمَا : وَ قَرَابَتِهِمَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ، وَ مَنْزِلَتِهِمَا مِنْهُ .

وَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ : عَلَى حَمْزَةَ سَبْعِينَ صَلَاةً من بين الشهداء الذين استشهدوا معه.

وَ جَعَلَ: لِنِسَاءِ النَّبِيِّ فضلا على غيرهم لمكانهن من رسول الله .

وَ فَضَّلَ اللَّهُ : الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ بألف صلاة على سائر المساجد إلا المسجد الذي ابتناه إبراهيم النبي عليه السلام بمكة ، لمكان رسول الله و فضله.

وَ عَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ : النَّاسَ الصَّلَوَاتِ‏ فَقَالَ قُولُوا :

اللَّهُمَّ : صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَ آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.

فَحَقُّنَا : عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْنَا مَعَ الصَّلَاةِ فَرِيضَةً وَاجِبَةً مِنَ اللَّهِ.

 وَ أَحَلَّ اللَّهُ : لِرَسُولِهِ الْغَنِيمَةَ وَ أَحَلَّهَا لَنَا ، وَ حَرَّمَ الصَّدَقَاتِ عَلَيْهِ وَ حَرَّمَهَا عَلَيْنَا ، كَرَامَةً أَكْرَمَنَا اللَّهُ وَ فَضِيلَةً فَضَّلَنَا اللَّهُ بِهَا.

تفسير فرات الكوفي ص169ح217.

وهذا الحديث : يبين إن جعفرا وحمزه ، لهم أعلى الكرامات عند الله بعد رسول الله والمعصومين من آله صلى الله عليهم وسلم ، وأنهم أولى الناس بهم وأعظم المؤمنين أيمانا وجهادا وجاها وهجرة وقبول الأعمال كلها ، لإخلاصهم وجدهم في طاعة الله ورسوله ووليه.

جعفر وآية الرحمة والذين أخرجوا :

 في تفسير فرات : عن ابن عباس رضي الله عنه‏ في قوله تعالى في كتابه‏ :

{ وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ .. (54) } الأنعام.

قال نزلت الآية : فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ‏، وَ حَمْزَةَ ، وَ جَعْفَرٍ ، وَ زَيْدٍ ، عليهم السلام.

تفسير فرات الكوفي ص134ح157.

 

 في تفسير فرات : بسنده عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله تعالى : {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) } الحج ، عَلِيٌّ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ وَ جَعْفَرٌ وَ حَمْزَةُ عليهم السلام.

تفسير فرات الكوفي ص273ح367.

وعن فرات بسنده : عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله‏ : { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ .. (40) } الحج ، قَالَ : نَزَلَت فِي عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ‏ ، وَ جَعْفَرٍ ، وَ حَمْزَةَ ، وَ جَرَتْ فِي الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ وَ التَّحِيَّةُ وَ الْإِكْرَامُ‏.

تفسير فرات الكوفي ص273ح367.

 

جعفر مصداق الهداية :

عن الكليني بسنده : عن عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبد الله لصادق عليه السلام‏ في قوله تعالى: { وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (24) } الحج.

قَالَ عليه السلام : ذَاكَ حَمْزَةُ وَ جَعْفَرٌ وَ عُبَيْدَةُ ، وَ سَلْمَانُ وَ أَبُو ذَرٍّ وَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ وَ عَمَّارٌ ، هُدُوا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام .

و قوله: { اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ (7) } الحجرات ، يَعْنِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ‏، { وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ (7) } الحجرات ، الْأَوَّلَ وَ الثَّانِيَ وَ الثَّالِثَ.

الكافي ج1ص426ب108ح71.

الله تعالى يشكر لجعفر خصال :

ذكر الصدوق : في باب العلة التي من أجلها لم يشرب جعفر بن‏ أبي‏ طالب‏ خمرا قط و لم يكذب و لم يزن و لم يعبد صنما ، قال : حدثنا أبي رضي الله عنه قال حدثنا سعد بن عبد الله عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي عن أبيه عن أحمد بن النضر الخزاز عن عمرو بن شمر عن جابر بن يزيد الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام قال:

 أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى : إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ص أَنِّي شَكَرْتُ لِجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَرْبَعَ خِصَالٍ.

 فَدَعَاهُ النَّبِيُّ : فَأَخْبَرَهُ .

فَقَالَ : لَوْ لَا أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَخْبَرَكَ مَا أَخْبَرْتُكَ .

مَا شَرِبْتُ خَمْراً قَطُّ : لِأَنِّي عَلِمْتُ أَنِّي إِنْ شَرِبْتُهَا زَالَ عَقْلِي .

وَ مَا كَذَبْتُ قَطُّ : لِأَنَّ الْكَذِبَ يَنْقُصُ الْمُرُوءَةَ .

وَ مَا زَنَيْتُ قَطُّ : لِأَنِّي خِفْتُ أَنِّي إِذَا عَمِلْتُ عُمِلَ بِي.

 وَ مَا عَبَدْتُ صَنَماً قَطُّ : لِأَنِّي عَلِمْتُ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ وَ لَا يَنْفَعُ .

قَالَ : فَضَرَبَ النَّبِيُّ عَلَى عَاتِقِهِ ، وَ قَالَ : حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ لَكَ جَنَاحَيْنِ تَطِيرُ بِهِمَا مَعَ الْمَلَائِكَةِ فِي الْجَنَّةِ .

علل الشرائع ج2ص558ب348ح1. وقريبا منه في تاريخ دمشق لتاريخ دمشق لابن عساكر ج72ص125ح14122.

جعفر مؤمن صادق بعهده:

وتفسير علي بن إبراهيم : في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام في قوله‏ تعالى :

{ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23) } الأحزاب ، أي أَنْ‏ لَا يَفِرُّوا أَبَداً .

فَمِنْهُمْ : مَنْ قَضى‏ نَحْبَهُ‏ أَيْ أَجَلَهُ ، وَ هُوَ حَمْزَةُ وَجَعْفَرُ بْنُ‏ أَبِي‏ طَالِبٍ‏ .

وَ مِنْهُمْ : مَنْ يَنْتَظِرُ أَجَلَهُ يَعْنِي عَلِيّاً.

 تفسير القمي ج2ص188. يا طيب : حمزه استشهد في غزوة أُحُد هي معركة وقعت بين المسلمين وقبيلة قريش في يوم السبت السابع من شهر شوال في العام الثالث للهجرة ، وجعفر استشهد في غَزْوَةُ مُؤْتَة أو سَريّة مُؤْتَة ، هي غزوة وقعت في بلدة مؤتة في محافظة الكرك في الأردن في جمادى الأول من العام الثامن للهجرة بين جيش المسلمين من جهة والروم والغساسنة من جهة أخرى ، وبقي علي بن أبي طالب عليه السلام حتى أستشهد في محراب عبادته سنة أربعين للهجرة في الكوفة .

 

وذكر الصدوق : في باب امتحان الله عز و جل أوصياء الأنبياء في حياة الأنبياء في سبعة مواطن و بعد وفاتهم في سبعة مواطن‏ ، بسنده عن جابر الجعفي عن الإمام أبو جعفر الباقر عليه السلام في حديث طويل عن أمير المؤمنين عليه السلام ، حتى قال عليه السلام :

وَ لَقَدْ كُنْتُ : عَاهَدْتُ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ رَسُولَهُ ، أَنَا وَ عَمِّي حَمْزَةُ وَ أَخِي جَعْفَرٌ وَ ابْنُ عَمِّي عُبَيْدَةُ .

عَلَى أَمْرٍ : وَفَيْنَا بِهِ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لِرَسُولِهِ ، فَتَقَدَّمَنِي أَصْحَابِي ، وَ تَخَلَّفْتُ بَعْدَهُمْ لِمَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ .

فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِينَا : { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23) } الأحزاب .

حَمْزَةُ وَ جَعْفَرٌ وَ عُبَيْدَةُ : وَ أَنَا وَ اللَّهِ الْمُنْتَظِرُ ....

الخصال ج2ص365ح58. ..شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار عليهم السلام لابن حيون نعمان المغربي ج1ص353. وذكره المفيد في الاختصاص ص174، يا طيب : عرفت شهادة حمزة وجعفرا ، وأما شهادة عبيدة بن الحارث بن المطلب، أحد شهداء بدر، وابن عمّ النبي صلی الله عليه وآله وسلم ومن أصحابه. كانت وقعت بدر في 17 من شهر رمضان للسنة الثانية للهجرة في منطقة بدر ، تقع منطقة بدر على بعد 153 كيلو مترا جنوب غربي المدينة المنورة، كما وتقع في شمال مكة المكرمة وتبعد عنها 300 كيلو مترا تقريبا ، وسيأتي كيفية شهادته في عرقبة جعفر لجواده بعض البيان لمعركة بدر .

 

عهد جعفر لله ورسوله :

يا طيب : هذا حديث كريم في وصية علي بن أبي طالب عليه السلام ، وهو طويل ، نأخذ منه ما عاهد الله ورسوله عليه ، وهو نفس الحديث السابق ولكنه يفصل بنود العهد الذي تعاهدوا عليه هو وعمه حمزة وأخيه جعفر وابن عمه عبيدة بن الحارثة عليهم السلام ، فتدبر في عبارات المعاهدة والوفاء بها ، ويجب على المؤمن حقا أن يعاهد الله ورسوله بها :

ذكر النعمان بن حيون المغربي : عن علي بن الحسين و محمد بن علي عليهم السلام :‏ أنهما ذكرا وصية علي عليه السلام : فقالا أوصى إلى أبنه الحسن و أشهد على وصيته الحسين و محمدا و جميع ولده و رؤساء شيعته و أهل بيته ، ثم دفع الكتب إليه و السلاح .

ثم قال له : أمرني رسول الله ص أن أوصي إليك ، و أن أدفع إليك كتبي و سلاحي كما أوصى إلي رسول الله و دفع إلي كتبه و سلاحه ، و أمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفع ذلك إلى أخيك الحسين ، ثم أقبل على الحسين فقال : و أمرك رسول الله أن تدفعه إلى أبنك هذا ، ثم أخذ بيد ابنه علي بن الحسين فضمه إليه ، فقال له : يا بني و أمرك رسول الله ص أن تدفعه إلى ابنك محمد فأقرئه من رسول الله ص و مني السلام ، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى ابْنِهِ الْحَسَنِ فَقَالَ يَا بُنَيَّ أَنْت‏ ... وبعد ذكر وصايا كثيرة ، وتجد الوصية كاملة في صحيفة شهادته عليه السلام وفي المصدر ، ثم قال له ولشيعته المخلصين الحاضرين عنده :

فَإِنِّي أُحِبُّ : أَنْ أَسْتَعْتِبَ مِنْ نَفْسِي ، قَبْلَ أَنْ تَفُوتَ نَفْسِي :

اللَّهُمَّ : إِنَّكَ شَهِيدٌ وَ كَفَى بِكَ شَهِيداً .

 إِنِّي بَايَعْتُ رَسُولَكَ : وَ حُجَّتَكَ فِي أَرْضِكَ مُحَمَّداً صلى الله عليه وآله وسلم.

أَنَا وَ ثَلَاثَةٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي

عَلَى أَنْ لَا نَدَعَ‏ لِلَّهِ أَمْراً إِلَّا عَمِلْنَاه .

وَ لَا نَدَعَ لَهُ نَهْياً إِلَّا رَفَضْنَاهُ.

وَ لَا وَلِيّاً إِلَّا أَحْبَبْنَاهُ.

وَ لَا عَدُوّاً إِلَّا عَادَيْنَاهُ .

وَ لَا نُوَلِّيَ ظُهُورَنَا عَدُوّاً.

وَ لَا نَمَلَّ عَنْ فَرِيضَةٍ .

وَ لَا نَزْدَادَ لِلَّهِ وَ لِرَسُولِهِ إِلَّا نَصِيحَةً .

فَقُتِلَ أَصْحَابِي : رَحْمَةُ اللَّهِ وَ رِضْوَانُهُ عَلَيْهِمْ ، وَ كُلُّهُمْ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي .

عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ رَحِمَهُ اللَّهُ : قُتِلَ بِبَدْرٍ شَهِيداً .

وَ عَمِّي حَمْزَةُ : قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيداً رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَ رِضْوَانُهُ .

وَ أَخِي جَعْفَرٌ : قُتِلَ يَوْمَ مُؤْتَةَ شَهِيداً رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ .

فَأَنْزَلَ اللَّهُ : فِيَّ وَ فِي أَصْحَابِي: { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23) } الأحزاب.

أَنَا وَ اللَّهِ الْمُنْتَظِرُ : مَا بَدَّلْتُ تَبْدِيلًا .

ثُمَّ وَعَدَنَا بِفَضْلِهِ الْجَزَاءَ فَقَالَ‏ :{ قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (58) } يونس ، وَ قَدْ آنَ لِي فِيمَا نَزَلَ بِي أَنْ أَفْرَحَ بِنِعْمَةِ رَبِّي.

فَأَثْنَوْا : عَلَيْهِ خَيْراً وَ بَكَوْا .

فَقَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ .....إلى أن قال :

ثُمَّ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ بَيْتِهِ فَقَالَ : حَفِظَكُمُ اللَّهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ ، وَ حَفِظَ فِيكُمْ نَبِيَّكُمْ ، وَ أَسْتَوْدِعُكُمُ اللَّهَ وَ أَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلَامَ .

ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَقُولُ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ، حَتَّى قُبِضَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَ رَحْمَتُهُ وَ رِضْوَانُهُ، لَيْلَةَ إِحْدَى وَ عِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ.

دعائم الإسلام ج2ص348ف1ح1297.

 

وقال الأسترابادي : عن الحسن بن إبراهيم عن جده عن عبد الله بن الحسن عن آبائه عليهم السلام قال:

وَ عَاهَدَ اللَّهَ : عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَ جَعْفَرُ بْنُ‏ أَبِي‏ طَالِبٍ‏ ، أَنْ لَا يَفِرُّوا فِي زَحْفٍ أَبَداً فَتَمُّوا كُلُّهُمْ ، فَأَنْزَلَ عَزَّ وَ جَلَ‏ : مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ نَحْبَهُ‏ } .

حَمْزَةُ : أسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَ جَعْفَرٌ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ مَوْتَةَ .

{ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ } يَعْنِي عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ {‏ وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23) } الأحزاب ، يَعْنِي الَّذِي عَاهَدُوا عَلَيْهِ .

تأويل الآيات الظاهرة ص442 الأحزاب آية 23.

 

البشارة لجعفر وآله :

يا طيب : إن آيات الله وإن كان بعضها خاصا بواقعة معينة ، لكن قد يبين حكما أو ثوابا عاما يشمل كل من به مواصفاتها ، ومن الآيات قد تختص بالواقعة أو بمن نزلت به قد تنحصر به ، ولكن بعضها قد تعم غيره ، ومن الآيات التي نزلت بأهل البيت عليهم السلام وتشمل غيرهم ، لكن تعرف أن أعلى وأكمل أفراد لها وأفضل مصداق تصدق عليه هم من ذكرتهم الأحاديث ، ومنها ما قوله تعالى :

في تفسير فرات الكوفي : بسند ذكره عن أبي صالح ، عن ابن عباس رضي الله عنه‏ قال:

 فِيمَا نَزَلَ : مِنَ الْقُرْآنِ خَاصَّةً فِي رَسُولِ اللَّهِ وَ عَلِيٍّ وَ أَهْلِ بَيْتِهِ صلى الله عليهم وسلم ، دُونَ النَّاسِ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ : { وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25)} البقرة.

نَزَلَتْ : فِي عَلِيٍّ وَ حَمْزَةَ وَ جَعْفَرٍ وَ عُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ‏.

تفسير فرات الكوفي ص53ح11.

يا طيب : عرفت وإن كانت الرواية في أهل البيت عليهم السلام خاصة ، ولكنه كل من لحق بهم وحبهم وتولاهم يكون معهم وتصدق عليه ، وإن من خالفهم وعاندهم ولم يقتدي بهم ولم يأخذ تعاليمه ومعارفه منهم فلا تصدق عليه ، وعرفت فهذه الرواية ذكرت أن جعفرا من أهل البيت ، وإن عبد الله بن عباس لم يذكر أبيه مع أنه عم النبي الأكرم ، لكن ذكر جعفر وحمزه وعلي عليهم السلام لأنه لهم المرتبة في علو الإيمان والمقام السامي وشأن العظيم بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهم من أهل بيته الذين طهرهم وأختصهم بكرامات كثيرة وألقاب مجيدة ومنزلة كريمة .

فضائل أخرى لجعفر:

يا طيب : وهذه روايات مختصرة ذكرها القوم في فضل جعفر بن أبي طالب عليه السلام ، منها ما ذكر أبو الفرج الأصفهاني : عن فضيل بن مرزوق عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:

خير الناس حمزة وجعفر وعلي عليهم السلام .

وبسنده : عن جعفر بن محمد عن أبيه قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وآله لجعفر: أنت أشبهت خلقي وخلقي.

وعن عبدالله بن معاوية بن عبدالله بن جعفر عن أبيه عن جده قال: خرج رسول الله صل الله عليه وآله وهو يقول:

 الناس : من شجر شتى ، وأنا وجعفر من شجرة واحدة .

مقاتل الطالبيين ج1ص11.

 

ويا طيب : هذه رواية تبين حسن خلق جعفر عليه السلام وشأنه الكريم باعتراف من صحبه من المسلمين ، ورواها جمع من المؤلفين :

عن أبو هريرة قال : ما احتَذى النعالَ ولا رِكبَ المَطايا ولا وطئَ الترابَ بعد رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ أفضلُ من جعفرِ بنِ أبي طالبٍ .

الأنوار الكاشفة رقم الحديث أو الصفحة: 149 - أخرجه الترمذي 3764، والنسائي في السنن الكبرى 8157، وأحمد 9353 باختلاف يسير ، ورواه في مقاتل لطالبيين ج1ص12، وفي تحفة الأحوذي ج10ص 183رقم 3764 ، ذكر المباركفوري : حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الوهاب حدثنا خالد الحذاء عن عكرمة عن أبي هريرة قال:

مَا احْتَذَى النِّعَالَ: وَلا رَكِبَ الْمَطَايَا، وَلا رَكِبَ الْكُورَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ، أَفْضَلُ مِنْ جَعْفَرٍ بن أبي طالب .

قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح غريب .

قوله : ما احتذى النعال : ما انتعل ، والاحتذاء : الانتعال عطف تفسير وتأكيد، ولا ركب المطايا : الدواب ، ولا ركب الكور : هو رحل الناقة بأداته وهو كالسرج وآلته للفرس ، أفضل من جعفر : أحد أفضل من جعفر ، وفيه فضيلة ظاهرة لجعفر رضي الله عنه ، وقد ذكر البخاري في مناقبه قول أبي هريرة في فضيلته وكان أخير الناس للمسكين جعفر بن أبي طالب ، قال الحافظ قوله : أخير بوزن أفضل ومعناه وهذا التقييد يحمل عليه المطلق الذي جاء عن عكرمة عن أبي هريرة قال : ما احتذى النعال ولا ركب المطايا الحديث . قوله : هذا حديث حسن صحيح غريب ، وأخرجه الحاكم .

 وفي روايةٍ عن أبي هريرة أيضًا : وكان أخيرَ الناسِ للمِسكينِ جعفرُ بن أبي طالب.

 فقيل: يُحمل المُطلَقُ على المقيَّدِ؛ فيكون المرادُ بمُطلقِ الخيريَّة: أنَّ جعفرًا كان أفضلَ الناسِ برًّا بالمساكينِ فيما رآه أبو هُريرَةَ؛ لأنَّ جعفرًا كان إذا سألَه أبو هريرة عن شيءٍ أخَذَه أولًا إلى بيتِه، ثم أطْعَمَه ثم يُجيبُه بعدَ ذلك.

 

وفي البخاري عن أبي هريرة : أن الناس، كانوا يقولون أكثر أبو هريرة ، وإني كنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشبع بطني حتى لا آكل الخمير ولا ألبس الحبير، ولا يخدمني فلان ولا فلانة، وكنت ألصق بطني بالحصباء من الجوع، وإن كنت لأستقرئ الرجل الآية، هي معي، كي ينقلب بي فيطعمني.

وَكَانَ أَخْيَرَ النَّاسِ لِلْمِسْكِينِ : جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏كَانَ يَنْقَلِبُ بِنَا فَيُطْعِمُنَا مَا كَانَ فِي بَيْتِهِ حَتَّى إِنْ كَانَ لَيُخْرِجُ إِلَيْنَا ‏ ‏الْعُكَّةَ ‏ ‏الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ فَنَشُقُّهَا فَنَلْعَقُ مَا فِيهَا ‏ .

صحيح البخاري حديث رقم: 3708 كتاب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم باب مناقب جعفر بن أبي طالب الهاشمي رضي الله عنه. ورواه في أسد الغابة ج2ص541ر759.

أكثر: أي في روايته للحديث. بشبع بطني: أي رضيت بشبع بطني ولم أطلب زيادة على ذلك فتهيأ لي من سماع حديثه ما لم يتهيأ لغيري. الخمير: الخبز الذي خمر وجعل في عجينه الخميرة ، ويروى (الخبيز) وهو الخبز المأدوم. (الحبير) الجديد والحسن أو ما كان موشى ومخططا من الثياب. فلان وفلانة : أي ليس لي خادم من ذكر أو أنثى وإنما أخدم نفسي. بالحصباء: بالأرض لتنكسر شدة الجوع. لأستقرئ الرجل الآية: أقول له أريد أن أقرأ آية كذا. هي معي : أي أحفظها. ينقلب : يرجع. العكة : وعاء من جلد يجعل فيه السمن وغيره.

وعن الشعبي، أن ابن عمر :

كَانَ إِذَا سَلَّمَ عَلَى ‏ ‏ابْنِ جَعْفَرٍ .

 ‏قَالَ ‏ ‏السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا ‏ ‏ابْنَ ذِي الْجَنَاحَيْنِ ‏.

صحيح البخاري حديث رقم: 3709 . ذي الجناحين ، سمي بذلك لما أخبر به صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى أبدله عن يديه اللتين قطعتا في غزوة مؤتة جناحين يطير بهما في الجنة .

 

وعن بن سعد : قال : أخبرنا معن بن عيسى قال : حدثنا هشام بن سعد عن جعفر بن عبد الله بن جعفر عن جعفر بن أبي طالب : أنه تختم في يمينه .

الطبقات الكبرى ج ٤ص25 رقم345.

 




إسلام جعفر الطيار وصلاته

 

يا طيب : سترى أن جعفر بن أبي طالب الطيار في الجنة بجناحين مع الملائكة ، إنه ثالث أول من أسلم ، وهذه المنقبة تدل على كونه كان ملازما للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم معتقد بشأنه الكريم ، وقد عرفت أنه حين بعث رسول الله كان جعفر قربه هو أخيه علي وعمه حمزه ، ودليل على صداقتهم وجمعهم بالقرابة والمودة ، فتدبر هذه الأحاديث الكريمة التبين شأنه المقدس :

 

جعفر يوم بعثة النبي :

ذكر علي بن إبراهيم رحمه الله في تفسيره : و روى الصادق عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أنه قال‏ :

بَيْنَا أَنَا رَاقِدٌ بِالْأَبْطَحِ : وَ عَلِيٌّ عَنْ يَمِينِي ، وَ جَعْفَرٌ عَنْ يَسَارِي ، وَ حَمْزَةُ بَيْنَ يَدَيَّ .

و إذا أنا بخفق : أجنحة الملائكة ، و قائل منهم يقول : إلى أيهم بعثت يا جبرئيل ؟ فقال : إلى هذا و أشار إلي.

ثُمَّ قَالَ : هُوَ سَيِّدُ وُلْدِ آدَمَ وَ حَوَّاءَ .

 و هذا : وصيه و وزيره و ختنه و خليفته في أمته .

و هذا : عمه سيد الشهداء حمزة .

وَ هَذَا ابْنُ عَمِّهِ جَعْفَرٌ لَهُ جَنَاحَانِ خَضِيبَانِ‏، يَطِيرُ بِهِمَا فِي الْجَنَّةِ مَعَ الْمَلَائِكَةِ .

دَعْهُ : فلتنم عيناه و لتسمع أذناه وليعي‏ قلبه.

و اضرِبوا له مثلا : ملك بنى دارا، و اتخذ مأدبة و بعث داعيا.

 فقال النبي صلى الله عليه وآله : فالملك الله ، و الدار الدنيا ، و المأدبة الجنة ، و الداعي أنا. قَالَ : ثُمَّ أَدْرَكَهُ جَبْرَائِيلُ بِالْبُرَاقِ،......

تفسير القمي ج2ص13تفسر سورة الإسراء(17): الآيات 1 .

 

إسلام جعفر وصلاته :

ذكر بن هشام : ذكر أن علي بن أبي طالب رضي لله عنه أول ذكر أسلم.

قال ابن إسحاق : ثم كان أول ذكر من الناس آمن برسول الله صلى الله عليه و سلم وصلى معه وصدق بما جاءه من الله تعالى علي بن أبي طالب ابن عبدالمطلب بن هاشم رضوان الله وسلامه عليه، وهو يومئذ ابن عشر سنين.

وقال أبن هاشم في السيرة : الرسول صلى الله عليه و آله وسلم وعلي يخرجان إلى الصلاة في شعب مكة ، واكتشاف أبي طالب لهما .

قال ابن إسحاق : وذكر بعض أهل العلم :

أن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم : كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة ، وخرج معه علي بن أبي طالب مستخفيا من أبيه أبي طالب ومن جميع أعمامه وسائر قومه .

فيصليان : الصلوات فيها ، فإذا أمسيا رجعا ، فمكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا .

ثم إن أبا طالب : عثر عليهما يوما وهما يصليان .

فقال لرسول الله : يا ابن أخي ما هذا الدين الذي أراك تدين به ؟

قال : أي عم هذا دين الله ودين ملائكته ودين رسله ودين أبينا إبراهيم .

 أو كما قال صلى الله عليه وآله وسلم : بعثني الله به رسولا إلى العباد ، وأنت أي عم أحق من بذلت له النصيحة ودعوته إلى الهدى ، وأحق من أجابني إليه وأعانني عليه .

أو كما قال فقال أبو طالب : أي ابن أخي إني لا أستطيع أن أفارق دين آبائي وما كانوا عليه ، ولكن والله لا يخلص إليك بشيء تكرهه ما بقيت .

وذكروا أنه قال لعلي : أي بني ما هذا الدين الذي أنت عليه ؟

 فقال : يا أبت آمنت بالله وبرسول الله وصدقته بما جاء به وصليت معه لله واتبعته . فزعموا أنه قال له : أما إنه لم يدعك إلا إلى خير فالزمه .

السيرة لأبن هشام ج2ص85.

 

وقال : علي بن إبراهيم رحمه الله ، في تفسير قوله تعالى :

{‏ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95) }الحجر .

فإنها نزلت : بمكة بعد أن نبأ رسول الله بثلاث سنين‏ .

وَ ذَلِكَ أَنَّ النُّبُوَّةَ : نزلت على رسول الله يوم الإثنين ، و أسلم علي يوم الثلاثاء، ثم أسلمت خديجة بنت خويلد زوجة النبي .

ثُمَّ دَخَلَ أَبُو طَالِبٍ : إلى النبي صلى الله عليه وآله و هو يصلي و علي بجنبه ، وَ كَانَ مَعَ أَبِي طَالِبٍ جَعْفَرٌ .

فَقَالَ لَهُ أَبُو طَالِبٍ : صِلْ جَنَاحَ ابْنِ عَمِّكَ.

فَوَقَفَ جَعْفَرٌ : عَلَى يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله، فبدر رسول الله من بينهما.

 فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ : يُصَلِّي، وَ عَلِيٌّ وَ جَعْفَرٌ وَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ وَ خَدِيجَةُ ، يَأْتَمُّونَ بِهِ. فَلَمَّا أَتَى لِذَلِكَ ثَلَاثَ سِنِينَ ، أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ‏ : { فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ‏ }...

تفسير القمي ج1ص377.

 

وذكر الصدوق رحمه الله : بسنده عن محمد بن عمر الجرجاني قال: قال الصادق جعفر بن محمد عليه السلام :‏

أول‏ جماعة كانت : أن رسول الله كان يصلي و أمير المؤمنين علي بن أبي طالب معه ، إِذْ مَرَّ أَبُو طَالِبٍ بِهِ وَ جَعْفَرٌ مَعَهُ .

فَقَالَ أبو طالب عليه السلام : يَا بُنَيَّ صِلْ جَنَاحَ ابْنِ عَمِّكَ .

فلما أحسه : رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، تقدمها .

و انصرف أبو طالب مسرورا ، و هو يقول:

إِنَّ عَلِيّاً وَ جَعْفَراً ثِقَتِي‏
عِنْدَ مُلِمِّ الزَّمَانِ وَ الْكَرْبِ‏
وَ اللَّهِ لَا أَخْذُلُ النَّبِيَّ وَ لَا
يَخْذُلُهُ مِنْ بَنِيَّ ذُو حَسَبٍ‏
لَا تَخْذُلَا وَ انْصُرَا ابْنَ عَمِّكُمَا
أَخِي لِأُمِّي مِنْ بَيْنِهِمْ وَ أَبِي

 قَالَ عليه السلام : فَكَانَتْ أَوَّلَ‏ جَمَاعَةٍ جُمِّعَتْ ذَلِكَ الْيَوْمَ.

الأمالي للصدوق ص508م76ح4.

يا طيب : وهذه الرواية كريمة لنصر أبو طالب للنبي الأكرم ولدين لله ، وفيها عبارة جميلة ، وهي : صل جناح ابن عمك ، فإنه تدل على أن أبو طالب عليه السلام كان يأمر من يحضره من ولده بنصر النبي وتدل على إيمانه :

ذكر الصدوق : بسند ذكره عن عباية بن ربعي عن عبد الله بن عباس عن أبيه قال: قال أبو طالب لرسول الله : يا ابن أخي الله أرسلك ؟ قال : نعم.

 قال : فأرني آية ؟ قال : أدع لي تلك الشجرة ، فدعاها فأقبلت حتى سجدت بين يديه ثم انصرفت .

فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ : أَشْهَدُ أَنَّكَ صَادِقٌ ، يَا عَلِيُّ صِلْ‏ جَنَاحَ‏ ابْنِ عَمِّكَ.

الأمالي للصدوق ص614م89ح10.

كما أن صل جناح ابن عمك : يرددها أبو طالب لمن حضره من ولده لأن ينصروا النبي الأكرم ، وأن يكونوا دائما معه مظهرين العبودية لله تعالى ، ومن الروايات الأخرى التي تدل على أنه في أوقات وبقاع أخرى يكرر هذه العبارة ، صل جناح بن عمك :

عن محمد بن علي الكراجكي قال : بسنده عن أبي ضوء بن صلصال بن الدلهمس قال: كنت أنصر : النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أبي طالب قبل إسلامي، فإني يوما لجالس بالقرب من منزل أبي طالب في شدة القيظ ، إذ خرج أبو طالب إلي شبيها بالملهوف، فقال لي: يا أبا الغضنفر ، هل رأيت هذين الغلامين ، يعني النبي و عليا .

فقلت : ما رأيتهما مذ جلست .

فقال : قم بنا في الطلب ، فلست آمن قريشا أن تكون اغتالتهما.

قال : فمضينا حتى خرجنا من أبيات مكة ، ثُمَّ صِرْنَا إِلَى جَبَلٍ مِنْ جِبَالِهَا ، فَاسْتَرْخَيْنَا إِلَى قُلَّةٍ .

 فَإِذَا النَّبِيُّ : وَ عَلِيٌّ عَنْ يَمِينِهِ ، وَ هُمَا قَائِمَانِ بِإِزَاءِ عَيْنِ الشَّمْسِ، يَرْكَعَانِ وَ يَسْجُدَانِ .

قَالَ فَقَالَ : أَبُو طَالِبٍ لِجَعْفَرٍ ابْنِهِ :

صِلْ‏ جَنَاحَ‏ ابْنِ عَمِّكَ

فقال : فَقَامَ : إِلَى جَنْبِ عَلِيٍّ .

 فَأَحَسَّ بِهَا النَّبِيُّ : فَتَقَدَّمَهُمَا ، وَ أَقْبَلُوا عَلَى أَمْرِهِمْ حَتَّى فَرَغُوا مِمَّا كَانُوا فِيهِ ، ثُمَّ أَقْبَلُوا نَحْوَنَا .

فَرَأَيْتُ السُّرُورَ : يَتَرَدَّدُ فِي وَجْهِ أَبِي طَالِبٍ ، ثُمَّ انْبَعَثَ يَقُولُ‏ :

إِنَّ عَلِيّاً وَ جَعْفَراً ثِقَتِي
عِنْدَ مُهِمِّ الْأُمُورِ وَ الْكَرْبِ‏
لَا تَخْذُلَا وَ انْصُرَا ابْنَ عَمِّكُمَا
أَخِي لِأُمِّي مِنْ بَيْنِهِمْ وَ أَبِي‏
وَ اللَّهِ لَا يَخْذُلُ النَّبِيَّ وَ لَا
يَخْذُلُهُ مِنْ بَنِيَّ ذُو حَسَبٍ‏

كنز الفوائد ج1ص270. وذكر الحديث ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج13ص269. وقال في آخره فتذكر الرواة أن جعفرا أسلم منذ ذلك اليوم لأن أباه أمره بذلك وأطاع أمره.

وذكر ابن الأثير : جَعْفَر بْن أَبِي طالب واسم أَبِي طالب عبد مناف بْن عبد المطلب بْن هاشم بْن عبد مناف بْن قصي القرشي الهاشمي، ابن عم رَسُول اللَّهِ وأخو علي بْن أَبِي طالب لأبويه، وهو جَعْفَر الطيار، وكان أشبه الناس برسول اللَّه خلقًا وخلْقا، أسلم بعد إسلام أخيه علي بقليل.

روي : أن أبا طالب رَأَى النَّبِيّ وعليًا يصليان، وعلي عن يمينه، فقال لجعفر : صل جناح ابن عمك، وصل عن يساره .

كتاب أسد الغابة في معرفة الصحابة ج2ص541ر759. تاريخ دمشق لابن عساكر ج72ص125ح14121.

 

صل جناح بن عمك ( أخيك ):

يا طيب : عرفت أن في أول صلاة جماعة للنبي قبل إعلان دعوته ، وبعدها صلى جعفر الطيار مع النبي الأكرم والإمام علي جماعة ، وفي كلها يقول له أبوه أبو طالب صل جناح بن عمك ، وفي هذا الحديث النبي الأكرم صلى الله عليه وآله يقول له صل جناح أخيك ،

قال الحسكاني : في قوله تعالى ورد :

{ وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (10) } الحشر .

فذكر بسنده ذكره : عن عثمان الشحام عن سلمة بن الأكوع قال:

بَيْنَمَا النَّبِيُّ : ببقيع الغرقد و علي معه فحضرت الصلاة.

 فَمَرَّ بِهِ جَعْفَرٌ فَقَالَ النَّبِيُّ : يَا جَعْفَرُ ، صَلِ‏ جَنَاحَ‏ أَخِيكَ.

فَصَلَّى النَّبِيُّ : بِعَلِيٍّ وَ جَعْفَرٍ .

فلما انفتل من صلاته قال: يَا جَعْفَرُ هَذَا جَبْرَئِيلُ ، يُخْبِرُنِي عَنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَنَّهُ صَيَّرَ لَكَ جَنَاحَيْنِ أَخْضَرَيْنِ مُفَصَّصَيْنِ بِالزَّبَرْجَدِ وَ الْيَاقُوتِ، تَغْدُو وَ تَرُوحُ حَيْثُ تَشَاءُ.

قَالَ عَلِيٌّ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا لِجَعْفَرٍ فَمَا لِي ؟

قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله: يَا عَلِيُّ أَ وَ مَا عَلِمْتَ، أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ خَلْقاً مِنْ أُمَّتِي، يَسْتَغْفِرُونَ لَكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ .

قال علي: و من هم يا رسول الله ؟

قال: قول الله عز و جل في كتابه المنزل علي: { وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (10) }الحشر .

 فَهَلْ : سَبَقَكَ إِلَى الْإِيمَانِ أَحَدٌ يَا عَلِيُّ ؟ .... الحديث‏ بطوله‏ .

شواهد التنزيل لقواعد التفضيل ج2ص333ح974. و الحديث بطوله رواه منتجب الدين بسند آخر في كتاب الأربعون حديث للرازي ص30ح9. بسنده عن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام ، وفي أخره تتمة الحديث في تكملة فضائل أمير المؤمنين عليه السلام.

ويا طيب : كأنه كانت لهم جلسة خاصة في بقيع الغرقد ، وأنه أوكل من يقيم الصلاة في المسجد النبوي ، وفي هذا الحديث توجه النبي الأكرم لإقامة الصلاة جماعة بعلي وجعفر صلى الله عليهم وآلهم وسلم ، وفيه أنه في ذكر لمناقب جعفر الطيار والإمام علي عليهم السلام ، وفي كل مرة يذكر النبي الأكرم بعض مواصفات جناحي جعفر في الجنة قبل شهادته .

 

 




 

الهجرة إلى الحبشة ووقائعها

 

سبب الهجرة إلى الحبشة :

يا طيب : بعد ما أعلن رسول الله دعوته ، وكثر المسلمون في مكة المكرمة ، وعيبت آلهة قريش وذمت ، أخذت كل قبيلة تعذب من أسلم منها .

فذكر بن هشام : قال ابن إسحاق : ثم إن قريشا تذامروا بينهم ، على من في القبائل منهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذين أسلموا معه.

 فوثبت كل قبيلة : على من فيهم من المسلمين يعذبونهم ، ويفتنونهم عن دينهم ومنع الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم منهم بعمه أبي طالب ، وقد قام أبو طالب حين رأى قريشا يصنعون ما يصنعون في بني هاشم وبني المطلب ، فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والقيام دونه ، فاجتمعوا إليه ، وقاموا معه ، وأجابوه إلى ما دعاهم إليه ، إلا ما كان من أبي لهب عدو الله الملعون .

شعر أبي طالب في مدح قومه لنصرته :

فلما رأى أبو طالب : من قومه ما سره في جهدهم معه وحدبهم عليه ، جعل يمدحهم ويذكر قديم فضلهم ومناقبهم، ويذكر فضل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم ومكانه منهم ، ليشد لهم رأيهم وليحدبوا معه على أمره ، فقال :

إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر
فعبد مناف سرها وصميمها
وإن حصلت أشراف عبد منافها
ففي هاشم أشرافها وقديمها
وإن فخرت يوما فإن محمدا
هو المصطفى من سرها وكريمها
تداعت قريش غثها وسمينها علينا
فلم تظفر وطاشت حلومها
وكنا قديما لا نقر ظلامة
إذا ما ثنوا صعر الخدود نقيمها
ونحمي حماها كل يوم كريهة
ونضرب عن أجحارها من يرومها
بنا انتعش العود الذواء وإنما
بأكنافنا تندى وتنمى أرومها

سيرة بن هشام ج2ص103.

 

وذكر ابن هشام في السيرة : قسوة قريش على من أسلم ، قال ابن إسحاق : ثم إنهم عدوا على من أسلم واتبع رسول الله صلى الله عليه و سلم من أصحابه فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش وبرمضاء مكة إذا اشتد الحر من استضعفوا منهم يفتنونهم عن دينهم ، فمنهم من يفتن من شدة البلاء الذي يصيبه ، ومنهم من يصلب لهم ويعصمه الله منهم.

سيرة بن هشام ج2ص159.

وقال بن هشام : قال ابن إسحاق : وحدثني حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير قال : قلت لعبدالله بن عباس : أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم .

قال : نعم والله إنهم كانوا ليضربوا أحدهم ويجيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر أن يستوي جالسا من شدة الضر الذي نزل به ، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة ، حتى يقولوا له : اللات والعزى إلهك من دون الله ؟ فيقول : نعم ، حتى إن الجعل ليمر بهم فيقولون له : أهذا الجعل إلهك من دون الله ؟ فيقول : نعم افتداء منهم مما يبلغون من جهده .

سيرة بن هشام ج2ص162.

 

قال بن أسحاق : حديث الهجرة الأولى إلى الحبشة ، حدثنا أحمد: عن يونس عن ابن اسحق قال:

فلما اشتد البلاء : وعظمت الفتنة تواثبوا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وكانت الفتنة الآخرة التي أخرجت من كان هاجر من المسلمين بعد الذين كانوا خرجوا قبلهم إلى أرض الحبشة.

وعن أحمد: عن يونس عن ابن اسحق قال: حدثني الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنها رحمها الله قالت:

لما ضاقت علينا مكة : وأوذي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله سلم وفتنوا ، ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم ، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله سلم لا يستطيع دفع ذلك عنهم.

وكان رسول الله صلى الله عليه وآله سلم : في منعة من قومه وعمه ، لا يصل إليه شيء مما يكره مما ينال أصحابه.

 فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله سلم: إن بأرض الحبشة ملكاً لا يظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً مما أنتم فيه، فخرجنا إليها أرسالاً، حتى اجتمعنا بها فنزلنا بخير دار إلى خير جار، أمناً على ديننا، ولم نخش منه ظلماً.

السيرة النبوة محمد بن أسحاق ج1ص73.

وعن بن سعد : قال محمد بن عمر : وقد روي لنا أن أميرهم في الهجرة إلى أرض الحبشة جعفر بن أبي طالب .

الطبقات الكبرى لبن سعد ج ٤ص25 رقم345.

 

عدد المهاجرين وسنة الهجرة :

يا طيب : بعد أن عرفت سبب الهجرة للحبشة ، كان أول المهاجرين عشرة ثم لحقهم سبعين نفرا حتى بلغوا نيف وثمانين نفرا ، وكان المهاجرون الأوائل عشرة وهم :

ذكر بن هشام في السيرة النبوية : أوائل المهاجرين إلى الحبشة :

وكان أول : من خرج من المسلمين من بني أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ابن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر : عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية ، معه امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وآله سلم.

ومن بني : عبد شمس بن عبد مناف : أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس معه امرأته : سهلة بنت سهيل بن عمرو أحد بني عامر بن لؤي ولدت له بأرض الحبشة محمد بن أبي حذيفة .

ومن بني: أسد بن عبد العزى بن قصي، الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد.

ومن بني: عبد الدار بن قصي، مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار .

ومن بني : زهرة بن كلاب ، عبدالرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة

ومن بني : مخزوم بن يقظة بن مرة ، أبو سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبدالله بن عمر بن مخزوم ، معه امرأته أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم .

ومن بني : جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب ، عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح .

ومن بني : عدي بن كعب ، عامر بن ربيعة حليف آل الخطاب من عنز بن وائل ، قال ابن هشام : و يقال : من عنزة بن أسد بن ربيعة - معه امرأته ليلى بنت أبي حثمة بن حذافة بن غانم بن عامر بن عبدالله بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب .

ومن بني : عامر بن لؤي ، أبو سبرة بن أبي رهم بن عبد العزى بن أبي قيس ابن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر ويقال : بل أبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي ، ويقال : هو أول من قدمها .

ومن بني : الحارث بن فهر ، سهيل بن بيضاء و هو سهيل بن وهب بن ربيعة بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث

فكان هؤلاء العشرة : أول من خرج من المسلمين إلى أرض الحبشة فيما بلغني.

قال ابن هشام : وكان عليهم عثمان بن مظعون فيما ذكر لي بعض أهل العلم.

 

قال ابن إسحاق :

ثم خرج جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه : وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة فكانوا بها ، منهم من خرج بأهله معه ومنهم من خرج بنفسه لا أهل له معه .

سيرة بن هشام ج2ص164.

 

وذكر علي بن إبراهيم : في تفسير قوله تعالى :

{ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى (82) ‏ } المائدة .

 فَإِنَّهُ كَانَ سَبَبُ نُزُولِهَا: أَنَّهُ لَمَّا اشْتَدَّتْ قُرَيْشٌ فِي أَذَى رَسُولِ اللَّهِ وَ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ ، أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يَخْرُجُوا إِلَى الْحَبَشَةِ.

 وَ أَمَرَ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام : أَنْ يَخْرُجَ مَعَهُمْ.

 فَخَرَجَ جَعْفَرٌ : وَ مَعَهُ سَبْعُونَ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، حَتَّى رَكِبُوا الْبَحْرَ.

 فلما بلغ قريش : خروجهم ، بعثوا عمرو بن العاص و عمارة بن الوليد إلى النجاشي ليردوهم إليهم، و كان عمرو و عمارة متعاديين، فقالت قريش : كيف نبعث رجلين متعاديين. .... (ويا طيب : سنذكر روايته كاملة ).

تفسير القمي ج1ص176.

ويا طيب : ذكر بن هشام في السيرة أسماء كل المهاجرين السبعين نفرا من المسلمين ، فنذكر أول كلامه فقال :

المهاجرون من بني هاشم إلى أرض الحبشة :

و من بني هاشم : بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر : جعفر بن أبي طالب بن عبدالمطلب بن هاشم معه امرأته أسماء بنت عميس بن النعمان بن كعب بن مالك بن قحافة بن خثعم ولدت له بأرض الحبشة عبدالله بن جعفر رجل .

سيرة بن هشام ج2ص164.

يا طيب : قد ذكر أسماء باقي المهاجرين كلهم ، ونكتفي هنا بهذا .

 

وعن ابن اسحق قال: وكان جميع من لحق بأرض الحبشة وهاجر إليها من المسلمين، سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم معهم، أو ولدوا بها .

نيفاً وثمانين رجلاً : إن كان عمار بن ياسر فيهم، وهو يشك فيه.

السيرة النبوة لمحمد بن أسحاق ج1ص111.

 

وقال اليعقوبي : مهاجرة الحبشة ، ولما رأى رسول الله ما فيه أصحابه من الجهد والعذاب ، وما هو فيه من الأمن بمنع أبي طالب عمه إياه ، قال لهم :

 أرحلوا مهاجرين : إلى أرض الحبشة إلى النجاشي فإنه يحسن الجوار .

 فخرج في المرة الأولى : اثنا عشر رجلا ، وفي المرة الثانية : سبعون رجلا ، سوى أبنائهم ونسائهم ، وهم المهاجرون الأولون، فكان لهم عند النجاشي منزلة.

وكان : يرسل إلى جعفر فيسأله عما يريد . ...

وأقام المسلمون: بأرض الحبشة حتى ولد لهم الأولاد .

وجميع أولاد جعفر : ولدوا بأرض الحبشة ولم يزالوا بها في أمن وسلامة . واسم النجاشي أصحمة .

تأريخ اليعقوبي ص29 .     

 

وقال الطبري : في تفسير قوله تعالى : { وَ لَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى‏ } ، لم يرد جميع النّصارى مع ما هم فيه من عداوة المسلمين، و تخريب بلادهم و هدم مساجدهم و قتلهم و أسرهم و أخذ مصاحفهم. و إنما نزلت هذه الآية في النجاشيّ و أصحابه.

 قال ابن عبّاس و سعيد بن جبير و السديّ: نزلت هذه الآية في النّجاشيّ و أصحابه، و كان النّجاشيّ ملك الحبشة نصرانيّا قبل ظهور الإسلام، ثمّ أسلم هو و أصحابه.    

قال المفسرون : ائتمرت قريش أن يفتنوا المسلمين عن دينهم، فوثبت كلّ قبيلة على من فيهم من المسلمين، يؤذونهم و يعذّبونهم فافتتن كثير، و عصم اللّه من شاء منهم، و منع اللّه النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم بعمّه أبي طالب، فلمّا رأى رسول اللّه ما بأصحابه، و لم يقدر على منعهم و لم يؤمر بالجهاد، أمرهم بالخروج إلى أرض الحبشة.

و قال: [ إنّ بها ملكا صالحا لا يظلم و لا يظلم عنده أحد، فاخرجوا إليه حتّى يجعل اللّه للمسلمين فرجا ].

 و أراد به النجاشيّ : و اسمه أصحمة، و هو بالحبشيّة عطيّة ، و إنما النجاشيّ اسم الملك، كقولهم: كسرى و قيصر.

فخرج إليه سرّا : أحد عشر رجلا و أربع نسوة، و هم: عثمان بن عفّان و امرأته رقيّة بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و الزّبير، و عبد اللّه بن مسعود، و عبد الرحمن بن عوف، و أبو حذيفة بن عقبة و امرأته سهلة بنت سهيل، و مصعب بن عمير، و أبو سلمة و امرأته أمّ سلمة، و عثمان بن مظعون، و عامر بن ربيعة و امرأته ليلى بنت جثمة، و حاطب بن عمر، و سهيل بن بيضاء.

فخرجوا إلى البحر : و أخذوا سفينة بنصف مثقال إلى الحبشة، و ذلك في رجب في السّنة الخامسة من عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و هذه الهجرة الأولى.

ثم خرج جعفر بن أبي طالب : و تتابع المسلمون، و كان جميع من هاجر إلى الحبشة من المسلمين اثنين و ثمانين رجلا سوى النّساء و الصبيان، فلما علمت قريش بذلك وجّهت عمرو بن العاص و صاحبه بالهدايا إلى النجاشيّ و إلى بطارقته ليردّوهم إليهم، فعصمهم اللّه تعالى، و قد ذكرنا هذه القصّة في سورة آل عمران. فلمّا انصرفا خائبين : أقام المسلمون هناك بخير دار و أحسن جوار ، إلى أن هاجر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و علا أمره، و ذلك في سنة ستّ من الهجرة.

التفسير الكبير ج2ص432. وسيأتي بيان القصة . و

كذا أورد القصة الثعلبي في تفسيره فقال :

فخرجوا إلى البحر : و أخذوا سفينة إلى أرض الحبشة بنصف دينار .

و ذلك في رجب في السنة الخامسة : من مبعث رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم و هذه الهجرة الأولى، ثم خرج جعفر بن أبي طالب و تتابع المسلمون إليها و كان جميع من هاجر إلى الحبشة من المسلمين إثنين و ثمانين رجلا سوى النساء و الصبيان.

الكشف و البيان ج4ص98. وكذا ذكر القصص أعلاه العلامة المجلسي رحمه في بحار الأنوار ج18ص410ب4 باب الهجرة إلى الحبشة .

 

 مِنْ جُمْلَةِ مَا كَانَ فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ : الْهِجْرَةُ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ ، و ذلك أنه لما ظهر رسول الله بالنبوة لم ينكر عليه قريش ، فلما سب آلهتهم أنكروا و بالغوا في أذى المسلمين ، فأمرهم رسول الله بالخروج إلى الحبشة ، فخرج قوم و ستر الباقون إسلامهم .

فَخَرَجَ فِي الْهِجْرَةِ الْأُولَى : أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا وَ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ ، متسللين‏ سرا ، فصادف وصولهم إلى البحر سفينتين للتجار فحملوهم فيها إلى أرض الحبشة .

وَ كَانَ مَخْرَجُهُمْ : فِي رَجَبٍ فِي الْخَامِسَةِ ، و خرجت قريش في آثارهم ففاتوهم ، فأقاموا عند النجاشي آمنين .

فَأَقَامُوا : شَعْبَانَ وَ رَمَضَانَ ، وَ قَدِمُوا فِي شَوَّالٍ ، فلم يدخل أحد منهم مكة إلا بجواز ، إلا ابن مسعود ، فإنه مكث قليلا ثم رجع إلى أرض الحبشة .

 فسطت‏ : بهم عشائرهم و آذوهم ، فَأَذِنَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ فِي الْخُرُوجِ مَرَّةً أُخْرَى إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ ، فخرج خلق كثير.

قال محمد بن إسحاق‏ : جميع من لحق بأرض الحبشة من المسلمين سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم صغارا أو ولدوا بها نيف و ثمانون رجلا ، و من النساء إحدى عشرة ، فلما سمعوا بمهاجر النبي إلى المدينة ، رجع منهم ثلاثة و ثلاثون رجلا و ثمان نسوة ، فمات منهم رجلان بمكة ، و حبس منهم سبعة ، و شهد بدرا منهم أربعة و عشرون‏ .

بحار الأنوار ج18ص422ح11 باب الهجرة إلى الحبشة . عن المنتقى في مولود المصطفى ص 40، الفصل الثاني فيما كان في السنة الخامسة من نبوّته. وتسلل: انطلق في استخفاء. وسطا به وعليه: وثب عليه و قهره.

 

المسلمون يمدحون الحبشة وملكها :

يا طيب : لما وصل المسلمون للحبشة ، وأخذا كلا منهم موطنه يعملون فيها آمنين وكانوا في عيش مستقر ورغد ، ولم يعترضهم أحد أو يعارضهم ، أخذوا يمدحون الحبشة وسكنها الطيب ، ويذمون من عارضهم وآذاهم من قومهم ، ومن الأشعار في هذا الباب :

قال بن هشام في السيرة : فكان جميع من لحق بأرض الحبشة وهاجر إليها من المسلمين سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم معهم صغارا وولدوا بها ثلاثة وثمانين رجلا إن كان عمار بن ياسر فيهم وهو يشك فيه ، ثم قال :

عن ابن اسحق قال: وكان مما قيل في الحبشة من الشعر أن عبد المطلب بن الحارث بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم، حين أمنوا بأرض الحبشة وحمدوا جوار النجاشي، وعبدوا الله لا يخافون على دينهم أحداً، وكان قد أحسن النجاشي جوارهم حين نزلوا به فقال:

السيرة لابن أسحاق ص107. وهو ما ذكره ابن هشام بهذا اللفظ:

شعر عبدالله بن الحارث في الهجرة إلى الحبشة : وكان مما قيل من الشعر في الحبشة أن عبدالله بن الحارث بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم، حين أمنوا بأرض الحبشة وحمدوا جوار النجاشي ، وعبدوا الله لا يخافون على ذلك أحدا ، وقد أحسن النجاشي جوارهم حين نزلوا به ، قال :

يا راكبا بلغن عني مغلغلة
من كان يرجو بلاغ الله والدين
كل أمرئ من عباد الله مضطهد
ببطن مكة مقهور ومفتون
أنا وجدنا بلاد الله واسعة
تنجي من الذل والمخزاة والهون
فلا تقيموا على ذل الحياة وخزي
في الممات وعيب غير مأمون
إنا تبعنا رسول الله واطرحوا
قول النبي وعالوا في الموازين
فاجعل عذابك بالقوم الذين بغوا
وعائذا بك أن يعلوا فيطغوني

مغلغلة: بفتح العين هي الرسالة المحمولة من بلد إلى بلد.

 

وقال عبدالله بن الحارث : أيضا يذكر نفي قريش إياهم من بلادهم ويعاتب بعض قومه في ذلك :

أبت كبدي لا أكذبنك قتالهم
علي وتأباه علي أناملي
كيف قتالي معشرا أدبوكم
على الحق أن لا تأشبوه بباطل
نفتهم عباد الجن من حر أرضهم
فأضحوا على أمر شديد البلابل
فإن تك كانت في عدي أمانة
عدي بن سعد عن تقى أو تواصل
فقد كنت أرجو أن ذلك فيكم
بحمد الذي لا يطبى بالجعائل
وبدلت شبلا شبل كل خبيثة
بذي فجر مأوى الضعاف الأرامل

أبت وتأباه : أَبِيَّ: مُتَرفِّعاً عَنْ كُلِّ مَا يَشِينُ النَّفْسَ، أنُوفاً، مَنْ لاَ يَرْضَى بِالذُّلِّ لَهُ نَفْسٌ أَبِيَّةٌ. و لا تأشبوه : لا تخلطوه وتعيبوه بباطل ، شاب الشيء خلطه . حر أرضهم هي الأرض الكريمة. البلابل: شدة الهم والوساوس في الصدور وحديث النفس.لا يطبى: أي لا يستمال ولا يستدعى. الجعائل: جمع جعالة وهى الرشوة.

وقال عبدالله بن الحارث أيضا :

وتلك قريش تجحد الله حقه
كما جحدت عاد ومدين والحجر
فإن أنا لم أبرق فلا يسعنني
من الأرض بر ذو فضاء ولا بحر
بأرض بها عبد الإله محمد
أبين ما في النفس إذ بلغ النقر

الحجر: هو اسم ديار ثمود بوادي القرى من المدينة والشام، وقيل: هو من وادى القرى على يوم بين جبال وبها قامت منازل ثمود. و الشرم: لجة البحر، وقيل: موضع فيه: وقيل: هو أبعد قعره والشروم غمرات البحر واحدها شرم. انظر: اللسان (مادة شرم) . البرك: هو جماعة الإبل الباركة، وقيل: اسم موضع.

سيرة بن هشام ج2ص174.

 

شعر عثمان بن مظعون في ذلك :

وقال عثمان بن مظعون : يعاتب أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح وهو ابن عمه، وكان يؤذيه في إسلامه، وكان أمية شريفا في قومه في زمان ذلك:

أتيم بن عمرو للذي جاء بغضة
ومن دونه الشرمان والبرك أكتع
أأخرجتني من بطن مكة آمنا
وأسكنتني في صرح بيضاء تقذع
تريش نبالا لا يواتيك ريشها
وتبري نبالا ريشها لك أجمع
وحاربت أقواما كراما أعزة
و أهلكت أقواما بهم كنت تفزع
ستعلم إن نابتك يوما ملمة
وأسلمك الأوباش ما كنت تصنع

سيرة بن هشام ج2ص175.

قال بين هشام في السيرة : شعر أبي طالب للنجاشي يحضه على الدفع عن المهاجرين :

فقال أبو طالب : حين رأى ذلك من رأيهم ، وما بعثوهما فيه أبياتا للنجاشي يحضه على حسن جوارهم والدفع عنهم :

ألا ليت شعري كيف في النأي جعفر
وعمرو وأعداء العدو الأقارب
وهل نالت أفعال النجاشي جعفرا
وأصحابه أو عاق ذلك شاغب
تعلم أبيت اللعن أنك ماجد
كريم فلا يشقى لديك المجانب
تعلم بأن الله زادك بسطة
وأسباب خير كلها بك لازب
وأنك فيض ذو سجال غزيرة
ينال الأعادي نفعها والأقارب

سيرة بن هشام ج2ص176. أبيت اللعن: أي أنك كامل عزيز و ذو أعمال كريمة لا نقص فيها فلا يستطيع أحد أن يلعنك أو يلعن فعلك ، وهذه تحية العرب في الجاهلية للملوك. المجانب: أراد به الداخل في حماه.

وذكر ابن إسحاق في السير بالإضافة لما ذكره بن هشام أعلاه ، وقال أبو طالب أيضاً:

تعلم خيار الناس أن محمداً
وزير لموسى والمسيح بن مريم
أتى بهدي مثل الذي أتيا به
وكل بأمر الله يهدي ويعصم
وأنكم تتلونه في كتابكم
بصدق حديث لا حديث الترجيم
وأنك ما يأتيك منا عصابة
لفضلك إلا أرجعوا بالتكريم

السيرة لابن إسحاق ص107.

 

قريش ترسل أمكرهم للنجاشي:

يا طيب : بعد أن عرفت أن المسلمين خرجوا من مكة الكرمة إلى الحبشة مهاجرين في سبيل الله، بسبب أذية كفار قريش لهم ، ليأمنوا مكرهم وأذيتهم ، ولما هاجر قسم من المؤمنين إلى الحبشة واستقروا بها في أمن وأمان ، وتحدثوا عن رغد عيشهم في الحبشة فضلا من أن يعترضهم أحد كما عرفت في أشعارهم، ووصل خبرهم إلى كفار مكة ، حسدوهم وحاولوا أن ينتقموا منهم ، فأرسلوا نفرين من أمكر خلق الله فيهم وألئمهم وأخبثهم ، وحملوهم بالهدايا النفيسة للنجاشي وللأقباط ومن يحيط به وذوا الشأن عندهم ، ومن خبث رسولي قريش وشرور أنفسهم تشاحنوا بينهم وأنتقم بعضهم من بعض ، ولمعرفة قصتهم قبل وصولهم للحبشة وفيها حين محاورة النجاشي وطلبهم منه تسليمهم المسلمين ليعيدوهم إلى مكة بعد تقديم الهدايا له ، نذكر أهم قصص مجريات أمورهم :

يا طيب : كان من أرسلهم كفار قريش للنجاشي عمارة بن الوليد المخزومي ، وعمرو بن العاص وقد قال شعرا يبين غرض وجهته للحبشة وبغضه لجعفر بن أبي طالب بالخصوص ، وإنه ذهب ليكوي ويحرق جهود جعفر التي أثمرت الأمن والأمان للمؤمنين في الحبشة ، فقال :

تَقولُ اِبنَتي أَينَ الرَحيلُ
وَما البَينُ مِنّي بِمُستَنكَرِ
فَقُلتُ دَعيني فَإِنّي اِمرُؤٌ
أُريدُ النَجاشِيَّ في جَعفَرِ
لِأَكوِيَهُ عِندَهُ كَيَّةً
أُقيمُ بِها نَخوَةَ الأَصعَرِ
وَإِنَّ اِنثِنائِيَ عَن هاشمٍبِما
اِسطَعتُ في الغَيبِ وَالمَحضَرِ
وَعَن عائِبِ اللاتِ في قَولِهِ
وَلَولا رِضا اللاتِ لَم نُمطَرِ
وَإِنّي لأَشنا قُرَيشاً لَهُ
وَإِن كانَ كَالذَهَبِ الأَحمَرِ

 و لهذا القول : كان عمرو بن العاص ينبز بشانئ رسول الله ، و فيه نزلت بإجماع الأمة الآية : {إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3)} الكوثر.

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول للعلامة المجلسي ج26ص375. شرح النهج للمعتزلي ج ٦ ص ٢٨٥ و ٢٨٦ حتى ص ٢٩٢ عن الزبير بن بكار في كتاب المفاخرات ، والغدير عن جمهرة الخطب ج ٢ ص ١٢ وتذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي ص ١٤.

 

وذكر بن أبي الحديد : عمارة بن الوليد و عمرو بن العاص في الحبشة.

فأما خبر : عمارة بن الوليد بن المغيرة المخزومي أخي خالد بن الوليد ، مع عمرو بن العاص فقد ، ذكره ابن إسحاق في كتاب المغازي ، قال :

كان عمارة : بن الوليد بن المغيرة ، و عمرو بن العاص بن وائل بعد مبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، خرجا إلى أرض الحبشة على شركهما ، و كلاهما كان شاعرا عارما فاتكا.

و كان عمارة بن الوليد : رجلا جميلا وسيما تهواه النساء صاحب محادثة لهن ، فركبا البحر و مع عمرو بن العاص أمرأته ، حتى إذا صاروا في البحر ليالي ، أصابا من خمر معهما ، فلما انتشى عمارة قال : لامرأة عمرو بن العاص قبليني.

فقال لها عمرو : قبلي ابن عمك ، فقبلته ، فهويها عمارة و جعل يراودها عن نفسها فامتنعت منه ، ثم إن عمرا جلس على منجاف السفينة يبول ، فدفعه عمارة في البحر ، فلما وقع عمرو سبح حتى أخذ بمنجاف السفينة .

فقال له عمارة : أما و الله لو علمت أنك سابح ما طرحتك ، و لكنني كنت أظن أنك لا تحسن السباحة ، فضغن عمرو عليه في نفسه ، و علم أنه كان أراد قتله .

و مضيا : على وجههما ذلك حتى قدما أرض الحبشة ، فلما نزلاها كتب عمرو إلى أبيه العاص بن وائل أن اخلعني و تبرأ من جريرتي إلى بني المغيرة و سائر بني مخزوم ، و خشي على أبيه أن يتبغ بجريرته ، فلما قدم الكتاب على العاص بن وائل مشى إلى رجال بني المغيرة و بني مخزوم ، فقال : إن هذين الرجلين قد خرجا حيث علمتم ، و كلاهما فاتك صاحب شر غير مأمونين على أنفسهما ، و لا أدري ما يكون منهما و إني أبرأ إليكم من عمرو و جريرته فقد خلعته.

فقال : عند ذلك بنو المغيرة و بنو مخزوم ، و أنت تخاف عمرا على عمارة ، و نحن فقد خلعنا عمارة و تبرأنا إليك من جريرته ، فحل بين الرجلين ، قال : قد فعلت ، فخلعوهما و برئ كل قوم من صاحبهم و ما يجري منه.

قال فلما اطمأنا : بأرض الحبشة ، لم يلبث عمارة بن الوليد أن دب لامرأة النجاشي ، و كان جميلا صبيحا وسيما ، فأدخلته فاختلف إليها ، و جعل إذا رجع من مدخله ذلك يخبر عمرا بما كان من أمره .

فيقول عمرو : لا أصدقك أنك قدرت على هذا، إن شأن هذه المرأة أرفع من ذلك ، فلما أكثر عليه عمارة بما كان يخبره ، و كان عمرو قد علم صدقه و عرف أنه دخل عليها ، و رأى من حاله و هيئته و ما تصنع المرأة به إذا كان معها و بيتوتته عندها ، حتى يأتي إليه مع السحر ما عرف به ذلك و كانا في منزل واحد ، و لكنه كان يريد أن يأتيه بشيء لا يستطاع دفعه إن هو رفع شأنه إلى النجاشي .

فقال له : في بعض‏ ما يتذاكران من أمرها ، إن كنت صادقا فقل لها فلتدهنك بدهن النجاشي الذي لا يدهن به غيره ، فإني أعرفه ، و آتني بشيء منه حتى أصدقك .

قال : أفعل ، فجاء في بعض ما يدخل إليها فسألها ذلك ، فدهنته منه و أعطته شيئا في قارورة.

 فلما شمه : عمرو عرفه ، فقال : أشهد أنك قد صدقت ، لقد أصبت شيئا ما أصاب أحد من العرب مثله قط ، و نلت من امرأة الملك شيئا ما سمعنا بمثل هذا ، و كانوا أهل جاهلية و شبانا و ذلك في أنفسهم فضل لمن أصابه و قدر عليه.

ثم سكت عنه عمرو : حتى اطمأن و دخل على النجاشي .

فقال أيها الملك : إن معي سفيها من سفهاء قريش ، و قد خشيت أن يعرني عندك أمره ، و أردت أن أعلمك بشأنه ، و ألا أرفع ذلك إليك حتى استثبت أنه قد دخل على بعض نسائك فأكثر ، و هذا دهنك قد أعطته و أدهن به.

فلما شم النجاشي الدهن قال : صدقت هذا دهني الذي لا يكون إلا عند نسائي ، فلما أثبت أمره ، دعا بعمارة و دعا نسوة أخر فجردوه من ثيابه ، ثم أمرهن أن ينفخن في إحليله ثم خلى سبيله.

فخرج هاربا : في الوحش ، فلم يزل في أرض الحبشة حتى كانت خلافة عمر بن الخطاب ، فخرج إليه رجال من بني المغيرة ، منهم عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة ، و كان اسم عبد الله قبل أن يسلم بجيرا ، فلما أسلم سماه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبد الله ، فرصدوه على ماء بأرض الحبشة ، كان يرده مع الوحش ، فزعموا أنه أقبل في حمر من حمر الوحش ليرد معها ، فلما وجد ريح الإنس هرب منه ، حتى إذا أجهده العطش ورد فشرب حتى تملأ و خرجوا في طلبه.

قال عبد الله بن أبي ربيعة : فسبقت إليه فالتزمته ، فجعل يقول : أرسلني أني أموت إن أمسكتني ، قال عبد الله فضبطته ، فمات في يدي مكانه فواروه ، ثم انصرفوا.

و كان شَعره : فيما يزعمون قد غطى كل شي‏ء منه .

فقال عمرو بن العاص : يذكر ما كان صنع به و ما أراد من امرأته‏:

تعلم عمار أن من شر سنة
على المرء أن يدعى ابن عم له ابنما
أ أن كنت ذا بردين أحوى مرجلا
فلست براع لابن عمك محرما
إذا المرء لم يترك طعاما يحبه
و لم ينه قلبا غاويا حيث يمما
قضى وطرا منه يسيرا و أصبحت
إذا ذكرت أمثالها تملأ الفما

شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج6ص304 موضوع عمارة بن الوليد و عمرو بن العاص في الحبشة. المنجاف: سكان السفينة. عره: لطخه بالعيب ، وأنظر الخبر و الشعر في الأغاني ج9ص57- 59 طبعة الدار ، وروى هذه القصة كل من ذكر قصة الهجرة ورسل قريش للنجاش مختصرا أو مفصلا .

جعفر يحاور رسل قريش والنجاشي :

ويا طيب : بعد أن عرفت سبب هجرة المؤمنين من مكة المكرمة إلى الحبشة ، واجتماعهم فيها بأم وخير وسلامة ، وكيف أرسلت قريش أشرارهم لاسترجاعهم من الحبشة وما جرى بينهم ، نكمل الحديث عنهم وكيف تم لقائهم بالنجاشي وطلبهم منه وكيف رفضه النجاشي وما جرى من الحوار معه ، ومع جعفر بن أبي طالب المحاور عن المسلمين والمدافع عنهم بكل نجدة وشهامة وبأس كريم ، وقوة منطقه وحسن أسلوبه ، المعرفة لعلمه وفضله وقدرته على البيان رحمه الله .

ذكر بن أبي الحديد : في شرح نهج البلاغة موضعا في أمر عمرو بن العاص مع جعفر بن أبي طالب في الحبشة ، فقال :

و أما خبر : عمرو بن العاص في شخوصه إلى الحبشة ، ليكيد ، جعفر بن أبي طالب و المهاجرين من المؤمنين عند النجاشي، فقد رواه كل من صنف في السيرة.

قال محمد بن إسحاق : في كتاب المغازي ، قال : حدثني محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهري ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي ، عن أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومية زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله ، قالت :

لما نزلنا بأرض الحبشة : جاورنا بها خير جار النجاشي ، أمنا على ديننا ، و عبدنا الله لا نؤذى كما كنا نؤذى بمكة ، و لا نسمع شيئا نكرهه .

فلما بلغ ذلك قريشا : ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشي في أمرنا ، رجلين منهم جلدين.

 و أن يهدوا للنجاشي : هدايا مما يستطرف من متاع مكة و كان من أعجب ما يأتيه منه الأدم ( الطعام ) فجمعوا أدما كثيرا ، و لم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا إليه هدية .

ثم بعثوا بذلك : مع عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي ، و عمرو بن العاص بن وائل السهمي ، و أمروهما أمرهم ، و قالوا لهما : أدفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلما النجاشي فيهم....

شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج6ص307.

 

ويا طيب : نكمل حديث أم سلمة من السيرة النبوية لمحمد بن أسحاق لأنه أقدم المؤرخين ، جاء في تكملة حديث أم سلمة السابق ، قالت رحمها الله :

فلما رأت قريش : أن قد أصبنا داراً وأمناً ، أجمعوا على أن يبعثوا إليه فينا ليخرجنا من بلاده وليردنا عليهم، فبعثوا عمرو بن العاصي، وعبد الله بن أبي ربيعة، فجمعوا له هدايا ولبطارقته، فلم يدعوا منهم رجلاً إلا هيأوا له هدية على ذي حده، وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا فيهم، ثم ادفعوا إليه هداياه، وإن استطعتم أن يردهم عليكما قبل أن يكلمهم فافعلا.

فقدما عليه: فلم يبق بطريق من بطارقته إلا قدموا له هديته ، وكلموه وقالوا له: إنا قدمنا على هذا الملك في سفهاء من سفهائنا فارقوا أقوامهم في دينهم ولم يدخلوا في دينكم، فبعثنا قومهم فيهم ليردهم الملك عليهم، فإذا نحن كلمناه فأشيروا عليه بأن يفعل، فقالوا: نفعل.

 ثم قدما : إلى النجاشي هداياه، وكان أحب ما يهدى إليه من مكة الأدم (الأطعمة)، فلما أدخلوا عليه هداياه .

 قالوا له: أيها الملك إن فتية منا سفهاء فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه، وقد لجأوا إلى بلادك، فبعنا إليك فيهم عشائرهم: آباؤهم، وأعمامهم، وقومهم لتردهم عليهم، فهم أعلى بهم عيناً.

 فقالت بطارقته: صدقوا أيها الملك ، لو رددتهم عليهم كانوا هم أعلى بهم عيناً، فإنهم لم يدخلوا في دينك فتمنعهم بذلك.

 فغضب ثم قال: لا لعمر الله لا أردهم عليهم حتى أدعوهم وأكلمهم وأنظر ما أمرهم، قوم لجأوا إلى بلادي واختاروا جواري على جوار غيري، فإن كانوا كما يقولون رددتهم عليهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم ولم أخل بينهم وبينهم، ولم أنعمهم عيناً.

فأرسل إليهم النجاشي : فجمعهم ولم يكن شيء أبغض إلى عمرو بن العاصي وعبد الله بن أبي ربيعة ، من أن يسمع كلامهم.

فلما جاءهم : رسول النجاشي اجتمع القوم ، فقالوا: ماذا تقولون؟

فقالوا: وماذا نقول، نقول والله ما نعرف، وما نحن عليه من أمر ديننا، وما جاء به نبينا كائن في ذلك ما كان، فلما دخلوا عليه .

كان الذي يكلمه : منهم جعفر بن أبي طالب.

 فقال له النجاشي: ما هذا الدين الذي أنتم عليه، فارقتم دين قومكم، ولا تدخلوا في يهودية ولا نصرانية، فما هذا الدين؟

 فقال جعفر:

أيها الملك : كنا قوماً على الشرك، نعبد الأوثان، ونأكل الميتة، ونسيء الجوار، ونستحل المحارم بعضنا من بعض في سفك الدماء وغيرها، لا نحل شيئاً ولا نحرمه، فبعث الله إلينا نبياً من أنفسنا نعرف وفاءه وصدقه وأمانته ، فدعانا إلى أن نعبد الله وحده لا شريك له، ونصل الرحم، ونحسن الجوار، ونصلي ونصوم، ولا نعبد غيره.

 فقال النجاشي : هل معك شيء مما جاء به ، وقد دعا أساقفته فأمرهم فنشروا المصاحف حوله ؟

فقال جعفر: نعم.

 قال النجاشي: هلم فاتل علي ما جاء به.

 فقرأ جعفر : عليه صدراً من كهيعص _ { كهيعص (1) ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) .... وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16) فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا (18) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا (21) فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22) فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا (23) فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25)

فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا (26) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ( 34) } مريم .

فبكى والله النجاشي : حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم.

ثم قال النجاشي : إن هذا الكلام ليخرج من المشكاة الذي جاء بها موسى، انطلقوا راشدين، لا والله لا أردهم عليكم ولا أنعمكم عيناً. فخرجا من عنده.

 

 وكان أتقى : الرجلين فينا عبد الله بن أبي ربيعة، فقال له عمرو بن العاصي: والله لآتينه غدا بما أستأصل به خضراءهم، لأخبرنه أنهم يزعمون أن إلهه الذي يعبد - عيسى بن مريم - عبد.

 فقال له عبد الله بن ربيعة: لا تفعل فإنهم وإن كانوا خالفونا فإن لهم رحماً ولهم حقاً.

 فقال: والله لأفعلن.

فلما كان الغد : دخل عليه ـ، فقال: أيها الملك إنهم يقولون في عيسى قولاً عظيماً، فأرسل إليهم فسلهم عنه، فبعث إليهم، ولم ينزل بنا مثلها.

 فقال بعضنا لبعض: ماذا تقولون له في عيسى إن هو سألكم عنه؟

فقالوا: نقول والله الذي قاله فيه، والذي أمرنا نبينا أن نقوله فيه، فدخلوا عليه، وعنده بطارقته.

 فقال النجاشي : ما تقولون في عيسى بن مريم؟

فقال له جعفر: نقول: هو عبد الله ورسوله وكلمته وروحه ألقاها إلى مريم العذراء البتول.

 فدلى النجاشي : يده إلى الأرض فأخذ عويداً بين أصبعيه ، فقال: ما عدا عيسى ابن مريم مما قلت هذا العود ، فتناخرت بطارقته.

 فقال النجاشي : وإن تناحرتم والله، إذهبوا فأنتم شيوم بأرضي، والشيوم: الآمنون، ومن سبكم غرم، ومن سبكم غرم، ومن سبكم غرم، ثلاثاً، ما أحب أن لي دبيراً، وأني آذيت رجلاً منكم، والدبير بلسانهم الذهب.

 فو الله : ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي، فآخذ الرشوة فيه، ولا أطاع الناس في فأطيع الناس فيه، ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لنا بها، واخرجا من بلادي، فخرجا مقبوحين مردود عليهما ما جاءا به.

ثم قالت أم سلمة رحمها الله : فأقمنا مع خير جار في خير دار، فلم ينشب أن خرج عليه رجل من الحبشة ينازعه في ملكه، فو الله ما علمنا حزناً قط كان أشد منه، فرقاً أن يظهر ذلك الملك عليه فيأتي ملك لا يعرف من حقنا ما كان يعرف، فجعلنا ندعوا الله ونستنصره للنجاشي، فخرج إليه سائراً.

 فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعضهم لبعض: من رجل يخرج فيحضر الوقعة حتى ينظر على من تكون.

 فقال الزبير : - وكان من أحدثهم سناً - : أنا، فنفخوا له قربة، فجعلها في صدره ، ثم خرج يسبح عليها في النيل حتى خرج من شقه الآخر إلى حيث التقى الناس، فحضر الوقعة، فهزم الله ذلك الملك وقتله، وظهر النجاشي عليه، فجاءنا الزبير فجعل يليح إلينا بردائه ويقول: ألا أبشروا فقد أظهر الله النجاشي، فو الله ما علمنا فرحنا بشيء قط فرحنا بظهور النجاشي، ثم أقمنا عنده حتى خرج من خرج منا راجعاً إلى مكة، وأقام من أقام.

 السيرة النبوة محمد بن أسحاق ج1ص74. أعلى بهم عينا أبصر بهم وأعرف.

مشكاة: أي الثقب الذى يوضع فيه الفتيل والمصباح، وهى الكوة غير النافذ.

واستأصل به خضراءهم: أي جماعتهم وقوتهم ومعظمهم، وقيل: شجرتهم التي تفرعوا منها. تناخرت: أي تكلموا عن غضب ونفور.

 

وعن بن أبي الحديد : و روي عن عبد الله بن جعفر بن محمد عليهم السلام أنه قال‏ :

لقد كاد عمرو بن العاص : عمنا جعفرا بأرض الحبشة عند النجاشي ، و عند كثير من رعيته بأنواع الكيد ، ردها الله تعالى عنه بلطفه .

رماه : بالقتل و السرق و الزنا ، فلم يلصق به شي‏ء من تلك العيوب ، لما شاهده القوم من طهارته و عبادته و نسكه و سيما النبوة عليه .

فلما نبا معوله : عن صفاته ، هيأ له سما قذفه إليه في طعام ، فأرسل الله هرا كفأ تلك الصحفة ، و قد مد يده نحو ثم مات لوقته ، و قد أكل منها .

فتبين لجعفر : كيده و غائلته ، فلم يأكل بعدها عنده .

و ما زال : ابن الجزار ، عدوا لنا أهل البيت.

شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج6ص312. نبا معوله : خاب كيده .

 

رواية أخرى لقصة الهجرة وحوارهم:

وذكر علي بن إبراهيم : في تفسير قوله تعالى :

{ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى (82) ‏ } المائدة .

 فَإِنَّهُ كَانَ سَبَبُ نُزُولِهَا: أَنَّهُ لَمَّا اشْتَدَّتْ قُرَيْشٌ فِي أَذَى رَسُولِ اللَّهِ وَ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ ، أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يَخْرُجُوا إِلَى الْحَبَشَةِ.

 وَ أَمَرَ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام : أَنْ يَخْرُجَ مَعَهُمْ.

 فَخَرَجَ جَعْفَرٌ : وَ مَعَهُ سَبْعُونَ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، حَتَّى رَكِبُوا الْبَحْرَ.

 فلما بلغ قريش : خروجهم ، بعثوا عمرو بن العاص و عمارة بن الوليد إلى النجاشي ليردوهم إليهم، و كان عمرو و عمارة متعاديين.

 فقالت قريش : كيف نبعث رجلين متعاديين، فبرئت بنو مخزوم من جناية عمارة ، و برئت بنو سهم من جناية عمرو بن العاص.

فخرج عمارة : و كان حسن الوجه شابا مترفا، فأخرج عمرو بن العاص أهله معه، فلما ركبوا السفينة شربوا الخمر، فقال عمارة : لعمرو بن العاص قل لأهلك تقبلني، فقال عمرو أ يجوز هذا سبحان الله فسكت عمارة فلما انتشى‏ عمرو و كان على صدر السفينة، دفعه عمارة و ألقاه في البحر، فتشبث عمرو بصدر السفينة، و أدركوه فأخرجوه.

 فَوَرَدُوا عَلَى النَّجَاشِيِّ : و قد كانوا حملوا إليه هدايا فقبلها منهم، فقال عمرو بن العاص: أيها الملك، إن قوما منا خالفونا في ديننا و سبوا آلهتنا ، و صاروا إليك فردهم إلينا.

 فَبَعَثَ النَّجَاشِيُّ : إِلَى جَعْفَرٍ فَجَاءُوا بِهِ.

 فَقَالَ : يَا جَعْفَرُ مَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ .

فَقَالَ جَعْفَرٌ : أَيُّهَا الْمَلِكُ وَ مَا يَقُولُونَ ؟

قَالَ : يَسْأَلُونَ أَنْ أَرُدَّكُمْ إِلَيْهِمْ.

قَالَ جَعْفَرٌ : أَيُّهَا الْمَلِكُ ، سَلْهُمْ أَ عَبِيدٌ نَحْنُ لَهُمْ .

فَقَالَ عَمْرٌو : لَا بَلْ أَحْرَارٌ كِرَامٌ.

قَالَ جَعْفَرٌ : فَسَلْهُمْ أَ لَهُمْ عَلَيْنَا دُيُونٌ يُطَالِبُونَنَا بِهَا .

قَالَ : لَا مَا لَنَا عَلَيْكُمْ دُيُونٌ.

قَالَ جَعْفَرٌ : فَلَكُمْ فِي أَعْنَاقِنَا دِمَاءٌ تُطَالِبُونَنَا بِهَا .

قَالَ عَمْرٌو : لَا.

 قَالَ جَعْفَرٌ : فَمَا تُرِيدُونَ مِنَّا ، آذَيْتُمُونَا فَخَرَجْنَا مِنْ بِلَادِكُمْ.

فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ : أَيُّهَا الْمَلِكُ، خَالَفُونَا فِي دِينِنَا وَ سَبُّوا آلِهَتَنَا، وَ أَفْسَدُوا شَبَابَنَا وَ فَرَّقُوا جَمَاعَتَنَا، فَرُدَّهُمْ إِلَيْنَا لِنَجْمَعَ أَمْرَنَا.

فَقَالَ جَعْفَرٌ : نَعَمْ أَيُّهَا الْمَلِكُ خَالَفْنَاهُمْ، بِأَنَّهُ بَعَثَ اللَّهُ فِينَا نَبِيّاً.

 أَمَرَ: بِخَلْعِ الْأَنْدَادِ، وَ تَرْكِ الِاسْتِقْسَامِ بِالْأَزْلَامِ، وَ أَمَرَنَا : بِالصَّلَاةِ وَ الزَّكَاةِ، وَ حَرَّمَ الظُّلْمَ وَ الْجَوْرَ، وَ سَفْكَ الدِّمَاءِ بِغَيْرِ حَقِّهَا ، وَ الزِّنَا ، وَ الرِّبَا ، وَ الْمَيْتَةِ ، وَ الدَّم.

وَ أَمَرَنَا : بِالْعَدْلِ ، وَ الْإِحْسانِ ، وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى‏.

وَ يَنْهى‏ : عَنِ الْفَحْشاءِ ، وَ الْمُنْكَرِ ، وَ الْبَغْيِ‏.

 فَقَالَ النَّجَاشِيُّ : بِهَذَا بَعَثَ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ .

ثُمَّ قَالَ النَّجَاشِيُّ : يَا جَعْفَرُ ، هَلْ تَحْفَظُ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّكَ شَيْئاً ؟

قَالَ : نَعَمْ ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ سُورَةَ مَرْيَمَ ، فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى قَوْلِهِ : { وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا .. (26) } مريم.

 فَلَمَّا سَمِعَ النَّجَاشِيُّ : بِهَذَا ، بَكَى بُكَاءً شَدِيداً، وَ قَالَ : هَذَا وَ اللَّهِ هُوَ الْحَقُّ.

فقال عمرو بن العاص : أيها الملك، إن هذا مخالفنا فرده إلينا، فرفع النجاشي يده فضرب بها وجه عمرو ، ثم قال : اسكت، و الله يا هذا ، لئن ذكرته بسوء لأفقدنك نفسك، فقام : عمرو بن العاص من عنده- و الدماء تسيل على وجهه و هو يقول- إن كان هذا كما تقول أيها الملك فإنا لا نتعرض له.

تفسير القمي ج1ص176.

 

وفي رواية اليعقوبي :

ذكر اليعفوبي في تأريخه : مهاجرة الحبشة :

ولما رأى رسول الله : ما فيه أصحابه من الجهد والعذاب ، وما هو فيه من الأمن بمنع أبي طالب عمه إياه .

قال لهم : أرحلوا مهاجرين إلى أرض الحبشة إلى النجاشي فإنه يحسن الجوار .

فخرج في المرة الأولى : اثنا عشر رجلا ، وفي المرة الثانية : سبعون رجلا سوى أبنائهم ونسائهم ، وهم المهاجرون الأولون .

 فكان لهم : عند النجاشي منزلة ، وكان يرسل إلى جعفر فيسأله عما يريد .

فلما بلغ قريشا ذلك : وجهت بعمرو بن العاص وعمارة بن الوليد المخزومي إلى النجاشي بهدايا ، وسألوه أن يبعث إليهم بمن صار إليه من أصحاب رسول الله ، وقالوا : سفهاء من قومنا خرجوا عن ديننا وضللوا أمواتنا وعابوا آلهتنا ، وإن تركناهم ورأيهم لم نأمن أن يفسدوا دينك ، فلما قال عمرو وعمارة للنجاشي هذا.

أرسل إلى جعفر فسألة ، فقال جعفر :

إن هؤلاء : على شر دين يعبدون الحجارة ويصلون للأصنام ، ويقطعون الأرحام ، ويستعملون الظلم ، ويستحلون المحارم .

وإن الله : بعث فينا نبيا من أعظمنا قدرا ، وأشرفنا سررا ، وأصدقنا لهجة ، وأعزنا بيتا ، فأمر عن الله بترك عبادة الأوثان ، واجتناب المظالم والمحارم ، والعمل بالحق والعبادة له وحدة :

فرد على عمرو وعمارة الهدايا ، وقال : أدفع إليكم قوما في جواري على دين الحق ، وأنتم على دين الباطل ؟!

وقال لجعفر : اقرأ علي شيئا مما أنزل على نبيكم .

فقرأ عليه : كهيعص ، فبكى وبكى من بحضرته من الأساقفة ....

تأريخ اليعقوبي ج2ص29.

 

عمل المهاجرين في الحبشة :

يا طيب : لم أجد كيف كان يعيش المهاجرون في الحبشة وما هو شغلهم وأعمالهم ، والفترة طويلة تقدر أربعة عشر سنة من سنة خمسة بعد البعثة إلى سنة سبعة للهجرة ، ولكن الظاهر من جملة أعمالهم هو الغوص في البحر لاستخراج درره وكذلك صيد السمك ، ولمعرفة إشارة لهذا المعنى نذكر ما ذكره :

محمد بن يعقوب الكليني رحمه لله بسنده ، عن يوسف بن صهيب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول‏ :

إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أقبل يقول لأبي بكر في الغار، أسكن فإن الله معنا ، و قد أخذته الرعدة و هو لا يسكن .

فلما رأى رسول الله حاله قال له : تريد أن أريك أصحابي من الأنصار في مجالسهم‏ يتحدثون‏.

 وَأُرِيَكَ جَعْفَراً وَ أَصْحَابَهُ : فِي الْبَحْرِ يَغُوصُونَ ؟ قال‏ : نعم.

فمسح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : بيده على وجهه ، فنظر إلى الأنصار يتحدثون .

 وَ نَظَرَ إِلَى جَعْفَرٍ عليه السلام وَ أَصْحَابِهِ : فِي الْبَحْرِ يَغُوصُونَ ، فأضمر تلك الساعة أنه ساحر.

الكافي ج8ص262ح377. وذكره الشيخ لمفيد في الاختصاص ص19.

يا طيب : والواقعة حين رؤية جعفر وأصحابه يغصون في البحر في سنة ثلاثة عشر بعد البعث أي بعد ثمان سنوات من هجرتهم ، فتدبر لعله الحديث يدل على عملهم الرئيسي في الحبشة .

 

ويا طيب : نذكر بالمناسبة هذه الحديث ، وأيضا فيه ذكر جعفر بن أبي طالب عليه السلام:

ذكر الشيخ المفيد رحمه الله : في حديث هشام بن الحكم و دلائله على أفضلية علي عليه السلام عن أحمد بن الحسن قال حدثنا عبد العظيم بن عبد الله قال: قال هارون الرشيد لجعفر بن يحيى البرمكي : إني أحب أن أسمع كلام المتكلمين من حيث لا يعلمون بمكاني فيحتجون عن بعض ما يريدون .

فأمر جعفر المتكلمين : فأحضروا داره ، و صار هارون في مجلس يسمع كلامهم و أرخى بينه و بين المتكلمين سترا ، فاجتمع المتكلمون و غص المجلس بأهله ينتظرون هشام بن الحكم ، فدخل عليهم هشام و عليه قميص إلى الركبة و سراويل إلى نصف الساق ، فسلم على الجميع و لم يخص جعفرا بشيء .

فقال له : رجل من القوم لم فضلت عليا على أبي بكر و الله يقول‏ : { ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا (40)} التوبة .

فقال هشام : فأخبرني عن حزنه في ذلك الوقت أ كان لله رضى أم غير رضى ، فسكت .

فقال هشام : إن زعمت أنه كان لله رضى فلم نهاه رسول الله ، فقال : { لا تحزن } أ نهاه عن طاعة الله و رضاه ، و إن زعمت أنه كان لله غير رضى ، فلم تفتخر بشيء كان لله غير رضى ، و قد علمت ما قد قال الله تبارك و تعالى حين قال : {‏ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى‏ رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ‏ (26) } الفتح . ..

و لكنكم قلتم و قلنا و قالت العامة : الجنة اشتاقت إلى أربعة نفر إلى علي بن أبي طالب عليه السلام و المقداد بن الأسود و عمار بن ياسر و أبي ذر الغفاري ، فأرى صاحبنا قد دخل مع هؤلاء في هذه الفضيلة ، و تخلف عنها صاحبكم ، ففضلنا صاحبنا على صاحبكم بهذه الفضيلة .

و قلتم و قلنا و قالت العامة : إن الذابين عن الإسلام أربعة نفر علي بن أبي طالب عليه السلام ، و الزبير بن العوام و أبو دجانة الأنصاري و سلمان الفارسي ، فأرى صاحبنا قد دخل مع هؤلاء في هذه الفضيلة ، و تخلف عنها صاحبكم ، ففضلنا صاحبنا على صاحبكم بهذه الفضيلة .

و قلتم و قلنا و قالت العامة : إن القراء أربعة نفر علي بن أبي طالب عليه السلام و عبد الله بن مسعود و أبي بن كعب و زيد بن ثابت ، فأرى صاحبنا قد دخل مع هؤلاء في هذه الفضيلة، و تخلف عنها صاحبكم ، ففضلنا صاحبنا على صاحبكم بهذه الفضيلة .

و قلتم و قلنا و قالت العامة : إن المطهرين من السماء أربعة نفر علي بن أبي طالب و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السلام ، فأرى صاحبنا قد دخل مع هؤلاء في هذه الفضيلة ، و تخلف عنها صاحبكم ، ففضلنا صاحبنا على صاحبكم بهذه الفضيلة .

وقلتم و قلنا و قالت العامة : إن الأبرار أربعة نفر علي بن أبي طالب و فاطمة والحسن و الحسين عليهم السلام ، فأرى صاحبنا قد دخل مع هؤلاء في هذه الفضيلة ، وتخلف عنها صاحبكم ، ففضلنا صاحبنا على صاحبكم بهذه الفضيلة .

وَ قُلْتُمْ وَ قُلْنَا وَ قَالَتِ الْعَامَّةُ : إِنَّ الشُّهَدَاءَ أَرْبَعَةُ نَفَرٍ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَ جَعْفَرٌ وَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، فَأَرَى صَاحِبَنَا قَدْ دَخَلَ مَعَ هَؤُلَاءِ فِي هَذِهِ الْفَضِيلَةِ ، وَ تَخَلَّفَ عَنْهَا صَاحِبُكُمْ ، فَفَضَّلْنَا صَاحِبَنَا عَلَى صَاحِبِكُمْ بِهَذِهِ الْفَضِيلَةِ .

قال : فحرك هارون الستر و أمر جعفر الناس بالخروج فخرجوا مرعوبين ، و خرج هارون إلى المجلس فقال : من هذا ابن الفاعلة فو الله لقد هممت بقتله و إحراقه بالنار .

الاختصاص ص96.

 ويا طيب : ذكرنا الحديث كله لما فيه من الفائدة ، فضلا عن رد إشكال قد يتصور بفضيلة لمن لحق النبي صدفة ، وإن قيل أن الدليل كان مع النبي وليس أبو بكر ، لأنهم كل من روى الهجرة ذكر أن الدليل : عبد الله بن أرَيْقط الليثي .

 

بقاء المهاجرين في الحبشة :

يا طيب : الظاهر بقاء المهاجرين في الحبشة كان بأمر رسول الله حتى يأذن لهم بالقدوم عليه ، وسترى أنه أرسل لهم في آخر سنة ستة من الهجرة بعد صلح الحديبية ، وقد روى :

وقال أحمد الموصلي : بهذا الإسناد عن أبي موسى قال بلغنا مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم ، ونحن باليمن ، فخرجنا مهاجرين إليه أنا و أخوان لي وأنا أصغرهم أحدهما أبو بردة والآخر أبو رهم ، إما قال في بضعة ، وإما قال في ثلاثة وخمسين أو اثنين وخمسين رجلاً من قومي .

قال : فركبنا سفينة ً فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة ، فوافقنا جعفر بن أبي طالبٍ وأصحابه عنده .

فقال جعفر : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعثنا ها هنا ، وأمرنا بالإقامة .

قال : فأقمنا معه حتى قدمنا جميعاً .

الجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم ج1ص183رقم 458ح35. أخرجه البخاري في: 64 كتاب المغازي: 38 باب غزوة خيبر. وسيأتي تمام الحديث في قصة حياة أسماء بنت عميس زوجة جعفر الطيار رحمها الله .

 

المهاجرون وأثر الهجرة:

يا طيب: عرفت أن سبب الهجرة ، هو أن كل قوم من عشائر قريش ، كانوا يعمدون إلى من أسلم منهم ويعذبوهم حتى يرجعوا عن الإسلام ، وكانوا يشددون عليهم ويشدوهم بالحجر ويعطشوهم ويجوعوهم ويسجنوهم ، ويؤذوهم كل أذية ، وحكيت بعض القصص عمن أوذي في سبيل الله من المهاجرين ، فأمرهم النبي الأكرم بالهجرة للحبشة ، لأنه فيها ملك عادل لا يضام عنده أحد ، وفعلا عرفت كيف رد كيد قريش وباء مكرهم وسعيهم بالفشل .

فكان الهجرة الأولى الصغرى : عشرة رجال مسلمين مع بعض نسائهم ، وكانت بقيادة عثمان بن مظعون ومعهم أي عثمان بن عفان ورقية بنت النبي ، فكانت الهجرة الأولى فاتحة خير ولم تدم أكثر من ثلاثة أشهر ورجعوا حين سمعوا أن أهل مكة أسلموا ولكن كان الخبر كاذب ، ثم هاجروا مع من هاجر في الهجرة الثانية بقيادة جعفر ، وكأنه أخبروا النبي بحسن سيرة النجاشي وما لقوا في هذه الأشهر الثالثة في الحبشة من حسن المعاملة ، وأنه لم يتعرض لهم أحد ، وكما أنهم لم يكن لهم أتصال بالنجاشي ، ولكن شعب أهل الحبشة لم يضايقهم ، فكان هذا الأمر مشجع للهجرة الثانية .

والأمر الثاني : إن جعفر بن أبي طالب عليه السلام ، لم يكن من المستضعفين وإن عشيرته وأقرباءه لم يؤذوه ، بل كانوا يحموه وبالخصوص أبوه أبو طالب ، وعرفت أنه أمره أبوه أن يصلي مع النبي الأكرم وأن يوصل جناح أبن عمه حين رأى يصلي النبي الأكرم وأبنه علي وحدهم ، والنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم تحت حماية أبو طالب عليه السلام وهو أصل الإسلام ودعوته وأسه ، فكذلك كان جعفر بن أبي طالب في حماية ورعاية أبوه أبو طالب ، ولم يكن ممن عذب في مكة ولا من المستضعفين الذين ضاق عليهم الأرض .

ولكن النبي الأكرم : صلى الله عليه وآله وسلم ، أختار جعفر بأن يكون قائد المجموعة لكبير من المهاجرين أي الهجرة الكبرى الثانية ، وذلك لما يراه فيه من الثقافة الدينية واستيعابه لكل تعاليم الإسلام ، ومعرفته بكل معارف هداه بأحسن وجه ، وإنه في قمة من الحكمة والدراية في نشر الهدى والدين بصراط مستقيم .

فكانت قيادة جعفر : قيادة موفقه ، كما عرفت في محاورته مع رسولي كفار قريش ، وكيف رد كيدهم بأحسن مجادلة ، وسترى أن جعفر أثر حتى على النجاشي وكثير من الرهبان حتى أسلموا .

فكانت الهجرة : إلى الحبشة الأولى والثانية ، بتدبر رباني أثر أحسن في نشر الإسلام وتعاليمه الكريمة ، وحماية مستضعفي المسلمين ، وكانت بقيادة مدبرة حكيمة ، عاشوا في الحبشة أربعة عشر سنة حتى عادوا للمدينة المنورة بهجرتهم الثانية .

 




 

بعض أخبار النجاشي وأحواله

 

يا طيب : قد عرفت المهم مما يحسن معرفته من سيرة المسلمين مع النجاشي وعدله وحسن سلوكه وكمال خلقه ، وإنه كان إنسان مسيحي شريف كريم فاضل ، وعرفت أنه أسلم وحسن إسلامه ، وسترى من رسائل النبي الأكرم له ورسائله للنبي إنه على مرتبة من الإيمان عالية ، بل من العارفين بحقائق هدى الله ومن الموقنين به ، كما أن الحبشة دولته كانت جنوب دولة السودان الآن وهي من دول قارة أفريقيا غرب البحر الأحمر تقريبا مقابل الجزيرة العربية ودولة يمن اليمن ، وكانت تشمل أرتيريا وما يقاربها من الدول ، وهذه الهجرة للمسلمين بينت إن هذا الشعب بالإضافة لملكهم له خلق كريم وآداب عالية ، حيث عاش المسلمون بينهم بأمن وأمان و لم يتعرضوا لضر ونفرة مع كونهم غرباء بينهم ، وبعد هذا نتعرف على ما يهم من قصص النجاشي الأخرى .    

 

النجاشي ملك الحبشة :

و النجاشي‏ : بفتح النون و تخفيف الجيم و بالشين المعجمة لقب ملك الحبشة ، و المراد هنا الذي أسلم و آمن بالنبي صلى الله عليه و آله و سلم و اسمه أصحمة بن بحر، أسلم قبل الفتح و مات قبله صلى عليه النبي صلى الله عليه و آله و سلم ...

أن والد النجاشي : كان ملك الحبشة ، و لم يكن له ولد غيره، و كان للنجاشي عم له اثنا عشر ولدا ، و أهل الحبشة قتلوا والد النجاشي و أطاعوا عمه و جعلوه ملكا ، و كان النجاشي في خدمة عمه.

 فقالت الحبشة للملك: إنا لا نأمن هذا الولد أن يتسلط علينا يوما و يطلب منا دم والده فاقتله، قال الملك: قتلتم والده بالأمس و أقتل ولده اليوم، أنا لا أرضى بذلك و إن أردتم بيعوه من رجل غريب يخرجه من دياركم ففعلوا ذلك .

فبعد زمان : أصيب الملك بصاعقة فمات ، و لم يكن أحد من أولاده قابلا للسلطنة ، فاضطروا إلى أن أتوا و أخذوا النجاشي من سيده قهرا بلا ثمن، و ردوه إلى بلادهم و ملكوه عليهم ، فجاء سيده و ادعى عليهم و رفع أمره إلى النجاشي و هو لا يعرفه فحكم له عليهم، و قال: أعطوه أما الغلام و إما الثمن، فأدوا إليه الثمن.

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول ج8ص243.

ويا طيب : عرفت قصة أخرى أنه كانت حرب مع من خالفه وأنتصر فيها في قصة الهجرة عن أم المؤمنين أم سلمة رحمها الله .

 

إسلام النجاشي والمهاجرين :

يا طيب : عرفت حال الهجرة والمهاجرين ، وهذا وصف مختصر لحال النجاشي مع المهاجرين وإسلامه :

عن سليمان بن داود الطيالسي : أبو داود قال : حدثنا حديج بن معاوية عن أبي إسحاق عن عبد الله بن عتبة عن عبد الله بن مسعود

قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي ونحن ثمانون رجلا ومعنا جعفر بن أبي طالب وعثمان بن مظعون.

وبعثت قريش عمارة بن الوليد وعمرو بن العاص وبعثوا معهما هدية إلى النجاشي فلما دخلا عليه ودفعا إليه الهدية ، وقالا : إن ناسا من قومنا رغبوا عن ديننا وقد نزلوا أرضك قال : فأين هم . قالوا : في أرضك ، فبعث إليهم النجاشي قال :

فقال : جعفر أنا خطيبكم اليوم ، فاتبعوه حتى دخلوا على النجاشي ، فسلم ولم يسجد. فقالوا له : مالك لا تسجد للملك .

فقال : إن الله عز وجل بعث إلينا نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فأمرنا أن لا نسجد إلا لله.

 فقال النجاشي : وما ذاك .

فأخبر : عمرو بن العاص ، أنهم يخالفونك في عيسى .

قال : فما تقولون في عيسى وأمه ؟

قال : نقول كما قال : الله عز وجل هو روح الله وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول التي لم يمسسها بشر ، ولم يفرضها ولد .

فتناول النجاشي عودا فقال : يا معشر القسيسين والرهبان ، ما يزيدون على ما نقول هؤلاء ما يزن هذه ، فمرحبا بكم وبمن جئتم من عنده .

فأنا : أشهد له أنه نبي .

 ولوددت : أني عنده فأحمل نعليه ، أو قال : أخدمه.

فانزلوا : حيث شئتم من أرضي .

فجاء : بن مسعود فبادر فشهد بدرا.

مسند أبي داود الطيالسي ص46. أي رجع بن مسعود في الهجرة قبل غزوة بدر وشارك بها . بحار الأنوار ج18ص421ح5.

وقال علي بن إبراهيم : وَ وُلِدَ لِلنَّجَاشِيِّ ابْنٌ فَسَمَّاهُ مُحَمَّداً .

تفسير القمي ج1ص178.

وقال مصعب الزبيري : قالوا: لما هاجر بن أبي طالب إلى أرض الحبشة، حمل أمرأته أسماء بنت عميس؛ فولدت له هناك أسماء بنت عميس: عبد الله، ومحمداً، وعوناً.

ثم ولد للنجاشي: بعدما ولدت أسماء بنت عميس ابنها عبد الله بأيام.

 فأرسل إلى جعفر: ما سميت أبنك؟ قال: عبد الله ؛ فسمى النجاشي أبنه عبد الله؛ وأخذته أسماء، فأرضعته حتى فطمته بلبن عبد الله بن جعفر.

 ونزلت : بذلك عندهم منزلة؛ فكان من أسلم بالحبشة يأتي أسماء بعد، يخبر خبرهم.

كتاب نسب قريش للزبيري ج3ص80. يا طيب : لعله الولد الأول للنجاشي أسمه عبد الله والولد الثاني أسمه محمد ، ولا تعارض بين الروايات .

 

رسالة النبي للنجاشي بعد رسل قريش:

ذكر الطبرسي رحمه لله : و فيما رواه أبو عبد الله الحافظ بإسناده عن محمد بن إسحاق قال: بعث رسول الله عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي ، فِي شَأْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَ أَصْحَابِهِ، وَ كَتَبَ مَعَهُ كِتَاباً:

 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏: مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى النَّجَاشِيِّ الْأَصْحَمَةِ مَلِكِ الْحَبَشَةِ .

سَلَامٌ عَلَيْكَ : فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ الْمَلِكَ الْقُدُّوسَ الْمُؤْمِنَ الْمُهَيْمِنَ ، وَ أَشْهَدُ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رُوحُ اللَّهِ‏ وَ كَلِمَتُهُ ، أَلْقاها إِلى‏ مَرْيَمَ‏ الْبَتُولِ الطَّيِّبَةِ الْحَصِينَةِ ، فَحَمَلَتْ‏ بِعِيسَى ، فَخَلَقَهُ مِنْ رُوحِهِ وَ نَفَخَهُ ، كَمَا خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ وَ نَفَخَهُ .

وَ إِنِّي أَدْعُوكَ : إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَ الْمُوَالاةِ عَلَى طَاعَتِهِ ، وَ أَنْ تَتَّبِعَنِي وَ تُؤْمِنَ بِي ، وَ بِالَّذِي جَاءَنِي .

فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ : وَ قَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمُ ابْنَ عَمِّي جَعْفَراً ، وَ مَعَهُ نَفَرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِذَا جَاءُوكَ فَاقْرِهِمْ ، وَ دَعِ التَّجَبُّرَ .

فَإِنِّي أَدْعُوكَ : وَ جُنُودَكَ إِلَى اللَّهِ ، وَ قَدْ بَلَّغْتُ وَ نَصَحْتُ فَاقْبَلُوا ، وَ السَّلامُ عَلى‏ مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى‏.

 

فكتب النجاشي إلى رسول الله :

 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ : إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ، مِنَ النَّجَاشِيِّ الْأَصْحَمَةِ بْنِ أَبْجَرَ.

 سَلَامٌ‏ عَلَيْكَ‏ : يَا نَبِيَ‏ اللَّهِ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الَّذِي هَدَانِي إِلَى الْإِسْلَامِ ، وَ قَدْ بَلَغَنِي كِتَابُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِيمَا أَكْبَرْتَ مِنْ أَمْرِ عِيسَى ، فَوَ رَبِّ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ إِنَّ عِيسَى مَا يَزِيدُ عَلَى مَا ذَكَرْتَ ، وَ قَدْ عَرَفْنَا مَا بَعَثْتَ بِهِ إِلَيْنَا .

وَ قَدْ قَرَيْنَا : ابْنَ عَمِّكَ وَ أَصْحَابَهُ .

فَأَشْهَدُ أَنَّكَ : رَسُولُ اللَّهُ صَادِقٌ مُصَدَّقُ ، قَدْ بَايَعْتُكَ .

وَ بَايَعْتُ : ابْنَ عَمِّكَ ، وَ أَسْلَمْتُ عَلَى يَدَيْهِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .

وَ قَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أريجان بْنَ الْأَصْحَمَةِ بْنِ أَبْجَرَ، فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي ، وَ إِنْ شِئْتَ أَنْ آتِيَكَ فَعَلْتُ .

يَا رَسُولَ اللَّهِ : فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنَّ مَا تَقُولُ حَقٌّ .

إعلام الورى بأعلام الهدى ص45. قصص الأنبياء عليهم السلام للراوندي ص323رقم 404.

 

رسالة النبي للنجاشي ليعود المهاجرين:

عن ابن اسحق قال: وهذا كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي:

بسم الله الرحمن الرحيم.

هذا كتاب من محمد النبي : إلى النجاشي الأصحم، عظيم الحبشة.

سلام : على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبه ولا ولداً وان محمداً عبده ورسوله، وأدعوك بدعاية الله فإني أنا رسوله، فأسلم تسلم، { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64) } آل عمران ، فإن أبيت فعليك إثم النصارى قومك.

سيرة ابن أسحاق ص 81 .

وذكر ابن سعد : بسنده عن بن عباس ، وعن عمرو بن أمية الضمري ، وقال دخل حديث بعضهم في حديث بعض ، قالوا : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من الحديبية في ذي الحجة سنة 6 ست ، أرسل الرسل إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام وكتب إليهم كتبا.

 فقيل : يا رسول الله إن الملوك لا يقرأون كتابا إلا مختوما.

 فاتخذ رسول الله صلى الله عليه وآله سلم : يومئذ خاتما من فضة فصه منه .

 نقشه ثلاثة أسطر :

محمد رسول الله ، وختم به الكتب .

 فخرج : ستة نفر منهم في يوم واحد ، وذلك في المحرم سنة 7 سبع ، وأصبح كل رجل منهم يتكلم بلسان القوم الذين بعثه إليهم ، فكان أول رسول بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي .

وكتب إليه : كتابين ، يدعوه في أحدهما إلى الإسلام ويتلو عليه القرآن .

فأخذ النجاشي : كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوضعه على عينيه ونزل من سريره فجلس على الأرض تواضعا ، ثم أسلم ، وشهد شهادة الحق .

وقال : لو كنت أستطيع أن آتيه لأتيته .

وكتب : إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإجابته وتصديقه وإسلامه على يدي جعفر بن أبي طالب لله رب العالمين .

 

وفي الكتاب الآخر : يأمره أن يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب ، وكانت قد هاجرت إلى أرض الحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش الأسدي فتنصر هناك ومات .

وأمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : في الكتاب ، أن يبعث إليه بمن قبله من أصحابه ويحملهم.

ففعل : فزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان ، وأصدق عنه أربعمائة دينار .

وأمر بجهاز المسلمين : وما يصلحهم وحملهم في سفينتين مع عمرو بن أمية الضمري .

ودعا بحق : من عاج ، فجعل فيه كتابي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال : لن تزال الحبشة بخير ما كان هذان الكتابان بين أظهرها.

الطبقات الكبرى لأبن سعد ج١ص٢٥٨.

وذكر الطبرسي : ثُمَّ بَعَثَ : إِلَى الرَّسُولِ بِهَدَايَا ،َ وَ بَعَثَ إِلَيْهِ بِثِيَابٍ وَ طِيبٍ كَثِيرَةٍ وَ فَرَسٍ ، وَ بَعَثَ إِلَيْهِ بِثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنَ الْقِسِّيسِينَ ، لِيَنْظُرُوا إِلَى كَلَامِهِ وَ مَقْعَدِهِ وَ مَشْرَبِهِ ، فَوَافَوُا الْمَدِينَةَ وَ دَعَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى الْإِسْلَامِ فَآمَنُوا وَ رَجَعُوا إِلَى النَّجَاشِيِّ.

إعلام الورى بأعلام الهدى ص45. قصص الأنبياء عليهم السلام للراوندي ص323.

ويا طيب : عرفت أنه كانت هجرت المؤمنين المستضعفين بقيادة جعفر بن أبي طالب عليه السلام ، هجرة موفقة ، وقد أثمرت إسلام عدة من الرهبان ونفس ملك الحبشة ، وحمت مستضعفي المؤمنين من أذية قريش ، والآن بعد أن فتح الله على المسلمين في المدينة المنورة ، بعث النبي رسالة للنجاشي يشكر إسلامه ، وأمره بأن يأذن للمؤمنين بالعودة للمدينة المنورة ، لأنه رفع الخطر عنهم ، والآن نذكر قصص عودتهم بل هجرتهم الثانية للمدينة بعد أن كانت الأولى للحبشة ، وسنذكر هدايا النجاشي للنبي الأكرم وبعض أحوالهم في الحبشة ، بل بعض أحوالهم مع النجاشي نفسه ، فتابع يا طيب .

 




هجرة جعفر وأصحابه الثانية
 من الحبشة للمدينة المنورة

 

يا طيب : كانت هجرة المسلمين من مكة المكرمة إلى الحبشة هجرتين صغرى وكبرى ، في الهجرة الأولى الصغرى ، في عدد من هاجر ومدتها ، كان فيها أحد عشر رجلاً وأربع نسوة في شهر رجب سنة 5 للبعثة، ولكنهم رجعوا في شوال في نفس السنة ، وذلك عندما سمعوا بخبر إسلام أهل مكة، ثم عاد بعضهم إلى الحبشة عندما عرفوا بكذب الخبر.

والهجرة الثانية الكبرى : في عدد من هاجر ومدتها ، كان عدد المهاجرين ثلاثة وثمانين رجلاً وتسع عشرة امرأة، يقودهم جعفر بن أبي طالب عليه السلام، وقد عرفت فيها قصتهم مع رسولي قريش وبيان جعفر لضلالهم وكفرهم ، وبيان جعفر لهدى الإسلام وتعاليمه الغراء بأحسن وجه حتى أسلم النجاشي وكثير من الرهبان، وعرفت أنه أرسل النبي بعد صلح الحديبية رسله ومنها إلى النجاشي يأمره بتكريم المهاجرين وإرسالهم إلى المدينة ، فكانت الهجرة الثانية من الحبشة للمدينة المنورة ، ورجع المهاجرون إلى المدينة في سنة 7 للهجرة في يوم 24 رجب ، فنذكر هنا بعض قصص عودتهم في هجرتهم الثانية للمدينة المنورة .

 

سرور النبي بقدوم جعفر والمهاجرين:

يا طيب : قدوم جعفر بن أبي طالب مع من هاجر معه من الحبشة ، كان يوم فتح خيبر وهو في يوم 24 رجب سنة 7 سبعة للهجرة على أشهر الأقوال.

 وذكر بن هشام : غَزْوَةُ خَيْبَر هي معركة جرت بين المسلمين وبين اليهود. وذكر ابن إسحاق أنها كانت في محرم من السنة السابعة للهجرة.

 السيرة النبوية لابن هشام ج3ص455.

 وذكر الواقدي : أنها كانت في صفر أو ربيع الأول من السنة السابعة للهجرة، بعد العودة من صلح الحديبية.

 كتاب المغازي ج2ص634.

 وذهب ابن سعد إلى أنها في جمادى الأولى سنة سبعٍ.

كتاب الطبقات الكبرى ج2ص106.

والقول الأخير : لبن سعد ، الظاهر هو الأرجح في أهم التقاويم الإسلامية الشيعية ، كتقويم الأحداث والوقائع التاريخية المنشور على شبكة رافد والذي أعده مركز البحوث والدراسات الفلكية ، وهو معتمد للمرجع آية الله السيستاني حفظه الله ، و تقويم دفتر تبليغات إسلامي قم ، و تقويم قدس لمركز البحوث في مشهد.

وذكروا أن يوم 24 شهر رجب سنة 7 سبعة كان فتح خيبر ، وقدوم جعفر الطيار عليه السلام من الحبشة إلى المدينة المنورة .

ويا طيب : كان فتح خيبر وقلع بابها على يد علي بن أبي طالب عليه السلام ، وذكرناها في قصة فتح خيبر في شرح معاني دحى ، وفي صحيف النبوة ، فراجع قصة الفتح مفصلا هناك ، وهنا نذكر قصة قدوم جعفر ومن هاجر معه من الحبشة واحتفاء وفرح النبي الأكرم وسروره بقدومه مع من معه ، فتدبر :

وعن الحسن : بن محمد بن يحيى العلوي رضي الله عنه قال حدثني جدي قال حدثنا داود بن القاسم قال حدثنا الحسن بن زيد قال : سمعت جماعة من أهل‏ بيتي يقولون‏ :

إِنَّ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَمَّا قَدِمَ مِنْ أَرْضِ‏ الْحَبَشَةِ وَ كَانَ بِهَا مُهَاجِراً.

 وَ ذَلِكَ يَوْمَ فَتْحِ خَيْبَرَ : قَامَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ فَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ .

ثُمَّ قَالَ : مَا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا أَنَا أَسَرُّ بِقُدُومِ جَعْفَرٍ أَوْ بِفَتْحِ خَيْبَرَ.

الخصال ج1ص76ح121 .

يا طيب : هذه عبارة تدل على أن سرور النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم صار مضاعفا ، وهو تعبير لطيف عن شدة الفرحة وعظمها .

 

وذكر الصدوق في الخصال أيضا : في باب استقبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعفر بن‏ أبي‏ طالب‏ عليه السلام لما انصرف من الحبشة اثنتي عشرة خطوة ، فقال : حدثني محمد بن القاسم المفسر المعروف بأبي الحسن الجرجاني رضي الله عنه قال حدثنا يوسف بن محمد بن زياد عن أبيه عن الحسن بن علي عن أبيه علي بن محمد عن أبيه محمد بن علي عن أبيه الرضا علي بن موسى عن أبيه موسى بن جعفر عن أبيه الصادق جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي الباقر عن أبيه زين العابدين علي بن الحسين عن أبيه الحسين بن علي عن أبيه علي بن أبي طالب عليه السلام :

‏ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ : لَمَّا جَاءَهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنَ الْحَبَشَةِ ، قَامَ إِلَيْهِ وَ اسْتَقْبَلَهُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ خُطْوَةً ، وَ عَانَقَهُ وَ قَبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَ بَكَى .

وَ قَالَ : لَا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا أَنَا أَشَدُّ سُرُوراً بِقُدُومِكَ يَا جَعْفَرُ أَمْ بِفَتْحِ اللَّهِ عَلَى أَخِيكَ خَيْبَرَ ، وَ بَكَى فَرَحاً بِرُؤْيَتِه .

الخصال ج2ص484ح58. عيون أخبار الرضا عليه السلام ج1ص254ح4.

يا طيب : هذا النص بفرح النبي بقدوم جعفر من الهجرة وتقبيله بين عينية وقوله المشهور بأيهما أسر بقدوم جعفر أو بفتح خيبر ، مشهور معروف عند العامة والخاصة ومتواتر ، وفيه دلالة كريمة على مقام جعفر وأهميته عند النبي الأكرم حتى لكان يساوي كل ملك خيبر بل أعز ، لأنه أظهر الفرح الشديد بقدومه ولم يحكى هذا عن فتح خيبر ، وإن كان فيه الكرامات الكثير لأخي جعفر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، لأنه كان فتح خيبر على يديه ، وحديث يحبه الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ..... .

 

 وذكر الطبرسي : و عن سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر قال:

 لَمَّا قَدِمَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عليهما السلام : مِنْ أَرْضِ‏ الْحَبَشَةِ .

تَلَقَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم : فَلَمَّا نَظَرَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ، حَجَلَ ( جعفر يَعْنِي مَشَى عَلَى رِجْلٍ وَاحِدَةٍ إِعْظَاماً لِرَسُولِ اللَّهِ ).

 فَقَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ : مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ.

و روى زرارة عن أبي جعفر :

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ : لَمَّا اسْتَقْبَلَ جَعْفَراً ، الْتَزَمَهُ ثُمَّ قَبَّلَ عَيْنَيْهِ

إعلام الورى بأعلام الهدى ص101.

ذكر أبو الفرج الأصفهاني : ذكر مقتل جعفر بن أبي طالب والسبب فيه وبعض أخباره قرأت ذلك على محمد بن جرير الطبري في كتاب المغازي فأقر به ، فذكر بسنده عن الأجلح، عن الشعبي قال :

 لما فتح النبي صلى الله عليه وآله خيبر : قدم جعفر بن أبي طالب رضوان الله عليه من الحبشة ، فالتزمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وجعل يقبل بين عينيه .

ويقول: ما أدري بأيهما أنا أشد فرحا بقدوم جعفر أم بفتح خيبر .

مقاتل الطالبيين ج1ص8.

 

وقال ابن الأثير : ولما هاجر إِلَى الحبشة أقام بها عند النجاشي ، إِلَى أن قدم عَلَى رَسُول اللَّهِ حين فتح خيبر، فتلقاه رَسُول اللَّهِ واعتنقه، وقبل بين عينيه.

 وقال: ما أدري بأيهما أنا أشد فرحًا، بقدوم جَعْفَر أم بفتح خيبر؟

 وأنزله رَسُول اللَّهِ : إِلَى جنب المسجد.

كتاب أسد الغابة ج2ص541ر759.

 

جعفر يقدم هدية النجاشي للنبي :

في مجالس الطوسي : عن ربيعة السعدي قال: حدثني حذيفة بن اليمان، قال:

 لَمَّا خَرَجَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ .

 قَدِمَ جَعْفَرٌ : وَ النَّبِيُّ بِأَرْضِ خَيْبَرَ .

 فَأَتَاهُ بِالْفَرْعِ‏ : مِنَ‏ الْغَالِيَةِ وَ الْقَطِيفَةِ .

فقال النبي صلى الله عليه و آله: لأدفعن هَذِهِ الْقَطِيفَةِ إِلَى رَجُلٍ يُحِبُّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ، وَ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ، فمد أصحاب النبي صلى الله عليه و آله أعناقهم إليها، فقال النبي صلى الله عليه و آله: أين علي ؟ فوثب عمار بن ياسر فدعا عليا عليه السلام، فلما جاء .

قَالَ لَهُ النَّبِيُّ: يَا عَلِيُّ، خُذِ الْقَطِيفَةَ إِلَيْكَ.

 فَأَخَذَهَا عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : و أمهل حتى قدم المدينة، فانطلق إلى البقيع، و هو سوق المدينة.

 فَأَمَرَ صَائِغاً : فَفَصَلَ‏ الْقَطِيفَةَ سِلْكاً سِلْكاً، فَبَاعَ الذَّهَبَ، وَ كَانَ أَلْفَ مِثَقَالِ، فَفَرَّقَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ، ثم رجع إلى منزله، و لم يترك له من الذهب قليلا و لا كثيرا.

 فلقيه النبي صلى الله عليه و آله: من غد في نفر من أصحابه ، فيهم حذيفة و عمار، فقال: يا علي، إنك أخذت بالأمس أَلْفَ مِثْقَالٍ، فَاجْعَلْ غَدَائِي الْيَوْمَ وَ أَصْحَابِي هَؤُلَاءِ عِنْدَك؟

وَ لَمْ يَكُنْ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : يَرْجِعُ يَوْمَئِذٍ إِلَى شَيْ‏ءٍ مِنَ الْعُرُوضِ‏ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّة. فقال حياء منه و تكرما: نعم يا رسول الله، و في الرحب و السعة، أدخل يا نبي الله أنت و من معك.

قال: فدخل النبي صلى الله عليه و آله ، ثم قال لنا: ادخلوا.

قال حذيفة: و كنا خمسة نفر، أنا و عمار و سلمان و أبو ذر و المقداد رضي الله عنهم ، فدخلنا .

و دخل علي : على فاطمة عليها السلام ، يبتغي عندها شيئا من زاد، فوجد في وسط البيت جفنة من ثريد تفور، و عليها عراق‏ كثير، كأن رائحتها المسك، فحملها علي عليه السلام حتى وضعها بين يدي النبي صلى الله عليه و آله و من حضر معه، فأكلنا منها حتى تملأنا، و لا ينقص منها قليل و لا كثير.

 و قام النبي صلى الله عليه وآله : حتى دخل على فاطمة عليها السلام .

و قال: أَنَّى لَكِ هَذَا الطَّعَامُ، يَا فَاطِمَةُ ، فَرَدَّتْ عَلَيْهِ وَ نَحْنُ نَسْمَعُ قَوْلَهُمَا.

 فَقَالَتْ: { هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (37) } آل عمران.

فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ : إِلَيْنَا مُسْتَعْبِراً، وَ هُوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُمِتْنِي حَتَّى رَأَيْتُ لِابْنَتِي مَا رَأَى زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَامُ لِمَرْيَمَ ، كَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً.

 فَيَقُولُ لَهَا: يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا فَتَقُولُ: { هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (37)} آل عمران .

الأمالي للطوسي ص614م29ح1271- 7. وعنه حلية الأبرار في أحوال محمد و آله الأطهار عليهم السلام ج2ص267ح6. وبحار الأنوار ج37ص105ب51ح8. الفرع : كلّ شي‏ء أعلاه وأغلاه، و المراد بالنفيس العالي منهما. العروض: جمع عرض، و هو المتاع و حطام الدنيا. لعراق: العظم جرّد لحمه.

 

وذكر الطبري الآملي بسنده : عن ربيعة السعدي، قال: حدثني حذيفة بن اليمان، قال:

لَمَّا خَرَجَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ ، أَرْسَلَ مَعَهُ النَّجَاشِيَّ : بِقَدَحٍ مِنْ‏ غَالِيَةٍ ، وَ قَطِيفَةٍ مَنْسُوجَةٍ بِالذَّهَبِ هَدِيَّةً إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ.

فَقَدِمَ جَعْفَرٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ : وَ النَّبِيُّ بِأَرْضِ خَيْبَرَ، فَأَتَاهُ بِالْقَدَحِ مِنَ الْغَالِيَةِ وَ الْقَطِيفَة ِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ: لَأَدْفَعَنَّ هَذِهِ الْقَطِيفَةَ إِلَى رَجُلٍ يُحِبُّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ، وَ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ ..... الحديث نفسه أعلاه.

دلائل الإمامة ص144ح51. وكلك في الدر النظيم في مناقب الأئمة اللهاميم ص464.الغالية: ضرب من الطّيب: مركب من مسك و عنبر و كافور و دهن البان و عود.

وذكر بن طاووس : فيما نذكره من المجلد الأول من تأويل ما أنزل من القرآن الكريم في النبي تأليف أبي عبد الله محمد بن العباس بن علي بن مروان المعروف بالحجام ... بسند ذكره .... عن أبي سعيد الخدري قال:

‏ أهديت إلى رسول الله : قطيفة منسوجة بالذهب‏ أهداها له ملك الحبشة ، فقال رسول الله : لأعطيها ... .

سعد السعود للنفوس منضود ص90.

وذكر الطبرسي : روى زرارة عن أبي جعفر عليه السلام :

أن رسول الله : لما استقبل جعفرا التزمه ثم قبل عينيه .

 قال: و كان رسول الله صل الله عليه وآله ، قبل أن يسير إلى خيبر، أرسل عمرو بن أمية الضمري‏ إلى النجاشي عظيم الحبشة ، و دعاه إلى الإسلام ، فأسلم و كان أمر عمرا الضمري أن يتقدم بجعفر و أصحابه.

 فَجَهَّزَ النَّجَاشِيُّ : جَعْفَراً وَ أَصْحَابَهُ ، بِجَهَازٍ حَسَنٍ ، وَ أَمَرَ لَهُمْ بِكِسْوَةٍ ، وَ حَمَلَهُمْ فِي سَفِينَتَيْنِ.

إعلام الورى بأعلام الهدى ص101.

 

جعفر يصف تواضع النجاشي:

محمد بن سنان عن بسطام الزيات عن أبي عبد الله عليه السلام قال:

لَمَّا قَدِمَ جَعْفَرُ بْنُ‏ أَبِي‏ طَالِبٍ‏ : مِنَ الْحَبَشَةِ ، قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أحدثك يا رسول الله .

دخلت على النجاشي : يوما من الأيام، و هو في غير مجلس الملك ، و في غير رياشه و في غير زيه فحييته بتحية الملك .

و قلت له: يا أيها الملك، ما لي أراك في غير مجلس الملك و في غير رياشه و في غير زيه ؟

فقال : إنا نجد في الإنجيل : من أنعم الله عليه بنعمة ، فليشكر الله .

و نجد في الإنجيل : أن ليس من الشكر لله شي‏ء يعدله ، مثل التواضع.

 و إنه ورد عليَّ : في ليلتي هذه ، أن ابن عمك محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ، قد أظفره الله بمشركي أهل بدر ، فأحببت أن أشكر الله تعالى بما ترى.

الزهد ص7ب10ح152 باب التواضع و الكبر. الأصول الستة عشر ص123ب10ح152.

 

وفي لكافي : بسنده عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أَرْسَلَ النَّجَاشِيُّ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ‏ أَبِي‏ طَالِبٍ‏ وَ أَصْحَابِهِ ، فدخلوا عليه ، و هو في بيت له جالس على التراب ، و عليه خلقان الثياب‏ .

 قال فَقَالَ جَعْفَرٌ عليه السلام: فَأَشْفَقْنَا مِنْهُ حين رأيناه على تلك الحال ، فلما رأى ما بنا و تغير وجوهنا .

قال : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَصَرَ مُحَمَّداً وَ أَقَرَّ عَيْنَهُ ، أَ لَا أُبَشِّرُكُم؟

 فَقُلْتُ : بَلَى أَيُّهَا الْمَلِكُ .

فقال : إنه جاءني الساعة من نحو أرضكم عين من عيوني هناك ، فأخبرني أن الله عز و جل قد نصر نبيه محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ، و أهلك عدوه ، و أسر فلان و فلان و فلان التقوا بواد يقال له: بدر ،كثير الأراك ، لكأني أنظر إليه‏ ، حيث كنت أرعى لسيدي هناك، و هو رجل من بني ضمرة.

 فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ : أَيُّهَا الْمَلِكُ فَمَا لِي أَرَاكَ جَالِساً عَلَى التُّرَابِ وَ عَلَيْكَ هَذِهِ الْخُلْقَانُ.

 فَقَالَ لَهُ يَا جَعْفَرُ : إنا نجد فيما أنزل الله على عيسى عليه السلام ، أن من حق الله على عباده، أن يحدثوا له تواضعا عند ما يحدث لهم من نعمة ، فلما أحدث الله عز و جل لي نعمة بمحمد صلى الله عليه وآله ، أحدثت لله هذا التواضع .

فلما بلغ : النبي صلى لله عليه وآله ، قال لأصحابه : إِنَّ الصَّدَقَةَ تَزِيدُ صَاحِبَهَا كَثْرَةً فَتَصَدَّقُوا يَرْحَمْكُمُ اللَّهُ ، وَ إِنَّ التَّوَاضُعَ يَزِيدُ صَاحِبَهُ رِفْعَةً فَتَوَاضَعُوا يَرْفَعْكُمُ اللَّهُ، وَ إِنَّ الْعَفْوَ يَزِيدُ صَاحِبَهُ عِزّاً فَاعْفُوا يُعِزَّكُمُ اللَّهُ.

الكافي ج2ص121ب59ح1. والأمالي للمفيد ص237م28ح2.

ويا طيب : شرح الحديث محمد باقر المجلسي رحمه الله ، فقال :

و جعفر بن أبي طالب‏ : هو أخو أمير المؤمنين عليه السلام و كان أكبر منه عليه السلام بعشر سنين و هو من كبار الصحابة و من الشهداء الأولين و هو صاحب الهجرتين هجرة الحبشة و هجرة المدينة، و استشهد يوم مؤتة سنة ثمان، و له إحدى و أربعون سنة ، فوجد فيما أقبل من جسده تسعون ضربة ما بين طعنة برمح و ضربة بسيف، و قطعت يداه في الحرب فأعطاه الله جناحين يطير بهما في الجنة فلقب ذا الجناحين.

 و قال الجوهري: ثوب خلق‏ : أي بال، يستوي فيه المذكر و المؤنث لأنه في الأصل مصدر الأخلق و هو الأملس و الجمع خلقان، انتهى.

 فأشفقنا منه : أي خفنا عن حاله و مما رأينا منه أن يكون أصابه سوء، يقال: أشفق منه أي خاف و حذر و أشفق عليه أي عطف عليه.

 و العين‏ : الجاسوس‏. و أهلك عدوه: أي السبعين الذين قتلوا، منهم أبو جهل و عتبة و شيبة و أسر أيضا سبعون، و بدر: اسم موضع بين مكة و المدينة و هو إلى المدينة أقرب، و يقال: هو منها على ثمانية و عشرين فرسخا، و عن الشعبي أنه اسم بئر هناك، قال: و سميت بدرا لأن الماء كان لرجل من جهينة اسمه بدر كذا في المصباح، و قال: الأراك‏ شجر من الخمط يستاك بقضبانه، الواحدة أراكة ، و يقال: هي شجرة طويلة ناعمة كثيرة الورق و الأغصان خوارة العود، و لها ثمر في عناقيد يسمى البرين يملأ العنقود الكف.

 لكأني أنظر إليه : أي هو في بالي كأني أنظر إليه الآن، و حيث‏ للتعليل، و يحتمل المكان بدلا من الضمير، و بنو ضمرة : بفتح الضاد و سكون الميم رهط عمر و بن أمية الضمري‏، و قيل: لكأني: حكاية كلام العين و هو بعيد، بل هو إشارة إلى ما ذكروا : إن والد النجاشي ملك الحبشة ، وقد ذكرناه في تعريف النجاشي في أول مواضيع أخبار النجاشي ..

و التواضع‏: هو إظهار الخشوع و الخضوع و الذل و الافتقار إليه تعالى عند ملاحظة عظمته و عند تجدد نعمه تعالى أو تذكرها، و لذا استحبت سجدة الشكر في هذه الأمة، و ورد مثل هذا التذلل بلبس أخس الثياب و أخشنها و إيصال مكارم البدن إلى التراب في بعض صلوات الحاجة.

 نزيد صاحبها كثرة: أي في الأموال و الأولاد و الأعوان في الدنيا و في الأجر في الآخرة.

 و أن التواضع: أي عدم التكبر و الترفع ، و إظهار التذلل لله و للمؤمنين يوجب رفع صاحبه في الدنيا و الآخرة.

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول ج8ص243.

حديث جعفر عن الحبشية :

يا طيب : هذا حديث كريم بنفسه عجيب ، وحكاه كثير من الرواة ، وبالخصوص من العامة ، وكذا الخاصة ، وفيه عبرة في ضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، كما يبين معرفة أهل الحبشة بالمعاد وضرورة العدل وإن الله ينتقم من الظالم ، فضلا عما فيه من تعريف جعفر وتقديره والفرح به من قبل رسول الله صلى لله عليه وسلم والاهتمام به وملاطفته والسماع منه .

عن عبد الله بن محمد أخبرنا محمد بن محمد حدثني موسى بن إسماعيل حدثنا أبي عن أبيه عن جده جعفر بن محمد عن أبيه عليهم السلام قال:

 لَمَّا قَدِمَ جَعْفَرُ بْنُ‏ أَبِي‏ طَالِبٍ‏ : ذُو الْجَنَاحَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ، الْتَزَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ فَقَبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ .

و قال رسول الله صلى الله عليه وآله : مَا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا أَنَا أَشَدُّ فَرَحاً بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِي مِنْ خَيْبَرَ أَوْ بِقُدُومِكَ يَا جَعْفَرُ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ .

فأخبرني : بأعجب شي‏ء مما رأيت بأرض الحبشة ؟

قَالَ جَعْفَرٌ : و الله إني لأمشي ذات يوم في السوق ، فأتت امرأة على رأسها مكتل‏ لها ، فمر رجل فزحمها فطرحها ، و وقع المكتل عن رأسها ، فجلست‏.

 فَرَحِمْتُهَا : فَرَفَعْتُ طَعَامَهَا .

فَقَالَتْ : ويل لك من ديان يوم الدين ، يوم يضع كرسيه للحساب ، فيأخذ للمظلوم من الظالم .

فقال : فَتَعَجَّبَ‏ رَسُولُ اللَّهِ ، وقال : لا قدست أي أمة أنه لا ينتصف لمظلومها من ظالمها ، و ذكر الحديث بطوله.

الجعفريات ص247 كتاب الرؤيا. ورواه عن أسماء في التوحيد بن خزيمة ج1ص247ح10، ورواه الكثير بهذا المعنى.

وعن ابن عساكر عن جابر قال: لما قدم جعفر بن أبي طالب ، من أرض الحبشة، تلقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما نظر جعفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حجل - مشى على رجل واحدة- إعظاما منه لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

 فقبّل : رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عينيه، وقال له: يا حبيبي، أنت أشبه الناس بخلقي وخلقي، وخلقت من الطينة التي خلقت منها.

حدثني : ببعض عجائب أرض الحبشة؟

قال: نعم، بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، بينا أنا سائر في بعض طرقاتها ، إذا بعجوز على رأسها مكتل ، فأقبل شاب يركض على فرس له، فرجمها فألقاها لوجهها، وألقى المكتل عن رأسها .

فاسترجعت : قائمة، وأتبعته النظر ، وهي تقول: الويل لك غدا إذا جلس الملك على كرسيّه فاقتصّ للمظلوم من الظالم.

قال جابر: فنظرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن دموعه على لحيته مثل الجمان .

 ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا قدّس الله أمة لا تأخذ للمظلوم حقه من الظالم غير متعتع .

تاريخ دمشق لابن عساكر ج72ص128ح14126.

ويا طيب : رسول الله أيد كلام المرأة الحبشية ، وإنه في أمة لا ينتصف المظلم من الظالم ولا يعان لأخذ حقه ، أمه غير مقدسة ونزيهة ، ويدل على ضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وعلى ضرورة نصر المظلوم حتى يأخذ بحقه ، ولم أجد باقي الحديث حتى فيمن رواه عن رواة آخرين وبأسلوب آخر ، ولكن بهذا من العبرة والموعظة الكافية التي تدعو لروايته .

فإن رسول الله صلى الله عليه وآله : فرح بقدوم جعفر ومن معه من الحبشة فرحا شديدا ، حتى قام له وقبله بين عينيه ، وأبرز حبه بما يدل على شدته وسروره بقدومه ، وستعرف أنه سيهبه صلاة التسابيح المعروفة بصلاة جعفر .

 

الصدقة بطريقهم للحبشة بسفينة :

ذكر ابن حيون المغربي : عن سعد بن طريف بإسناده، عن جعفر بن أبي طالب عليه السلام‏ : لما أن بعثه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الى النجاشي ، ركب البحر، فبيناهم يجرون في الليل ، إذ سمعوا قائلا يقول:

 أسمعوا : ما أقول لكم يا أهل السفينة و أخبركم به من ربكم، فتقدم جعفر عليه السلام الى مقدم السفينة.

فقال: أين مخبرنا عن ربنا ؟ فاذا قائل يقول:

إن الصدقات : بالنهار ، تطفئ غضب الرب.

و الصدقة : بالليل ، تطفئ الخطايا كما يطفئ الماء النار.

شرح الأخبار ج3ص202ح1131.

 

بعض أخبار مهاجري الحبشة :

يا طيب : نذكر هنا أهم الأخبار المتفرقة المهمة عن المهجرين من المسلمين في الحبشة ، وهم الحوادث المتفرقة ، ومنها :

 أنه كَانَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ : تحت عبد الله‏ ، فكتب رسول الله صلى الله عليه وآله إلى النجاشي يخطب أم حبيبة، فبعث إليها النجاشي فخطبها لرسول الله فأجابته، فزوجها منه و أصدقها أربعمائة دينار و ساقها عن رسول الله ، و بعث إليها بثياب و طيب كثير، و جهزها و بعثها إلى رسول الله .

تفسير القمي ج1ص178.وَ أُمُّ حَبِيبَةَ هي رَمْلَةُ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ، هاجرت مع زوجها عبد الله بن جحش إلى الحبشة ثم تنصر عبد الله هنالك و مات على النصرانية و ثبتت أم حبيبة على دينها الإسلام ثم تزوجها رسول الله . أنظر أعلام النساء.

 

إسلام قسيسين بعثهم النجاشي :

ذكر علي بن إبراهيم في تفسيره : وَ بَعَثَ (النجاشي) إِلَيْهِ ( للنبي ) بِثِيَابٍ وَ طِيبٍ وَ فَرَسٍ.

و بعث : ثلاثين رجلا من القسيسين.

 فقال لهم : انظروا إلى كلامه و إلى مقعده و مشربه و مصلاه.

 فلما وافوا المدينة : دعاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الإسلام و قرأ عليهم القرآن :{ إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِىءُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ (110)‏} المائدة.

فلما سمعوا : ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بكوا و آمنوا.

 و رجعوا إلى النجاشي : فأخبروه خبر رسول الله ، و قرءوا عليه ما قرأ عليهم، فبكى النجاشي و بكى القسيسون.

 وَ أَسْلَمَ النَّجَاشِيُّ : و لم يظهر للحبشة إسلامه، و خافهم على نفسه ، و خرج من بلاد الحبشة إلى النبي ، فلما عبر البحر توفي .

فأنزل الله على رسوله : { لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا جَاءنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمُ اللّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ (85) وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (86) ‏} المائدة.

تفسير القمي ج1ص179.

 

وذكر مقاتل في تفسير قوله تعالى : { لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ } ، كان اليهود يعاونون مشركي العرب على قتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ويأمرونهم بالمسير إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، { َالَّذِينَ أَشْرَكُواْ } يعني مشركي العرب أيضا ، كانوا شديدي العداوة للنبي صلى الله عليه وآله سلم وأصحابه رضي الله عنهم ، { وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً } ، وليس يعني في الحب ولكن يعني في سرعة الإجابة للإيمان ، { لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى } ، وكانوا في قرية تسمى ناصرة ، { ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا } يعني متعبدين أصحاب الصوامع ، { وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ (82) } المائدة ، يعني لا يتكبرون عن الإيمان .

نزلت في أربعين رجلا : من مؤمني أهل الإنجيل .

 منهم اثنان وثلاثون رجلا : قدموا من أرض الحبشة مع جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ، وثمانية نفر قدموا من الشام معهم بحيري الراهب ، وأبرهة ، والأشرف ، ودريس ، وتمام ، وقسيم ، ودريد ، وأيمن .

والقسيسون : الذين يحلقون أواسط رؤوسهم ، وذلك أنهم حين سمعوا القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم ، قالوا : ما أشبه هذا بالذي كنا نتحدث به عن عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم ، فبكوا وصدقوا بالله عز وجل ورسله ، فنزلت فيهم : { وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ } من القرآن { تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) } ، يعني صدقنا بالقرآن أنه من الله.

تفسير مقاتل بن سليمان ج١ص٣١٦.

 

النبي يصلي على النجاشي :

يا طيب : قد ذكرنا المهم من قصص النجاشي رحه الله ، وقد ذكروا أنه في رجب سنة 9 تسعة للهجرة توفى رحمه لله وبكاه النبي وصلى عليه، فأسمع القصة.

ذكر الصدوق رحمه الله : كبر النبي على النجاشي لما مات سبعا .

 حدثنا : محمد بن القاسم الأسترابادي رضي الله عنه قال حدثني يوسف بن محمد عن زياد ، عن أبيه عن الحسن بن علي عن أبيه عن محمد بن علي عن أبيه‏ علي بن موسى الرضا عن أبيه موسى بن جعفر عن آبائه عن علي عليهم السلام قال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

 لَمَّا أَتَاهُ جَبْرَئِيلُ : بِنَعْيِ النَّجَاشِيِّ ، بَكَى بُكَاءَ حَزِينٍ عَلَيْهِ .

وَ قَالَ : إِنَّ أَخَاكُمْ أَصْحَمَةَ ، وَ هُوَ اسْمُ النَّجَاشِيِّ مَاتَ .

ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْجَبَّانَةِ : وَ صَلَّى عَلَيْهِ ، وَ كَبَّرَ سَبْعاً .

فَخَفَضَ اللَّهُ لَهُ : كُلَّ مُرْتَفِعٍ حَتَّى رَأَى جِنَازَتَهُ وَ هُوَ بِالْحَبَشَةِ.

الخصال ج2ص360ح47. الجبانة : مصلح فقهي المقابر أي البقيع الغرقد في المدينة المنورة .

وقال الطبرسي : و في حديث جابر بن عبد الله‏ :

 إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ : صَلَّى عَلَى أَصْحَمَةَ النَّجَاشِيِّ.

إعلام الورى بأعلام الهدى ص45. قصص الأنبياء عليهم السلام للراوندي ص323.

 




 

صلاة جعفر الطيار
صلاة التسابيح

يا طيب : لأهمية صلاة جعفر الطيار ، و صلاة التسبيح ، أو صلاة الحبوة ، ذكرت في كل الكتب الفقهية والعبادية وبالخصوص المختصة بالذكر ولدعاء ، بل وفي مواضيع التوبة والاستغفار وقضاء الحوائج ومواضيع القرب من الله والزهد وغيرها الكثير ، وهي معروفة معمول بها عند الخاصة والعامة .

وسميت بصلاة جعفر الطيار : لأن النبي الأكرم أول ما علمها له ، وسميت بصلاة التسبيح أو صلاة التسابيح لأنه فيها ذكر التسبيحات الأربعة ثلاثمئة مرة ، وهي أربع ركعات في كل ركعة خمسة وسبعين تسبيحة من التسبيحات لأربعة : سبحان الله والحمد لله ولا إلاه إلا الله و الله أكبر ، وصلاة الحبوة لأن النبي الأكرم أعطاها ووهبها لجعفر كهدية لجهاده في سبيل الله حين رجعوه من الحبشة فكرمه بها كجائزة ، وهي له ولكل من عمل بها بعده ، ثوابها كثير وتقضي الحوائج وتكشف الهموم وتغفر الذنوب وهي توبة واستغفار وإنابة لله تعالى .

وصلاة جعفر : ركعتين تامة مع تشهد وتسبيح وفيها قنوت كصلاة الصبح ولكن تنوي فيها أصلي صلاة جعفر الطيار قربة إلى الله تعالى ، أو أصلي ركعتين قربة إل لله تعالى ، ثم ركعتين أخرى مثلها ، وفرقها عن صلاة الصبح فيها تسبيح في كل حالة وقوف وركوع ووقوف وسجود وبين السجودين وسجود وبعد السجود، وليس مثل صلاة الظهر والعصر والعشاء أربع ركعات متصلة ، كما يمكن الصلاة بدون تسبيح وقضاء التسبيح بعد وأنت ماشي أو أثناء العمل ، كما يمكن صلاة ركعتين ، وقضاء حاجة معينه ثم صلاة ركعتين أخرى ، ولها أحكما أخرى سنذكرها ، ولمعرفة هذه المعاني نتدبر الأحاديث الآتية :

 

صفة صلاة جعفر الطيار :

عن الكليني : علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن يحيى الحلبي عن هارون بن خارجة عن أبي بصير عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال:

 قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله لِجَعْفَرٍ : يَا جَعْفَرُ ، أَ لَا أَمْنَحُكَ ، أَ لَا أُعْطِيكَ ، أَ لَا أَحْبُوكَ‏ ؟

فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟

قال : فظن الناس أنه يعطيه ذهبا أو فضة ، فتشرف الناس‏ لذلك .

فقال له : إني أعطيك شيئا ، إن أنت صنعته في كل يوم كان خيرا لك من الدنيا و ما فيها ، و إن صنعته بين يومين غفر لك ما بينهما ، أو كل جمعة أو كل شهر أو كل سنة غفر لك ما بينهما.

تُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ :

تَبْتَدِئُ‏ فَتَقْرَأُ : و تقول إذا فرغت: سُبْحَانَ اللَّهِ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ اللَّهُ أَكْبَرُ ، تقول ذلك : خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً بَعْدَ الْقِرَاءَةِ .

فَإِذَا رَكَعْتَ : قُلْتَهُ عَشْرَ مَرَّاتٍ .

فَإِذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ مِنَ الرُّكُوعِ : قُلْتَهُ عَشْرَ مَرَّاتٍ.

فَإِذَا سَجَدْتَ : قُلْتَهُ عَشْرَ مَرَّاتٍ .

فَإِذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ مِنَ السُّجُودِ : فَقُلْ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ عَشْرَ مَرَّاتٍ .

فَإِذَا سَجَدْتَ الثَّانِيَةَ : فَقُلْ عَشْرَ مَرَّاتٍ .

فَإِذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ مِنَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ : قُلْتَ عَشْرَ مَرَّاتٍ وَ أَنْتَ قَاعِدٌ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ.

فَذَلِكَ : خَمْسٌ وَ سَبْعُونَ تَسْبِيحَةً فِي كُلِّ رَكْعَةٍ .

 ثَلَاثُمِائَةِ تَسْبِيحَةٍ : فِي أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ.

أَلْفٌ وَ مِائَتَا : تَسْبِيحَةٍ وَ تَهْلِيلَةٍ وَ تَكْبِيرَةٍ وَ تَحْمِيدَةٍ .

إِنْ شِئْتَ : صليتها بالنهار ، و إن شئت صليتها بالليل.

الكافي ج3ص465ح1باب91 صلاة التسبيح.

يا طيب : إن استحباب صلاة جعفر بهذه الصفة ثابت بإجماع علماء الإسلام إلا من شذ من العامّة حكاه في المنتهى ، و الأخبار من الجانبين مستفيضة ، و بعض العامّة لانحرافهم عن أمير المؤمنين عليه السلام نسبوها إلى العباس .

 أمنحك : المنحة عطاء مع تكريم وهي هبة الجائزة لمقام المعطى ولتقدير عمله الصالح وأفعاله الحسنة ، وأحبوك أعطيك مع حبة لك أو لأني أحبك ، والعطاء التمليك ، وتأكيده بالمنحة والحباء لأهميته وقيمته المعنوية العالية . والتشرف : هو نظر مع اهتمام لمعرفة الخبر مع مد العنق لتحقق معرفته .

يا طيب : وهذه رواية أخرى فيها بعض التفصيل لصفة ملاقاة جعفر مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

قال السيد بن طاووس رحمه الله : صلاة جعفر بن أبي طالب الطيار و يعرف بصلاة التسبيح ‏نرويها بإسنادنا من عدة طرق إلى الشيخ أبي المفضل محمد بن عبد الله ره قال حدثنا أبو أحمد عبد الله بن الحسين بن إبراهيم العلوي النصيبي قال حدثنا محمد بن علي بن حمزة العلوي العباسي قال حدثنا أبي و أبو هاشم‏ داود بن القاسم الجعفري ره قال:

 حدثنا : الرضا علي بن موسى عليه السلام ، عن أبيه موسى بن جعفر عليه السلام ، أن رجلا سأل أباه جعفر بن محمد عليه السلام عن صلاة التسبيح‏ ؟

فقال عليه السلام : تلك الحبوة ، حدثني أبي عن جدي علي بن الحسين عليهم السلام :

قال : لَمَّا قَدِمَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ ، تَلَقَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله عَلَى غَلْوَةٍ مِنْ مُعَرَّسِهِ بِخَيْبَرَ ، فَلَمَّا رَآهُ جَعْفَرٌ أَسْرَعَ إِلَيْهِ هَرْوَلَةً ، فَاعْتَنَقَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَ حَادَثَهُ شَيْئاً ، ثم ركب العضباء : و أردفه ، فلما انبعثت بهما الراحلة أقبل عليه.

 فقال : يَا جَعْفَرُ يَا أَخِي ، أَ لَا أَحْبُوكَ ، أَ لَا أُعْطِيكَ ، أَ لَا أَصْطَفِيكَ .

قال : فظن الناس أنه يعطي جعفرا عظيما من المال ، قال : و ذلك لما فتح الله على نبيه خيبر و غنمه أرضها و أموالها و أهلها .

فَقَالَ جَعْفَرٌ : بَلَى فِدَاكَ أَبِي وَ أُمِّي ، فَعَلَّمَهُ صَلَاةَ التَّسْبِيحِ‏ .

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقُ :

وَ صِفَتُهَا : أَنَّهَا أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ بِتَشَهُّدَتَيْنِ وَ تَسْلِيمَتَيْنِ .

فَإِذَا أَرَادَ أمْرُؤٌ أَنْ يُصَلِّيَهَا : فَلْيَتَوَجَّهْ :

فَلْيَقْرَأْ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى سُورَةَ الْحَمْدِ وَ إِذَا زُلْزِلَتْ ، وَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ سُورَةَ الْحَمْدِ وَ الْعَادِيَاتِ .

 وَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ : الْحَمْدَ وَ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ ، وَ فِي الرَّابِعَةِ : الْحَمْدَ وَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ .

 فإذا فرغ من القراءة : في كل ركعة ، فليقل قبل الركوع خمس عشرة مرة : سُبْحَانَ اللَّهِ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ اللَّهُ أَكْبَرُ ، و يقل ذلك في ركوعه عشرا

و إذا استوى : من الركوع قائما قالها عشرا فإذا سجد قالها عشرا .

فإذا جلس بين السجدتين : قالها عشرا .

فإذا سجد الثانية : قالها عشرا .

فإذا جلس ليقوم : قالها قبل أن يقوم عشرا .

يفعل ذلك : في الأربع ركعات ، تكون ثلاثمائة دفعة تكون ألفا و مائتي تسبيحة.

جمال الأسبوع بكمال العمل المشروع ص281، الغَلْوةُ : مقدارُ رميةِ سهمٍ، وتُقَدَّرُ بثلاث مئة ذراع إِلى أَربعمائة أي بين مائة وخمسون متر إلى مئتين متر . المُعَرَّسُ : المكانُ ينزلُ فيه المسافِرُ آخر الليل لِلاسْتِرَاحَةِ ، العضباء ناقة رسول الله.

 

الأدعية بعد صلاة جعفر :

يا طيب : نذكر الأدعية بعد صلاة جعفر الطيار أو ما تسمى صلاة التسابيح أو صلاة الحبوة ، عن الشيخ الطوسي في مصباح المتهجد لأنه أقدم من ذكرها من المؤلفين ، وقد ذكر رحمه الله :

وذكر الشيخ الطوسي رحمه في مصباح المتهجد : بعد وصف الصلاة الذي عرفته :

فإذا كان : في آخر سجدة من الركعة الرابعة ، قال بعد التسبيح:

سُبْحَانَ : مَنْ لَبِسَ الْعِزَّ وَ الْوَقَارَ ، سُبْحَانَ مَنْ تَعَطَّفَ بِالْمَجْدِ وَ تَكَرَّمَ بِهِ ، سُبْحَانَ مَنْ لَا يَنْبَغِي التَّسْبِيحُ إِلَّا لَهُ ، سُبْحَانَ مَنْ أَحْصَى كُلَّ شَيْ‏ءٍ عِلْمُهُ ، سُبْحَانَ ذِي الْمَنِّ وَ النِّعَمِ ، سُبْحَانَ ذِي الْقُدْرَةِ وَ الْكَرَمِ ، سُبْحَانَ ذِي الْعِزَّةِ وَ الْفَضْلِ ، سُبْحَانَ ذِي الْقُوَّةِ وَ الطَّوْلِ .

اللَّهُمَّ : إِنِّي أَسْأَلُكَ بِمَعَاقِدِ الْعِزِّ مِنْ عَرْشِكَ ، وَ مُنْتَهَى الرَّحْمَةِ مِنْ كِتَابِكَ ، وَ بِاسْمِكَ الْأَعْظَمِ ، وَ كَلِمَاتِكَ التَّامَّةِ ، الَّتِي تَمَّتْ صِدْقاً وَ عَدْلًا ، أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَ أَنْ تَفْعَلَ بِي كَذَا وَ كَذَا .

الكافي ج3ص466ح6. ومصباح المتهجد و سلاح المتعبد ج1ص304، باب صلاة التسبيح‏ و قد تسمى صلاة الحبوة و هي صلاة جعفر بن أبي طالب عليهم السلام.

 

وذكر الشيخ الطوسي : و في رواية أخرى تقول في هذه السجدة :

سُبْحَانَ اللَّهِ : الْوَاحِدُ الْأَحَدِ ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْأَحَدِ الصَّمَدِ ، سُبْحَانَ اللَّهِ الَّذِي‏ لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ  وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ، سُبْحَانَ اللَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ صاحِبَةً وَ لا وَلَداً ، سُبْحَانَ مَنْ لَبِسَ الْعِزَّ وَ الْوَقَارَ ، سُبْحَانَ مَنْ تَعَظَّمَ‏ بِالْمَجْدِ وَ تَكَرَّمَ بِهِ ، سُبْحَانَ مَنْ أَحْصَى كُلَّ شَيْ‏ءٍ عِلْمُهُ ، سُبْحَانَ ذِي الْفَضْلِ وَ الطَّوْلِ ، سُبْحَانَ ذِي الْمَنِّ وَ النِّعَمِ ، سُبْحَانَ ذِي الْقُدْرَةِ وَ الْأَمْرِ ، سُبْحَانَ ذِي الْمُلْكِ وَ الْمَلَكُوتِ ، سُبْحَانَ ذِي الْعِزَّةِ وَ الْجَبَرُوتِ ، سُبْحَانَ‏ الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ‏ ، سُبْحَانَ مَنْ سَبَّحَتْ لَهُ السَّمَاءُ بِأَكْنَافِهَا ، سُبْحَانَ مَنْ سَبَّحَتْ لَهُ الْأَرْضُ وَ مَنْ عَلَيْهَا ، سُبْحَانَ مَنْ سَبَّحَتْ لَهُ الطَّيْرُ فِي أَوْكَارِهَا ، سُبْحَانَ مَنْ‏ سَبَّحَتْ لَهُ السِّبَاعُ فِي إكامها ، سُبْحَانَ مَنْ سَبَّحَتْ لَهُ حِيتَانُ الْبَحْرِ وَ هَوَامُّهُ ، سُبْحَانَ مَنْ لَا يَنْبَغِي التَّسْبِيحُ إِلَّا لَهُ .

يَا مَنْ أَحْصَى : كُلَّ شَيْ‏ءٍ عِلْمُهُ ، يَا ذَا النِّعْمَةِ وَ الطَّوْلِ ، يَا ذَا الْمَنِّ وَ الْفَضْلِ ، يَا ذَا الْقُوَّةِ وَ الْكَرَمِ .

 أَسْأَلُكَ : بِمَعَاقِدِ الْعِزِّ مِنْ عَرْشِكَ ، وَ مُنْتَهَى الرَّحْمَةِ مِنْ كِتَابِكَ ، وَ بِاسْمِكَ الْأَعْظَمِ الْأَعْلَى ، وَ بِكَلِمَاتِكَ التَّامَّاتِ كُلِّهَا ، أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ ، وَ أَنْ تَفْعَلَ بِي كَذَا وَ كَذَا .

مصباح المتهجد و سلاح المتعبد ج1ص305. ومن لا يحضره الفقيه ج1 ص555ح1541عن الحسن بن محبوب .

وذكر بن طاووس علي بن موسى رحمه الله : القول في آخر سجدة منها أي صلاة جعفر الطيار ، ذكر بسنده : عن أبان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يَقُولُ فِي آخِرِ رَكْعَةٍ مِنْ ‏صَلَاةِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام : والذكر الدعاء أعلاه .

جمال الأسبوع بكمال العمل المشروع ص284.

يا طيب : وأن تفعل بي كذا وكذا ، أي أذكر حاجتك وأطلب من الله ما يهمك وتحب قضاءه بإنزال خيره أو دفع ضره ، لأنه من شروط الدعاء صدق النية بالتوجه لله وحمده وتمجيده والصلاة على النبي وآله ، وهذا نص الدعاء أعلاه ، ثم طلب الحاجة بذكرها مفصلا والإلحاح بالطلب بأن تقول أقضي لي هذه الحاجة أو الحاجات وتسميها مفصلا ، ولهذا ذكرت أدعية أخرى منها :

 

وذكر الشيخ الطوسي :

فَإِذَا فَرَغْتَ مِنَ الصَّلَاةِ : عقبت بعدها ، و سبحت تسبيح الزهراء عليه السلام .

 ثم تدعو بهذا الدعاء :

يَا مَنْ : لَا تَخْفَى عَلَيْهِ اللُّغَاتِ ، وَ لَا تَتَشَابَهُ عَلَيْهِ الْأَصْوَاتُ ، وَ يَا مَنْ هُوَ كُلَّ يَوْمٍ فِي شَأْنٍ ، يَا مَنْ لَا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ ، يَا مُدَبِّرَ الْأُمُورِ ، يَا بَاعِثَ‏ مَنْ فِي الْقُبُورِ ، يَا مُحْيِيَ الْعِظَامِ‏ وَ هِيَ رَمِيمٌ‏ ، يَا بَطَّاشُ يَا ذَا الْبَطْشِ الشَّدِيدُ ، يَا فَعَّالًا لِمَا يُرِيدُ ، يَا رَازِقَ‏ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ‏ ، يَا رَازِقَ الْجَنِينِ وَ الطِّفْلُ الصَّغِيرِ ، وَ رَاحِمَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ ، وَ جَابِرٍ الْعَظْمَ الْكَسِيرُ ، يَا مُدْرِكٍ الْهَارِبِينَ ، وَ يَا غَايَةِ الطَّالِبِينَ ، يَا مَنْ يَعْلَمُ مَا فِي الضَّمِيرِ ، وَ مَا تَكُنْ الصُّدُورِ ، يَا رَبَّ الْأَرْبَابِ ، وَ سَيِّدَ السَّادَاتِ ، وَ إِلَهَ الْآلِهَةِ ، وَ جَبَّارٍ الْجَبَابِرَةِ ، وَ مَلَكٍ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ ، يَا مُجْرِيَ الْمَاءِ فِي النَّبَاتِ ، يَا مُكَوِّنَ طَعْمَ الثِّمَارِ .

أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ : الَّذِي لَا يَقُومُ لَهُ‏ شَيْ‏ءٌ ، وَ لَا تَقُومُ لَهُ أَرْضٍ وَ لَا سَمَاءٍ ، وَ أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي شققته مِنْ عَظَمَتِكَ ، وَ أَسْأَلُكَ بِعَظَمَتِكَ الَّتِي شَقَقْتَهَا مِنْ كِبْرِيَائِكَ ، وَ أَسْأَلُكَ بِكِبْرِيَائِكَ الَّتِي أشققتها مِنْ كينونتك ، وَ أَسْأَلُكَ بكينونتك الَّتِي اشْتَقَقْتَهَا مِنْ جُودِكَ ، وَ أَسْأَلُكَ بِجُودِكَ الَّذِي شققته‏ مِنْ عِزِّكَ ، وَ أَسْأَلُكَ بِعِزِّكَ الَّذِي شققته مِنْ كَرَمِكَ ، وَ أَسْأَلُكَ بِكَرَمِكَ الَّذِي شققته مِنْ رَحْمَتِكَ ، وَ أَسْأَلُكَ بِرَحْمَتِكَ الَّتِي شَقَقْتَهَا مِنْ رَأْفَتِكَ ، وَ أَسْأَلُكَ برأفتك الَّتِي أشققتها مِنْ حِلْمُكَ ، وَ أَسْأَلُكَ بِحِلْمِكَ الَّذِي شققته مِنْ لُطْفِكَ ، وَ أَسْأَلُكَ بِلُطْفِكَ الَّذِي شققته مِنْ قُدْرَتِكَ ، وَ أَسْأَلُكَ بِأَسْمَائِكَ كُلِّهَا ، وَ أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْمُهَيْمِنِ الْعَزِيزِ الْقَدِيرُ عَلَى مَا تَشَاءُ مِنْ أَمَرَكَ .

يَا مِنْ سَمَكٌ : السَّمَاءِ بِغَيْرِ عَمَدٍ ، وَ أَقَامَ الْأَرْضِ بِغَيْرِ سَنَدَ ، وَ خَلَقَ الْخَلْقَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ بِهِ إِلَيْهِمْ ، إِلَّا إِفَاضَةِ لإحسانه وَ نِعَمِهِ ، وَ إِبَانَةِ لِحِكْمَتِهِ‏ ، وَ إظهارا لِقُدْرَتِهِ .

أَشْهَدُ يَا سَيِّدِي : أَنَّكَ لَمْ تَأْنَسُ بإبداعهم لِأَجْلِ وَحْشَةٌ لتفردك ، وَ لَمْ تَسْتَعِنْ بِغَيْرِكَ عَلَى شَيْ‏ءٍ مِنْ أَمَرَكَ .

أَسْأَلُكَ : بِغِنَاكَ عَنْ خَلْقِكَ ، وَ بحاجتهم إِلَيْكَ ، وَ فَقْرِهِمْ وَ فَاقَتِهِمْ إِلَيْكَ ، أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى خِيَرَتِكَ مِنْ خَلْقِكَ ، مُحَمَّدٍ وَ أَهْلِ بَيْتِهِ الطَّيِّبِينَ‏ ، الْأَئِمَّةِ الرَّاشِدِينَ ، وَ أَنْ تَجْعَلَ لِعَبْدِكَ الذَّلِيلِ بَيْنَ يَدَيْكَ ، مِنْ أَمَرَهُ فَرَجاً وَ مَخْرَجاً .

يَا سَيِّدِي : صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ ، وَ ارْزُقْنِي الْخَوْفِ مِنْكَ وَ الْخَشْيَةَ أَيَّامٍ حَيَاتِي ، سَيِّدِي ارْحَمْ عَبْدُكَ الْأَسِيرِ بَيْنَ يَدَيْكَ ، سَيِّدِي ارْحَمْ عَبْدُكَ الْمُرْتَهِنِ بِعَمَلِهِ ، يَا سَيِّدِي أَنْقَذَ عَبْدُكَ الْغَرِيقِ فِي بَحْرٍ الْخَطَايَا ، يَا سَيِّدِي ارْحَمْ عَبْدُكَ الْمُقِرُّ بِذَنْبِهِ وَ جُرْأَتُهُ عَلَيْكَ ، يَا سَيِّدِي : الْوَيْلُ قَدْ حَلَّ بِي إِنْ لَمْ تَرْحَمْنِي ، يَا سَيِّدِي هَذَا مَقَامَ الْمُسْتَجِيرِ بِعَفْوِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ ، هَذَا مَقَامَ‏ الْمِسْكِينُ الْمُسْتَكِينِ ، هَذَا مَقَامَ الْفَقِيرِ الْبَائِسُ الْحَقِيرِ ، الْمُحْتَاجِ إِلَى مَلَكٍ كَرِيمُ ، يَا ويلتى‏ مَا أغفلني عَنْ مَا يُرَادُ بِي .

يَا سَيِّدِي : هَذَا مَقَامَ الْمُذْنِبِ الْمُسْتَجِيرِ بِعَفْوِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ ، هَذَا مَقَامُ مِنْ انْقَطَعَتْ حِيلَتُهُ وَ خَابَ رَجَاؤُهُ إِلَّا مِنْكَ ، هَذَا مَقَامَ الْعَانِيَ الْأَسِيرِ ، هَذَا مَقَامَ الطَّرِيدُ الشَّرِيدِ .

يَا سَيِّدِي : أَقِلْنِي عَثْرَتِي يَا مُقِيلَ الْعَثَرَاتِ ، يَا سَيِّدِي أَعْطِنِي سُؤْلِي ، يَا سَيِّدِي ارْحَمْ بَدَنِي الضَّعِيفِ وَ جِلْدِي الرَّقِيقِ الَّذِي لَا قُوَّةَ لَهُ عَلَى حُرٌّ النَّارِ ، يَا سَيِّدِي أرْحَمْنِي فَإِنِّي عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ ابْنُ أَمَتِكَ ، بَيْنَ يَدَيْكَ وَ فِي قَبْضَتِكَ ، لَا طَاقَةَ لِي بِالْخُرُوجِ مِنْ سُلْطَانِكَ .

سَيِّدِي : وَ كَيْفَ لِي بِالنَّجَاةِ وَ لَا تُصَابُ إِلَّا لَدَيْكَ ، وَ كَيْفَ لِي بِالرَّحْمَةِ وَ لَا تُصَابُ إِلَّا مِنْ عِنْدِكَ ، يَا إِلَهَ الْأَنْبِيَاءِ وَ وَلِيُّ الْأَتْقِيَاءِ ، وَ بَدِيعُ مَزْيَدٍ الْكَرَامَةِ ، إِلَيْكَ قَصَدْتُ ، وَ بِكَ أُنْزِلَتْ حَاجَتِي ، وَ إِلَيْكَ شَكَوْتُ إِسْرَافِي عَلَى نَفْسِي ، وَ بِكَ اسْتَغَثْتَ‏ فَأَغِثْنِي ، وَ أَنْقَذَنِي بِرَحْمَتِكَ مِمَّا اجترأت عَلَيْكَ ، يَا سَيِّدِي يَا ويلتى أَيْنَ أَهْرُبُ مِمَّنْ الْخَلَائِقِ كُلِّهِمْ فِي قَبْضَتِهِ ، وَ النَّوَاصِي كُلِّهَا بِيَدِهِ .

يَا سَيِّدِي : مِنْكَ هَرَبْتُ إِلَيْكَ ، وَ وَقَفْتَ بَيْنَ يَدَيْكَ ، مُتَضَرِّعاً إِلَيْكَ ، رَاجِياً لِمَا لَدَيْكَ‏ يَا إِلَهِي وَ سَيِّدِي حَاجَتِي ، حَاجَتِي الَّتِي إِنْ أَعْطَيْتَنِيهَا لَمْ يَضُرَّنِي مَا مَنَعْتَنِي ، وَ إِنْ مَنَعْتَنِيهَا لَمْ يَنْفَعْنِي مَا أَعْطَيْتَنِي ، أَسْأَلُكَ فَكَاكَ رَقَبَتِي مِنَ النَّارِ .

سَيِّدِي : قَدْ عَلِمْتُ وَ أَيْقَنْتُ أَنَّكَ إِلَهُ الْخَلْقِ ، وَ الْمَلِكُ الْحَقُّ ، الَّذِي لَا سَمِيَّ لَهُ وَ لَا شَرِيكَ لَهُ ، يَا سَيِّدِي أَنَا عَبْدُكَ ، مُقِرٌّ لَكَ بِوَحْدَانِيَّتِكَ ، وَ بِوُجُودِ رُبُوبِيَّتِكَ ، أَنْتَ الَّذِي خَلَقْتَ خَلْقَكَ ، بِلَا مِثَالٍ وَ لَا تَعَبٍ وَ لَا نَصَبٍ ، أَنْتَ الْمَعْبُودُ ، وَ بَاطِلٌ كُلُّ مَعْبُودٍ غَيْرُكَ ، أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي تُحْشَرُ بِهِ الْمَوْتَى إِلَى الْمَحْشَرِ ، يَا مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ غَيْرُهُ‏ .

أَسْأَلُكَ : بِاسْمِكَ الَّذِي تُحْيِي بِهِ‏ الْعِظَامَ‏ وَ هِيَ رَمِيمٌ‏ ، أَنْ تَغْفِرَ لِي ، وَ تَرْحَمَنِي ، وَ تُعَافِيَنِي ، وَ تُعْطِيَنِي ، وَ تَكْفِيَنِي مَا أَهَمَّنِي ، أَشْهَدُ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ غَيْرُكَ .

أَيَا مَنْ‏ : إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏ ، يَا مَنْ‏ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عِلْماً ، وَ أَحْصى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ عَدَداً .

أَسْأَلُكَ : أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَ رَسُولِكَ ، وَ نَبِيِّكَ وَ خَاصَّتِكَ ، وَ خَالِصَتِكَ وَ صَفِيِّكَ ، وَ خِيَرَتِكَ مِنْ خَلْقِكَ ، وَ أَمِينِكَ عَلَى وَحْيِكَ ، وَ مَوْضِعِ سِرِّكَ ، وَ رَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ إِلَى عِبَادِكَ ، وَ جَعَلْتَهُ‏ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ‏ ، وَ نُوراً اسْتَضَاءَ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ ، فَبَشَّرَ بِالْجَزِيلِ مِنْ ثَوَابِكَ ، وَ أَنْذَرَ بِالْأَلِيمِ مِنْ عِقَابِكَ ، اللَّهُمَّ فَصَلِّ عَلَيْهِ بِكُلِّ فَضِيلَةٍ مِنْ فَضَائِلِهِ ، وَ بِكُلِّ مَنْقَبَةٍ مِنْ مَنَاقِبِهِ ، وَ بِكُلِّ حَالٍ مِنْ حَالاتِهِ ، وَ بِكُلِّ مَوْقِفٍ مِنْ مَوَاقِفِهِ ، صَلَاةً تُكْرِمُ‏ بِهَا وَجْهَهُ ، وَ تُعْطِيهِ‏ بِهَا الدَّرَجَةَ وَ الْوَسِيلَةَ ، وَ الرِّفْعَةَ وَ الْفَضِيلَةَ .

اللَّهُمَّ : شَرِّفْ فِي الْقِيَامَةِ مَقَامَهُ ، وَ عَظِّمْ بُنْيَانَهُ ، وَ أَعْلِ دَرَجَتَهُ ، وَ تَقَبَّلْ شَفَاعَتَهُ فِي أُمَّتِهِ ، وَ أَعْطِهِ سُؤْلَهُ ، وَ أرْفَعْهُ فِي الْفَضِيلَةِ إِلَى غَايَتِهَا .

اللَّهُمَّ : صَلِّ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ أَئِمَّةِ الْهُدَى ، وَ مَصَابِيحِ الدُّجَى ، أُمَنَائِكَ‏ فِي خَلْقِكَ ، وَ أَصْفِيَائِكَ مِنْ عِبَادِكَ‏ ، وَ حُجَجِكَ فِي أَرْضِكَ ، وَ مَنَارِكَ فِي بِلَادِكَ ، الصَّابِرِينَ عَلَى بَلَائِكَ ، الطَّالِبِينَ رِضَاكَ ، الْمُوفِينَ بِوَعْدِكَ‏ ، غَيْرِ شَاكِّينَ فِيكَ ، وَ لَا جَاحِدِينَ عِبَادَتَكَ ، وَ أَوْلِيَاءَكَ وَ سَلَائِلِ أَوْلِيَائِكَ ، وَ خُزَّانِ عِلْمِكَ ، الَّذِينَ جَعَلْتَهُمْ مَفَاتِيحَ الْهُدَى ، وَ نُورَ الدُّجَى ، عَلَيْهِمْ صَلَوَاتُكَ وَ رَحْمَتُكَ وَ رِضْوَانُكَ .

اللَّهُمَّ : صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ ، وَ عَلَى مَنَارِكَ فِي عِبَادِكَ ، الدَّاعِي إِلَيْكَ بِإِذْنِكَ ، الْقَائِمِ بِأَمْرِكَ ، الْمُؤَدِّي عَنْ رَسُولِكَ ، عَلَيْهِ وَ آلِهِ السَّلَامُ .

اللَّهُمَّ : إِذَا أَظْهَرْتَهُ ، فَأَنْجِزْ لَهُ مَا وَعَدْتَهُ ، وَ سُقْ إِلَيْهِ أَصْحَابَهُ ، وَ انْصُرْهُ وَ قَوِّ نَاصِرِيهِ ، وَ بَلِّغْهُ أَفْضَلَ أَمَلِهِ‏ ، وَ أَعْطِهِ سُؤْلَهُ ، وَ جَدِّدْ بِهِ عِزَّ مُحَمَّدٍ وَ أَهْلِ بَيْتِهِ ، بَعْدَ الذُّلِّ الَّذِي قَدْ نَزَلَ بِهِمْ بَعْدَ نَبِيِّكَ ، فَصَارُوا مَقْتُولِينَ مَطْرُودِينَ ، مُشَرَّدِينَ خَائِفِينَ غَيْرَ آمِنِينَ ، لَقُوا فِي جَنْبِكَ‏ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ وَ طَاعَتِكَ ، الْأَذَى‏ وَ التَّكْذِيبَ ، فَصَبَرُوا عَلَى مَا أَصَابَهُمْ فِيكَ ، رَاضِينَ بِذَلِكَ مُسَلِّمِينَ لَكَ ، فِي جَمِيعِ مَا وَرَدَ عَلَيْهِمْ ، وَ مَا يَرِدُ إِلَيْهِمْ .

اللَّهُمَّ : عَجِّلْ فَرَجَ قَائِمِهِمْ بِأَمْرِكَ ، وَ انْصُرْهُ وَ انْصُرْ بِهِ دِينَكَ ، الَّذِي غُيِّرَ وَ بُدِّلَ ، وَ جَدِّدْ بِهِ مَا امْتَحَى مِنْهُ وَ بُدِّلَ بَعْدَ نَبِيِّكَ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ .

اللَّهُمَّ : صَلِّ عَلَى جَمِيعِ الْمُرْسَلِينَ وَ النَّبِيِّينَ ، الَّذِينَ بَلَّغُوا عَنْكَ الْهُدَى ، وَ اعْتَقَدُوا لَكَ الْمَوَاثِيقَ بِالطَّاعَةِ ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِمْ وَ عَلَى أَرْوَاحِهِمْ وَ أَجْسَادِهِمْ ، وَ السَّلَامُ عَلَيْهِمْ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ .

اللَّهُمَّ : صَلِّ عَلَى مَلَائِكَتِكَ الْمُقَرَّبِينَ ، وَ أُولِي الْعَزْمِ مِنْ أَنْبِيَائِكَ الْمُرْسَلِينَ ، وَ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ أَجْمَعِينَ ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ .

وَ أَعْطِنِي سُؤْلِي : فِي دُنْيَايَ وَ آخِرَتِي ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ .

اللَّهُمَّ : كَمَا دَعَوْتُكَ لِنَفْسِي ، لِعَاجِلِ الدُّنْيَا وَ آجِلِ الْآخِرَةِ ، فَأَعْطِهِ جَمِيعَ أَهْلِي وَ إِخْوَانِي فِيكَ ، وَ جَمِيعَ شِيعَةِ آلِ مُحَمَّدٍ ، الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي أَرْضِكَ بَيْنَ عِبَادِكَ ، الْخَائِفِينَ مِنْكَ ، الَّذِينَ صَبَرُوا عَلَى الْأَذَى وَ التَّكْذِيبِ فِيكَ ، وَ فِي رَسُولِكَ وَ أَهْلِ بَيْتِهِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ، أَفْضَلَ مَا يَأْمُلُونَ ، وَ اكْفِهِمْ مَا أَهَمَّهُمْ ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ .

اللَّهُمَّ : أجْزِهِمْ عَنَّا جَنَّاتِكَ النَّعِيمَ ، وَ اجْمَعْ بَيْنَنَا وَ بَيْنَهُمْ‏ ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

مصباح المتهجد و سلاح المتعبد ج1ص306.

وذكر السيد ابن طاووس رحمه الله : الدعاء بعد صلاة جعفر عليه السلام ، و تعرف بصلاة التسبيح‏ : حدث أبو المفضل قال حدثنا حمزة بن القاسم العلوي قال حدثنا الحسن بن محمد بن جمهور عن أبيه عن الحسن بن القاسم العباسي قال:

دَخَلْتُ : عَلَى أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عليه السلام بِبَغْدَادَ ، وَ هُوَ يُصَلِّي صَلَاةَ جَعْفَرٍ عِنْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فلم أصل خلفه حتى فرغ ، ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ ، ثُمَّ قَالَ : وذكر الدعاء أعلاه.

جمال الأسبوع بكمال العمل المشروع ص285.

 

دعاء آخر زيادة في آخر هذا الدعاء :

اللَّهُمَّ : إِنِّي أَسْأَلُكَ تَوْفِيقَ أَهْلِ الْهُدَى ، وَ أَعْمَالَ أَهْلِ التَّقْوَى‏ ، وَ مُنَاصَحَةَ أَهْلِ التَّوْبَةِ ، وَ عَزْمَ أَهْلِ الصَّبْرِ ، وَ حَذَرَ أَهْلِ الْخَشْيَةِ ، وَ طَلَبَ أَهْلِ الرَّغْبَةِ ، وَ عِرْفَانَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَ فِقْهَ أَهْلِ الْوَرَعِ ، حَتَّى أَخَافَكَ اللَّهُمَّ مَخَافَةً تَحْجُزُنِي عَنْ مَعَاصِيكَ ، وَ حَتَّى أَعْمَلَ بِطَاعَتِكَ عَمَلًا أَسْتَحِقُّ بِهِ كَرِيمَ كَرَامَتِكَ ، وَ حَتَّى أُنَاصِحَكَ فِي التَّوْبَةِ خَوْفاً لَكَ ، وَ حَتَّى أُخْلِصَ لَكَ فِي النَّصِيحَةِ حُبّاً لَكَ ، وَ حَتَّى أَتَوَكَّلَ عَلَيْكَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا ، بِحُسْنِ ظَنِّي بِكَ ، سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَ بِحَمْدِهِ .

 اللَّهُمَّ : صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ ، وَ تَفَضَّلْ عَلَيَّ فِي أُمُورِي كُلِّهَا ، بِمَا لَا يَمْلِكُهُ غَيْرُكَ ، وَ لَا يَقِفُ عَلَيْهِ سِوَاكَ ، وَ أسْمَعْ نِدَائِي ، وَ أَجِبْ دُعَائِي ، وَ أجْعَلْهُ مِنْ شَأْنِكَ ، فَإِنَّهُ عَلَيْكَ يَسِيرٌ ، وَ هُوَ عِنْدِي عَظِيمٌ ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

مصباح المتهجد وسلاح المتعبد ج1ص311. وجمال الأسبوع بكمال العمل المشروع ص293.

 

وذكر الشيخ الطوسي : روى المفضل بن عمر قال: رأيت أبا عبد الله الصادق عليه السلام :

 صَلَّى صَلَاةَ جَعْفَرٍ : و رفع يديه ، و دعا بهذا الدعاء:

 يَا رَبِّ يَا رَبِّ : حتى أنقطع النفس .

يَا رَبَّاهْ يَا رَبَّاهْ : حتى أنقطع النفس .

رَبِّ رَبِّ : حتى أنقطع النفس .

يَا اللَّهُ يَا اللَّهُ : حتى أنقطع النفس .

يَا حَيُّ يَا حَيُّ : حتى أنقطع النفس .

يَا رَحِيمُ يَا رَحِيمُ : حتى أنقطع النفس .

يَا رَحْمَانُ يَا رَحْمَانُ : حتى أنقطع النفس .

يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ : سبع مرات .

ثم قال عليه السلام :

اللَّهُمَّ : إِنِّي أَفْتَتِحُ الْقَوْلَ بِحَمْدِكَ ، وَ أَنْطِقُ بِالثَّنَاءِ عَلَيْكَ وَ أُمَجِّدُكَ ، وَ لَا غَايَةَ لِمَدْحِكَ ، وَ أُثْنِي عَلَيْكَ ، وَ مَنْ يَبْلُغُ غَايَةَ ثَنَائِكَ ، وَ أُمَجِّدُكَ‏ وَ أَنَّى لِخَلِيقَتِكَ كُنْهُ مَعْرِفَةِ مَجْدِكَ ، وَ أَيُّ زَمَنٍ لَمْ تَكُنْ مَمْدُوحاً بِفَضْلِكَ ، مَوْصُوفاً بِمَجْدِكَ ، عَوَّاداً عَلَى الْمُذْنِبِينَ بِحِلْمِكَ ، تَخَلَّفَ سُكَّانُ أَرْضِكَ عَنْ طَاعَتِكَ ، فَكُنْتَ عَلَيْهِمْ عَطُوفاً بِجُودِكَ ، جَوَاداً بِفَضْلِكَ ، عَوَّاداً بِكَرَمِكَ ، يَا لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ‏ ، ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ‏ .

و قال لي يا مفضل : إذا كانت لك حاجة مهمة فصل هذه الصلاة ، و ادع بهذا الدعاء ، و سل حاجتك ، يقضي الله‏ حاجتك إن شاء الله و به الثقة.

مصباح المتهجد و سلاح المتعبد ج1ص311. وفي جمال الأسبوع بكمال العمل المشروع، ص: 294 وفيه ورفع يديه ودعا بهذا الدعاء ...

وقال الشيخ الطوسي : دُعَاءٌ آخَرُ بَعْدَ هَذِهِ الصَّلَاةِ :

سُبْحَانَ : مَنْ لَبِسَ الْعِزَّ وَ تَرَدَّى بِهِ ، سُبْحَانَ مَنْ تَعَطَّفَ بِالْمَجْدِ وَ تَكَرَّمَ بِهِ ، سُبْحَانَ مَنْ لَا يَنْبَغِي التَّسْبِيحُ إِلَّا لَهُ جَلَّ جَلَالُهُ ، سُبْحَانَ مَنْ‏ أَحْصى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ بِعِلْمِهِ وَ خَلَقَهُ بِقُدْرَتِهِ ، سُبْحَانَ ذِي الْمَنِّ وَ النِّعَمِ ، سُبْحَانَ ذِي الْقُدْرَةِ وَ الْكَرَمِ .

اللَّهُمَّ : إِنِّي أَسْأَلُكَ بِمَعَاقِدِ الْعِزِّ مِنْ عَرْشِكَ ، وَ مُنْتَهَى الرَّحْمَةِ مِنْ كِتَابِكَ ، وَ بِاسْمِكَ الْأَعْظَمِ ، وَ كَلِمَاتِكَ التَّامَّاتِ الَّتِي تَمَّتْ صِدْقاً وَ عَدْلًا ، أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ الطَّيِّبِينَ ، وَ أَنْ تَجْمَعَ خَيْرَ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ بَعْدَ عُمُرٍ طَوِيلٍ .

اللَّهُمَّ : أَنْتَ‏ الْحَيُّ الْقَيُّومُ‏ ، الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ‏ ، الْخَالِقُ الرَّازِقُ ، الْمُحْيِي الْمُمِيتُ ، الْبَدِي‏ءُ الْبَدِيعُ ، لَكَ الْكَرَمُ ، وَ لَكَ الْمَجْدُ ، وَ لَكَ الْمَنُّ ، وَ لَكَ الْجُودُ ، وَ لَكَ الْأَمْرُ ، وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ ، يَا وَاحِدُ يَا أَحَدُ ، يَا صَمَدُ ، يَا مَنْ‏ لَمْ يَلِدْ ، وَ لَمْ يُولَدْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ، يَا أَهْلَ التَّقْوَى ، وَ يَا أَهْلَ الْمَغْفِرَةِ ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ، يَا عَفُوُّ يَا غَفُورُ ، يَا وَدُودُ يَا شَكُورٌ ، أَنْتَ أَبَرُّ بِي مِنْ أَبِي وَ أُمِّي ، وَ أَرْحَمُ بِي مِنْ نَفْسِي وَ مِنَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ ، يَا كَرِيمُ يَا جَوَادُ .

اللَّهُمَّ : إِنِّي صَلَّيْتُ هَذِهِ الصَّلَاةَ ، ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ ، وَ طَلَبَ نَائِلِكَ وَ مَعْرُوفِكَ ، وَ رَجَاءَ رِفْدِكَ وَ جَائِزَتِكَ ، وَ عَظِيمِ عَفْوِكَ ، وَ قَدِيمِ غُفْرَانِكَ .

اللَّهُمَّ : فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ ، وَ ارْفَعْهَا لِي فِي عِلِّيِّينَ ، وَ تَقَبَّلْهَا مِنِّي ، وَ أجْعَلْ نَائِلَكَ وَ مَعْرُوفَكَ ، وَ رَجَاءَ مَا أَرْجُو مِنْكَ ، فَكَاكَ رَقَبَتِي مِنَ النَّارِ ، وَ الْفَوْزَ بِالْجَنَّةِ ، وَ مَا جَمَعْتَ مِنْ أَنْوَاعِ النَّعِيمِ ، وَ مَنْ حُسْنِ الْحُورِ الْعِينِ ، وَ أجْعَلْ جَائِزَتِي مِنْكَ ، الْعِتْقَ مِنَ النَّارِ ، وَ غُفْرَانَ ذُنُوبِي ، وَ ذُنُوبَ وَالِدَيَّ وَ مَا وَلَدَا ، وَ جَمِيعِ إِخْوَانِي وَ أَخَوَاتِيَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَاتِ ، وَ الْمُسْلِمِينَ وَ الْمُسْلِمَاتِ ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَ الْأَمْوَاتِ ، وَ أَنْ تَسْتَجِيبَ دُعَائِي ، وَ تَرْحَمَ‏ صَرْخَتِي وَ نِدَائِي ، وَ لَا تَرُدَّنِي خَائِباً خَاسِراً ، وَ اقْلِبْنِي مُنْجِحاً مُفْلِحاً ، مَرْحُوماً مُسْتَجَاباً دُعَائِي ، مَغْفُوراً لِي ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ .

يَا عَظِيمُ يَا عَظِيمُ يَا عَظِيمُ : قَدْ عَظُمَ الذَّنْبُ مِنْ عَبْدِكَ ، فَلْيَحْسُنِ الْعَفْوُ مِنْكَ ، يَا حَسَنَ التَّجَاوُزِ ، يَا وَاسِعَ الْمَغْفِرَةِ ، يَا بَاسِطَ الْيَدَيْنِ بِالرَّحْمَةِ ، يَا نَفَّاحاً بِالْخَيْرَاتِ ، يَا مُعْطِيَ السُّؤُلَاتِ ، يَا فَكَّاكَ الرِّقَابِ مِنَ النَّارِ ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ ، وَ فُكَّ رَقَبَتِي مِنَ النَّارِ ، وَ أَعْطِنِي سُؤْلِي ، وَ اسْتَجِبْ دُعَائِي ، وَ أرْحَمْ صَرْخَتِي وَ تَضَرُّعِي وَ نِدَائِي ، وَ اقْضِ لِي حَوَائِجِي كُلَّهَا ، لِدِينِي وَ دُنْيَايَ وَ آخِرَتِي ، مَا ذَكَرْتَ مِنْهَا وَ مَا لَمْ‏ أَذْكُرْ ، وَ أجْعَلْ لِي فِي ذَلِكَ الْخِيَرَةَ ، وَ لَا تَرُدَّنِي خَائِباً خَاسِراً ، وَ اقْلِبْنِي مُفْلِحاً مُنْجِحاً ، مُسْتَجَاباً لِي دُعَائِي ، مَغْفُوراً لِي مَرْحُوماً ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ .

يَا مُحَمَّدُ يَا أَبَا الْقَاسِمِ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، يَا عَلِيُّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، أَنَا عَبْدُكُمَا وَ مَوْلَاكُمَا ، غَيْرُ مُسْتَنْكِفٍ وَ لَا مُسْتَكْبِرٍ ، بَلْ خَاضِعٌ ذَلِيلٌ ، عَبْدٌ مُقِرٌّ مُتَمَسِّكٌ بِحَبْلِكُمَا ، مُعْتَصِمٌ مِنْ ذُنُوبِي بِوَلَايَتِكُمَا ، أَضْرَعُ‏ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِكُمَا ، وَ أَتَوَسَّلُ إِلَى اللَّهِ بِكُمَا ، وَ أُقَدِّمُكُمَا بَيْنَ يَدَيْ حَوَائِجِي إِلَى اللَّهِ جَلَّ وَ عَزَّ ، وَ اسْتِغَاثَتِي‏ لِي فِي فَكَاكِ رَقَبَتِي مِنَ النَّارِ وَ ، غُفْرَانِ ذُنُوبِي ، وَ إِجَابَةِ دُعَائِي .

اللَّهُمَّ : فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ ، وَ تَقَبَّلْ دُعَائِي ، وَ اغْفِرْ لِي ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

مصباح المتهجد و سلاح المتعبد ج1ص312. جمال الأسبوع بكمال العمل المشروع ص295.

وذكر الشيخ الطوسي : دُعَاءٌ آخَرُ عَقِيبَهَا :

يَا نُورِي : فِي كُلِّ ظُلْمَةٍ ، وَ يَا أُنْسِي فِي كُلِّ وَحْشَةٍ ، وَ يَا ثِقَتِي فِي كُلِّ شِدَّةٍ ، وَ يَا رَجَائِي فِي كُلِّ كُرْبَةٍ ، وَ يَا دَلِيلِي فِي الضَّلَالَةِ ، إِذَا انْقَطَعَتْ دَلَالَةُ الْأَدِلَّاءِ ، فَإِنَّ دَلَالَتَكَ لَا تَنْقَطِعُ عِنْدَ كُلِّ خَيْرٍ ، وَ لَا يَضِلُّ مَنْ هَدَيْتَ ، أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَأَسْبَغْتَ ، وَ رَزَقْتَنِي فَوَفَّرْتَ ، وَ عَوَّدْتَنِي فَأَحْسَنْتَ ، وَ أَعْطَيْتَنِي فَأَجْزَلْتَ ، بِلَا اسْتِحْقَاقٍ مِنِّي لِذَلِكَ بِفِعْلِ ، وَ لَكِنِ ابْتِدَاءً مِنْكَ بِكَرَمِكَ وَ جُودِكَ ، فَأَنْفَقْتَ رِزْقَكَ فِي مَعَاصِيكَ ، وَ تَقَوَّيْتَ بِنِعْمَتِكَ عَلَى سَخَطِكَ ، وَ أَفْنَيْتَ عُمُرِي فِيمَا لَا تُحِبُّ ، وَ لَمْ تَمْنَعْكَ جُرْأَتِي عَلَيْكَ ، وَ رُكُوبِيَ مَا نَهَيْتَنِي عَنْهُ ، وَ دُخُولِي فِيمَا حَرَّمْتَ عَلَيَّ .

 أَنْ عُدْتَ بِفَضْلِكَ : وَ أَظْهَرْتَ مِنِّي الْجَمِيلَ ، وَ سَتَرْتَ عَلَيَّ الْقَبِيحَ ، وَ لَمْ يَمْنَعْنِي عَوْدُكَ عَلَيَّ بِفَضْلِكَ ، أَنْ عُدْتُ فِي‏ مَعَاصِيكَ فَأَنْتَ الْعَوَّادُ بِالْفَضْلِ ، وَ أَنَا الْعَوَّادُ بِالْمَعَاصِي ، فَيَا أَكْرَمَ مَنْ أُقِرَّ لَهُ بِذَنْبٍ ، وَ أَعَزَّ مَنْ خُضِعَ لَهُ بِذُلٍّ ، لِكَرَمِكَ أَقْرَرْتُ بِذَنْبِي ، وَ لِعِزِّكَ خَضَعْتُ بِذُلِّي ، فَمَا أَنْتَ صَانِعٌ بِي فِي كَرَمِكَ ، بِإِقْرَارِي بِذَنْبِي وَ عِزِّكَ ، وَ خُضُوعِي بِذُلِّي ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ ، وَ أفْعَلْ بِي مَا أَنْتَ أَهْلُهُ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

مصباح المتهجد و سلاح المتعبد ج1ص314. جمال الأسبوع بكمال العمل المشروع، ص: 298.

 

دعاء آخر بعد صلاة جعفر :

وفي فقه الرضا عليه السلام : بعد أن وصف صلاة جعفر الطيار وفضلها ، قال : َإِذَا فَرَغْتَ تَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ وَ تَقُولُ‏ :

اللَّهُمَّ : إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ كُلِ‏ مَا سَأَلَكَ بِهِ مُحَمَّدٌ وَ آلُهُ‏ ، وَ أَسْتَعِيذُ بِكَ مِنْ كُلِّ مَا اسْتَعَاذَ بِهِ مُحَمَّدٌ وَ آلُهُ‏ .

 اللَّهُمَّ : أَعْطِنِي مِنْ كُلِّ خَيْرٍ خَيْراً ، وَ اصْرِفْ عَنِّي كُلَّمَا قَضَيْتَ مِنْ شَرٍّ أَوْ فِتْنَةٍ ، وَ اغْفِرْ مَا تَعْلَمُ مِنِّي وَ مَا قَدْ أَحْصَيْتَ عَلَيَّ مِنْ ذُنُوبِي ، وَ اقْضِ‏ حَوَائِجِي مَا لَكَ فِيهِ رِضًى وَ لِي فِيهِ صَلَاحٌ .

يَا ذَا الْمَنِّ وَ الْفَضْلِ : وَسِّعْ عَلَيَّ فِي الرِّزْقِ وَ الْأَجَلِ ، وَ اكْفِنِي مَا أَهَمَّنِي مِنْ أَمْرِ دُنْيَايَ وَ آخِرَتِي ، إِنَّكَ أَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ.

الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا عليه السلام ص155ب19 باب صلاة جعفر بن أبي طالب عليه السلام.

 

 

أحكام صلاة جعفر الطيار :

يا طيب : عرفت أن صلاة جعفر الطيار هي أن تنوي أصلي صلاة جعفر الطيار ركعتين قربة إلى الله تعالى مثل صلاة الصبح مع التسبيحات التي عرفت ترتيبها .

 ثم ركعتين أخرى مثلها : وهي مثل صلاة الصبح إلا أنها في كل ركعة خمسة وسبعين تسبيحة رباعية أي : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ، كما مر تفصيلها ، هذه عدة أحكاممختصة بصلاة جعفر الطيار مع رواياتها:

 

القراءة في صلاة جعفر :

يا طيب : عرفت أنه يمكن قراءة ما شئت من السور القرآنية بعد الحمد في صلاة جعفر الطيار ، ولكن لمستحب في مستحب ، فإن صلاة جعفر هي مستحبة ، ويستحب قراءة سورة مخصوصة في ركعها كما جاء بالروايات ، وكما سيأتي مستحب قراءة دعاء في أخر ركعه منها أو أدعية بعدها كما عرفت :

 في رواية : إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي الحسن الكاظم عليه السلام :

تَقْرَأُ فِي الْأُولَى : إِذَا زُلْزِلَتْ .

وَ فِي الثَّانِيَةِ : وَ الْعَادِيَاتِ .

وَ فِي الثَّالِثَةِ : إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ‏ .

وَ فِي الرَّابِعَةِ : بِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ .

الكافي ج3ص465ح1باب صلاة التسبيح.

 

وعن بن طاووس في سند ذكرناه في أول الصلاة :

 قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقُ :

وَ صِفَتُهَا : أَنَّهَا أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ بِتَشَهُّدَتَيْنِ وَ تَسْلِيمَتَيْنِ .

فإذا أراد أمرؤ أن يصليها: فَلْيَتَوَجَّهْ فَلْيَقْرَأْ فِي :

الركعة الأولى : سُورَةَ الْحَمْدِ وَ إِذَا زُلْزِلَتْ .

و في الركعة الثانية: سُورَةَ الْحَمْدِ وَ الْعَادِيَاتِ

وَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ : الْحَمْدَ وَ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ .

و في الرابعة : الْحَمْدَ وَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ .

 فإذا فرغ من القراءة : في كل ركعة ، فليقل قبل الركوع خمس عشرة مرة : سُبْحَانَ اللَّهِ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ اللَّهُ أَكْبَرُ ، و يقل ذلك في ركوعه عشرا و إذا استوى من الركوع قائما قالها عشرا فإذا سجد قالها عشرا ، فإذا جلس بين السجدتين قالها عشرا ، فإذا سجد الثانية قالها عشرا ، فإذا جلس ليقوم قالها قبل أن يقوم عشرا ، يفعل ذلك في الأربع ركعات تكون ثلاثمائة دفعة تكون ألفا و مائتي تسبيحة.

جمال الأسبوع بكمال العمل المشروع ص281.

 

وَ ذكر الصدوق : مثله ثم قال :

 وَ إِنْ شِئْتَ صَلَّيْتَهَا كُلَّهَا : بِالْحَمْدِ وَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ.

من لا يحضره الفقيه ج1ص552ح1534 .

 

و في رواية عبد الله بن المغيرة عن الصادق عليه السلام قال:

أقْرَأْ فِي صَلَاةِ جَعْفَر بِ :

قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ، وَ قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ‏.

من لا يحضره الفقيه ج1ص553ح1535.

 

و روي عن إبراهيم بن أبي البلاد قال: قلت لأبي الحسن يعني موسى بن جعفر عليه السلام : فَأَيَّ شَيْ‏ءٍ أَقْرَأُ فِيهَا ؟ قَالَ وَ قُلْتُ : أَعْتَرِضُ الْقُرْآنَ‏ ؟

 قَالَ عليه السلام : لَا اقْرَأْ فِيهَا :

 إذا زلزلت، و إذا جاء نصر الله‏.

 و إنا أنزلناه في ليلة القدر ، و قل هو الله أحد.

من لا يحضره الفقيه ج1ص553ح1536. أعترض القرآن: أي أختار ما أشاء من السور ، فالإمام حبب له ويختر ما ذكر له من السور .

 

وفي فقه الإمام الرضا عليه السلام :

بعد أن ذكر فضلها قال : فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تُصَلِّيَ فَافْتَتِحِ‏ الصَّلَاةَ بِتَكْبِيرَةٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ تَقْرَأُ : فِي أُولَاهَا فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَ الْعَادِيَاتِ ، وَ فِي الثَّانِيَةِ إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ ، وَ فِي الثَّالِثَةِ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ ، وَ فِي الرَّابِعَةِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ .

وَ إِنْ شِئْتَ كُلَّهَا : بِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ .

الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا عليه السلام ص155ب19 باب صلاة جعفر بن أبي طالب عليه السلام .

 

يا طيب : صلاة جعفر هي مستحبة ، ويستحب فيها قراءة بعض السور قد جاءت في الروايات ، لكن يمكن أن تصلى بقراءة أي سورة من القرآن الكريم ، ولكن لزيادة الفضل والثواب ، فليقرأ المصلي بعض السورة المذكورة في الروايات السابقة أعلاه ، وهي :

في الركعة الأولى : سورة الزلزلة .

في الثانية : سورة العاديات .

في الثالثة : إذا جاء نصر الله .

في الرابعة : قل هو الله أحد .

أو :

في الركعة الأولى : سورة الزلزلة .

في الثانية : إذا جاء نصر الله.

في الثالثة : إنا أنزلناه في ليلة القدر.

في الرابعة : قل هو الله أحد .

ويمكن في : الأولى والثالثة : قل هو الله أحد ، والثانية والرابعة : قل يا أيها الكافرون .

أو في الأربع ركعات : قل هو الله أحد بعد الحمد .

كما يمكن للمصلي : أن يقرأ غيرها بأي سورة أحب ، ولكن الأفضل ما عرفت ، وكون العاديات من المستحب قراءتها في أول ركعة ، لتناسب الحرب والعبودية وذكر ملاحم أهل البيت عليهم السلام ، وإن كانت العاديات نزلت بعد فتح خيبر ، فإن أحكام الإسلام نزلت بالتدريج ، فأولا علم الصلاة ، ثم بعد فترة بين مستحبات أخرى لها مثل قراءة السور والأدعية بعدها .

 

صلاة جعفر متفرقة:

قال الصدوق رحمه الله: و روي عن علي بن الريان أنه قال‏ : كتبت إلى الماضي الأخير أي أبو الحسن الثالث علي الهادي عليه السلام :

أسأله عن رجل : صلى من صلاة جعفر عليه السلام ، ركعتين ، ثم تعجله عن الركعتين الأخيرتين‏ حاجة ، أو يقطع ذلك لحادث يحدث‏ ، أ يجوز له أن يتمها إذا فرغ من حاجته ، و إن قام عن مجلسه ، أم لا يحتسب بذلك إلا أن يستأنف الصلاة و يصلي الأربع ركعات كلها في مقام واحد ؟

فكتب عليه السلام : بلى إن قطعه عن ذلك أمر لا بد له منه ، فليقطع ثم ليرجع فليبن على ما بقي منها إن شاء الله.

من لا يحضره الفقيه ج1ص553ح1538. تعجله حاجة كأن يقضي دين غريم رءاه وقت الصلاة ولم يره في غيره أو عنده موعد وما شابه ، أو حادث يقع يكون تدخله فيه رافع للمضرة .

 

القنوت والتسبيح في صلاة جعفر :

قال الصدوق : و قد روي‏: أَنَّ التَّسْبِيحَ فِي صَلَاةِ جَعْفَرٍ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ .

وَ أَنَّ تَرْتِيبَ التَّسْبِيحِ : سُبْحَانَ اللَّهِ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ اللَّهُ أَكْبَرُ.

فَبِأَيِّ الْحَدِيثَيْنِ : أَخَذَ الْمُصَلِّي فَهُوَ مُصِيبٌ وَ جَائِزٌ لَهُ .

وَ الْقُنُوتُ : فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ مِنْهُمَا قَبْلَ الرُّكُوعِ .

من لا يحضره الفقيه ج1ص552ح1534 . يا طيب : وذكر تقديم الله أكبر أول التسبيح ولكنه لم يعمل به ، والمشهور المعروف من التسبيح هو هذا في الرواية أعلاه ، والقنوت هو بعد قراءة السور في الركعة الثانية كصلاة الصبح .

صلاة جعفر وقضاء التسبيح والسهو:

ذكر الكليني رحمه الله بسنده : و عن أبان قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول‏ : من كان مستعجلا يُصَلِّي صَلَاةَ جَعْفَرٍ مُجَرَّدَةً ، ثُمَّ يَقْضِي التَّسْبِيحَ وَ هُوَ ذَاهِبٌ فِي حَوَائِجِهِ.

الكافي ج3ص466ح3.

و روى أبو بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال:

 إِذَا كُنْتَ مُسْتَعْجِلًا : فَصَلِّ صَلَاةَ جَعْفَرٍ مُجَرَّدَةً ، ثُمَّ اقْضِ التَّسْبِيحَ.

من لا يحضره الفقيه، ج‏1، ص: 554ح1540. الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا عليه السلام ص155ب19 باب صلاة جعفر بن أبي طالب عليه السلام.

أي يقرأ ركعتين تامه مع تسليم : وركعتين أخرى مثلها بالحمد وسورة فقط مجردة عن التسبيح كصلاة الصبح ولكن بنية صلاة جعفر الطيار ، ثم يقضي 300 ثلاثمائة تسبيحة : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ، ولا يشترط حين قضائها حلات الصلاة ، فيمكن هو وماشي أو جالس أو واقف ، وأثناء العمل ، ويمكن التكلم بين الصلاتين وإن كان الأفضل عدم الكلام .

 

وما حين نسهو : من ذكر التسبيحات أو ذكرنا أقل ، فنذكر ما سهونا عنه في المحل بعده ، أي حين الذكر إن كانا بعدنا في الصلاة ، أو قضاءه بعد الصلاة ، وقد ذكر الحر العاملي : باب أن من نسي التسبيح في حالة من الحالات في صلاة جعفر و ذكر في حالة أخرى قضى ما فاته في الحالة التي ذكره فيها.

عن أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي : في كتاب الاحتجاج قال مما ورد من صَاحِبِ الزَّمَانِ عليه السلام إلى محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري في جواب مسائله ( للحجة بن الحسن عليه السلام ).

 حَيْثُ سَأَلَهُ عَنْ صَلَاةِ جَعْفَرٍ : إذا سها في التسبيح في قيام أو قعود أو ركوع أو سجود ، و ذكره في حالة أخرى قد صار فيها من هذه الصلاة ، هل يعيد ما فاته من ذلك التسبيح في الحالة التي ذكره أم يتجاوز في صلاته ؟

التَّوْقِيعُ : إِذَا سَهَا فِي حَالَةٍ مِنْ ذَلِكَ ، ثُمَّ ذَكَرَهُ فِي حَالَةٍ أُخْرَى قَضَى مَا فَاتَهُ فِي الْحَالَةِ الَّتِي ذَكَرَهُ.

وسائل الشيعة ج8ص61ب9ح10092- 1. عن الاحتجاج ص482، وعن الغيبة للشيخ الطوسي ص230.

 

وعن الطبرسي : مما خرج عن صاحب الزمان عليه السلم :

وَ سَأَلَ عَنْ صَلَاةِ جَعْفَرِ بْنِ‏ أَبِي‏ طَالِبٍ‏ عليه السلام : فِي أَيِّ أَوْقَاتِهَا أَفْضَلُ أَنْ تُصَلَّى فِيه ِ؟ وَ هَلْ فِيهَا قُنُوتٌ وَ إِنْ كَانَ فَفِي أَيِّ رَكْعَةٍ مِنْهَا ؟

 فَأَجَابَ عليه السلام : أَفْضَلُ أَوْقَاتِهَا صَدْرُ النَّهَارِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ، ثُمَّ فِي أَيِّ الْأَيَّامِ شِئْتَ وَ أَيِّ وَقْتٍ صَلَّيْتَهَا مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ فَهُوَ جَائِزٌ ، وَ الْقُنُوتُ فِيهَا مَرَّتَانِ فِي الثَّانِيَةِ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَ فِي الرَّابِعَةِ بَعْدَ الرُّكُوعِ.

الاحتجاج على أهل اللجاج ج2ص491.

 

وقت صلاة جعفر وكنافلة :

يا طيب : عرفت أن صلاة جعفر مستحبة في كل يوم بل تجعل في النوافل كما سيأتي فتكون كم مرة في اليوم كما سترى، وإن لم يستطع الإنسان فمتى قدر ، ولو بالأسبوع مرة ، أو في الشهر مرة ، أو في السنة مرة ، أو في العمر مرة ، كما مر في أول حديث لصلاة جعفر ، وأفضل وقت صلاة جعفر هو صدر نهار يوم الجمعة أي أول نهار يوم الجمعة ، وذكروا أنه ساعتين بعد صلاة الصبح حين ترتفع الشمس واضحة ، ومر الحديث في الأدعية بعد صلاة موسى بن جعفر عليه السلام ودعائه بعدها كما عرفت ، هذا ، وقد :

ذكر الصدوق : و روى أبو بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال‏:

 صل صلاة جعفر : في أي وقت شئت من ليل أو نهار ، و إن شئت حسبتها من نوافل الليل ، و إن شئت حسبتها من نوافل النهار ، تحسبُ لَكَ مِنْ نَوَافِلِكَ وَ تُحْسَبُ لَكَ مِنْ صَلَاةِ جَعْفَرٍ .

من لا يحضره الفقيه، ج‏1، ص: 554ح1539. الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا عليه السلام ص155ب19 باب صلاة جعفر بن أبي طالب عليه السلام.

وعن الشيخ الطوسي رحمه الله بسنده : عن ذريح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إِنْ شِئْتَ صَلِّ صَلَاةَ التَّسْبِيحِ بِاللَّيْلِ ، وَ إِنْ شِئْتَ بِالنَّهَارِ ، وَ إِنْ شِئْتَ فِي السَّفَرِ، وَ إِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهَا فِي نَوَافِلِكَ ، وَ إِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهَا مِنْ‏ قَضَاءِ صَلَاةٍ.

تهذيب الأحكام ج3ص187ح422- 3 . وذكره الحديث الحر العاملي رحمه الله : في وسائل الشيعة ج8ص57ح10083- 1 ب5- باب استحباب صلاة جعفر في الليل و النهار و الحضر و السفر و في المحمل سفرا و جواز الاحتساب بها من النوافل المرتبة و غيرها من الأداء أو من القضاء.

يا طيب : صلاة النوافل أربعة وثلاثون ركعة ، هي الصلاة المرافقة للصلاة الواجبة مع صلاة الليل وكلها مستحبة وتستحب أكثر بصلاتها بكفية صلاة جعفر ، والنوافل : ثمان ركعات قبل فريضة الظهر بعد الزوال، و ثمان ركعات بعدها قبل فريضة العصر، و أربع ركعات بعد المغرب، و ركعتان من جلوس بعد العشاء الآخرة تعدان بركعة، و ثمان صلاة الليل بعد انتصاف الليل، و ثلاث ركعات الشفع و الوتر يفصل بينهما بتسليمة، و ركعتا الفجر قبل فريضة الغداة، و يفصل في جميع النوافل بين كل ركعتين بتسليمة ، فيمكن في صلاة نوافل الظهر مرتين لأنها ثمان ركع وصلاة جعفر الطيار أربع ركع ركعتين مع تسليم ثم ركعتين مع تسلم ، فمثلا ننوي أصلي صلاة نافلة الظهر ولكن نصليها بكيفية صلاة جعفر الطيار أي مع التسبيح ، وهكذا في نافلة صلاة العصر وصلاة الليل .

وأما جعل صلاة القضاء : أو في الأداء بكيفية صلاة جعفر فيشكل في الصلوات التي فيها تسبيح في الأخريين وليس فيهما قراءة وهما أربع ركعات متصلة أو ثلاثة كالمغرب ، وعلى كل راجع ما سيأتي من كتاب الفتوى .

 

صلاة جعفر بالسيارة والمحمل :

في الكافي : عن علي بن سليمان قال: كتبت إلى الرجل ( أي العسكري ) عليه السلام : ما تقول في صَلَاةِ التَّسْبِيحِ‏ فِي‏ الْمَحْمِلِ؟

‏ فَكَتَبَ عليه السلام: إِذَا كُنْتَ مُسَافِراً فَصَلِّ.

الكافي ج3ص466ب91ح4.

يا طيب : حكم الصلاة الفريضة إتيانها بشروطها واجبات وأركان مع رفع الموانع ، ولكن لو تعذرت المراعات ، فمثلا استقبال القبلة لمن هو في المحمل أو بالسيارة والطيارة والقطار ، فيجب استقبال القبلة بقدر الإمكان ، وإن لم يمكن فلا أقل في تكبيرة الإحرام ثم يستمر بصلاة ولا يلتفت مع دوران الطائرة والسيارة والقطار ، وكذلك يجب الركوع والسجود في ممراتها ، وإن لم يمكن فيومأ منحنيا بقدر الركوع والسجود ما أستطاع أو يرفع التربة ليسجد عليها ، ولا يترك الصلاة إن لم تكن له مندوحة بأن يصليها في وقتها بعد السفر أو يوقف السائق ليصلي ، وكذا صلاة النوافل مثلها ومنها صلاة جعفر ، فتصح صلاة جعفر على المحمل وبالسيارة وغيرهما مع مراعات القبلة قدر المستطاع وباقي أمور الركوع والسجود ، وإن كان صلاة جعفر ليس لها وقت محدد فيمكن أتنيها على المحمل والسيارة وغيرهما إن كان مسافرا ولم يكن له وقتا آخرا يسع الصلاة لأنه بعد السفر ينشغل بأمور أخرى من مهام الحياة ، و لمثل هذه المسائل يراجع المبتلى بها غير المجتهد للرسالة العملية الفقهية لمن يقلده من المراجع .

صلاة جعفر نصف شعبان :

يا طيب : صلاة جعفر في أي وقت من الليل والنهار مستحبة ، ولكن توجت أوقات لها يتأكد استحبابها وتكون من أعمال من تلك الأوقات الشريفة وأيام الله المخصوصة ، ومنها أن نصليها في النصف من شعبان.

روى الصدوق : بسنده عن علي بن‏ الحسن بن فضال عن أبيه قال: سألت علي بن موسى الرضا عليه السلام ، عن ليلة النصف من شعبان ؟

قال عليه السلام : هي ليلة يعتق الله فيها الرقاب من النار ، و يغفر فيها الذنوب الكبائر ؟

قلت : فهل فيها صلاة زيادة على سائر الليالي ؟

فقال عليه السلام : ليس فيها شي‏ء موظف .

وَ لَكِنْ إِنْ أَحْبَبْتَ : أَنْ تَطَوَّعَ فِيهَا لِشَيْءٍ ؟

فَعَلَيْكَ‏ : بِصَلَاةِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام ، و أكثر فيها من ذكر الله عز و جل، و من الاستغفار و الدعاء .

فإن أبي عليه السلام : كان يقول الدعاء فيها مستجاب.

 قلت له : إن الناس يقولون : إنها ليلة الصكاك ؟

فقال عليه السلام : تلك ليلة القدر في شهر رمضان.

الأمالي للصدوق ص26م8ح1. فضائل الأشهر الثلاثة ص45ح22.

يا طيب : الصكاك : الوثائق المستندات لكل إنسان بما قسم له في ليالي القدر ـ هذا، ويستجاب الدعاء والذكر والتسبيح في ليلة النصف من شعبان ويومها ولها أعمال كثيرة في روايات أخرى كزيارة الإمام الحسين عليه السلام ، ويومها سنة 255 هجرية كان ولادة الإمام صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه وجعلنا من أنصاره وأعوانه ، وعرفت أهم أعمالها صلاة جعفر ، وهي خير من الدنيا وما فيها وتغفر الذنوب العظام ، وبالخصوص حين نصليها في ليلة النصف من شبعان ، وفقنا الله لها .

 

صلاة جعفر يوم الجمعة والقنوت:

يا طيب : في باب صلاة يوم الجمعة وليلتها وأعمالها جاء في فقه الإمام الرضا عليه السلام وغيره ذكر كثير من الأعمال وقال :

وَ فِي نَوَافِلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ زيادة أربع ركعات تتمة عشرين ركعة يجوز تقديمها في صدر النهار و تأخيرها إلى بعد صلاة العصر.

 وَ تُسْتَحَبُّ : يَوْمَ الْجُمُعَةِ صَلَاةُ التَّسْبِيحِ ، وَ هِيَ صَلَاةُ جَعْفَرٍ ، وَ صَلَاةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام وَ رَكْعَتَا الطَّاهِرَةِ عليها السلام ، وَ لَا تَدَعْ تَسْبِيحَ فَاطِمَةَ عليها السلام بِعَقِبِ كُلِّ فَرِيضَةٍ وَ هِيَ الْمِائَةُ وَ الِاسْتِغْفَارَ بِعَقِبِهَا وَ هُوَ سَبْعُونَ مَرَّةً قَبْلَ أَنْ تَثْنِيَ رِجْلَيْكَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ جَمِيعَ ذُنُوبِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ......

الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا عليه السلام ص127ب8 باب صلاة يوم الجمعة والعمل في ليلتها.

وروى الحر العاملي في الوسائل : عن أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي في الاحتجاج عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري عَنْ صَاحِبِ الزَّمَانِ عليه السلام :‏

 أَنَّهُ كَتَبَ إِلَيْهِ : فَسَأَلَهُ عَنْ صَلَاةِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي أَيِّ أَوْقَاتِهَا أَفْضَلُ أَنْ تُصَلَّى فِي، هِ وَ هَلْ فِيهَا قُنُوتٌ ، وَ إِنْ كَانَ فَفِي أَيِّ رَكْعَةٍ مِنْهَا ؟

فَأَجَابَ عليه السلام : أَفْضَلُ أَوْقَاتِهَا صَدْرُ النَّهَارِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ .

 ثُمَّ فِي أَيِّ الْأَيَّامِ شِئْتَ : وَ أَيَّ وَقْتٍ صَلَّيْتَهَا مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ فَهُوَ جَائِزٌ.

 وَ الْقُنُوتُ : فِيهَا مَرَّتَانِ فِي الثَّانِيَةِ قَبْلَ الرُّكُوعِ ، وَ فِي الرَّابِعَةِ بَعْدَ الرُّكُوعِ.

 وَ سَأَلَهُ : عَنْ صَلَاةِ جَعْفَرٍ فِي السَّفَرِ هَلْ يَجُوزُ أَنْ تُصَلَّى أَمْ لَا ؟

فَأَجَابَ عليه السلام : يَجُوزُ ذَلِكَ.

وسائل الشيعة ج8ص56ح10080- 1ب4 بَابُ تَأَكُّدِ اسْتِحْبَابِ صَلَاةِ جَعْفَرٍ فِي صَدْرِ النَّهَارِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَ جَوَازِهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ وَ لَيْلَةٍ وَ اسْتِحْبَابِ قُنُوتَيْنِ فِيهَا فِي الثَّانِيَةِ وَ فِي الرَّابِعَةِ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ‏ . عن الاحتجاج للطبرسي ص 491. و بحار الأنوار ج‏86ص348ب4ح23.

وعن رجاء بن أبي الضحاك عن الرضا عليه السلام : أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي صَلَاةَ جَعْفَرٍ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ يُسَلِّمُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ .

وَ يَقْنُتُ : فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ فِي الثَّانِيَةِ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَ بَعْدَ التَّسْبِيحِ.

وسائل الشيعة ج8ص57ح10082- 1ب4 .

وعن الحسن بن القاسم العباسي قال: دخلت على أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام ، وَ هُوَ يُصَلِّي صَلَاةَ جَعْفَرٍ عليه السلام عِنْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَلَمْ أُصَلِّ خَلْفَهُ حَتَّى فَرَغَ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ قَالَ- يَا مَنْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ اللُّغَاتُ وَ لَا تَتَشَابَهُ عَلَيْهِ الْأَصْوَاتُ.... وقد ذكرناه في الأدعية بعد صلاة جعفر بن أبي طالب عليهم السلام .

بحار الأنوار ج88ص195ح3ب2 فضل صلاة جعفر بن أبي طالب ع و صفتها و أحكامها .

 

صلاة جعفر لقضاء الحوائج :

ذكر الشيخ الطوسي : صلاة أخرى للحاجة ، روى عبد الملك بن عمرو عن أبي عبد الله عليه السلام قال:

 صُمْ يَوْمَ : الْأَرْبِعَاءِ وَ الْخَمِيسِ وَ الْجُمُعَةِ ، فَإِذَا كَانَ عَشِيَّةُ يَوْمِ الْخَمِيسِ تَصَدَّقْتَ عَلَى عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مُدّاً مُدّاً مِنْ طَعَامٍ ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ اغْتَسَلْتَ وَ بَرَزْتَ إِلَى الصَّحْرَاءِ.

 فَصَلِّ صَلَاةَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام .

 و اكشف ركبتيك : و ألزمهما الأرض و قل :

 يَا مَنْ أَظْهَرَ الْجَمِيلَ : وَ سَتَرَ الْقَبِيحَ ، يَا مَنْ لَمْ يُؤَاخِذْ بِالْجَرِيرَةِ ، وَ لَمْ يَهْتِكِ السِّتْرَ ، يَا عَظِيمَ الْعَفْوِ ، يَا حَسَنَ التَّجَاوُزِ ، يَا وَاسِعَ الْمَغْفِرَةِ ، يَا بَاسِطَ الْيَدَيْنِ بِالرَّحْمَةِ ، يَا صَاحِبَ كُلِّ نَجْوَى ، وَ مُنْتَهَى كُلِّ شَكْوَى ، يَا مُقِيلَ الْعَثَرَاتِ ، يَا كَرِيمَ الصَّفْحِ : يَا عَظِيمَ‏ الْمَنِّ ، يَا مُبْتَدِئاً بِالنِّعَمِ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهَا .

 يَا رَبَّاهْ يَا رَبَّاهْ عَشْراً : يَا اللَّهُ يَا اللَّهُ عَشْراً ، يَا سَيِّدَاهْ يَا سَيِّدَاهْ عَشْراً ، يَا مَوْلَاهْ يَا مَوْلَاهْ عَشْراً ، يَا رَجَايَاهْ عَشْراً ، يَا غِيَاثَاهْ عَشْراً ، يَا غَايَةَ رَغْبَتَاهْ عَشْراً ، يَا رَحْمَانُ عَشْراً ، يَا رَحِيمُ عَشْراً ، يَا مُعْطِيَ الْخَيْرَاتِ عَشْراً ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدِ كَثِيراً طَيِّباً ، كَأَفْضَلِ مَا صَلَّيْتَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ عَشْراً ، وَ تَسْأَلُ‏ حَاجَتَكَ.

مصباح المتهجد وسلاح المتعبد ج1ص331. وسائل الشيعة ج8ص57ب4ح10081- 2. بحار الأنوار ج87ص37ح5باب 6 صلاة الحوائج و الأدعية لها يوم الجمعة .

صلاة جعفر في فتاوي العروة الوثقى :

يا طيب : ما عرفته أعلاه من أحكام صلاة جعفر الطيار عليه السلام ، هو حسب الروايات ، وهنا نذكر نص أحكام صلاة جعفر من كتاب العروة الوثقى للسيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي من موقع السيد السيستاني حفظه الله مع ما علق عليه وهو مرجع الشيعة في عصرنا وهما تعليقتان والباقي كله لليزدي ويؤيده السيد السيستاني بدون تعليق ، وهو عليه أغلب إن لم نقول كل الفقهاء ، والفتاوي هي نفس ما ذكرنا في الشرح أعلاه ، ولكن بدون ذكر للروايات والأدعية كلها ، وذلك لكونه مختصرا ، كما وإنه على كل مكف أن يرجع لمن يقلده .

ويا طيب : كل ما موجود بين القوسين في النص الآتي هو من تعليقنا وشرح لما في العروة الوثقى ولما علق عليه ، وقد قال في كتب الفتوى في كتاب التعليقة على العروة الوثقى ـ الجزء الثاني :

فصل في صلاة جعفر:

وتسمى : صلاة التسبيح وصلاة الحبوة.

 وهي من المستحبات الأكيدة : ومشهورة بين العامة والخاصة، والأخبار متواترة فيها، فعن أبي بصير عن الصادق عليه السلام أنه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لجعفر:

 ألا أمنحك ألا أعطيك ألا أحبوك ؟

فقال له جعفر : بلى يا رسول الله .

 قال : فظن الناس أنه يعطيه ذهبا وفضة، فتشوف الناس لذلك.

 فقال له : إني أعطيك شيئا إن أنت صنعته كل يوم كان خيرا لك من الدنيا وما فيها، فإن صنعته بين يومين غفر الله لك ما بينهما، أو كل جمعة أو كل شهر أو كل سنة غفر لك ما بينهما .

 وفي خبر آخر قال : ألا أمنحك ألا أعطيك ألا أحبوك ، ألا أعلمك صلاة إذا أنت صليتها لو كنت فررت من الزحف ، وكان عليك مثل رمل عالج وزبد البحر ذنوبا غفرت لك؟ قال : بلى يا رسول الله .

 والظاهر أنه : حباه إياها يوم قدومه من سفره ، وقد بشر ذلك اليوم بفتح خيبر، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : والله ما أدري بأيهما أنا أشد سرورا ، بقدوم جعفر أو بفتح خيبر، فلم يلبث أن جاء جعفر فوثب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فالتزمه وقبل ما بين عينيه، ثم قال : ألا أمنحك .... .

وصلاة جعفر : أربع ركعات بتسليمتين ، ( كصلاة الصبح ركعتين ويسلم ، ثم ركعتين أخرى ويسلم ) يقرأ في كل منها الحمد وسورة، ثم يقول : «سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر » خمس عشرة مرة. وكذا يقول ( التسبيحات ) في الركوع عشر مرات، وبعد رفع الرأس منه عشر مرات، وفي السجدة الأولى عشر مرات، وبعد الرفع منها عشر مرات، وكذا في السجدة الثانية عشر مرات، وبعد الرفع منها عشر مرات، ففي كل ركعة خمسة وسبعون مرة، ومجموعها ثلاثمائة تسبيحة ( في أربع ركعات كل ركعتين منفصلة بتشهد كامل مع السلام ، كصلاة الصبح ) .

[ 2217 ] مسألة 1 ( وقت صلاة جعفر ) : يجوز إتيان هذه الصلاة في كل من اليوم والليلة، ولا فرق بين الحضر والسفر، وأفضل أوقاته يوم الجمعة حين ارتفاع الشمس، ويتأكد إتيانها في ليلة النصف من شعبان.

[ 2218 ] مسألة 2 ( سورة تقرأ بالصلاة ) : لا يتعين فيها سورة مخصوصة، لكن الأفضل أن يقرأ في الركعة الأولى إذا زلزلت، وفي الثانية والعاديات، وفي الثالثة إذا جاء نصر الله، وفي الرابعة قل هو الله أحد.

[ 2219 ] مسألة 3 ( صلاة جعفر للمستعجل ) : يجوز تأخير التسبيحات إلى ما بعد الصلاة إذا كان مستعجلا ( يصلي ركعتين ويسلم ثم ركعتين ويسلم كصلاة الصبح ) ، كما يجوز التفريق بين الصلاتين إذا كان له حاجة ضرورية بأن يأتي بركعتين ـ ثم بعد قضاء تلك الحاجة يأتي بركعتين أخريين.

[ 2220 ] مسألة 4 ( صلاة جعفر نافلة ) : يجوز احتساب هذه الصلاة من نوافل الليل أو النهار، أداءً أو قضاءً، فعن الصادق عليه السلام : « صل صلاة جعفر أي وقت شئت من ليل أو نهار، وان شئت حسبتها من نوافل الليل، وإن شئت حسبتها من نوافل النهار، حسب لك من نوافلك وتحسب لك صلاة جعفر »، والمراد من الاحتساب تداخلهما.

 فينوي : بالصلاة كونها نافلة وصلاة جعفر.

 ويحتمل : أنه ينوي صلاة جعفر ويجتزئ بها عن النافلة، ويحتمل أنه ينوي النافلة ويأتي بها بكيفية صلاة جعفر فيثاب ثوابها أيضاً

 وهل يجوز إتيان الفريضة : بهذه الكيفية أولا ( بكيفية صلة جعفر أي مع التسبيحات)؟ قولان، لا يبعد الجواز على الاحتمال الأخير دون الأولين (بأن ينوي صلاة الفريضة فقط ويذكر فيها التسبيحات كصلاة جعفر ) ، ودعوى أنه تغيير لهيئة الفريضة و العبادات توقيفية ، مدفوعة بمنع ذلك بعد جواز كل ذكر ودعاء في الفريضة. ومع ذلك الأحوط الترك ( بأن لا يأتي بصلاة الفريضة بصفة صلاة جعفر ) .

[ 2221 ] مسألة 5 ( القنوت بصلاة جعفر ) : يستحب القنوت فيها في الركعة الثانية من كل من الصلاتين للعمومات وخصوص بعض النصوص.

[ 2222 ] مسألة 6 ( سهو التسبيحات ) : لو سها عن بعض التسبيحات أو كلها في محل فتذكر في المحل الآخر (بأن نسى التسبيحات في الركوع يأتي بالتسبيحات حين القيام فقرأها عشرين مرة ) يأتي به ( بالتسبيح ) (1122 ذكر السيد الخوئي في التعليقة : رجاءً وكذا فيما بعده ( أي برجاء أنه مطلوب ) ) مضافا إلى وظيفته، وإن لم يتذكر ( التسبيحات المنسية ) إلا بعد الصلاة قضاه بعدها .

[ 2223 ] مسألة 7 ( ذكر الركوع والسجود والتسبيحات ) : الأحوط (1123 ذكر السيد الخوئي في التعليقة على العروة الوثقى : الأظهر الاكتفاء ( بالتسبيحات عن الذكر )) عدم الاكتفاء بالتسبيحات عن ذكر الركوع والسجود، بل يأتي به ( بذكر الركوع والسجود ) أيضاً قبلها ( قبل التسبيحات ) أو بعدها.

[ 2224 ] مسألة 8 ( الدعاء في السجدة الأخيرة ) : يستحب أن يقول في السجدة الثانية من الركعة الرابعة بعد التسبيحات :

« يا من لبس العز والوقار، يا من تعطف بالمجد وتكرم به، يا من لا ينبغي التسبيح إلا له، يا من أحصى كل شيء علمه، يا ذا النعمة والطول، يا ذا المن والفضل، يا ذا القدرة والكرم، أسألك بمعاقد العز من عرشك، وبمنتهى الرحمة من كتابك، وباسمك الأعظم الأعلى، وبكلماتك التامات أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تفعل بي كذا وكذا » ( أي ) ويذكر حاجاته.

https://www.sistani.org/arabic/book/23/1924/

يا طيب : الفتاوي أعلاه من العروة لوثقى للسيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي مع تعليقتين للسيد السيستاني رحمه الله وقد حصرنها بين قوسين ، كما أن عنوان المسائل وكل ما محصور بين قوسين هو بيان وشرح لنا .

 

ثواب صلاة جعفر :

يا طيب : عرفت في صفت صلاة جعفر الطيار ، ما قال رسول لله لجعفر ما له من الثواب ، وهنا نذكر أحاديث أخرى تؤكد عظمة وجزيل ثواب صلاة جعفر الطيار رحمه الله وما لمصليها من الكرامة والتوفيق والأجر الكريم وعلوم المقام :

في فقه الإمام الرضا عليه السلام : عَليْكَ بِصَلَاةِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام فَإِنَّ فِيهَا فَضْلًا كَثِيراً.

و قد روى أبو بصير عن أبي عبد الله عليه السلام :

أَنَّهُ مَنْ صَلَّى صَلَاةَ جَعْفَرٍ عليه السلام : كُلَّ يَوْمٍ ، لَا يُكْتَبُ عَلَيْهِ السَّيِّئَاتُ ، وَ يُكْتَبُ لَهُ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ فِيهَا حَسَنَةٌ ، وَ تُرْفَعُ لَهُ دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ.

فَإِنْ لَمْ يُطِقْ كُلَّ يَوْمٍ : ففي كل جمعة ، و إن لم يطق ففي كل شهر ، و إن لم يطق ففي كل سنة.

فَإِنَّكَ إِنْ صَلَّيْتَهَا : مُحِيَ عَنْكَ ذُنُوبُكَ وَ لَوْ كَانَتْ مِثْلَ رِمَالٍ عَالِجٍ أَوْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ.

وصف كيفية الصلاة ثم قال : .. فِي أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ أَلْفَ مَرَّةٍ وَ مِائَتَيْ مَرَّةٍ تُصَلِّي بِهِمَا مَتَى مَا شِئْتَ وَ مَتَى مَا خَفَّ عَلَيْكَ ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ فَضْلًا كَثِيراً .

الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا عليه السلام ص155ب19 باب صلاة جعفر بن أبي طالب عليه السلام .

روى أبو حمزة الثمالي عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وآله لِجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ : يَا جَعْفَرُ ، أ لا أمنحك أ لا أعطيك أ لا أحبوك‏ ، أَ لَا أُعَلِّمُكَ صَلَاةً إِذَا أَنْتَ صَلَّيْتَهَا .

 لَوْ كُنْتَ فَرَرْتَ مِنَ الزَّحْفِ .

وَ كَانَ عَلَيْكَ مِثْلُ رَمْلِ عَالِجٍ‏ وَ زَبَدِ الْبَحْرِ ذُنُوباً غُفِرَتْ لَكَ ؟

قال جعفر : بلى يا رسول الله .

 قال : تُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ... ثم ذكر وصف الصلاة كما عرفت إلى أن قال ... فَذَلِكَ خَمْسٌ وَ سَبْعُونَ مَرَّةً فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ، ثَلَاثُمِائَةِ تَسْبِيحَةٍ تَكُونُ ثَلَاثُمِائَةِ مَرَّةٍ فِي الْأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ أَلْفٌ وَ مِائَتَا تَسْبِيحَةٍ .

يُضَاعِفُهَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ : وَ يَكْتُبُ لَكَ بِهَا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَلْفَ حَسَنَةٍ ، الْحَسَنَةُ مِنْهَا مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ وَ أَعْظَمُ.

من لا يحضره الفقيه ج1ص552ح1533. ثواب عظيم من الحسنات أثنا عشر الف حسنة كجبل أحد أو أعظم ، ويغفر الذنوب العظام أيضا كالفرار من الزحف وهو من الكبائر العظام ، لكن صلاة جعفر تغفرها ، وجعفر بن أبي طالب الطيار رحمه الله أثبت الثابتين في الحرب وهو الذي عقرب فرسه ليدل على ثباته وقوته وأنه سيحارب الكفار إما النصر أو الشهادة .

 

وعن الصدوق: سئل أبو عبد الله عليه السلام :‏ عمن صلى صلاة جعفر ، هل يكتب له من الأجر مثل ما قال رسول الله لجعفر ؟

قال عليه السلام : إي و الله.

الكافي ج3ص466ب91ح7. من لا يحضره الفقيه ج1ص554ح1537.

يا طيب : وقد مر الحديث في الكافي : أنه قال له رسول الله : فقال له :

إني أعطيك شيئا : إن أنت صنعته في كل يوم كان خيرا لك من الدنيا و ما فيها ، و إن صنعته بين يومين غفر لك ما بينهما ، أو كل جمعة أو كل شهر أو كل سنة غفر لك ما بينهما.

الكافي ج3ص465ح1باب صلاة التسبيح.

ويا طيب : خير من الدنيا وما فيها لأجر عظيم ، وهو لكل من يصليها ، وغفران الذنوب يعني الطهارة من دنس والنزاهة ، وللمؤمن يعين الجنة بأعلى مقام ، وأنظر الحديث الآتي ومر مثله :

وفي بحار الأنوار : عن نوادر الراوندي، بإسناده عن موسى بن جعفر عن آبائه عليهم السلام قال : قال علي عليه السلام : ‏ قدم جعفر بن أبي طالب عليه السلام ، فتلقاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، و قبل بين عينيه .

فلما جلسا قال رسول الله له : أ لا أعطيك أ لا أمنحك أ لا أحبوك ؟ قال : بلى يا رسول الله.

 فقال : تصلي أربع ركعات ثم وصف الصلاة ، وقال : فإن استطعت أن تصليها كل يوم فافعل فإن لم تستطع ففي كل جمعة فإن لم تستطع ففي كل شهر فإن لم تستطع ففي كل سنة فإن لم تستطع ففي عمرك مرة .

فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ : غَفَرَ اللَّهُ ذَنْبَكَ صَغِيرَهُ وَ كَبِيرَهُ قَدِيمَهُ وَ حَدِيثَهُ خَطَاهُ وَ عَمْدَهُ.

بحار الأنوار ج88ص204ب2ح5.

 

و روي : عن إبراهيم بن أبي البلاد قال: قلت لأبي الحسن يعني موسى بن جعفر عليه السلام : أي شي‏ء لمن صلى صلاة جعفر؟

 قال عليه السلام : لَوْ كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ رَمْلِ عَالِجٍ ، وَ زَبَدِ الْبَحْرِ ذُنُوباً لَغَفَرَهَا اللَّهُ لَهُ .

قَالَ قُلْتُ : هَذِهِ لَنَا ؟

قَالَ عليه السلام : فَلِمَنْ ، هِيَ إِلَّا لَكُمْ خَاصَّةً .

من لا يحضره الفقيه ج1ص553ح1536.

في رواية : إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي الحسن الكاظم عليه السلام :

قلت : فما ثوابها ؟

قَالَ : لَوْ كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ رَمْلِ عَالِجٍ‏ ذُنُوباً ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ .

ثم نظر إلي فقال: إِنَّمَا ذَلِكَ لَكَ وَ لِأَصْحَابِكَ.

الكافي ج3ص465ح1باب صلاة التسبيح. و عَالِجُ : مكان بالبادية فيه رمال متراكمة وتلاله دخل بعضها ببعض ، وهو كالكَثِيبُ : تلّ مرتفع من الرِّمال كوَّمته الرياحُ في الصَّحاري ، ورمال العالج عدة كثبان من الرمال متداخلة مترامية الأطراف و قيل إن رمل عالج جبال متواصلة يتصل أعلاها بالدهناء بقرب اليمامة و أسفلها بنجد و قيل عالج محيط بأكثر أرض العرب ، والطاهر الربع الخالي من شبه الجزيرة العربية ، يعبر عن أهمية الصلاة وأنها تغفر الذنوب مهما كثرت ، وزبد البحر أيضا يعبر به عن الكثرة ، وبهذا يعبر عن غفران الذنوب كلها ، ومن تغفر ذنوبه ليس له إلا الجنة .

فضل التسبيحات الأربعة وأهمتها :

يا طيب : عرفت أن صلاة جعفر بن أبي الطالب الطيار عليهم السلام ، تسمى صلاة التسبيح أو صلاة التسابيح أو الحبوة ، لما فيها من كثرة ذكر الله تعالى بالتسبيحات الأربعة وهي :

سُبْحَانَ اللَّهِ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ اللَّهُ أَكْبَرُ

وتسمتها بصلاة التسبيح : وهو تسمية الكل باسم الجزء لأنه أولها سبحانه الله ، كما أنه قد يطلق على الذكر تسبيح ، وقول سبح الله أي أذكر الله بأحسن الذكر ، وقد عرفت يا طيب فضل صلاة التسبيح وثوابها ككل ، وهنا نذكر ثواب وفضل التسبيحات الأربعة بالخصوص وبعض معناها مختصرا .

عن السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام:

التَّسْبِيحُ : نِصْفُ الْمِيزَانِ .

وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ : يَمْلَأُ الْمِيزَانَ .

وَ اللَّهُ أَكْبَرُ : يَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ .

 الكافي ج2ص506 باب التسبيح و التهليل و التكبير ح3 .

وعن الإمام الصادق عليه السلام قال : قال أمير المؤمنين عليه السلام :

التَّسْبِيحُ: نصف الميزان .

و التحميد : يملأ الميزان .

وَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ اللَّهُ أَكْبَرُ: يملأ ما بين السماوات و الأرض.

 عدة الداعي ص262 .

 

عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أكثروا من :

سُبْحَانَ اللَّهِ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ اللَّهُ أَكْبَرُ

 فإنهن : يأتين يوم القيامة لهن مقدمات و مؤخرات و معقبات ، و هن الباقيات الصالحات . ثواب ‏الأعمال ص 11.

وعلي بن إبراهيم : عن أبيه عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم و أبي أيوب الخزاز جميعا عن أبي عبد الله عليه السلام قال :

جاء الفقراء : إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقالوا : يا رسول الله ، إن الأغنياء لهم ما يعتقون و ليس لنا ، و لهم ما يحجون و ليس لنا ، و لهم ما يتصدقون و ليس لنا ، و لهم ما يجاهدون و ليس لنا .

 فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : مَنْ كَبَّرَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ : مِائَةَ مَرَّةٍ ، كَانَ أَفْضَلَ مِنْ عِتْقِ مِائَةِ رَقَبَةٍ .

وَ مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ : مِائَةَ مَرَّةٍ ، كَانَ أَفْضَلَ مِنْ سِيَاقِ مِائَةِ بَدَنَةٍ .

وَ مَنْ حَمِدَ اللَّهَ : مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَ ، أَفْضَلَ مِنْ حُمْلَانِ مِائَةِ فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِسُرُجِهَا وَ لُجُمِهَا وَ رُكُبِهَا .

وَمَنْ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، مِائَةَ مَرَّةٍ، كَانَ أَفْضَلَ النَّاسِ عَمَلًا ذَلِكَ الْيَوْمَ إِلَّا مَنْ زَادَ.

قال : فبلغ ذلك الأغنياء ، فصنعوه .

قال : فعاد الفقراء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

فقالوا : يا رسول الله ، قد بلغ الأغنياء ما قلت ، فصنعوه .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ.

الكافي ج2ص505باب التسبيح و التهليل و التكبير ح1 . ثواب ‏الأعمال ص 10.

 

وعن أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قال :

سبحان الله : غرس الله له بها شجرة في الجنة .

 و من قال : الحمد لله غرس الله له بها شجرة في الجنة .

و من قال : لا إله إلا الله ، غرس الله له بها شجرة في الجنة .

و من قال : الله أكبر ، غرس الله له بها شجرة في الجنة .

فقال رجل من قريش : يا رسول الله إن شجرنا في الجنة لكثير .

قال : نعم و لكن إياكم أن ترسلوا عليها نيرانا فتحرقوها ، و ذلك أن الله عز و جل يقول : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (33) } محمد.

 ثواب ‏الأعمال ص 11.

 

وعن الحسين بن خالد قال : سألت أبا الحسن عليه السلام عن مهر السنة كيف صار خمس مائة درهم ؟ فقال عليه السلام : إن الله تبارك و تعالى أوجب على نفسه :

أن لا يكبره مؤمن مائة تكبيرة . و يحمده مائة تحميدة . و يسبحه مائة تسبيحة . و يهلله مائة تهليلة . و يصلي على محمد و آله مائة مرة .

ثم يقول : اللهم زوجني من الحور العين ، إلا زوجه الله حوراء من الجنة ، و جعل ذلك مهرها ، فمن ثم أوحى الله عز و جل إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يسن مهور المؤمنات خمسمائة درهم ففعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

 عيون ‏أخبار الرضا عليه السلام ج2ص84ب22ح25 . الاختصاص ص102 . علل ‏الشرائع ج2ص499ب258ح1. من ‏لا يحضره ‏الفقيه ج3ص399 .

وعن أبو بصير قال : قال أبو عبد الله عليه السلام : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لأصحابه ذات يوم : أ رأيتم لو جمعتم ما عندكم من الثياب و الآنية ثم وضعتم بعضه على بعض ، ترونه يبلغ السماء ؟ قالوا : لا يا رسول الله .

فَقَالَ : يَقُولُ أَحَدُكُمْ إِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ :

سُبْحَانَ اللَّهِ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ اللَّهُ أَكْبَرُ

ثلاثين مرة ؛ و هن يدفعن : الهدم ، و الغرق ، و الحرق ، و التردي في البئر ، و أكل السبع ، و ميتة السوء و البلية التي نزلت على العبد في ذلك اليوم.

تهذيب ‏الأحكام ج2ص107ب8ح174.

عن ابن بكير قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام ، قول الله عز و جل : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) } الأحزاب ، مَا ذَا الذِّكْرُ الْكَثِيرُ ؟

قال عليه السلام : أَنْ يُسَبِّحَ فِي دُبُرِ الْمَكْتُوبَةِ ثَلَاثِينَ مَرَّةً .

تهذيب ‏الأحكام ج2ص107ب8ح173 .

عَنْ ضُرَيْسٍ الْكُنَاسِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ :

مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم بِرَجُلٍ يَغْرِسُ غَرْساً فِي حَائِطٍ لَهُ ، فَوَقَفَ لَهُ وَ قَالَ : أَ لَا أَدُلُّكَ عَلَى غَرْسٍ ، أَثْبَتَ أَصْلًا ، وَ أَسْرَعَ إِينَاعاً ، وَ أَطْيَبَ ثَمَراً وَ أَبْقَى . قَالَ : بَلَى فَدُلَّنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟

فَقَالَ : إِذَا أَصْبَحْتَ وَ أَمْسَيْتَ ، فَقُلْ :

سُبْحَانَ اللَّهِ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ اللَّهُ أَكْبَرُ .

فَإِنَّ لَكَ إِنْ قُلْتَهُ : بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ عَشْرَ شَجَرَاتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ أَنْوَاعِ الْفَاكِهَةِ ، وَ هُنَّ مِنَ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ .

قَالَ فَقَالَ الرَّجُلُ : فَإِنِّي أُشْهِدُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّ حَائِطِي هَذَا صَدَقَةٌ مَقْبُوضَةٌ عَلَى فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَهْلِ الصَّدَقَةِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ :

{ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) } الليل‏.

الكافي ج2ص506 باب التسبيح و التهليل و التكبير حديث 4 . المحاسن ج1ص37ب30ح39.

يا طيب : هكذا الإقدام و المسابقة بالخيرات والجري والعدو لله كما عرفت في معنى التسبيح ، فتنزه بتصديق رسول الله وأقدم بنفقة ربح بها الدنيا والآخرة ، صدق فصدقه الله ويسر أمره للحسنى في الدارين .

 

وذكر البرقي في ما جاء في التسبيح : عن علي بن الحكم عن سيف بن عميرة عن ثابت عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: من قال :

سُبْحَانَ اللَّهِ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ اللَّهُ أَكْبَرُ

خَلَقَ اللَّهُ مِنْهَا : أَرْبَعَةَ أَطْيَارٍ ، تُسَبِّحُهُ ، وَ تُقَدِّسُهُ ، وَ تُهَلِّلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

و في رواية محمد بن مروان عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ‏:

 إذا قال : الْعَبْدُسُبْحَانَ‏اللَّهِ ، فَقَدْ أَنِفَ لِلَّهِ، وَ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ يَنْصُرَهُ‏ .

المحاسن ج1ص37ب30ح36. أنف الله: أقر لله بالتنزيه والتعظيم ومجده وحمده .

عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال:

مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ : مِائَةَ مَرَّةٍ ، كَانَ أَفْضَلَ النَّاسِ ذَلِكَ الْيَوْمَ ، إِلَّا مَنْ قَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ‏.

المحاسن ج1ص37ب30ح37.

 

معنى التسبيحات الأربعة :

يا طيب : لما عرفنا صلاة جعفر الطيار عليه السلام تختص بالتسبيحات الأربعة أو التسبيحة الكبرى كذا تسمى ، نذكر حديث يذكر فضل قولهن ومعناهن وثوابهن ، ذكر الشيخ المفيد رحمه الله : بسنده عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام قَالَ:جَاء رجل من اليهود فقال له : أخبرني عن تفسير :

سُبْحَانَ اللَّهِ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ اللَّهُ أَكْبَرُ

فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : عَلِمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ بَنِي آدَمَ يَكْذِبُونَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ ، فَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ : بَرَاءَةٌ مِمَّا يَقُولُونَ .

وَ أَمَّا قَوْلُهُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ : فَإِنَّهُ عَلِمَ أَنَّ الْعِبَادَ لَا يُؤَدُّونَ شُكْرَ نِعْمَتِهِ ، فَحَمِدَ نَفْسَهُ قَبْلَ أَنْ يَحْمَدَهُ الْعِبَادُ ، وَ هُوَ أَوَّلُ كَلَامٍ ، لَوْ لَا ذَلِكَ لَمَا أَنْعَمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَحَدٍ بِنِعْمَتِهِ .

 وَ قَوْلُهُ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ : يَعْنِي وَحْدَانِيَّتَهُ ، لَا يَقْبَلُ الْأَعْمَالَ إِلَّا بِهَا ، وَ هِيَ كَلِمَةُ التَّقْوَى ، يُثْقِلُ اللَّهُ بِهَا الْمَوَازِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .

وَ أَمَّا قَوْلُهُ : اللَّهُ أَكْبَرُ : فَهِيَ كَلِمَةٌ أَعْلَى الْكَلِمَاتِ ، وَ أَحَبُّهَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ ، يَعْنِي أَنَّهُ لَيْسَ شَيْ‏ءٌ أَكْبَرَ مِنْهُ ، وَ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إِلَّا بِهَا ، لِكَرَامَتِهَا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ ، وَ هُوَ الِاسْمُ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ .

قال اليهودي : صدقت يا محمد ، فما جزاء قائلها؟

قال صلى الله عليه وآله وسلم :

 إِذَا قَالَ الْعَبْدُ: سُبْحَانَ‏اللَّهِ ، سَبَّحَ مَعَهُ مَا دُونَ الْعَرْشِ ، فَيُعْطَى قَائِلُهَا عَشْرَ أَمْثَالِهَا .

وَ إِذَا قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ : أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِنِعَمِ الدُّنْيَا مَوْصُولًا بِنِعَمِ الْآخِرَةِ ، وَ هِيَ الْكَلِمَةُ الَّتِي يَقُولُهَا أَهْلُ الْجَنَّةِ إِذَا دَخَلُوهَا ، وَ يَنْقَطِعُ الْكَلَامُ الَّذِي يَقُولُونَهُ فِي الدُّنْيَا ، مَا خَلَا الْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى‏: { دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10)} يونس.

وَ أَمَّا قَوْلُهُ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ : فَثَمَنُهَا الْجَنَّةُ ، وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى‏ : { هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60)} الرحمن ،قَالَ : هَلْ جَزَاءُ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِلَّا الْجَنَّةُ .

وَ أَمَّا قَوْلُهُ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، فَهِيَ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ فِي الْجَنَّةِ وَأَعْلَاهَا مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ.

فقال اليهودي: صدقت يا محمد أديت واحدة ، تأذن لي أن أسألك الثانية ....

الاختصاص للمفيد ص34 فيها مسائل اليهودي التي ألقاها على النبي ، وفي علل الشرائع ج1ص251ب182 باب علل الشرائع و أصول الإسلام ح8. الأمالي للصدوق ص187م35ح1، بسنده عن الحسن بن عبد الله عن آبائه عن جده الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام قال: جاء نفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فسأله أعلمهم ...

 

ويا طيب : في الحديث السابق عرفت معنى التسبيح وأهميته وثوابه ومعناه الواقعي ومفهومه الحقيقي ، وهنا نذكر معاني لفظ التسبيح اللغوية وتفسيره وشرحه ، لأن اسم صلاة جعفر الطيار عليه السلام هي صلاة التسبيح أو صلاة التسابيح ، لأن فيها ثلاثمائة تسبيحة كبيرة أي رباعية وألف ومئتين تسبيحة مفردة ، على اعتبار أن بعض معاني التسبيح هو ذكر الله بأي من ألفاظ التمجيد له تعالى ، أو لتسمية الكل باسم الجزء ، ولمعرفة كل معاني التسبيحات الأربعة مفصلة مفردة ، راجع صحيفة الذكر أو صحيفة أسماء الله الحسنى من موسوعة صحف الطيبين ، وإن كان معانيها بديهية معروفة .

فإن سبحان الله : أي تنزيه وإبعاد الله عن كل نقص فيدل على تعظيمه وغناه بإفاضة الكمال ، فنعرف كلي خير منه فيحسن بالمؤمن أن يقول الحمد لله أو وبحمد ، سبحان الله وبحمده ، سبحان رب العظيم وبمحمده أو سبحان رب الأعلى وبمحمده .

 

والحمد لله : هو الثناء على الله تعالى ومدحه على ما ظهر في التكوين من جماله وجلاله ونعمه التي لا تحصى باختياره ، ومدده للخلق بكل ما يحتاجوه للبقاء بعد الخلق ، وتحصيلهم للكمال لكل ما يليق بهم حسب وجودهم وطلبهم له بحالهم أو مع مقالهم .

 

ولا إله إلا الله : هو نفي الشريك عنه ، وأنه وحده لا صاحبة له ولا ولد ولا وزير ولا لأحد يستشير في تكوين الخلق وبقاءه وتدبيره ، فهو سبحانه لم يخلق ما خلق لتشديد سلطان و لا تخوف من عواقب زمان ، و لا استعانة على ند وعدو مثاور محارب ، و لا شريك مكاثر فيعده ويحده ، و لا له ضد منافر يحاكيه بالرفعة والغلبة ، و لكن كل شيء في الوجود خلائق مربوبون عابدون له ويسبحوه ، و عبادا له داخرون محتاجون في وجودهم وبقائهم لا يستغنون عنه لحظة .

والله أكبر : من أن يوصف سبحانه ، وأعظم وأجل من أن يحاط به علما ، وإن كل ما توهمه متوهم وتصوره متصور في ذهنه وعقله من عظمته وجلاله فهو محدود مرجوع له ، والله سبحانه وتعالى أعظم وأعلى وأجل منه ، والله هو المحيط بكل شيئا علما وقاهر له وحده لا شريك له .

 

وأما سبحان الله في اللغة : لما عرفت أن الصلاة صلاة التسبيح ، فنذكر بعض معناه ، فهو خلاصة مما في معجم المعاني اللغوي :سُبْحَان: اسم مصدر سبَحَ ، سبَّحَ يُسبِّح تسبيحًا ، فهو مُسبِّح ، والمفعول مُسبَّح للمتعدِّي.

وسُبْحَانَ اللَّهِ : كلمة تنزيه وتقديس ، سُبْحَانَ اللَّهِ : تَنْزِيهُهُ تَعَالَى وَتَعْظِيمُهُ وَإجْلاَلُهُ، أيْ أُبَرِّئُ اللَّهَ عَنْ كُلِّ سُوءٍ وتَنْزيهاً لِلّهِ من الصَّاحِبَةِ والوَلَدِ، وهو مَعْرِفَةٌ ونُصِبَ على المَصْدرِ ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ علَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، ولا تقال إلاّ لله تعالى ، أو معناهُ: السُّرْعَةُ إليه، والخِفَّةُ في طاعَتِهِ.

سَبَحَ الرَّجُلُ : قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ ، وسَبَّحَ اللهَ أو سَبَّحَ لله: عَظَّمَهُ وَمَجَّدَهُ وَنَزَّهَهُ.

وسَبَحَ: فعل ، وسبَحَ ، سبَحَ بـ ، سبَحَ في ، يَسبَح ، سِباحَةً وسَبْحًا ، فهو سابِح ، والمفعول مسبوحٌ به ، وسبَح الشَّيءُ :جرَى، دار عام ، و سَبَحَ، يَسْبَحُ، مصدر سُبْحَان .

وسُبْحَانَ اللَّهِ مِنْ كَذَا : أيْ تَعَجُّبٌ مِنْهُ ، وتقال للتعجب حين نستغرب حدوث شي ونندهش حين رؤيته أو سماعه وبالخصوص حين رؤية الأشياء الجميلة بل والقبيحة ، ويقال سبحان الله الخالق عز وجل .

 

وأما معنى سبحان الله : في التفسير والفقه :

فيا طيب : إن كلمة التسبيح بالمعنى العام حين يقال : سبح اسم ربك أو سبح الله ، أي أذكر ربك بمطلق الذكر ، حتى لو تقول مثلا : الحمد لله ، أو لا إله إلا الله ، أو الله أكبر ، بل يطلق على الصلاة والدعاء أيضا أي أدعو وصلي.

 

 وأما التسبيح لله تعالى : بالمعنى الخاص للفظ ، أي ذو الجلال والإكرام ، فهو تنزيه الله على وجه تمجيد الله وتعظيمه وبيان تعاليه عما يقول الملحدون والمشركون ، وتنزيهه وترفعه وتعاليه وإبعاده عما لا يليق به من أن يكون له صاحبة أو ولد أو شريك ، أو أعضاء أو أجزاء أو حركة ومكان وما شابه من السوء والعيب والآفة والنقص والحاجة وغيرها ، فسبحان الله أعم وأشمل من كلمة لا إله إلا الله في نفي الشريك في الألوهية في الخلق التدبير.

فتسبيح الله : هو في عين تنزيهه وإبعاده عن كل حاجة ونقص ، هو إقرار له بالغنى المطلق وبالعظمة ، ووصف الله عزّ وجل بالرفعة والتعالى عن الأشباه والأمثال وعن صفاة المخلوقين والمادة ، وعن الحاطة به علما وتوهمه وما شابه ، وهو في الحقيقة بيان للعظمة والجلال والجمال .

فسبحان الله : هو في عين تنزيهه سبحانه عن النقص والحاجة وصفات المخلوقين من التغير والتبدل والتحرك والتجزئة والحجم والمكان والجهة والحدود وغيرها مما يوجب النقص ونخلصه عما لا يلق به ذاتا وصفاتا وأفعالا ، وعن الحدوث والزوال والفناء ، فإنا في الحقيقة إقرار لله تعالى بالعظمة الواسعة الشاملة لكل جمال وجلال ، ونبعد عنه كل نقص وحاجة ذاتية وصفاتية وفعليه ، ونقر له بالكمال التام المطلق وإفاضة الوجود وكماله كله دائما ، فإنا بسبحان الله نقر له بكل حسن لا عيب فيه ، ونحمده ونشكره على ما كرمنا به من نوره وما يهبنا من نعمه المحيطة بنا والتي هي لا تحصى .

فالتسبيح لله : من العبد هو إظاهر الإيمان الخالص لله تعالى وعن معرفة ودراية بعظمة الله تعالى ، وإقرار له بالعبودية وأن له الملك المطلق ، وبالخصوص حين نتممه بالتسبيحات الثلاثة الأخرى فنشرحه ونبين إيماننا ببعض التفصيل ، فنقول بعد سبحان الله الحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ، فنتعرف لله عز وجل بالتسبيح أنه لا نقص له ولا حاجة وهو الغني المطلق وخالق كل شيء ومعطيه كماله ، فنحمد الله على ما خلق وأنعم ، وبقول لا إله إلا الله ، فنقر بأنه لا خلق ولا نعمة إلا منه سبحانه ، وبقول الله أكبر نقر بالعجز عن العلم بعظمته فضلا أن يحاط به ، فهو سبحانه أعظم من أن يوصف من العبد مهما ذكره وسبحه وحمده ومجده ، ونقر إنا مقصرون في ما يجب علينا من طاعته وعبوديته .

وسبحان الله وبحمده : أي أنزه الله عن جميع صفات خلقه وعن الشريك والإحاطة به ، في عين إنا نحمده ونثني عليه بما تجلى على عباده بل بالتكوين كله من إيجاده ومدده له لكي يبقى بل ولتكامل بأحسن صورة ممكنة.

ويا طيب : قد جاءت ما يقارب المائة آية تذكر تسبيح الله سواء لتعليم العباد عبودية الله أو لتنزيه الله عز وجل عما يقول المشركون الكافرون ، وأيضا آيات كثيرة تأمر بتسبيح الله في كل وقت ، وبعضها تبين أن كل شيء في التكوين يسبح الله ويحمده ، كما توجد أدعية كثيرة جدا مختص بأنواع التسبيح وبيانه.

 ولذا كانت كلمات التسبيح الكبير : هي من الذكر الكثير لله تعالى ، ولذا أستحبت صلاة جعفر الطيار أستحبابا مؤكدا في أي يوقت كان وبالخصوص في الآيام الشريفة بل وفي الأماكن الشريف وهي من أحسن الذكر ، هذا ولمعرفة المزيد من معاني التسبيح والذكر راجع صحيفة الذكر أو أسماء الله الحسن الإله والحميد والكبير والسبوح ، وأسأل الله لكم ولي أن يوفقنا لإقامة صلاة جعفر الطيار وتعريف فضلها للمؤمنين ، لكي ننال خيرها وبركاتها ونكون من الذاكرين الله كثيرا .

ويا طيب : خلاصة معنى سبحان الله : منطوقا هو التنزيه لله عن كل الصفات السلبية ، ومفهوما هو بيان أن له كل كمال وجمال ، فمن يكون لا نقص فيه يعني هو كامل ، فمتى سلبت النقص أثبت الكمال .

وسبحان الله : كقولنا : الله جامع لجميع الأسماء الحسنى ، فهو يتصف بها ولا يقع وصف لشيء منها ، فسبحان الله : بعناية وشرح سلب النقص وإثبات الكمال لله تعالى .

 




أحاديث النبي وجعفر

 

النبي يبشر جعفر بالقائد :

يا طيب : في هذا الحديث يبشر النبي الأكرم جعفر بن أبي طالب الطيار ، بأن القائد في آخر الزمان الذي ينصر القائم الإمام لمهدي عليه السلام ، هو من ذريته ، ويذكر بعض أوصافه ، فتدبره فإنه حقا بشارة كريمة له ، وحديث مؤنس بين الأحبة الكرام في بقيع المدينة المنورة :

ذكر محمد بن إبراهيم النعماني : في باب ما جاء في العلامات التي تكون قبل قيام القائم عليه السلام ، و يدل على أن ظهوره يكون بعدها ، كما قالت الأئمة عليهم السلام ، ‏قال : حدثنا أبو سليمان أحمد بن هوذة الباهلي ، قال حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق النهاوندي بنهاوند سنة ثلاث و تسعين و مائتين ، قال حدثنا عبد الله بن حماد الأنصاري في شهر رمضان سنة تسع و عشرين و مائتين ، عن أبان بن عثمان قال :

قال أبو عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام :‏ بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم ذَاتَ يَوْمٍ فِي الْبَقِيعِ .

 حتى أقبل علي عليه السلام : فسأل عن رسول الله ؟ فقيل إنه بالبقيع ، فأتاه علي عليه السلام فسلم عليه<

 فقال رسول الله : أجلس فأجلسه عن يمينه.

ثُمَّ جَاءَ جَعْفَرُ بْنُ‏ أَبِي‏ طَالِبٍ‏ : فَسَأَلَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ؟ فَقِيلَ لَهُ هُوَ بِالْبَقِيع، ِ فَأَتَاهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ، فَأَجْلَسَهُ عَنْ يَسَارِهِ .

ثم جاء العباس : فسأل عن رسول الله ؟ فقيل له هو بالبقيع ، فأتاه فسلم عليه ، فأجلسه أمامه.

 ثم التفت رسول الله : إلى علي ، فقال : أ لا أبشرك ؟ أ لا أخبرك يا علي ؟ فقال : بلى يا رسول الله .

فقال : كان جبرئيل عندي آنفا ، و أخبرني : أن القائم الذي يخرج في آخر الزمان ، فيملأ الأرض عدلا كما ملئت ظلما و جورا ، من ذريتك من ولد الحسين .

فقال علي : يا رسول الله ، ما أصابنا خير قط من الله إلا على يديك .

ثُمَّ الْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ : إِلَى جَعْفَرِ بْنِ‏ أَبِي‏ طَالِبٍ‏ ، فَقَالَ : يَا جَعْفَرُ أَ لَا أُبَشِّرُكَ أَ لَا أُخْبِرُكَ ؟ قَالَ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ .

فَقَالَ : كَانَ جَبْرَئِيلُ عِنْدِي آنِفاً فَأَخْبَرَنِي : أَنَّ الَّذِي يَدْفَعُهَا (الراية) إِلَى الْقَائِمِ هُوَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ .

أَ تَدْرِي مَنْ هُوَ ؟ قَالَ : لَا.

 قَالَ : ذَاكَ الَّذِي وَجْهُهُ كَالدِّينَارِ ، وَ أَسْنَانُهُ كَالْمِنْشَارِ ، وَ سَيْفُهُ كَحَرِيقِ النَّارِ ، يَدْخُلُ الْجُنْدَ ذَلِيلًا وَ يَخْرُجُ مِنْهُ عَزِيزاً ، يَكْتَنِفُهُ جَبْرَئِيلُ وَ مِيكَائِيلُ .

ثم التفت إلى العباس فقال : يا عم النبي ، أ لا أخبرك بما أخبرني به جبرئيل ؟ فقال : بلى يا رسول الله ، قال : قال لي جبرئيل ، ويل لذريتك من ولد العباس ، فقال : يا رسول الله أ فلا أجتنب النساء .

فقال له : قد فرغ الله مما هو كائن .

الغيبة للنعماني ص247ب14ح1 .

النبي يهدي جعفرا السفرجل :

وعن النوفلي بإسناده قال: كان جَعْفَرُ بْنُ‏ أَبِي‏ طَالِبٍ‏ عند النبي ، فأهدي إلى النبي سفرجل ، فقطع منه النبي قطعة و ناولها جعفرا ، فأبى أن يأكلها.

 فقال صلى الله عليه وآله وسلم: خذها و كلها ، فإنها تذكي القلب ، و تشجع الجبان.

المحاسن ج2ص549ب114ح877.

عن سليمان بن جعفر الجوهري عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام قال: كسر رسول الله صلى الله عليه وآله سفرجلة ، و أطعم جَعْفَرَ بْنَ‏ أَبِي‏ طَالِبٍ‏. وقال له : كل فإنه يصفي اللون ، و يحسن الولد.

المحاسن ج2ص549ب114ح878. ورواه في الكافي ج6ص357ح2 عن الإمام الصادق عليه السلام .

و عن حمزة بن بزيع عن أبي إبراهيم موسى الكاظم عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لِجَعْفَرٍ، يَا جَعْفَرُ : كل السفرجل ، فإنه يقوي القلب ، و يشجع الجبان‏ .

المحاسن ج2ص549ب114ح881.

 

النبي يقدم الخلال لجعفر :

يا طيب : جاءت روايات في أهمية الخلال بعد الأكل ، ومنها أنه يستحب أن يعطى للضيف ، لما فيه من التكريم والمصلحة في الصحة وحسن الضيافة، ومن أهم الأحاديث في الخلال وأهميته ، ما جاء في تكريم النبي الأكرم لجعفر بتقديم الخلال له ، فإنه روي :

عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ناول رسول الله صلى الله عليه وآله جَعْفَرَ بْنَ‏ أَبِي‏ طَالِبٍ‏ خِلَالًا.

و قال له : تخلل ، فإنه‏ مصلحة للثة و مجلبة للرزق‏.

المحاسن ج2ص563ب124ح962. ورواه في الكافي ج6ص376ح4.

وعن أبي حمزة عن أبي الحسن الكاظم عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لِجَعْفَرٍ تَخَلَّلْ ، فَإِنَّ الْخِلَالَ يَجْلِبُ الرِّزْقَ‏.

و روي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: من أكل طعاما فليتخلل، و من لم يفعل فعليه حرج‏ .

المحاسن ج2ص563ب124ح963.

 

وعن محمد بن الحسن الشيباني: أخبرنا أبو حنيفة ، قال حدثنا أبو علي ، عن تمام ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ :

 مَا لِي أَرَاكُمْ : تَدْخُلُونَ عَلَيَّ قُلْحًا اسْتَاكُوا ، وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي ، لَأَمَرْتُهُمْ أَنْ يَسْتَاكُوا عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ. قال محمد : والسواك عندنا من السنة .

كتاب الآثار ج١ص٦٧ باب السواك41 ، قلحا : قَلِحَت السِّنُّ : تغيرَتْ بصُفرَة وخُضْرَة تعلوها.

 




غزوة مؤتة وشهادة جعفر

يا طيب : بعد أن عرفنا أغلب قصص جعفر بن أبي طالب عليه السلام ذو الجناحين الطيار في الجنة ، سواء شأنه الكريم ومناقبه ، أو إسلامه وهجرته الأولى للحبشة وهجرته الثانية للمدينة المنورة ، وما جرى فيها ، نذكر آخر قصصه وهي في قيادته لغزوة مؤتة وسببها ، لنتعرف على أواخر حياته الكريمة وشهادته مع رفاقه الكرام.

 

قيادة جعفر وعمره الشريف :

يا طيب : القيادة في غزوة مؤتة في أحاديث أهل البيت عليهم السلام وأنصارهم كانت لجعفر بن أبي طالب عليه السلام نصا مصرحا في كثير من الروايات ومسلم عندنا ، إن جعفرا عليه السلام هو القائد ثم زيد بن حارثة رحمه الله ثم أبن رواحه رحمه الله ، ويؤيد هذا أن رسول الله حين بعث المهاجرين بعث جعفرا قائدا لهم وأنه لم يكن من المستضعفين في مكة المكرمة بحماية أبيه أبو طالب حامي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وإن جعفرا عليه السلام وإنه كان المتكلم عن المهاجرين عند النجاشي وأقام الحجة على من بعثتهم قريش لرد المسلمين لمكة ، والكل المخالف والموافق يقر بهذا ، وهذا مما يؤيد كونه القائد لغزوة مؤته ثم زيد وابن رواحه رحمهم الله .

ولذا يا طيب : لتأكيد ما ذكرنا ، نذكر هنا أحاديث تبين قيادة جعفر بن أبي طالب لجيش غزوة مؤته ، كما نذكر أحاديث أخرى من صادر رواها آخرون تقول أن القيادة لزيد بن حارثة ثم لجعفر بن أبي طالب عليه السلام ، وغالب روايتها عن الواقدي وعروة الزبيري وأخوته وأحفادهم وهم من المنحرفين عن أهل البيت بعد وقعة حرب الجمل ، ونذكرها لما فيها من التفاصيل في الحرب التي قامت بين المسلمين والمشركين الروم وأتباعهم من العرب .

ويا طيب : عرفت أن غزوة خيبر كانت في سنة 7سبعة للهجرة وبدأت في محرم وانتهت في صفر على رواية ، والرواية المعتبرة الأخرى أن فتح خيبر كان 24 رجب سنة 7 سبعة للهجرة ، وهو يوم قدوم جعفر وأصحابه المهاجرين رضوان الله عليهم للنبي الأكرم كما عرفت .

وأما عزوة مؤتة فكانت : في شهر جمادى الأولى وفي اليوم 7 السابع منه سنة 8 للهجرة وفيه استشهاد جعفر الطيار عليه السلام وأصحابه.

فيكون : 6 ستة أيام من شهر رجب ، وشعبان ورمضان وشوال وذي الحجة وذي القعدة ، أي 5 خمسة أشهر و6 ستة أيام من سنة 7 .

 ومن سنة 8 للهجرة محرم وصفر وربيع الأول وربيع الثاني ، و7 سبعة أيام من جمادى الأولى ، فيكون 4 أربعة أشهر و7 أيام .

فيكون : بين قدوم جعفر من الحبشة في يوم فتح خيبر إلى شهادته في مؤته ، 9 تسعة أشهر 11 وأحد عشر يوما .

ويكون عمره الشريف : 20 عشرون سنة قبل البعث ، و13 ثلاثة عشر سنة بعد البعثة ، و8 ثمانية سنوات بعد الهجرة ، يكون عمره الشريف 41 واحد وأربعون سنة ، فسلام الله يوم ولد ويوم أستشهد ويوم يبعث حيا ، وحشرنا الله معه ومع آله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين .

 

النبي يقي أصحابه بجعفر وآله :

يا طيب : في كتاب الإمام علي عليه السلام في كتاب جواب عدوه معاوية ، وفيها معارف كريمة منها أنه كان النبي الأكرم يقي أصحابه بآله الكرام ، ويذكر من أستشهد من آل النبي الأكرم في سبيل نشر دين الله ، وقدمهم أمام أصحابه يقيهم ، والحديث طويل نذكر قسم مما ذكر نصر بن مزاحم : فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ عليه السلام :

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ : مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إلى معاوية بن أبي سفيان أما بعد فإن أخا خولان قدم علي بكتاب منك تذكر فيه محمدا صلى الله عليه وآله و ما أنعم الله عليه به من الهدى و الوحي ، و الحمد لله الذي صدقه الوعد و تمم له النصر و مكن له في البلاد و أظهره على أهل العداء و الشنئان من قومه الذين وثبوا به و شنفوا له‏ و أظهروا له التكذيب و بارزوه بالعداوة و ظاهروا على إخراجه و على إخراج أصحابه و أهله، و ألبوا عليه العرب و جامعوهم على حربه و جهدوا في أمره كل الجهد ، و قلبوا له الأمور ، حتى‏ ظهر أمر الله و هم كارهون‏ .... إلى أن قال عليه السلام :

 إن محمدا صلى الله عليه وآله : لما دعا إلى الإيمان بالله و التوحيد كنا أهل البيت أول من آمن به و صدق بما جاء به ، فلبثنا أحوالا مجرمة و ما يعبد الله في ربع ساكن من العرب غيرن.

 فأراد قومنا : قتل نبينا و اجتياح أصلنا ، و هموا بنا الهموم و فعلوا بنا الأفاعيل ، فمنعونا الميرة و أمسكوا عنا العذب‏ ، و أحلسونا الخوف‏ ، و جعلوا علينا الأرصاد و العيون، و اضطرونا إلى جبل وعر ، و أوقدوا لنا نار الحرب و كتبوا علينا بينهم كتابا لا يؤاكلونا و لا يشاربونا و لا يناكحونا و لا يبايعونا و لا نأمن فيهم حتى ندفع النبي ص فيقتلوه و يمثلوا به فلم نكن نأمن فيهم إلا من موسم إلى موسم فعزم الله لنا على منعه و الذب عن حوزته و الرمي من وراء حرمته و القيام‏ بأسيافنا دونه في ساعات الخوف بالليل و النهار «1» فمؤمننا يرجو بذلك الثواب و كافرنا يحامى به عن الأصل فأما من أسلم من قريش بعد فإنهم مما نحن فيه أخلياء فمنهم حليف ممنوع أو ذو عشيرة تدافع عنه فلا يبغيه أحد بمثل ما بغانا به قومنا من التلف فهم من القتل بمكان نجوة و أمن فكان ذلك ما شاء الله أن يكون .

ثُمَّ أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِالْهِجْرَةِ : وَ أَذِنَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ.

 فَكَانَ : إِذَا أحْمَرَّ الْبَأْسُ وَ دُعِيَتْ نَزَالِ أَقَامَ أَهْلَ بَيْتِهِ ، فَاسْتَقْدَمُوا فَوَقَى بِهِمْ أَصْحَابَهُ حَرَّ الْأَسِنَّةِ وَ السُّيُوفِ

فَقُتِلَ : عُبَيْدَةُ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَ حَمْزَةُ يَوْمَ أُحُدٍ.

 وَ جَعْفَرٌ : وَ زَيْدٌ ، يَوْمَ مُؤْتَةَ .

وَ أَرَادَ لِلَّهِ : مَنْ لَوْ شِئْتُ ذَكَرْتُ اسْمَهُ مِثْلَ الَّذِي أَرَادُوا مِنَ الشَّهَادَةِ مَعَ النَّبِيِّ غَيْرَ مَرَّةٍ إِلَّا أَنَّ آجَالَهُمْ عُجِّلَتْ وَ مَنِيَّتَهُ أُخِّرَتْ ، وَ اللَّهُ مَوْلَى الْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ وَ الْمَنَّانُ عَلَيْهِمْ بِمَا قَدْ أَسْلَفُوا مِنَ الصَّالِحَاتِ ، فَمَا سَمِعْتُ بِأَحَدٍ وَ لَا رَأَيْتُ فِيهِمْ مَنْ هُوَ أَنْصَحُ لِلَّهِ فِي طَاعَةِ رَسُولِهِ وَ لَا أَطْوَعَ لِرَسُولِهِ فِي طَاعَةِ رَبِّهِ وَ لَا أَصْبَرَ عَلَى اللَّأْوَاءِ وَ الضَّرَّاءِ وَ حِينَ الْبَأْسِ وَ مَوَاطِنِ الْمَكْرُوهِ مَعَ النَّبِيِّ ص مِنْ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ الَّذِينَ سَمَّيْتُ لَكَ وَ فِي الْمُهَاجِرِينَ خَيْرٌ كَثِيرٌ نَعْرِفُهُ‏ جَزَاهُمُ اللَّهُ بِأَحْسَنِ أَعْمَالِهِمْ ....... ثم ذكر فضائله وكيف غصبت منه الخلافة .

 وقعة صفين النص ص88 ، شنف : أبغض . أحوال مجرمة : أي سنين كاملة جعلونا في قحط وحجة . و المجرمة، بتشديد الراء المفتوحة. الميرة، بالكسر: ما يجلب من الطعام. وأمسكوا عن العذب: أي الماء العذب. الحسونا الخوف : أي ألزمونا الخوف. إلى جبل وعر : شعب أبو طالب . و عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف. و هو أول من عقدت له راية في الإسلام. انظر الإصابة 5367. و قد تزوح الرسول الكريم زوجته زينب بنت خزيمة بعده. انظر المعارف 59.

يا طيب : قدم الإمام علي عليه السلام ، جعفرا على زيد في الشهادة في مؤتة.

 

غزوة مؤته بقيادة جعفر :

ذكر أبان عن سليم :حدثني عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال‏: كنت عند معاوية و معنا الحسن و الحسين ، و عنده‏ عبد الله بن العباس و الفضل بن العباس‏ ، فالتفت إلي معاوية فقال : يا عبد الله بن جعفر ما أشد تعظيمك للحسن‏ و الحسين و الله ما هما بخير منك و لا أبوهما خير من أبيك ، و لو لا أن فاطمة بنت رسول الله أمهما لقلت ما أمك أسماء بنت عميس دونها .

قال : عبد الله بن جعفر : فغضبت من مقالته و أخذني ما لم أملك معه نفسي‏ ، فقلت : و الله إنك لقليل المعرفة بهما و بأبيهما و بأمهما ، بل و الله‏ لهما خير مني ، و لأبوهما خير من أبي و لأمهما خير من أمي ، يا معاوية إنك لغافل عما سمعته أنا من رسول الله يقول فيهما و في أبيهما و في أمهما قد حفظته و وعيته و رويته‏ ، قال معاوية هات ما سمعت‏.

يا طيب : فذكر عبد الله بن جعفر رحمه الله أحادي كثيرة ، ثم استشهد معاوية الحسن والحسين والفضل بن العباس وعبد الله بن عباس ، فأقروا بصحة كلامه ، ... حتى قال بعد عدة صفحات من ذكر الفضائل لأمير المؤمنين عليه السلام وآله ، وسيأتي الحديث بتمامه في أحاديثه أواخر الكتاب ، ثم أخذ يذكر ما قاله عبد الله بن عباس :

فأقبل ابن عباس على معاوية فقال : قال الله عز و جل في كتابه : { وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ (13} } سبأ ، و يقول : { وَ ما أَكْثَرُ النَّاسِ وَ لَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103)} يوسف ، ثم ذكر آيات ومناقب وفضائل كثيرة حتى قال :

 يا معاوية : أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ :

حِينَ بَعَثَ إِلَى مُؤْتَةَ : أَمَّرَ عَلَيْهِمْ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ .

 ثُمَّ قَالَ : إِنْ هَلَكَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، فَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ .

فَإِنْ هَلَكَ زَيْدٌ : فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ ، وَلَمْ يَرْضَ لَهُمْ أَنْ يَخْتَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ.

أَ فَكَانَ يَتْرُكُ أُمَّتَهُ : لَا يُبَيِّنُ لَهُمْ خَلِيفَتَهُ فِيهِمْ ، بَلَى وَ اللَّهِ مَا تَرَكَهُمْ فِي عَمْيَاءَ وَ لَا شُبْهَةٍ ، بَلْ رَكِبَ الْقَوْمُ مَا رَكِبُوا بَعْدَ الْبَيِّنَةِ ، وَ كَذَبُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فَهَلَكُوا وَ هَلَكَ مَنْ شَايَعَهُمْ ، وَ ضَلُّوا وَ ضَلَّ مَنْ تَابَعَهُمْ ، فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ .... والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة .

كتاب سليم بن قيس الهلالي ج2ص834ح42.

 

غزوة مؤتة برواية اليعقوبي:

قال اليعقوبي : غزاة مؤتة ، ووجه جعفر بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، وعبدالله بن رواحة في جيش إلى الشأم لقتال الروم سنة 8 .

 وروى بعضهم أنه قال : أمير الجيش زيد بن حارثة ، فإن قتل زيد بن حارثة فجعفر بن أبي طالب ، فإن قتل جعفر بن أبي طالب فعبد الله بن رواحة ، فإن قتل عبدالله بن رواحة فليرتض المسلمون من أحبوا .

وقيل : بل كان جعفر المقدم ثم زيد بن حارثة ثم عبدالله بن رواحة .

وصار : إلى موضع يقال له مؤتة ، من الشأم من البقاء من أرض دمشق ، فأخذ زيد الراية فقاتل حتى قتل .

 ثم أخذها جعفر : فقطعت يده اليمنى ، فقاتل باليسرى فقطعت يده اليسرى ، ثم ضرب وسطه ، ثم أخذها عبدالله بن رواحة فقتل .

 فرفع لرسول الله : كل خفض ، وخفض له كل رفع ، حتى رأى مصارعهم.

وقال : رأيت سرير جعفر المقدم .

فقلت : يا جبريل إني كنت قدمت زيدا .

فقال : إن الله قدم جعفرا لقرابتك .

ونعاهم رسول الله فقال : أنبت الله لجعفر جناحين من زبرجد يطير بهما من الجنة حيث يشاء ، واشتد جزعه وقال : على جعفر فلتبك البواكي ، وتأمر خالد بن الوليد على الجيش .

تأريخ اليعقوبي ص 65.

 

سبب غزوة مؤتة وأمرة زيد:

قال بن هشام في السيرة : ذكر غزوة مؤتة في جمادى الأولى سنة ثمان ومقتل جعفر وزيد وعبدالله بن رواحة .

قال ابن إسحاق : فأقام بها بقية ذي الحجة وولي تلك الحجة المشركون والمحرم وصفرا وشهري ربيع وبعث في جمادى الأولى بعثه إلى الشام الذين أصيبوا بمؤتة.

بعث الرسول إلى مؤتة واختياره الأمراء :

قال ابن إسحاق : حدثني محمد بن جعفر بن الزبير قال : بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم بعثة إلى مؤتة : في جمادى الأولى سنة ثمان .

واستعمل عليهم زيد بن حارثة ، وقال : إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس ، فإن أصيب جعفر فعبدالله ابن رواحة على الناس .

فتجهز الناس : ثم تهيئوا للخروج وهم ثلاثة آلاف فلما حضر خروجهم ودع الناس أمراء رسول الله صلى الله عليه و سلم وسلموا عليهم .

سيرة بن هشام ج5ص22 بترقيم الشاملة .

وذكر ابن أبي الحديد: عبد الحميد بن هبة الله في شرح نهج البلاغة في الفصل الخامس في شرح غزوة مؤتة ، فقال : نذكرها من كتاب الواقدي و نزيد على ذلك ما رواه محمد بن إسحاق في كتابه على عادتنا فيما تقدم‏.

 

قال الواقدي : حدثني‏ ربيعة بن عثمان عن عمر بن الحكم قال‏ :

 بعث رسول الله : الحارث بن عمير الأزدي في سنة ثمان إلى ملك بصرى بكتاب ، فلما نزل مؤتة ، عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني ، فقال: أين تريد ؟ قال : الشام . قال : لعلك من رسل محمد ؟ قال : نعم .

فأمر به : فأُوثق رباطا ، ثم قدمه فضرب عنقه.

و لم يقتل : لرسول الله رسول غيره .

و بلغ ذلك رسول الله : فأشتد عليه و ندب الناس و أخبرهم بمقتل الحارث ، فأسرعوا و خرجوا فعسكروا بالجرف ، فلما صلى رسول الله الظهر جلس و جلس أصحابه حوله ، و جاء النعمان بن مهض اليهودي فوقف مع الناس .

فقال رسول الله : زيد بن حارثة أمير الناس ، فإن قتل زيد بن حارثة ، فجعفر بن أبي طالب ، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة ، فإن أصيب ابن رواحة فليرتض المسلمون من بينهم رجلا فليجعلوه عليهم .

فقال النعمان بن مهض : يا أبا القاسم إن كنت نبيا فسيصاب من سميت قليلا كانوا أو كثيرا ، إن الأنبياء في بني إسرائيل كانوا إذا استعملوا الرجل على القوم ، ثم قالوا : إن أصيب فلان ، فلو سمى مائة أصيبوا جميعا ، ثم جعل اليهودي يقول لزيد بن حارثة : أعهد فلا ترجع إلى محمد أبدا إن كان نبيا ، قال : زيد أشهد أنه نبي صادق .

فلما أجمعوا المسير : و عقد رسول الله لهم اللواء بيده ، دفعه إلى زيد بن حارثة ـ و هو لواء أبيض ـ و مشى الناس إلى أمراء رسول الله يودعونهم و يدعون لهم .

و كانوا ثلاثة آلاف : فلما ساروا في معسكرهم ، ناداهم المسلمون :دفع الله عنكم ، و ردكم صالحين سالمين غانمين ، فقال عبد الله بن رواحة :

لكنني أسأل الرحمن مغفرة
و ضربة ذات فرغ تقذف الزبدا
أو طعنة بيدي حران مجهزة
بحربة تنفذ الأحشاء و الكبدا
حتى يقولوا إذا مروا على جدثي
يا أرشد الله من غاز فقد رشدا

شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج‏15ص61. أخبار غزوة مؤتة في الواقدي ص401 و ما بعدها، و سيرة ابن هشام ج3ص427 و ما بعدها. ذات فرغ: أي واسعة، و الزبد، أصله ما يعلو الماء إذا غلا؛ و أراد هنا ما يعلو الدم الذي ينفجر من الطعنة. مجهزة: سريعة القتل، و تنفذ الأحشاء: تخرقها و تصل إليها.

 

ويا طيب : نذكر مختصرا عن تعريف زيد بن ثابت وعبد الله بن رواحة رحمهم لله تعالى :

و هو زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي: اختطف في الجاهلية صغيرا، و اشترته خديجة بنت خويلد، فوهبته الى النبي صلّى اللّه عليه و آله حين تزوجها، فتبناه قبل الإسلام، و أعتقه، و زوجه بنت عمته، و استمر الناس يدعونه زيد بن محمد حتى نزلت الآية الكريمة : { ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ (5) } الأحزاب، و قد جعله النبي صلّى اللّه عليه و آله أحد الأمراء في غزوة مؤتة .

خزانة الأدب للبغدادي ج1ص363، الروض الآنف ج1ص164.

ويا طيب : إن إسامة رحمه الله له أخبار كريمة كثيرة في أنه من أوائل من أسلموا ومن هاجروا وشارك بأغلب الغزوات ، ويعد ويحسب على بني هاشم وموالهم المقرب المحبوب الشهم الطيب ، وقصة زواجه من بنت عم لرسول الأكرم ومن أم أيمن حاضنة رسول الله المكرمة وإن أبنهما أسامة كان قائد جيش المسلمين الغزو الروم سنة 11 للهجرة وكان عمره 18 سنة وفيه كل الصحابة تكريما لأبيه ، وإن أخباره ورواياته كثيرة .

 

عبد اللّه بن رواحة بن ثعلبة الأنصاري. كنيته: أبو محمد. شهد بدرا و أحدا و الخندق و الحديبية، و استخلفه الرسول صلّى اللّه عليه و آله على المدينة في احدى غزواته، و صحبه في عمرة القضاء و له فيها رجز، و كان أحد الأمراء في وقعة مؤتة ، الإمتاع والاستماع ج1ص270، خزانة الأدب ج1ص362 .

ويا طيب : إن لعبد الله بن رواحة مواقف كريمة كثيرة وأخبار كثيرة مشرفة في الغزوات ومرافقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والذب عنه ، ومن حب عليه مراجعة سيرته في الكتب المختصة بسيرة الصحابة وتأريخ الإسلام .

 

أمرة جعفر لغزوة مؤتة:

قال بن أبي الحديد : بعدما ذكر القول أعلاه ، قلت : أتفق المحدثون على أن زيد بن حارثة كان هو الأمير الأول ، و أنكرت الشيعة ذلك :

و قالوا : كان جعفر بن أبي طالب هو الأمير الأول ، فإن قتل فزيد بن حارثة ، فإن قتل فعبد الله بن رواحة ، و رووا في ذلك روايات .

 و قد وجدت : في الأشعار التي ذكرها محمد بن إسحاق في كتاب المغازي ما يشهد ، لقولهم فمن ذلك ما رواه عن حسان بن ثابت و هو :

تأوبني ليل بيثرب أعسر
و هم إذا ما نوم الناس مسهر
لذكرى حبيب هيجت لي عبرة
سفوحا و أسباب البكاء التذكر
بلى إن فقدان الحبيب بلية
و كم من كريم يبتلى ثم يصبر
فلا يبعدن الله قتلى تتابعوا
بمؤتة منهم ذو الجناحين جعفر
و زيد و عبد الله حين تتابعوا
جميعا و أسياف المنية تخطر

رأيت خيار المؤمنين تواردوا
شعوب و خلق بعدهم يتأخر
غداة غدوا بالمؤمنين يقودهم‏
إلى الموت ميمون النقيبة أزهر
أغر كضوء البدر من آل هاشم‏
أبي إذا سيم الظلامة أصعر
فطاعن حتى مال غير موسد
بمعترك فيه القنا متكسر
فصار مع المستشهدين ثوابه‏
جنان و ملتف الحدائق أخضر
و كنا نرى في جعفر من محمد
وقارا و أمرا حازما حين يأمر
فما زال في الإسلام من آل هاشم‏
دعائم صدق لا ترام و مفخر
هم جبل الإسلام و الناس حولهم‏
رضام إلى طور يطول و يقهر
بهاليل منهم جعفر و ابن أمه‏
علي و منهم أحمد المتخير
و حمزة و العباس منهم و منهم‏
عقيل و ماء العود من حيث يعصر
بهم تفرج الغماء من كل مأزق‏
عماس إذا ما ضاق بالناس مصدر
هم أولياء الله أنزل حكمه‏
عليهم و فيهم و الكتاب المطهر
.

شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج15ص63، ديوان حسان 179- 181، و سيرة ابن هشام ج3ص440- 442. تأوبني: عاودني و رجع إلىّ، و مسهر: داع إلى السهر. شعوب: من أسماء المنية. والعمس : الحرب الشديدة والأمر الذي لا قام له شيء مظلم لا يحل .

يا طيب : والقصيدة واضحة وبينة ونص وفي أبياتها شواهد الصدق يؤيد بعضها بعضا في قيادة جعفر بن أبي طالب لغزوة مؤتة وأن راية المسلمين كانت بيده ، وبالخصوص قوله فلا يبعدن الله قتلى تتابعوا ، بمؤتة منهم ذو الجناحين جعفر، و زيد و عبد الله حين تتابعوا ، جميعا و أسياف المنية تخطر ، وكل ما في الشعر بطوله يؤيد قيادة جعفر أولا .

و قال بن أبي الحديد : منها ( على ما يدل أن جعفر هو الأمير الأول ) قول كعب بن مالك الأنصاري من قصيدة أولها :

نام العيون و دمع عينك يهمل‏
سحا كما وكف الرباب المسبل‏
وجدا على النفر الذين تتابعوا
قتلى بمؤتة أسندوا لم ينقلوا
ساروا أمام المسلمين كأنهم‏
طود يقودهم الهزبر المشبل‏
إذ يهتدون بجعفر و لوائه‏
قدام أولهم و نعم الأول‏
حتى تقوضت الصفوف وجعفر
حيث التقى جمع الغواة مجدل‏
فتغير القمر المنير لفقده
والشمس قد كسفت‏ وكادت تأفل‏
قوم علا بنيانهم من هاشم
فرع أشم و سؤدد متأثل‏
قوم بهم عصم الإله عباده
وعليهم نزل الكتاب المنزل‏
فضلوا المعاشر عفة وتكرما
وتعمدت أخلاقهم من يجهل

شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج15ص63، وفي سيرة ابن هشام ج3ص442- 445 وفي الشعر ثلاثة أبيات أكثر مع اختلاف في بعض الألفاظ ، وسنذكر القصيدة كاملة بنص ابن هشام كما ذكرها في رثاء جعفر عليه السلام . والرباب: السحاب، و المسبل: المنصب؛ و في ابن هشام: الطباب المخضل. المشبل: ذو الشبل؛ و الشبل: ولد الأسد. مجدل: مطروح على الجدالة؛ و هي الأرض. و في ابن هشام: وعث الصفوف مجدل.

يا طيب : ستأتي القصيدة بنصها عن ابن هشام ، وهي كسابقتها نص بيّن يبين قيادة جعفر لغزوة مؤتة ، وإن كان لا فرق لو كان زيد بن حارثة رحمه الله هو القائد لأول ، وهو محسوب على أهل البيت ومولاهم المفضل وأخص المؤمنين بهم ، ولكن نقلنا هذا وما قبله لبيان حقيقة الحق في النقل ، وبالخصوص حين ترى ما يأتي من نقل عروة بن الزبير وأخوته وأحفادهم وهم منحرفين عن أهل البيت، وقد وحول كثير من الروايات التي تذكر اسم فاطمة الزهراء عليها السلام لأسم خالتهم ، أو يقحموها في أحاديث لم تكن فيها ، وكذلك الواقدي أيضا منحرف عن أهل البيت ويخطو خطى عروة في النقل .

 

وذكر : ابن شهر آشوب في المناقب : سنة ثمان في جمادى الأولى وقعة موتة و هم ثلاثة آلاف‏، في كتاب أبان قال الصادق عليه السلام :

 إِنَّهُ اسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ : جَعْفَراً، فَإِنْ قُتِلَ فَزِيدٌ ، فَإِنْ قُتِلَ فَابْنُ رَوَاحَةَ .

ثم خرجوا : حتى نزلوا معان ، فبلغهم أن هرقل قد نزل بمأرب في مائة ألف من الروم و مائة ألف من المستغربة ، فانحازوا إلى أرض يقال لها المشارف و نسبت السيوف المشرفية إليها لأنها طبعت لسليمان بن داود بها .

فاختلفوا في القتال : أو في أخبار النبي بكثرتهم .

فقال ابن رواحة: ما نقاتل الناس بكثرة و إنما نقاتلهم بهذا الدين ، فلقوا جموعهم بقرى البلقاء ثم انحازوا إلى موتة.

مناقب آل أبي طالب عليهم السلام لابن شهرآشوب ج1ص205.

 

خطبة النبي ووصيته :

قال الواقدي : فحدثني ابن أبي سبرة عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن رافع بن إسحاق عن زيد بن أرقم: أن رسول الله صلى الله عليه وآله خطبهم فأوصاهم ، فقال‏ :

 أُوصِيكُمْ : بِتَقْوَى اللَّهِ ، وَ بِمَنْ مَعَكُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْراً ، أغْزُوا بِسْمِ اللَّهِ ، وَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ ، لَا تَغْدِرُوا وَ لَا تَغُلُّوا ، وَ لَا تَقْتُلُوا وَلِيداً .

وَ إِذَا لَقِيتَ : عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، فَادْعُهُمْ إِلَى إِحْدَى ثَلَاثٍ ، فَأَيَّتُهُنَّ أَجَابُوكَ إِلَيْهَا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ ، وَ أكْفُفْ عَنْهُمْ ، أدْعُهُمْ إِلَى الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ فَإِنْ فَعَلُوهُ فَاقْبَلْ وَ أكْفُفْ ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ ، فَإِنْ فَعَلُوا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَ عَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ ، وَ إِنْ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ وَ اخْتَارُوا دَارَهُمْ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ ، وَ لَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْفَيْ‏ءِ وَ لَا فِي الْغَنِيمَةِ شَيْ‏ءٌ ، إِلَّا أَنْ‏

يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنْ أَبَوْا فَادْعُهُمْ إِلَى إِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ ، فَإِنْ فَعَلُوا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَ أكْفُفْ عَنْهُمْ ، فَإِنْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَ قَاتِلْهُمْ .

وَ إِنْ أَنْتَ : حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ أَوْ مَدِينَةٍ ، فَأَرَادُوا أَنْ تَسْتَنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلَا تَسْتَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ ، وَ لَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَ تُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لَا ، وَ إِنْ حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ أَوْ مَدِينَةٍ فَأَرَادُوا أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَ ذِمَّةَ رَسُولِهِ ، فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَ ذِمَّةَ رَسُولِهِ ، وَ لَكِنِ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَ ذِمَّةَ أَبِيكَ وَ ذِمَّةَ أَصْحَابِكَ ، فَإِنَّكُمْ أَنْ تَخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَ ذِمَمَ آبَائِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ وَ ذِمَّةَ رَسُولِهِ.

بحار الأنوار ج21ص59ب24 غزوة مؤتة ح12 . عن شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج15ص64.

 

وقال الواقدي : و حدثني أبو صفوان عن خالد بن يزيد قال‏ : خرج النبي مشيعا لأهل مؤتة حتى بلغ ثنية الوداع فوقف و وقفوا حوله، فقال :

أغْزُوا بِسْمِ اللَّهِ : فَقَاتِلُوا عَدُوَّ اللَّهِ وَ عَدُوَّكُمْ بِالشَّامِ ، وَ سَتَجِدُونَ فِيهَا رِجَالًا فِي الصَوَامِعِ مُعْتَزِلِينَ النَّاسَ فَلَا تَعَرَّضُوا لَهُمْ ، وَ سَتَجِدُونَ آخَرِينَ لِلشَّيْطَانِ فِي رُءُوسِهِمْ مَفَاحِصُ فَاقْلَعُوهَا بِالسُّيُوفِ ، لَا تَقْتُلُنَّ امْرَأَةً وَ لَا صَغِيراً ضَرِعاً وَ لَا كَبِيراً فَانِياً ، وَ لَا تَقْطَعُنَّ نَخْلًا وَ لَا شَجَراً وَ لَا تَهْدِمُنَّ بِنَاءً .

قال الواقدي‏ : فلما دعا ودع عبد الله بن رواحة رسول الله قال له : مرني بشيء أحفظه عنك؟ قال : إِنَّكَ قَادِمٌ غَداً بَلَداً السُّجُودُ بِهِ قَلِيلٌ فَأَكْثِرِ السُّجُودَ ، فقال عبد الله : زدني يا رسول الله ؟ قال : أذْكُرِ اللَّهَ فَإِنَّهُ عَوْنٌ لَكَ عَلَى مَا تَطْلُبُ ، فقام من عنده حتى إذا مضى ذاهبا رجع ، فقال : يا رسول الله إن الله وتر يحب الوتر . فقال : يَا ابْنَ رَوَاحَةَ مَا عَجَزْتَ فَلَا تَعْجَزْ إِنْ أَسَأْتَ عَشْراً أَنْ تُحْسِنَ وَاحِدَةً ، فقال ابن رواحة : لا أسألك عن شي‏ء بعدها.

و روى محمد بن إسحاق‏ أن عبد الله بن رواحة ودع رسول الله بشعر منه‏:

فثبت الله ما آتاك من حسن
تثبيت موسى و نصرا كالذي نصروا
إني تفرست فيك الخير نافلة
فراسة خالفتهم في الذي نظروا
أنت الرسول فمن يحرم نوافله
و البشر منه فقد أودى به القدر.

عن شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج15ص65.

قال محمد بن إسحاق‏ : فلما ودع المسلمين بكى، فقالوا له : ما يبكيك يا عبد الله ؟ قال : و الله ما بي حب الدنيا و لا صبابة إليها ، و لكني سمعت رسول الله يقرأ : { وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها (71)} مريم ، فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود .

قال الواقدي : و كان زيد بن أرقم يحدث قال : كنت يتيما في حجر عبد الله بن رواحة ، فلم أر والي يتيم كان خيرا لي منه ، خرجت معه في وجهة إلى مؤتة ، و صب بي و صببت به فكان يردفني خلف رحله ، فقال ذات ليلة و هو على راحلته بين شعبتي رحله:‏

إذا بلغتني و حملت رحلي‏
مسافة أربع بعد الحساء
فشأنك فانعمي و خلاك ذم‏
و لا أرجع إلى أهلي ورائي
و آب المسلمون و خلفوني
بأرض الشام مشتهر الثواء
و زودني الأقارب من دعاء
إلى الرحمن و انقطع الإخاء
هنالك لا أبالي طلع نخل‏
و لا نخل أسافلها رواء

فلما سمعت منه : هذا الشعر بكيت ، فخفقني بالدرة و قال : و ما عليك يا لكع أن يرزقني الله الشهادة فأستريح من الدنيا و نصبها و همومها و أحزانها و أحداثها ، و ترجع أنت بين شعبتي الرحل.

شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج15ص66. سيرة ابن هشام ج3ص432. في رؤوسهم مفاحص : اى ان الشيطان قد استوطن رءوسهم فجعله له مفاحص كما تستوطن القطا مفاحصها، و هو من الاستعارات اللطيفة لان من كلامهم إذا وصفوا إنسانا بشدة الغى و الانهماك في الشر قالوا: قد فرخ الشيطان في رأسه و عشش في قلبه‏. و لا أرجع : جزم الفعل على الدعاء؛ يدعو على نفسه بأن يستشهد في هذه الوقعة و لا يرجع لأهله.

وصول مؤته وملاقاة الكفار :

قال الواقدي : و مضى المسلمون فنزلوا وادي القرى ، فأقاموا به أياما ، و ساروا حتى نزلوا بمؤتة ، و بلغهم أن هرقل ملك الروم قد نزل ماء من مياه البلقاء في بكر و بهراء و لخم و جذام و غيرهم مائة ألف مقاتل و عليهم رجل من بلي ، فأقام المسلمون ليلتين ينظرون‏ في أمرهم .

و قالوا : نكتب إلى رسول الله فنخبره الخبر ، فإما أن يردنا أو يزيدنا رجالا ، فبينا الناس على ذلك من أمرهم ، جاءهم عبد الله بن رواحة فشجعهم ، و قال :

و الله : ما كنا نقاتل الناس بكثرة عدة و لا كثرة سلاح و لا كثرة خيل ، إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به ، انطلقوا فقاتلوا ، فقد و الله رأينا يوم بدر و ما معنا إلا فرسان ، إنما هي‏ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ‏ : إما الظهور عليهم فذاك ما وعدنا الله و رسوله و ليس لوعده خلف ، و إما الشهادة فنلحق بالإخوان نرافقهم في الجنان ، فشجع الناس على قول ابن رواحة.

قال الواقدي : و روى أبو هريرة قال : شهدت مؤتة ، فلما رأينا المشركين رأينا ما لا قبل لنا به من العدد و السلاح و الكراع و الديباج و الحرير و الذهب فبرق بصري ، فقال لي ثابت بن أرقم : ما لك يا أبا هريرة ، كأنك ترى جموعا كثيرة ؟ قلت : نعم . قال : لم تشهدنا ببدر ، إنا لم ننصر بالكثرة.

شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج15ص67. بحار الأنوار ج21ص61ب24 غزوة مؤتة ح12 .

 

استشهاد القادة وانتهاء المعركة:

قال الواقدي: فالتقى القوم .

فأخذ اللواء : زيد بن حارثة ، فقاتل حتى قتل ، طعنوه بالرماح.

 

 ثم أخذه جعفر : فنزل عن فرس له شقراء فعرقبها ، ثم قاتل حتى قتل.

قال الواقدي : قيل إنه ضربه رجل من الروم فقطعه نصفين فوقع أحد نصفيه في كرم هناك ، فوجد فيه ثلاثون أو بضع و ثلاثون جرحا.

قال الواقدي : و قد روى نافع عن ابن عمر ، أنه وجد في بدن جعفر بن أبي طالب اثنتان و سبعون ضربة و طعنة بالسيوف و الرماح.

قال البلاذري : قطعت يداه ، و لذلك‏ قال رسول الله :

‏ لقد أبدله الله بهما : جناحين يطير بهما في الجنة.

و لذلك : سمي الطيار.

 

قال الواقدي : ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة فنكل يسيرا ، ثم حمل فقاتل‏ حتى قتل .

فلما قتل : أنهزم المسلمون أسوأ هزيمة كانت في كل وجه .

ثم تراجعوا : فأخذ اللواء ثابت بن أرقم ، و جعل يصيح بالأنصار ، فثاب إليه منهم قليل ، فقال لخالد بن الوليد : خذ اللواء يا أبا سليمان . قال خالد : لا بل خذه أنت فلك سن و قد شهدت بدرا . قال ثابت : خذه أيها الرجل فو الله ما أخذته إلا لك .

 فأخذه خالد : و حمل به ساعة ، و جعل المشركون يحملون عليه حتى دهمه منهم بشر كثير ، فانحاز بالمسلمين و انكشفوا راجعين.

قال الواقدي : و قد روى أن خالدا ثبت بالناس فلم ينهزموا ، و الصحيح أن خالدا انهزم بالناس.

شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج15ص67. بحار الأنوار ج21ص61ب24 غزوة مؤتة ح12 .

 

النبي يصف غزوة مؤتة :

قال الواقدي : حدثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة :

أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : لما التقى الناس بمؤتة ، جلس على المنبر ، و كشف له ما بينه و بين الشام ، فهو ينظر إلى معركتهم .

فقال صلى لله عليه وآله وسلم :

 أخذ الراية زيد بن حارثة : فجاءه الشيطان فحبب إليه الحياة و كره إليه الموت و حبب إليه الدنيا ، فقال : الآن حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين ، تُحبب إلي الدنيا ، فمضى قدما حتى استشهد، ثم صلى عليه ، و قال : استغفروا له ، فقد دخل الجنة و هو يسعى .

 

ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب : فجاءه الشيطان فمناه الحياة و كره إليه الموت و مناه الدنيا .

 فقال جعفر : الآن حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين تتمنى الدنيا ، ثم مضى قدما حتى استشهد ، فصلى عليه رسول الله و دعا له .

ثم قال : استغفروا لأخيكم ، فإنه شهيد قد دخل الجنة ، فهو يطير فيها بجناحين من ياقوت حيث شاء .

 

ثم قال : أخذ الراية عبد الله بن رواحة ، ثم دخل معترضا ، فشق ذلك على الأنصار ، فقال رسول الله : أصابته الجراح .

 قيل : يا رسول الله فما اعتراضه ؟ قال : لما أصابته الجراح نكل ، فعاتب نفسه فشجع ، فاستشهد فدخل الجنة فسري عن قومه.

 

و روى محمد بن إسحاق‏ قال‏ : لما ذكر رسول الله ص زيدا و جعفرا ، سكت عن عبد الله بن رواحة حتى تغيرت وجوه الأنصار ، و ظنوا أنه قد كان من عبد الله بعض ما يكرهون .

ثم قال : أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل شهيدا .

ثم قال : لقد رفعوا لي في الجنة فيما يرى النائم على سرر من ذهب ، فرأيت في سرير ابن رواحة ازورارا عن سريري صاحبيه .

فقلت : لم هذا ؟ فقيل : لأنهما مضيا و تردد هذا بعض التردد ثم مضى.

سيرة ابن هشام ج3ص436. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج15ص68. بحار الأنوار ج21ص62ب24 غزوة مؤتة ح12 . ورواه الواقدي في المغازي ج2ص٧٦١. تاريخ دمشق لابن عساكر ج2ص14ح417.

 

ما غنم المسلمون في مؤته :

ذكر الواقدي : حدثني عبد الله بن محمد عن ابن عقيل عن جابر بن عبد الله قال : أصيب بها : ناسٌ من المسلمين ، وغنم المسلمون بعض أمتعة المشركين .

فكان مما غنموا : خاتماً جاء به رجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : قتلت صاحبه يومئذٍ ، فنفله رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه .

حدثني بكير بن مسمار عن عمارة بن غزية عن أبيه قال :

 حضرت مؤتة : فبارزت رجلاً يومئذٍ فأصبته ، وعليه يومئذٍ بيضةٌ له فيها ياقوتةٌ ، فلم يكن همي إلا الياقوتة فأخذتها ، فلما انكشفنا وانهزمنا، رجعت بها المدينة.

فأتيت بها رسول الله صلى الله عليه وآله سلم : فنفلنيها ، فبعتها زمن عمر ابن الخطاب بمائة دينارٍ ، فاشتريت بها حديقة نخل ببني خطمة .

وقال عوف بن مالك الأشجعي : لقيناهم في جماعة من قضاعة ، وغيرهم من نصارى العرب فصافونا ، فجعل رجلٌ من الروم يسل على المسلمين ويغري بهم على فرسٍ أشقر عليه سلاحٌ مذهبٌ ولجامٌ مذهبٌ .

فجعلت أقول في نفسي : من هذا وقد ، رافقني رجلٌ من أمداد حمير فكان معنا في مسيرنا ذلك ليس معه سيفٌ ، إذ نحر رجلٌ من القوم جزوراً فسأله المددي طائفةً من جلده وهبه له ، فبسطه في الشمس وأوتد على أطرافه أوتاداً ، فلما جف اتخذ منه مقبضاً وجعله درقةً .

 فلما رأى : ذلك المددي ما يفعل ذلك الرومي بالمسلمين ، كمن له خلف صخرة فلما مر به ، خرج عليه فعرقب فرسه فقعد الفرس على رجليه ، وخر عنه العلج ، وشد عليه فعلاه بسيفه فقتله .

المغازي للواقدي ج2ص767.

جعفر الطيار يعرقب فرسه :

يا طيب : لما تلتقي الصفوف في معركة مهمة ، وقبل أن يحمي الوطيس ويشتد الضراب ، قد يظهر أمير الجيش بعض الفعال التي تدل على شجاعته وعزمه على خوض المعركة بأشد عزيم وأقوى همه ومهما كانت الظروف والأحوال، وذلك لُيري جيشه وصحبه وقادة الميمنة والميسرة والقلب ، بأنه سيخوض المعركة حتى النفس الأخير ، إما النصر أو لشهادة ، وذلك ليشد عزمهم ويقوي هممهم على القتال ببأس شديد.

فإن جعفرا رحمه الله : لما رأى الجمع الكثير للروم وقلة أصحابه ، بالإضافة لما خطبهم وحثهم على القتال ، قام بحركة كريمة تبين همته العالية في خوض المعركة وعزمه على القتال حتى النفس الأخير أو النصر ، فقام بعقربة فرسة لكي يبين لعدوه فضلا عن جيشه بأنه مقاتل مغوار لا يهاب الضراب ، وإنه مصر على القتال والنزال بأشجع صورة ممكنة وقوة متاحة له ، فقام جعفر عليه السلام بعقربة فرسه ، ليبين لهم هذا المعنى وليحبس فرسه من النفار والفرار حين هجوم العدو بكثرته وجمعه ورميه للنبال وعراكه بالسيف والرماح .

وعرقبة للفرس : هو ضرب أسفل رجلي الفرس بالسيف من الخلف ، لكي لا يستطيع الحركة ، وهذا يعني أنه مستعد للنزال بلا مهابة ولا حتى مهتم بعدوه وكثرة جيشه وجمعه ، ويعني أنه بطل شجاع وفارس مغوار كرار غير فرار ، ولكي لا يهرب فرسه فيحسب أن فارسه أيضا هارب معه ، وقد فعلها كثر من العرب قبل هذا ، وسنذكر قسما منهم ، وإن أولهم في الإسلام جعفر بن أبي طالب عليه السلام .

فقد روى البرقي بسنده : عن السكوني عَنْ الإمام جَعْفَرٍ الصادق عَنْ أَبِيهِ محمد الباقر عليهم السلام قَالَ:

لَمَّا كَانَ : يَوْمُ مُؤْتَةَ ، كَانَ جَعْفَرٌ عَلَى فَرَسِهِ .

فَلَمَّا الْتَقَوْا : نَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ فَعَرْقَبَهَا بِالسَّيْفِ .

وَ كَانَ أَوَّلَ : مَنْ عَرْقَبَ‏ فِي الْإِسْلَامِ‏ .

المحاسن ج2ص634ح127. والكافي ج9ص467ح9ب22باب فضل ارتباط الخيل و إجرائها و الرمي .

قال الطريحي: الْعُرْقُوبُ‏: بالضم، العصب الغليظ الموتر فوق العقب من الإنسان، و من ذوات الأربع عبارة عن الوتر خلف الكعبين بين مفصل الساق و القدم. و في القاموس‏ الْعُرْقُوبُ‏ من الدابة في رجلها بمنزلة الركبة في يدها. و في المصباح‏ الْعُرْقُوب‏ عصب موثق خلف الكعبين و الجمع عَرَاقِيب‏ .

مجمع البحرين ج‏2ص120.

و عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده علي بن الحسين عن أبيه عن علي بن أبي طالب عليهم السلام أنه قال:

 أَوَّلُ : من هشم من العرب جميعا جدنا هاشم .

وَ أَوَّلُ : مَنْ عَرْقَبَ جَعْفَرُ بْنُ‏ أَبِي‏ طَالِبٍ‏ ذُو الْجَنَاحَيْنِ يَوْمَ مُوتَةَ .

وَ أَوَّلُ : من ارتبط فرسا في سبيل الله تبارك و تعالى المقداد بن الأسود الكندي.

الجعفريات (الأشعثيات) ص240 .

عرقبة مشرك وجهاد جعفر :

يا طيب : في غزوة بدر ، توجد حالة عرقبة فرس لقائد من كفار قريش في غزوة بدر ، وذلك ليبين شجاعته وقوته وإنه كرار غير فرار وأنه لا يخاف عدوه.

 كما لجعفر بن أبي طالب عليه السلام : يوجد ذكر في غزوة بدر مع أنه مهاجر في الحبشة ، وأنه بنص قول رسول الله صلى الله عليه وآله : أنه بهجرته في أرض الحبشة مجاهد في سبيل الله ، وذلك حين ذكر عبيد الله بن الحارث رحمه الله وهو ابن عم الرسول حين أصيب في غزوة بدر وهو في الرمق الأخير ، فذكر قول أَبُو طَالِبٍ عليه السلام حيث يقول :

كَذَبْتُمْ وَ بَيْتِ اللَّهِ نَبْرَأُ مُحَمَّداً
وَ لَمَّا نُطَاعِنْ دُونَهُ وَ نُنَاضِلْ‏
وَ نَنْصُرُهُ حَتَّى نُصَرَّعَ حَوْلَهُ
وَ نَذْهَلُ عَنْ أَبْنَائِنَا وَ الْحَلَائِلِ

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عيه وآله وسلم :

أَ مَا تَرَى ابْنَهُ: كَاللَّيْثِ الْعَادِي بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ .

وَ ابْنَهُ الْآخَرَ: فِي جِهَادِ اللَّهِ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ.

والأبن الأول : علي بن أبي طالب ، والأبن الثاني: جعفر بن أبي طالب عليهم السلام .

ولمعرفة الأمرين : عقربة الكافر ليدل على شجاعته ، وذكر جعفرا مجاهدا في غزوة بدر وهو بالحبشة ، نذكر بعض المهم من قصة غزوة بدر:

 

يا طيب : لما تلاقا الصفان كفار قريش ، والمسلمون :

 بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله : إِلَى قُرَيْشٍ، فقال: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ مَا أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِمَّنْ بَدَأَ بِكُمْ ، خَلُّونِي وَ الْعَرَبَ فَإِنْ أَكُ صَادِقاً فَأَنْتُمْ أَعْلَى بِي عَيْناً ، وَ إِنْ أَكُ كَاذِباً كَفَتْكُمْ ذُؤْبَانُ الْعَرَبِ أَمْرِي ، فَارْجِعُوا .

 فَقَالَ عُتْبَةُ بن هشام: ( وهو من قادة قريش ورؤسائهم ) و الله ما أفلح قوم قط ردوا هذا، ثم ركب جملا له أحمر ، فنظر إليه رسول الله يجول في العسكر و ينهى عن القتال، فقال: إن يكن عند أحد خير ، فعند صاحب الجمل الأحمر، فإن يطيعوه يرجعوا و يرشدوا.

 فَأَقْبَلَ عُتْبَةُ يَقُولُ : يا معشر قريش اجتمعوا و استمعوا ، ثم خطبهم فقال : يمن رحب فرحب مع يمن ، يا معشر قريش : أطيعوني اليوم و اعصوني الدهر، و ارجعوا إلى مكة و اشربوا الخمور و عانقوا الحور ، فإن محمدا له إل و ذمة ، و هو ابن عمكم، فارجعوا و لا تنبذوا رأيي، و إنما تطالبون محمدا بالعير التي أخذها محمد بنخيلة ، و دم ابن الحضرمي و هو حليفي و علي عقله.

فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو جَهْلٍ : ذلك غاظه‏ ، و قال : إن عتبة أطول الناس لسانا و أبلغهم في الكلام، و لئن رجعت قريش بقوله، ليكونن سيد قريش آخر الدهر .

ثُمَّ قَالَ يَا عُتْبَةُ : نَظَرْتَ إِلَى سُيُوفِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَ جَبُنْتَ وَ انْتَفَخَ سَحْرُكَ ، وَ تَأْمُرُ النَّاسَ بِالرُّجُوعِ، وَ قَدْ رَأَيْنَا ثَارَنَا بِأَعْيُنِنَا.

 فَنَزَلَ عُتْبَةُ عَنْ جَمَلِهِ : و حمل على أبي جهل‏ ، و كان على فرس فأخذ بشعره. فَقَالَ النَّاسُ : يَقْتُلُهُ.

فَعَرْقَبَ فَرَسَهُ .

وَ قَالَ : أَ مِثْلِي يَجْبُنُ، وَ سَتَعْلَمُ قُرَيْشٌ الْيَوْمَ أَيُّنَا أَلْأَمُ وَ أَجْبَنُ، و أينا المفسد لقومه، لا يمشي إلا أنا و أنت إلى الموت عيانا.

 ثم قال : هذا جناي‏ و خياره فيه، و كل جان يده إلى فيه ثم أخذ بشعره يجره‏، فاجتمع الناس فقالوا : يا أبا الوليد الله الله لا تفت في أعضاد الناس ، تنهى عن شي‏ء و تكون أوله. فخلصوا أبا جهل من يده .

فنظر عتبة : إلى أخيه شيبة، و نظر إلى ابنه الوليد، فقال " قم يا بني فقام ثم لبس درعه، و طلبوا له بيضة تسع رأسه، فلم يجدوها لعظم هامته، فاعتم بعمامتين ، ثم أخذ سيفه و تقدم هو و أخوه و ابنه .

وَ نَادَى : يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قريش ، فبرز إليه ثلاثة نفر من الأنصار عود و معود و عوف من بني عفراء، فقال عتبة " من أنتم انتسبوا لنعرفكم ؟ فقالوا : نحن بنو عفراء أنصار الله و أنصار رسول الله ، قالوا ارجعوا، فإنا لسنا إياكم نريد، إنما نريد الأكفاء من قريش.

 

 فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ : أن ارجعوا ، فرجعوا، و كره أن يكون أول الكرة بالأنصار، فرجعوا و وقفوا موقفهم.

ثُمَّ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله : إِلَى عُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَ كَانَ لَهُ سَبْعُونَ سَنَةً ، فَقَالَ لَهُ : قُمْ يَا عُبَيْدَةُ، فَقَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ بِالسَّيْفِ.

 ثُمَّ نَظَرَ: إلى حمزة بن عبد المطلب ، فقال : قم يا عم .

 ثُمَّ نَظَرَ: إلى أمير المؤمنين عليه السلام . فقال له : قم يا علي، و كان أصغرهم.

 فَقَالَ : فَاطْلُبُوا بِحَقِّكُمُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لَكُمْ، قَدْ جَاءَتْ قُرَيْشٌ بِخُيَلَائِهَا وَ فَخْرِهَا- تُرِيدُ أَنْ تُطْفِئَ نُورَ اللَّهِ وَ يَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : يَا عُبَيْدَةُ عَلَيْكَ بِعُتْبَةَ، وَ قَالَ لِحَمْزَةَ : عَلَيْكَ بِشَيْبَةَ ، وَ قَالَ لِعَلِيٍّ ، عَلَيْكَ بِالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، فَمَرُّوا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الْقَوْمِ.

 

 فقال عتبة : من أنتم انتسبوا لنعرفكم ؟

فَقَالَ عُبَيْدَةُ: أَنَا عُبَيْدَةُ بْنُ حَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ : كُفْوٌ كَرِيمٌ، فمن هذان؟ قال : حمزة بن عبد المطلب ، و علي بن أبي طالب ، فقال " كفوان كريمان ، لعن الله من أوقفنا و إياكم هذا الموقف.

 فقال شيبة لحمزة : من أنت ؟ فقال : أنا حمزة بن عبد المطلب أسد الله و أسد رسوله، و قال له شيبة : لقد لقيت أسد الحلفاء ، فانظر كيف تكون صولتك يا أسد الله!

فَحَمَلَ عُبَيْدَةُ : على عتبة فضربه على رأسه ضربة ففلق هامته، و ضرب عتبة عبيدة على ساقه قطعها، و سقطا جميعا.

 وَ حَمَلَ حَمْزَةُ : على شيبة فتضاربا بالسيفين حتى انثلما، و كل واحد يتقي بدرقته.

وَ حَمَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام : على الوليد بن عتبة فضربه على عاتقه، فأخرج السيف من إبطه.

 فقال علي عليه السلام : فأخذ يمينه المقطوعة بيساره، فضرب بها هامتي فظننت أن السماء وقعت على الأرض.

 ثُمَّ اعْتَنَقَ حَمْزَةُ و شيبة : فقال المسلمون : يا علي أ ما ترى الكلب قد أبهر عمك، فحمل علي عليه السلام ، ثم قال يا عم طأطئ رأسك، و كان حمزة أطول من شيبة، فأدخل حمزة رأسه في صدره، فضربه أمير المؤمنين ع على رأسه فطير نصفه ، ثم جاء إلى عتبة : و به رمق فأجهز عليه.

 و حمل عبيدة : بين حمزة و علي حتى أتيا به رسول الله .

 فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ : وَ اسْتَعْبَرَ.

 فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ : بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي أَ لَسْتُ شَهِيداً ؟

فَقَالَ : بَلَى أَنْتَ أَوَّلُ شَهِيدٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي .

قال عبيده : أما لو كان عمك حيا ، لعلم أني أولى بما قال منه.

قَالَ : وَ أَيَّ أَعْمَامِي تَعْنِي ؟

قَالَ أَبُو طَالِبٍ حَيْثُ يَقُولُ :

كَذَبْتُمْ وَ بَيْتِ اللَّهِ نَبْرَأُ مُحَمَّداً
وَ لَمَّا نُطَاعِنْ دُونَهُ وَ نُنَاضِلْ‏
وَ نَنْصُرُهُ حَتَّى نُصَرَّعَ حَوْلَهُ
وَ نَذْهَلُ عَنْ أَبْنَائِنَا وَ الْحَلَائِلِ

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم : أَ مَا تَرَى ابْنَهُ، كَاللَّيْثِ الْعَادِي بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ ، وَ ابْنَهُ الْآخَرَ فِي جِهَادِ اللَّهِ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ .

فقال عبيده : يا رسول الله أ سخطت علي في هذه الحالة.

فقال صلى الله عليه وآله وسلم : مَا سَخِطْتُ عَلَيْكَ، وَ لَكِنْ ذَكَرْتُ عَمِّي ، فَانْقَبَضْتُ لِذَلِكَ.

تفسير القمي ج1ص263.

يا طيب : عرفت أن عقربة الفرس في المعركة يدل على الشجاعة والثبات في خوض الحرب ، وأما انقباض النبي صلى الله عليه وسلم : من قول ابن عمه عتبة بن الحارث بن عبد المطلب ، هو لقوله أنا أولى من أبو طالب بشعره ، ولو قال صدق عمي أبو طالب حين قال وذكر الشعر ، لكان هو المصداق الكريم من بني هاشم ممن ناضل وطاعن عن رسول الله وجاهد في سبيل الله ، ويكون هو من الناصرين له وفي أعلى مقام الشهداء والشهادة ، ولكنه رحمه الله فخر في الرمق الأخير بأنه يدافع عن رسول الله حتى الشهادة وتصور أنه أولى بالشعر ، مع أن عمه أبو طالب حتى آخر لحظة من حياته دافع عن رسول الله ، وكذلك ولده دافعوا عن رسول الله حتى النفس الأخير حتى الشهادة ، فهنيئا لهم الشهادة ، وحشرنا لله معهم في الدنيا والآخرة .

عرقبة بن ود وجمل عائشة :

يا طيب : نذكر هنا قصتين ، نختصر الأول من عرقبة عمر بن ود فرسه في غزوت الأحزاب ( الخندق ) حين جاؤوا كفار قريش لمحاربة النبي في المدينة في 17 شوال سنة 5 للهجرة ، فحفر المسلمون خندقا حول المدينة بين جبلين ، ولم يستطع الكفار العبور إليهم ، فبعد أيام من المحاصرة عبر ثلاثة من قريش الخندق يرأسهم عمر بن ود ، ونختصر منها موضع البحث ، وهو عرقبة عمر بن ود العامري لفرسه قبل مبارزته للإمام علي بن أبي طالب أخو جعفر عليهم السلام ، وذلك ليرهب الإمام ويوهن عزيمته عن مبارزته ويخوفه لكي لا يقدم لنزاله ، فإنه لما عبر الخندق وصار صوب المسلمين :

 رَكَزَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ : رُمْحَهُ فِي الْأَرْضِ وَ أَقْبَلَ يَجُولُ حَوْلَهُ وَ يَرْتَجِزُ وَ يَقُولُ:

وَ لَقَدْ بَحَحْتُ مِنَ النِّدَاءِ
بِجَمْعِكُمْ هَلْ مِنْ مُبَارِزٍ
وَوَقَفْتُ إِذْ جَبُنَ الشُّجَاعُ
مَوَاقِفَ الْقَرْنِ الْمُنَاجِزِ
إِنِّي كَذَلِكَ لَمْ أَزَلْ
مُتَسَرِّعاً نَحْوَ الْهَزَاهِزِ
إِنَّ الشَّجَاعَةَ فِي الْفَتَى
وَ الْجُودَ مِنْ خَيْرِ الْغَرَائِزِ

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم : مَنْ لِهَذَا الْكَلْبِ ، فلم يجبه أحد ، فَقَامَ إِلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام ، وَ قَالَ: أَنَا لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ هَذَا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ فَارِسُ يَلْيَلَ .

 قَالَ عليه السلام : أَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم : أدن مني فدنا منه، فعممه بيده، و دفع إليه سيفه ذا الفقار ، فقال له : أذهب و قاتل بهذا ، و قال: اللهم أحفظه من بين يديه و من خلفه و عن يمينه و عن شماله و من فوقه و من تحته.

فمر أمير المؤمنين عليه السلام : يُهَرْوِلُ فِي مَشْيِهِ ، وَ هُوَ يَقُولُ:

لَا تَعْجَلَنَّ فَقَدْ أَتَاكَ
مُجِيبُ صَوْتِكَ غَيْرَ عَاجِزٍ
ذُو نِيَّةٍ وَ بَصِيرَةٍ
وَالصِّدْقُ مُنْجِي كُلِّ فَائِزٍ
إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أُقِيمَ
عَلَيْكَ نَائِحَةَ الْجَنَائِزِ
مِنْ ضَرْبَةٍ نَجْلَاءَ
يَبْقَى صَوْتُهَا بَعْدَ الْهَزَاهِزِ

فقال له عمرو : من أنت؟

 قال: أَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ وَ خَتَنُهُ.

فَقَالَ: و الله ، إن أباك كان لي صديقا قديما ، و إني أكره أن أقتلك، ما آمن ابن عمك حين بعثك إلي أن أختطفك برمحي هذا ، فأتركك شائلا بين السماء و الأرض لا حي و لا ميت.

فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام : قد علم ابن عمي أنك إن قتلتني دخلت الجنة و أنت في النار ، و إن قتلتك فأنت في النار و أنا في الجنة.

فقال عمرو : و كلتاهما لك يا علي ، تلك إذا قسمة ضيزى‏.

قَالَ عَلِيٌّ عليه السلام : دع هذا يا عمرو ، إني سمعت منك و أنت متعلق بأستار الكعبة، تقول : لا يعرضن علي أحد في الحرب ثلاث خصال إلا أجبته إلى واحدة منها.

 و أنا أعرض عليك : ثلاث خصال ، فأجبني إلى واحدة .

قال: هات يا علي!

قال: أحدها تشهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله.

 قال: نح عني هذه ، فاسأل الثانية.

 فقال عليه السلام : أن ترجع و ترد هذا الجيش عن رسول الله ، فإن يك صادقا فأنتم أعلى به عينا ، و إن يك كاذبا كفتكم ذؤبان العرب أمره.

 فقال عمرو: إذا لا تتحدث نساء قريش بذلك ، و لا تنشد الشعراء في أشعارها أني جبنت و رجعت على عقبي من الحرب ، و خذلت قوما رأسوني عليهم .

فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام : فالثالثة أن تنزل إلي ، فإنك راكب و أنا راجل، حتى أنابذك.

 

 فَوَثَبَ عمرو : عَنْ فَرَسِهِ وَ عَرْقَبَهُ .

وَ قَالَ : هذه خصلة ما ظننت أن أحدا من العرب يسومني عليها ، ثم بدأ فضرب أمير المؤمنين عليه السلام بالسيف على رأسه فاتقاه أمير المؤمنين بدرقته فقطعها، و ثبت السيف على رأسه.

فقال له علي عليه السلام : يا عمرو ، أ ما كفاك أني بارزتك و أنت فارس العرب حتى استعنت علي بظهير ، فالتفت عمرو إلى خلفه .

 

فَضَرَبَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام : مسرعا على ساقيه قطعهما جميع، ا و ارتفعت بينهما عجاجة .

فقال المنافقون : قتل علي بن أبي طالب ، ثم انكشف العجاجة فنظروا، فإذا أمير المؤمنين عليه السلام على صدره قد أخذ بلحيته يريد أن يذبحه ، فذبحه ثم أخذ رأس، ه و أقبل إلى رسول الله ، و الدماء تسيل على رأسه من ضربة عمرو ، و سيفه‏ يقطر منه الدم ، و هُوَ يَقُولُ وَ الرَّأْسُ بِيَدِهِ:

أَنَا عَلِيٌّ وَ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ
الْمَوْتُ خَيْرٌ لِلْفَتَى مِنَ الْهَرَبِ

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : يَا عَلِيُّ مَاكَرْتَهُ .

قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ الْحَرْبُ خَدِيعَةٌ.

تفسير القمي ج2ص183. عمرو بن عبد ود : سمي فارس يليل لأنه أقبل في ركب من قريش ، حتى إذا كان بيليل وهو وادي قرب بدر، عرضت لهم بنو بكر بن وائل ، فقال لأصحابه : أمضوا فمضوا ، و قام في وجوه بني بكر حتى منعهم من أن يصلوا إليهم .‏ المناقب ج3ص135.

يا طيب : تمام القصة في موسوعة صحف الطيبين ، صحيفة الإمام علي عليه السلام ، قصة غزوة الخندق ، وفي القصة : عمر بن ود كان فارس كفار قريش وبطلهم المقدام ، ولكنه لم يكتفي بالنزول من الفرس لمبارزة الإمام علي عليه السلام ، ولكنه عرقب فرسه ليدل على شجاعته وإنه مقدام وبطل شجاع ليرهب عدوه ، ولكن الله نصر الإمام علي عليه السلام وكفى الله المؤمنين القتال بمبارزة علي ونصره .

 

ويا طيب : إما قصة عرقبة الجمل:

فهو في قصة حرب صاحبة الجمل : وكانت في 10 جمادى الأولى سنة 38 للهجرة ، حيث كانت إحدى نساء النبي نمن حذرها رسوله أن تكون صاحبة الفتنة ، ومن تنبحها كلاب الحوئب ، ولكنها أصرت أن تتبرج تبرج الجاهلية الأولى كهند أم معاوية ، وتقود جيش لتقتل علي والحسن والحسين عليهم السلام ، وهم سادة الوجود وأهل البيت المطهرون، والذي أمر الله بمودتهم بآية المودة ولعن مكذبهم بآية المباهلة ، حيث كونت جيش ممن نكث و نقض بيعة الإمام علي عليه السلام ، وغدروا به فكونوا جيش جرار، ودخلت بهم البصرة و نهبوا ما في بيت مال المسلمين ، و ضربوا جماعة من أصحابه بالسوط حتى ماتوا .

فنهض إليهم أمير المؤمنين عليه السلام : يذكّرهم بأيام اللّه فأبوا إلّا طغيانا و بغيا ، فوعظهم و جاهدهم بلسانه فلم يرجعوا و لا اتّعظوا بوعظه ، و أقاموا على محاربته فأظهره اللّه عليهم و أظفره بهم ، ولنختصر ولنذكر قصة العرقبة للجمل استطرادا ، فقد قالوا ما ملخصه ، حيث كانت راكبة على محمل الهودج على جمل اسمه عسكر ، وتقود الجيش وتقول أقتلوا عليا والحسن والحسين ، وبدأت بالحرب ، فلم يقصر أصحاب الإمام علي عليه السلام وجيشه ، وهم أكثرهم من الأصحاب وأهل غزوة بدر وأنصار رسول الله ، فرموها بالسهام :

 وَ شَكَتِ : السهام الهودج حتى كأنه جناح نسر أو شوك قنفذ.

فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام : مَا أَرَاهُ يُقَاتِلُكُمْ غَيْرُ هَذَا الْهَوْدَجِ :

 اعْقِرُوا الْجَمَلَ : وَ فِي رِوَايَةٍ عَرْقِبُوهُ ، فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ .

و قال لمحمد بن أبي بكر : انْظُرْ إِذَا عُرْقِبَ‏ الْجَمَلُ ، فأدرك أختك فوارها .

فَعُرْقِبَ‏ رِجْلٌ : مِنْهُ ، فَدَخَلَ تَحْتَهُ رَجُلٌ ضَبِّيُّ .

ثُمَّ عَرْقَبَ‏ : أُخْرَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، فَوَقَعَ عَلَى جَنْبِهِ .

فقطع :عمار نسعه .

فأتاه علي عليه السلام : و دق رمحه على الهودج .

و قال : يا عائشة أ هكذا أمرك رسول الله أن تفعلي .

فقالت : يا أبا الحسن ظفرت فأحسن ، و ملكت فأسجح .

فقال لمحمد بن أبي بكر : شأنك و أختك ، فلا يدن منها أحد سواك .

فَقَالَ لها محمد بن أبي بكر: ما فعلت بنفسك؟ عصيت ربّك، و هتكت سترك، ثمّ أبحت حرمتك، و تعرّضت للقتل، فذهب بها إلى دار عبد اللّه بن خلف الخزاعي...ثم ذهبوا بها للمدينة مع نساء ملثمات بهيئة الرجال . .

مناقب آل أبي طالب عليهم السلام ج‏3ص161 فصل في حرب الجمل .

يا طيب : عرفت معنى عرقبة ، وأما نسع بالكسر سير ما ينسج عريضا على هيئة أعنة البغال يشد بها الرحال و القطعة منه نسعة و سمي نسعا لطوله.

 ويا طيب : تجد تمام القصة في كتاب حرب الجمل للمفيد وغيره ، وتجد ملخص آخر في موسوعة صحف الطيبين صحيفة الإمام علي عليه السلام .

من استشهد مع جعفر :

يا طيب : عرفت الشهداء القادة في مؤتة ، والآن نذكر قصص بعض من أستشهد من جند الله :

عن الكليني رحمه الله : بسنده عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: استقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حارثة بن مالك بن النعمان الأنصاري .

فقال له: كيف أنت يا حارثة بن مالك ؟ فقال : يا رسول الله مؤمن حقا .

فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ : لكل شي‏ء حقيقة ، فما حقيقة قولك ؟

فقال : يا رسول الله عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي، و أظمأت هواجري، و كأني أنظر إلى عرش ربي قد وضع للحساب ، و كأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون في الجنة ، و كأني أسمع عواء أهل النار في النار .

فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ : عبد نور الله قلبه ، أبصرت فاثبت .

فقال يا رسول الله : أدع الله لي أن يرزقني الشهادة معك .

فقال: اللهم ارزق حارثة الشهادة ، فلم يلبث إلا أياما حتى بعث رسول الله سرية، فبعثه فيها ، فقاتل فقتل تسعة أو ثمانية ثم قتل.

 و في رواية القاسم بن بريد عن أبي بصير قال:

اسْتُشْهِدَ : مَعَ جَعْفَرِ بْنِ‏ أَبِي‏ طَالِبٍ‏، بَعْدَ تِسْعَةِ نَفَرٍ وَ كَانَ هُوَ الْعَاشِرَ.

الكافي ج2ص54ح3.

 

وقال الواقدي في المغازي : ذكر من استشهد بمؤتة من بني هاشم وغيرهم.

استشهد من بني هاشم : جعفر بن أبي طالب ، وزيد بن حارثة .

ومن بني عدي بن كعب : مسعود بن الأسود بن حارثة بن نضلة .

 ومن بني عامر ابن لؤي ثم من بني مالك بن حسيل : وهب بن سعد بن أبي سرح .

 وقتل من الأنصار : ثم من بني النجار من بني مازن : سراقة بن عمرو بن عطية بن خنساء .

 ومن بني النجار : الحارث بن النعمان بن يساف بن نضلة بن عمرو بن عوف بن غنم بن مالك .

 ومن بني الحارث بن الخزرج : عبد الله بن رواحة وعبادة بن قيس .

ثم رجعوا إلى المدينة .

المغازي للواقدي ج2ص769.

رحمهم الله الشهداء : وأسكنهم فسيح جنانه .




مختصر حياة جعفر وشهادته :

قال بن عبد البر في الاستيعاب : جعفر بن أبي طالب، يكنى أبا عبد الله ، بأبنه عبد الله ، واسم أبى طالب عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف.

كان جعفر : أشبه الناس خلقا وخلقا برسول الله ، وكان جعفر أكبر من علي ، بعشر سنين، وكان عقيل أكبر من جعفر بعشر سنين، وكان طالب أكبر من عقيل بعشر سنين.

وكان جعفر : من المهاجرين الأولين، هاجر إلى أرض الحبشة، وقدم منها على رسول الله حين فتح خيبر، فتلقاه النبي واعتنقه .

وقال: ما أدري بأيهما أنا أشد فرحا، أ بقدوم جعفر أم بفتح خيبر.

وكان قدوم جعفر : وأصحابه من أرض الحبشة في السنة السابعة من الهجرة.

واختط له : رسول الله إلى جنب المسجد.

 ثم غزا : غزوة مؤتة، وذلك سنة ثمان من الهجرة، فقتل فيها .

قال الزبير: بعث رسول الله بعثه إلى مؤتة في جمادى الأولى من سنة ثمان من الهجرة.

 فأصيب بها : جعفر بن أبي طالب .

 وقاتل فيها : جعفر حتى قطعت يداه جميعا ثم قتل.

 فقال رسول الله : إن الله أبدله بيديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء، فمن هنا قيل له جعفر ذو الجناحين.

و عن سالم بن أبي الجعد قال: أرى النبي في النوم جعفر بن أبى طالب ذا جناحين مضرجا بالدم.

وروينا عن ابن عمر أنه قال: وجدنا ما بين صدر جعفر بن أبي طالب ومنكبيه وما أقبل منه تسعين جراحة ما بين ضربة بالسيف وطعنة بالرمح.

وقد روى : أربع وخمسون جراحة، والأول أثبت.

ولما أتى النبي نعى جعفر : أتى امرأته أسماء بنت عميس فعزاها في زوجها جعفر.

ودخلت فاطمة : وهي تبكي وتقول: وا عماه.

 فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: على مثل جعفر فلتبك البواكي.

و عن أبيه عن علي بن أبى طالب : أن النبي قال لجعفر:

أشبهت خلقي وخلقي يا جعفر … في حديث ذكره.

وعن ابن عباس قال: قال رسول الله : دخلت البارحة الجنة فإذا فيها جعفر يطير مع الملائكة، وإذا حمزة مع أصحابه.

وعن ابن المسيب قال: قال رسول الله : مثل لي جعفر، وزيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة في خيمة من در، كل واحد منهم على سرير، فرأيت زيدا وابن رواحة في أعناقهما صدود، ورأيت جعفرا مستقيما ليس فيه صدود.

 قال: فسألت أو قيل لي: إنهما حين غشيهما الموت أعرضا، أو كأنهما صدا بوجههما، وأما جعفر فإنه لم يفعل.

وعن الشعبي قال: سمعت عبد الله بن جعفر يقول: كنت إذا سألت عليا شيئا فمنعني ، فقلت له: بحق جعفر أعطاني.

و عن أبى هريرة قال: ما احتذى النعال، ولا ركب المطايا، ولا وطئ التراب بعد رسول الله أفضل من جعفر بن أبى طالب .

 وجعفر : أول من عرقب فرسا في سيل الله، نزل يوم مؤتة إذ رأى الغلبة، فعرقب فرسه، وقاتل حتى قتل.

قال الزبير بن بكار: كانت سن جعفر بن أبي طالب يوم قتل إحدى وأربعين سنة.

 كتاب الاستيعاب في معرفة الأصحاب ج1ص242 حرف الجيم باب جعفر رقم٣٢٧. وكذا أغلبه عن ابن سعد في الطبقات الكبرى ج ٤ص25 رقم345.

 

ويا طيب : حدث في السيرة النبوية عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري ، بعد أن ذكر شهادة زيد رحمه الله ذكر :

 إمارة جعفر ومقتله :

ثم أخذها ( الراية ) جعفر فقاتل بها .

 حتى إذا : ألحمه القتال اقتحم عن فرس له شقراء ، فعقرها .

ثم قاتل القوم : حتى قتل .

فكان جعفر : أول رجل من المسلمين عقر في الإسلام .

 

وذكر : حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه عباد ، قال : حدثني أبي الذي أرضعني ، وكان أحد بني مرة بن عوف ، وكان في تلك الغزوة غزوة مؤتة قال :

والله لكأني : أنظر إلى جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء ثم عقرها.

 ثم قاتل حتى قتل وهو يقول :

يَا حَبَّذَا الجَنَّةُ وَاقْتِرَابُهَا
طَيِّبَةٌ وَبَارِدٌ شَرَابُهَا
وَالرُّومُ رُومٌ قَدْ دَنَا عَذَابُهَا
كَافِرَةٌ بَعِيدَةٌ أَنْسَابُهَا
عَلَيَّ إِنْ لَاقَيْتُهَا ضِرَابُهَا

قال ابن هشام : وحدثني من أثق به من أهل العلم :

أن جعفر بن أبي طالب

أخذ اللواء بيمينه فقطعت

فأخذه بشماله فقطعت

فاحتضنه بعضديه حتى قتل رضي الله عنه

فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء .

السيرة النبوية لابن هشام ج2ص378. وعنه شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج15ص69. وعنه شرح الأخبار ج3ص204ح1132.

 

وقال ابن الأثير : بسنده عن يحيى بْن عباد بْن عَبْد اللَّهِ بْن الزبير، عن أبيه، قال: حدثني أَبِي الذي أرضعني، وكان أحد بني مرة بْن عوف، قال: والله لكأني أنظر إِلَى جَعْفَر بْن أَبِي طالب يَوْم مؤتة، حين اقتحم عن فرس له شقراء، فعقرها، ثم تقدم، فقاتل حتى قتل .

قال ابن إِسْحَاق: فهو أول من عقر في الإسلام.

ولما قاتل جَعْفَر : قطعت يداه، والراية معه، لم يلقها.

 قال رَسُول اللَّهِ : أبدله اللَّه جناحين يطير بهما في الجنة.

 ولما قتل : وجد به بضع وسبعون جراحة ما بين ضربة بسيف، وطعنة برمح، كلها فيما أقبل من بدنه، وقيل: بضع وخمسون، والأول أصح.

وبسنده : عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله :

 رَأَيْتُ جَعْفَرًا : يَطِيرُ فِي الْجَنَّةِ مَعَ الْمَلائِكَةِ .

كتاب أسد الغابة في معرفة الصحابة ج2ص541ر759. وتاريخ دمشق لابن عساكر ج72ص132ح14129.

قال بن عساكر : قال ابن عمر: كان فيما أقبل من جعفر تسعين، من ضربة بسيف وطعنة برمح.

قال عمرو بن ثابت: سمعت أبي قال: سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن جعفر بن أبي طالب عليه السلام.

 فقال رجل: أنا والله أنظر إليه حين طعنه رجل، فمشى إليه في الرمح فضربه فماتا جميعا، فدمعت عين رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال الحاكم بن عيينة: لما أصيب جعفر بن أبي طالب جاء رجل فنعاه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فاشتد ذلك عليه فأقيمت الصلاة، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته قال: أين هذا؟ فجاءه .

فقال: كيف صنع جعفر؟

 فقال: قاتل يا رسول الله على فرسه، حتى إذا اشتد القتال نزل فقاتل حتى قتل.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لقد رأيته، أو .

قال: لقد أريته ملكا ذا جناحين، مضرجا بالدماء مصبوغ القوادم .

تاريخ دمشق لابن عساكر ج72ص133ح14131.

يا طيب : ذكرت روايات كثيرة في عدد الجراح في بدن جعفر بن أبي طالب عليه السلام ، وقد أحصاها المسلمين بعد المعركة ، ومنها ما :

ذكر بن سعد : أخبرنا الفضل بن دكين ومحمد بن عمر قالا : حدثنا أبو جعفر عن نافع عن ابن عمر قال :

وجد أو وجدنا : فيما أقبل من بدن جعفر بن أبي طالب ما بين منكبيه .

 قال الفضل بن دكين : تسعين ضربة بين طعنة برمح وضربة بسيف .

وقال محمد بن عمر : اثنتين وسبعين ضربة .

قال : أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس قال : حدثني أبي عن عبد الله بن عمر بن حفص عن نافع عن ابن عمر قال :

كنت بمؤتة : فلما فقدنا جعفر بن أبي طالب ، طلبناه في القتلى فوجدناه وبه طعنة ورمية بضع وتسعون فوجدنا ، ذلك فيما أقبل من جسده .

قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثني يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة عن عبد الله بن أبي بكر قال : وجد في بدن جعفر أكثر من ستين جرحا ، ووجد به طعنة قد أنفذته .

قال ابن سعد : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثني عبد الله بن محمد بن عمر بن علي عن أبيه قال :

ضربه : أي جعفر رجل من الروم فقطعه بنصفين ، فوقع أحد نصفيه في كرم ، فوجد في نصفه ثلاثون ، أو بضعة وثلاثون ، جرحا .

الطبقات الكبرى طبع دار الكتب العلمية ج٤ص٢٩.

 يا طيب : والظاهر الضرب بقطعه نصيف إن صحت ، كانت بعد ما قطعت يداه رحمه الله ، ووقع في كرم أي بستان كرم ، والكَرم: اسم الجمع : كُروم ، وهو بقلة الكرم: أحد أنواع النباتات كثيرة العصارة ذات عناقيد من الأزهار الأرجوانية ، والكرم أيضا يطلق على : العنب ، وهو شجيرة من فصيلة الكرميات، تزرع منذ القدم، تعطي عناقيد العنب، وهو يؤكل فاكهة ويجفف ليصنع منه الزبيب، والكرم البري : شجيرة معرشة لها أغصان طويلة متفرعة تلتصق بالجدران وأعواد القصب المهيأة لهذا الغرض، يطلق عليها الدالية، وتصير أوراقها محمرة في فصل الخريف.

ويا طيب : ظاهر الحرب تكون في أرض مفتوحة ولم تحكى أنها وقعت بين البساتين أو في منطقة زراعية ، ولم يحكي هذا المعنى غيره من الرواة والروايات الكثيرة، وبالخصوص كان في حالت هجوم رآه المسلمون حين سقطت رايته فأخذها زيد أو ابن رواحة بعده رحمهم الله .

الطبقات الكبرى ج ٤ص28 رقم345.

ويا طيب : ومرقده وقبره في مؤتة وسيأتي بيانها ، وهذا مختصر تعريف لها .

مؤتة: قرية من قرى البلقاء في حدود الشام.

و قبر سيدنا جعفر في ضيعة كما قال المهلبي: مآب أذرح مدينتا الشراة على اثني عشر ميلا من أذرح من ضيعة تعرف مؤتة بها قبر جعفر.

و قد وجد جثمانه : بهيئته و ثيابه و عليه الدم طريا و السيف في عنقه لم يتغير من بدنه شي‏ء، و ذلك حينما ازمعوا على تجديد بناء المرقد الطاهر.

مراقد المعارف ج1ص225. في هامش شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار عليهم السلام ج3ص207ح1140.

فسلام الله على جعفر بن أبي طالب الطيار في الجنة بجناحين يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيا .

 

 

 

زيارة جعفر بن أبي طالب والشهداء

 

يا طيب : رأيت وسمعت زيارة للشهيد جعفر بن أبي طالب عليه السلام مؤلفة لعالم من حضرموت وهي بصوته وموجودة على الأنترنيت ، والظاهر كانت من تأليفه ومطبوعة يقرأها في كراس بيده ومعه مجموعة من أتباعه من الزائرين لمرقد جعفر بن أبي طالب عليه السلام بمؤته ، وكانت جيدة ولكن ليس كما نزور أهل البيت صلى الله عليهم وسلم ، ولذا .

يا طيب : أحببت أن أجمع زيارة مما يزار به أصحاب النبي الأكرم وآل بيته عليهم السلام ، وآخذ نصوصها من هذه الزيارة وأجعلها بما يناسب زيارة جعفر بن أبي طالب عليه السلام ، مع ذكر فضائله المروية بالأحاديث المجموعة في هذا الكتاب ، وبالخصوص حين ذكر علمائنا الأبرار استحباب زيارة ، ومنهم :

ذكر العلامة المجلسي رحمه الله : في باب استحباب زيارة إبراهيم بن رسول الله ص و فاطمة بنت أسد و حمزة و سائر الشهداء بالمدينة و إتيان سائر المشاهد فيها ... ثم قال :

و يستحب : زيارة جعفر بن‏ أبي‏ طالب‏ رضي الله عنهما بموتة ، و يستحب زيارة الشهداء في بدر ، و يستحب زيارة أبي ذر رضي الله عنهما في الربذة قريبا من الصفراء على يمين الطريق للآتي من مكة إلى المدينة .

بحار الأنوار ج97ص222ب7ح19.

وذكر العلامة المجلسي : بعد ذكره لزيارة لأولاد الأئمة عليه السلام ، قال بيان: أقول ذكر المفيد رحمه الله في المزار الزيارة الأولى لأولاد الأئمة عليهم السلام ، ثم أعلم أن المشاهد المنسوبة إلى أولاد الأئمة الهادية و العترة الطاهرة و أقاربهم صلوات الله عليهم ، يستحب زيارتها و الإلمام بها ، فإن في تعظيمهم تعظيم الأئمة و تكريمهم ، و الأصل فيهم الإيمان و الصلاح إلى أن يعلم منهم خلافهما ، كجعفر الكذاب و أضرابه .

لكن المعلوم : حاله من بينهم بالجلالة و المعروف بالنبالة جعفر بن‏ أبي‏ طالب‏ عليه السلام ، المدفون بموتة ، و فاطمة بنت موسى عليها السلام المدفونة بقم ، و عبد العظيم الحسني بالري رضي الله عنه ، و قد مر فضل زيارتهما ، و علي بن جعفر عليه السلام المدفون بقم و جلالته أشهر من أن يحتاج إلى البيان ....

بحار الأنوار ج99ص273ب4ح1، مصباح الزائر ص 260.

 

وقال الكفعمي : بعد ذكره للوداع الجامع لجميع الأئمة ، قال خاتمة :

يستحب : زيارة الإمام المهدي عليه السلام في كل مكان و زمان ، و الدعاء بتعجيل فرجه صلوات الله عليه عند زيارته ، و تتأكد زيارته في السرداب بسر من رأى ، و يستحب زيارة النبي و الأئمة صلى الله عليهم وسلم كل جمعة و لو من البعد ، و إذا كان على مكان عال كان أفضل .

و زيارة المنتجبين : من الصحابة ، خصوصا جعفر بن‏ أبي‏ طالب بمؤتة ، و العباس و أولاده ، و سلمان بالمدائن و حذيفة ، و زيارة الأنبياء عليهم السلام حيث كانوا ، خصوصا إبراهيم و إسحاق و يعقوب عليهم السلام بمشهدهم المعروف ، و زيارة قبور الشهداء و الصلحاء من المؤمنين‏ .

قال الإمام الكاظم عليه السلام : مَنْ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَزُورَنَا فَلْيَزُرْ صَالِحِي إِخْوَانِنَا يُكْتَبْ لَهُ ثَوَاب‏ زِيَارَتِنَا وَ مَنْ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَصِلَنَا فَلْيَصِلْ صَالِحِي إِخْوَانِهِ يُكْتَبْ لَهُ ثَوَابُ صِلَتِنَا.

و يستحب : تلاوة شي‏ء من القرآن عند ضريح المعصوم و إهداؤه إلى المزور ، و المنتفع بذلك الزائر ، و فيه تعظيم للمزور ، و إهداء ثواب الأعمال و القربات و خصوصا القرآن للأموات من المؤمنين و خصوصا العلماء و ذوي الأرحام و خصوصا الوالدين‏.

البلد الأمين و الدرع الحصين ص309.

وأسأل الله الأجر والثواب لي و لمن يقرأها:

يا طيب : نذكر زيارة جعفر بن أبي طلب عليه السلام مقتبسة من زيارة عمه حمزة وآله الكرام ومضافا لها ما له من المناقب التي ذكرناها في أحاديث هذا الكتاب ، فإنه قد ذكر مستحب زيارته في يوم شهادته ويوم قدومه للنبي وفي أي وقت ، وذلك حسب روايات استحباب زيارة الأموات وبالخصوص الشهداء في سبيل الله ، وحين التوجه لهم وفي المسير إليهم وقرب مراقدهم مطلقا ، زيارة مختصرة:

فَعَلَيْكَ : بِالتَّكْبِيرِ وَ التَّهْلِيلِ وَ التَّمْجِيدِ وَ التَّعْظِيمِ لِلَّهِ كَثِيراً وَ الصَّلَاةِ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ أَهْلِ بَيْتِهِ حَتَّى تَصِيرَ قُرْبُهُمْ :

السَّلَامُ‏ عَلَيْكُمْ : بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ .

السَّلَامُ عَلَيْكُمْ : يَا أَهْلَ الدِّيَارِ ، أَنْتُمْ لَنَا فَرَطٌ وَ إِنَّا بِكُمْ لَاحِقُونَ .

زيارة جعفر الطيار وشهداء مؤتة:

 إِذَا أَرَدْتَ زِيَارَةَ : جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ والشهداء معه مِنْ بَعِيد، أو إِذَا أَتَيْتَ قَبْرَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِمُؤْتَه.

إِذَا أَرَدْتَ الْخُرُوجَ مِنْ بَيْتِكَ فَقُلِ :

اللَّهُمَّ : إِلَيْكَ تَوَجَّهْتُ ، وَ عَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ‏ ، وَ بِكَ اسْتَعَنْتُ ، وَ وَجْهَكَ طَلَبْتُ ، وَ لِزِيَارَةِ ابْنِ عَمِ‏ نَبِيِّكَ أَرَدْتُ ، وَ لِرِضْوَانِكَ تَعَرَّضْتُ.

اللَّهُمَّ : أحْفَظْنِي فِي سَفَرِي وَ حَضَرِي ، وَ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَ مِنْ خَلْفِي ، وَ عَنْ يَمِينِي وَ عَنْ شِمَالِي ، وَ مِنْ فَوْقِي وَ مِنْ تَحْتِي ، وَ أَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ.

ثم تقول :

أزور : سيدي ومولاي جعفر بن أبي طالب ذو الجناحين الطيار بالجنة مع الملائكة والشهداء معه ، أصالة عن نفسي ، ونيابة عن والدين ووالد والدي ، وأخواني وأخواتي وأصدقائي وجيراني ، ومن له حقا عليَّ ، ومن أوصاني بالدعاء والزيارة ، وعن جميع المؤمنين حيهم وميتهم ، قربة إلى الله تعالى ، ثم تقول :

 

زيارة الشهداء قبل دخول :

زيارة قبور:الشهداء في مؤتة رضوان اللّه عليهم‏ قبل لدخول لمراقدهم:

إِذَا أَتَيْتَ قُبُورَهُمْ فَقُلِ:

السَّلَامُ : عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ.

السَّلَامُ عَلَيْكُمْ : أَيُّهَا الشُّهَدَاءُ الْمُؤْمِنُونَ ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْإِيمَانِ وَ التَّوْحِيدِ ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَنْصَارَ دِينِ اللَّهِ وَ أَنْصَارَ رَسُولِهِ عَلَيْهِ وَ آلِهِ السَّلَامُ ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ.

أَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ : اخْتَارَكُمْ لِدِينِهِ وَ اصْطَفَاكُمْ لِرَسُولِهِ ، وَ أَشْهَدُ أَنَّكُمْ جَاهَدْتُمْ‏ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ ‏، وَ ذَبَبْتُمْ عَنْ دِينِ اللَّهِ وَ عَنْ نَبِيِّهِ ، وَ جُدْتُمْ بِأَنْفُسِكُمْ دُونَهُ ، وَ أَشْهَدُ أَنَّكُمْ قُتِلْتُمْ عَلَى مِنْهَاجِ رَسُولِ اللَّهِ، فَجَزَاكُمُ اللَّهُ عَنْ نَبِيِّهِ وَ عَنِ الْإِسْلَامِ وَ أَهْلِهِ أَفْضَلَ الْجَزَاءِ ، وَ عَرَّفَنَا وُجُوهَهُمْ فِي مَحَلِّ رِضْوَانِهِ وَ مَوْضِعِ إِكْرَامِهِ ، مَعَ‏ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً.

أَشْهَدُ أَنَّكُمْ : حِزْبُ اللَّهِ ، وَ أَنَّ مَنْ حَارَبَكُمْ فَقَدْ حَارَبَ اللَّهَ ، وَ أَنَّكُمْ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ الْفَائِزِينَ ، الَّذِينَ هُمْ‏ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ‏ ، فَعَلَى مَنْ قَتَلَكُمْ‏ لَعْنَةُ اللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ.

أَتَيْتُكُمْ : يَا أَهْلَ التَّوْحِيدِ زَائِراً ، وَ لِحَقِّكُمْ عَارِفاً ، وَ بِزِيَارَتِكُمْ إِلَى اللَّهِ مُتَقَرِّباً ، وَ بِمَا سَبَقَ مِنْ شَرِيفِ الْأَعْمَالِ وَ مَرْضِيِّ الْأَفْعَالِ عَالِماً، فَعَلَيْكُمْ سَلَامُ اللَّهِ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ، وَ عَلَى مَنْ قَتَلَكُمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَ غَضَبُهُ وَ سَخَطُهُ.

اللَّهُمَّ انْفَعْنِي بِزِيَارَتِهِمْ، وَ ثَبِّتْنِي عَلَى قَصْدِهِمْ، وَ تَوَفَّنِي عَلَى مَا تَوَفَّيْتَهُمْ عَلَيْهِ، وَ اجْمَعْ بَيْنِي وَ بَيْنَهُمْ فِي مُسْتَقَرِّ دَارِ رَحْمَتِكَ، أَشْهَدُ أَنَّكُمْ لَنَا فَرَطٌ وَ نَحْنُ لَكُمْ لَاحِقُونَ.

وَ يَقْرَأُ سُورَةَ: «إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ» مَا قَدَرَ عَلَيْهِ، وَ يَنْصَرِفُ رَاشِداً، وَ تُصَلِّي عِنْدَ كُلِّ مَنْ زُرْتَهُ رَكْعَتَيِ الزِّيَارَةِ مَنْدُوباً قُرْبَةً إِلَى اللَّهِ تَعَالَى‏ .

المزار الكبير لابن المشهدي ص94ب9.

 

زيارة جعفر عن بعد وقرب مرقده :

السَّلَامُ عَلَيْكَ : يَا مَوْلَايَ وَ سَيِّدِي الْقَتِيلَ الشَّهِيدَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِب‏ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ ، أَنَا زَائِرُكَ يَا ابْنَ عَمِ‏ رَسُولِ اللَّهِ بِقَلْبِي وَ لِسَانِي وَ جَوَارِحِي.

 

السَّلَامُ عَلَى : آدَمَ صَفْوَةِ اللَّهِ، وَ نُوحٍ نَبِيِّ اللَّهِ ، وَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ ، وَ مُوسَى كَلِيمِ اللَّهِ ، وَ عِيسَى رُوحِ اللَّهِ ، وَ مُحَمَّدٍ حَبِيبِ اللَّهِ ، وَ مَنْ بَيْنَهُمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً.

 السَّلَامُ عَلَى : رَسُولِ اللَّهِ ، السَّلَامُ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ ، السَّلَامُ عَلَى حَبِيبِ اللَّهِ ، السَّلَامُ عَلَى صَفِيِّ اللَّهِ ، السَّلَامُ عَلَى نَجِيِّ اللَّهِ السَّلَامُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ وَ خَاتَمِ الْمُرْسَلِينَ ، وَ خِيَرَةِ اللَّهِ مِنْ خَلْقِهِ فِي أَرْضِهِ وَ سَمَائِهِ.

السَّلَامُ : عَلَى رَسُولِ اللَّهِ الْبَشِيرِ النَّذِيرِ ، السِّرَاجِ الْمُنِيرِ ، الرَّؤُوفِ الرَّحِيمِ ، مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ.

 السَّلَامُ : عَلَى أَخِيكَ وَ شَقِيقِكَ ِأمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ سَيِّدِ الْوَصِيِّينَ ، وإِمَامَ الْمُتَّقِينَ ، ويَعْسُوبَ الْمُؤْمِنِينَ و الْغُرِّ الْمُحَجَّلِينَ َ، وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ.

السَّلَامُ : عَلَى أَبِيكَ‏ أَبُو طَالِب‏ ، وَلِيَّ اللَّهِ ، و الذَّابُّ عَنْ حَرِيمِ اللَّهِ ، وَ النَّاصِرُ لِدِينِ اللَّهِ ، عَمَّ الْمُصْطَفى وأبَو الْمُرْتَضى و وَالِدَ أئِمَّةِ الْهُدى ، فكَفَاكَمُ بِمَا اَوْلاَكَ اللهُ شَرَفًا وَّ نَسَبًا ، وَّ حَسْبُكَم بِمَا أعْطَاكَ اللهُ عِزًّا وَّ حَسَبًا ، وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُه‏.

السَّلَامُ : عَلَى أُمِّكَ فَاطِمَةَ بِنْت ‏أَسَدٍ الْهَاشِمِيَّةِ ، الصِّدِّيقَةُ الْمَرْضِيَّةُ ، التَّقِيَّةُ النَّقِيَّةُ ، الْكَرِيمَةُ الرَّضِيَّةُ ، كَافِلَةَ مُحَمَّدٍ خَاتَمَ النَّبِيِّينَ ، و وَالِدَةَ سَيِّدِ الْوَصِيِّينَ ، وَ رَحَمَةُ اللهِ وَ بَرَكاتُهُ .

 

أَشْهَدُ أَنَّكَ يَا جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : الطَّيَّارُ فِي الْجَنَّةِ ، بِجَنَاحَيْنِ اخْتَصَّهُ اللَّهُ بِذَلِكَ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ ، أَنَّكَ ‏ بَعْدَ رَسُولِ اللَّه‏ َوَ أَخِيكَ‏ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ و مِنْ بَعْدَ الْعِتْرَةُ الْأَئِمَّةُ الْمَعْصُومِينَ ، لَنَجِيبُ أَهْلِ بَيْتِكَ ، أَكْرَمُ عِبَادِ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ ابْنَ عَمٍ ، وَ أَكْرَمُهُمْ أَباً ، وَ أَكْرَمُهُمْ أَخاً ، وَ أَكْرَمُهُمْ نَفْساً ، وَ أَكْرَمُهُمُ نَسَباً ، وَ أَكْرَمُهُمْ عَمّاً ، وَ أَعْظَمُهُمْ عَنَاءً بِنَفْسِكَ وَ مَالِكَ ، وَ أَتَّمُهُمْ حِلْماً ، وَ أَقْدَمُهُمْ سِلْماً ، وَ أَكْثَرُهُمْ عِلْماً ، وَ أَنْتَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ ، وَ أَعْلَمُهُمْ بِسُنَنِ اللَّهِ ، وَ أَشْجَعُهُمْ قَلْباً فِي لِقَاءِ يَوْمِ الْهَيْجِ‏، وَ أَجْوَدُهُمْ كَفّاً ، وَ أَزْهَدُهُمْ فِي الدُّنْيَا ، وَ أَشَدُّهُمُ اجْتِهَاداً ، وَ أَحْسَنُهُمْ خُلُقاً ، وَ أَصْدَقُهُمْ لِسَاناً ، وَ أَحَبُّهُمْ إِلَى اللَّهِ وَ إِلَى رَسُولِهِ .

أَشْهَدُ أَنَّكَ : وَ ثَلَاثَةٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتك عَمِّكَ حَمْزَةُ وأبن عَمِّكَ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ وَ أَخِيك ِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، قد عاهَدُتم اللَّهَ وبَايَعْتُمُ رَسُولَ الله وَ حُجَّتهُ فِي أَرْضِهِ مُحَمَّداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ، عَلَى أَنْ لَا تَدَعَوا لِلَّهِ أَمْراً إِلَّا عَمِلْتمُوهُ ، وَ لَا تَدَعَوا لَهُ نَهْياً إِلَّا رَفَضْتمُوهُ ، وَ لَا وَلِيّاً إِلَّا أَحْبَبْتمُوهُ ، وَ لَا عَدُوّاً للهِ إِلَّا عَادَيْتمُوهُ ، وَ لَا توَلِّوا ظُهُورَكم عَدُوّاً ، وَ لَا تَفِرُّوا فِي زَحْفٍ أَبَداً ، وَ لَا تَمَلَّوا عَنْ فَرِيضَةٍ ، وَ لَا تَزْدَادَوا لِلَّهِ وَ لِرَسُولِهِ إِلَّا نَصِيحَةً ، فرَحْمَةُ اللَّهِ وَ رِضْوَانُهُ عَلَيْكمْ ، حَيْثُ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِيَّكم : { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23) } الأحزاب.

أَشْهَدُ أَنَّكَ : مِنَ السَّابِقُينَ فِي الْإِسْلَامِ الْأَوَّلُينَ الْمُقَرَّبُينَ ، وَ قَائِدالْمُهاجِرِينَ إلى اللَّه‏ الْأَوَّلِين‏ ، وَ قَرَابَتِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ عِلْمِكَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّه‏ ، وقَد حاجَجْتُمْ رُسُلَ‏ كُفَّارِ قُرَيْش‏ إِلَى النَّجَاشِيِّ مَلِكُ الْحَبَشَةِ لِيَرُدُّوكمْ إِلَيْهِمْ ، فَقَالَتَ : أَيُّهَا الْمَلِكُ خَالَفْنَاهُمْ ، بِأَنَّهُ بَعَثَ اللَّهُ فِينَا نَبِيّاً ، أَمَرَ بِخَلْعِ الْأَنْدَادِ، وَ تَرْكِ الِاسْتِقْسَامِ بِالْأَزْلَامِ، وَ أَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ وَ الزَّكَاةِ، وَ حَرَّمَ الظُّلْمَ وَ الْجَوْرَ، وَ سَفْكَ الدِّمَاءِ بِغَيْرِ حَقِّهَا وَ الزِّنَا وَ الرِّبَا وَ الْمَيْتَةِ وَ الدَّمِ ، وَ أَمَرَنَا بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى‏ ، وَ يَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ.

 ثُمَّ قَالَ لَكَ النَّجَاشِيُّ : يَا جَعْفَرُ ، هَلْ تَحْفَظُ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّكَ شَيْئاً ؟ فقَالَتَ : نَعَمْ ، فَقَرَأَتَ عَلَيْهِ سُورَةَ مَرْيَمَ ، فَلَمَّا بَلَغَتَ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى‏: { وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا فَكُلِي وَ اشْرَبِي وَ قَرِّي عَيْناً }.

 فَلَمَّا سَمِعَ النَّجَاشِيُّ بِهَذَا : بَكَى بُكَاءً شَدِيداً، وَ قَالَ بِهَذَا بَعَثَ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ، هَذَا وَ اللَّهِ هُوَ الْحَقُّ ، ثُمَّ أَسْلَم‏ هُوَ ِوَ الْأَحْبَارُ وَ الرُّهْبَانُ ، فَصَدَّقُوكَ جَمِيعاً وَ أتَّبَعُوكَ ، وَ أَطَاعُوا اللَّهَ الْبَارِي سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى وَ رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم‏ .

اَلسَّلامُ عَلَيْكَ : يَا جَعْفَرَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ ذُو الْهِجْرَتَيْنِ ، وَ ذُو الْجَنَاحَيْنِ الْمُضَرَّجَيْنِ‏ يَطِيرُ بِهِمَا مَعَ الْمَلَائِكَةِ فِي الْجَنَّةِ، وَ رَحَمَةُ اللهِ وَ بَرَكاتُهُ .

السَّلامُ عَلَيْكَ : يَا جَعْفَرَ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، يَا مَنْلَمَّا قَدِمَتَ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ تَلَقَّاكَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى قَدْرَ رَمْيَةِ سَهْمٍ مِن مَكَان إِقَامَتِه بِخَيْبَرَ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ أَسْرَعَتَ إِلَيْهِ هَرْوَلَةً ، فَاعْتَنَقَكَ رَسُولُ اللَّهِ وَ حَادَثَكَ وأَقْبَلَ عَلَيْك ، وَ أَشْرَقَ وَجْهُهُ نُوراً وَ فَرَحاً وَ سُرُوراً بِأَخِيهِ وَ ابْنِ عَمِّهِ ، ثُمَّ ضَمَّكَ إِلَى صَدْرِهِ وَ قَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْكَ ، وَ هَوَ يَقُولُ : مَا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا أَنَا أَشَدُّ فَرَحاً بِقُدُومِ جَعْفَرٍ أَمْ بِفَتْحِ خَيْبَرَ.

ثُمَّ قَالَ لَكَ‏ يَا جَعْفَرُ يَا أَخِي : أَ لَا أَحْبُوكَ أَ لَا أُعْطِيكَ أَ لَا أَصْطَفِيكَ ، فَظَنَّ النَّاسُ أَنَّهُ يُعْطِيكَ عَظِيماً مِنَ الْمَالِ ، وقد قَالَ ذَلِكَ لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيه خَيْبَرَ وَ غَنَّمَهُ أَرْضَهَا وَ أَمْوَالَهَا وَ أَهْلَهَا، فَقَلتَ بَلَى فِدَاكَ أَبِي وَ أُمِّي .

فَعَلَّمَك صَلَاةَ التَّسْبِيحِ : الْمَعْرُوفَةُ بصَلَاةِ جَعْفَرٍ الطَّيَّارِ ، وَ أَنَّهُ مَنْ صَلَّى صَلَاةَ جَعْفَرٍ لَا يُكْتَبُ عَلَيْهِ السَّيِّئَاتُ ، وَ يُكْتَبُ لَهُ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ فِيهَا حَسَنَةٌ وَ تُرْفَعُ لَهُ دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ ، و مُحِيَ عَنْه ذُنُوبُه وَ لَوْ كَانَتْ مِثْلَ رِمَالٍ عَالِجٍ و زَبَدِ الْبَحْرِ.

السَّلَامُ عَلَيْكَ : أَيُّهَا الرُّوحُ الزَّاكِيَةُ ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيَّتُهَا النَّفْسُ الشَّرِيفَةُ ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيَّتُهَا السُّلَالَةُ الطَّاهِرَةُ ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيَّتُهَا النَّسَمَةُ الزَّاكِيَةُ.

السَّلَامُ عَلَى أَخِ : رَسُولِ اللَّهِ وَ ابْنِ عَمِّهِ، وَ الْمَخْلُوقِ مِنْ طِينَتِهِ، وَ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّه‏ : وَأَمَّا أَنْتَ يَا جَعْفَرُ فَأَشْبَهْتُ خَلْقِي وَخُلُقِي، وَأَنْتَ مِنْ عِتْرَتِي الَّتِي أَنَا مِنْهَا ، خُلِقَ النَّاسُ مِنْ أَشْجَارٍ شَتَّى وَ خُلِقْتُ أَنَا وَ جَعْفَرٌ مِنْ شَجَرَةٍ وَاحِدَة ، السَّلَامُ عَلَى الْأَصْلِ الْقَدِيمِ ، وَالْفَرْعِ الْكَرِيمِ، السَّلَامُ عَلَى الثَّمَرِ الْجَنِيِّ .

السَّلَامُ عَلَى : أبي عَبدِاللهِ جَعْفَرٍ اَلطَّيَّارِ و أَبُو الْمَسَاكِينِ وَ رَحَمَةُ اللهِ وَ بَرَكاتُهُ.

أَشْهَدُ أَنَّكَ : قَدْ جَاهَدْتَ فِي اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ حَقَّ جِهادِهِ ، وَ عَمِلْتَ بِكِتَابِهِ وَ اتَّبَعْتَ سُنَنَ نَبِيِّهِ، حَتَّى دَعَاكَ اللَّهُ إِلَى جِوَارِهِ ، وَ قَبَضَكَ إِلَيْهِ بِاخْتِيَارِه‏، وَ جُدْتَ بِنَفْسِكَ، وَ نَصَحْتَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ، وَ كُنْتَ فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ رَاغِباً.  

السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِب‏ : يَا قَائِدَ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ فِي غَزْوَةُ مُؤْتَةَ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةِ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَة ، فَبَلَغَكم أَنَّ هِرَقْلَ مَلِكَ الرُّومِ قَدْ نَزَلَ بِمَأْرِبَ فِي مِائَةِ أَلْفٍ مِنَ الرُّومِ وَ مِائَةِ أَلْفٍ مِنَ الْمُسْتَعْرِبَةِ ، فَتَهَيَّئُوا وَ أَنْتُم‏ ثَلَاثَةُ آلَافٍ فِي قَرْيَةِ مُؤْتَةَ ، فَقَاتِلتُمْ بِهَذَا الدِّينِ الَّذِي أَكْرَمَنَا اللَّهُ بِهِ ، فَتَقَدَّمْتَ تَرْتَجِزُ وَتَقُولُ :

يَا حَبَّذَا الجَنَّةُ وَاقْتِرَابُهَا
طَيِّبَةٌ وَبَارِدٌ شَرَابُهَا
وَالرُّومُ رُومٌ قَدْ دَنَا عَذَابُهَا
كَافِرَةٌ بَعِيدَةٌ أَنْسَابُهَا
عَلَيَّ إِنْ لَاقَيْتُهَا ضِرَابُهَا

وَ لَمَا حَمِيَ الْوَطِيسُ : وَ ثَارَ الْقِتَالُ وَ جَالَتِ الْخَيْلُ وَ طَابَ اللِّقَاءُ ، وَ أَنَتَ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ أَمْرِكَ ، وَ يَوْمُ مُؤْتَةَ نَزَلَتَ عَنْ فَرَسِكَ فَعَرْقَبَتهَا بِالسَّيْفِ، ليَرْهَبُوا سَطْوَتَكَ، وَ ليَخَفُوا بَأْسَكَ ، وَ كُنْتَ أَوَّلَ مَنْ عَرْقَبَ فِي الْإِسْلَامِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .

 وَ لَمَا تَقَدَّمْتَ : تُقاتِلُ الْمُشْرِكِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏ ، نَعَاكمْ النَّبِيُّ قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ خَبَرُكم إِلَى الْمَدِينَةِ وَ عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ الدُّمُوعَ ، فَقَالَ قَدْ أَخَذَ الرَّايَةَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَ تَقَدَّمَ لِلْحَرْبِ بِهَا ، ثُمَّ قَالَ قَدْ قُطِعَتْ يَدُهُ ، وَ قَدْ أَخَذَ الرَّايَةَ بِيَدِهِ الْأُخْرَى ، ثُمَّ قَالَ قُطِعَتْ يَدُهُ الْأُخْرَى ، وَ قَدْ أَخَذَ الرَّايَةَ فِي صَدْرِهِ، ثُمَّ قَالَ قُتِلَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ .

 و قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ : قَدِ اسْتُشْهِدَ جَعْفَرٌ فِي هَذَا الْيَوْمِ وَ دَمَعَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ ، وَ قَالَ قُطِعَتْ يَدَاهُ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ ، وَ قَدْ أَبْدَلَهُ اللَّهُ مِنْ يَدَيْهِ جَنَاحَيْنِ مِنْ زُمُرُّدٍ أَخْضَرَ فَهُوَ الْآنَ يَطِيرُ بِهِمَا فِي الْجَنَّةِ مَعَ الْمَلَائِكَةِ كَيْفَ يَشَاءُ.

و دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ : عَلَى زَوَّجْتُكَ فَنَعَاكَ لَهَا وَ هُوَ يَمْسَحُ عَلَى رَأْسِيَ وَلَدَيْك‏ وَ عَيْنَاهُ تُهْرِقَانِ الدُّمُوعَ حَتَّى تَقَطَّرَتْ لِحْيَتُهُ ، ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ إِنَّ جَعْفَراً قَدْ قَدِمَ إِلَيْكَ إِلَى أَحْسَنِ الثَّوَابِ فَاخْلُفْهُ فِي ذُرِّيَّتِهِ بِأَحْسَنِ مَا خَلَفْتَ أَحَداً مِنْ عِبَادِكَ فِي ذُرِّيَّتِهِ ، ثُمَّ قَالَ يَا أَسْمَاءُ أَ لَا أُبَشِّرُكِ قَالَتْ بَلَى بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ إِنَّ الْمَرْءَ كَثِيرٌ حُزْنُهُ بِأَخِيهِ وَ ابْنِ عَمِّهِ، أَلَا إِنَّ جَعْفَراً قَدِ اسْتُشْهِدَ وَ جُعِلَ لَهُ جَنَاحَانِ يَطِيرُ بِهِمَا فِي الْجَنَّةِ .

وَ دَخَلَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا السَّلَامُ: وَ هِيَ تَبْكِي وَ تَقُولُ وَا عَمَّاهْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ عَلَى مِثْلِ جَعْفَرٍ فَلْتَبْكِ الْبَوَاكِي ، أذْهَبِي فَابْكِي عَلَى ابْنِ عَمِّكِ ، وَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ فَاطِمَةَ أَنْ تَتَّخِذَ طَعَاماً ، لِزَوَّجْتُكِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ وَ أَهْلَكَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، وَ تَأْتِيَهَا وَ نِسَاءَهَا فَتُقِيمَ عِنْدَهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَ تُسَلِّيَهَا، فَجَرَتْ بِذَلِكَ السُّنَّةُ أَنْ يُصْنَعَ لِأَهْلِ الْمُصِيبَةِ طَعَامٌ ثَلَاثاً.

و إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ: حِينَ جَاءَتْهُ وَفَاتَكَ كَانَ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ كَثُرَ بُكَاؤُهُ عَلَيْكَ يَا جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَ عَلَى‏ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ جِدّاً ، وَ يَقُولُ كَانَا يُحَدِّثَانِي وَ يُؤْنِسَانِي فَذَهَبَا جَمِيعاً ، وَ بَعْدَ الْحَرْب :‏ الْتَمَسُوكَ فَوَجَدُوكَ فِي الْقَتْلَى ، فَعَدوا فَجَدْوا فِيمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِك بِضْعاً وَ تِسْعِينَ مِنْ طَعْنَة وَ ضَرْبَةٍ وَ رَمْيَةٍ .

فَالسَّلَامُ عَلَيْكَ : يَوْمَ وُلِدْتَ وَ يَوْمَ تَمُوتُ وَ يَوْمَ تُبْعَثُ حَيّاً ، وَ أَشْهَدُ أَنَّكَ حَيٌّ شَهِيدٌ تُرْزَقُ عِنْدَ رَبِّكَ ، وَ أَتَوَالَى وَلِيَّكَ وَ أَبْرَأُ مِنْ عَدُوِّكَ ، وَ أَشْهَدُ أَنَّ الَّذِينَ قَاتَلُوكَ وَ انْتَهَكُوا حُرْمَتَكَ مَلْعُونُونَ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ الْأُمِّي‏.

السَّلامُ عَلَيْكَ : يَا جَعْفَرَ اَلطَّيَّارِ فِي الجِنَانِ ، وَ عَلى مَنْ حَولَكُمَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ الشُّهَدَاءِ السُّعَدَاءِ الصَّالِحِين ، رَضِيَ اللهُ تَعَالى عَنْكُمْ وَ أَرْضَاكُمْ أَحْسَنَ الرِّضَا ، وَ جَعَلَ اَلجنَّةَ مَنْزِلَكُمْ وَ مَسْكَنَكُمْ وَ مَحَلَّكُمْ وَ مَأويكُم ، وَ رَحَمَةُ اللهِ وَ بَرَكاتُهُ .

السَّلامُ عَلَيْكُمْ : يا أَنْصارَ اللَّهِ وَ رِجالِهِ مِنْ أهْلِ الْحَقِّ وَ الْبَلْوَى ، وَ الْمُجاهِدِينَ عَلى‏ بَصِيرَةٍ فِي سَبِيلِهِ ، أشْهَدُ أنَّكُمْ كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏ : { وَ كَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ ما ضَعُفُوا وَ مَا اسْتَكانُوا وَ اللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ }، فَما ضَعُفْتُمْ وَ مَا اسْتَكَنْتُمْ‏ حَتّى‏ لَقِيتُمُ اللَّهَ عَلى‏ سَبِيلِ الْحَقِّ وَ نَصْرِهِ وَ كَلِمَةِ اللَّهِ التَّامَّةِ.

صَلَّى اللَّهُ : عَلى‏ أَرْواحِكُمْ وَ أَبْدانِكُمْ وَ سَلَّمَ تَسْلِيماً ، وَ فُزْتُمْ ، وَ اللَّهِ لَوَدَدْتُ انِّي كُنْتُ مَعَكُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً، أَبْشِرُوا بِمَواعِيدِ اللَّهِ الَّتِي لا خُلْفَ لَها إنَّهُ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ.

 

بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي : أَتَيْتُكَ مُتَقَرِّباً إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ بِذَلِكَ ، رَاغِباً إِلَيْكَ فِي الشَّفَاعَةِ ، أَبْتَغِي بِزِيَارَتِكَ خَلَاصَ نَفْسِي ، مُتَعَوِّذاً بِكَ مِنْ نَارٍ اسْتَحَقَّهَا مِثْلِي بِمَا جَنَيْتُ عَلَى نَفْسِي ، هَارِباً مِنْ ذُنُوبِيَ الَّتِي أحْتَطَبْتُهَا عَلَى ظَهْرِي، فَزِعاً إِلَيْكَ رَجَاءَ رَحْمَةِ رَبِّي.

أَتَيْتُكَ : أَسْتَشْفِعُ بِكَ إِلَى مَوَالِيَّ، وَ أَتَقَرَّبُ بِنَبِيِّهِ إِلَيْهِ لِيَقْضِيَ لِي بِكَ حَوَائِجِي، أَتَيْتُكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ طَالِباً فَكَاكَ رَقَبَتِي مِنَ النَّارِ، وَ قَدْ أَوْقَرَتْ ظَهْرِي ذُنُوبِي، وَ أَتَيْتُ مَا أَسْخَطَ رَبِّي، وَ لَمْ أَجِدْ أَحَداً أَفْزَعُ إِلَيْهِ خَيْراً لِي مِنْكُمْ أَهْلَ بَيْتِ الرَّحْمَةِ، وَ كُنْ لِي شَفِيعاً يَوْمَ فَقْرِي وَ حَاجَتِي.

فَقَدْ سِرْتُ إِلَيْكَ : مَحْزُوناً، وَ أَتَيْتُكَ مَكْرُوباً، وَ سَكَبْتُ عَبْرَتِي عِنْدَكَ بَاكِياً ، وَ صَرَخْتُ إِلَيْكَ مُنْفَرِداً ، أَنْتَ مِمَّنْ أَمَرَنِيَ اللَّهُ بِصِلَتِهِ ، وَ حَثَّنِي عَلَى بِرِّهِ ، وَ دَلَّنِي عَلَى فَضْلِهِ ، وَ هَدَانِي لِحُبِّهِ ، وَ رَغَّبَنِي فِي الْوِفَادَةِ إِلَيْهِ ، وَ أَلْهَمَنِي طَلَبَ الْحَوَائِجِ عِنْدَهُ ، أَنْتُمْ أَهْلُ بَيْتٍ لَا يَشْقَى مَنْ تَوَلَّاكُمْ ، وَ لَا يَخِيبُ مَنْ أَتَاكُمْ ، وَ لَا يَخْسَرُ مَنْ يَهْوَاكُمْ ، وَ لَا يَسْعَدُ مَنْ عَادَاكُمْ.  

 اللَّهُمَّ : إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ صَفِيِّكَ وَ آلِهِ ، أَنْ تَجْعَلَ سَعْيِي بِهِمْ مَشْكُوراً ، وَ ذَنْبِي بِهِمْ مَغْفُوراً ، وَ حَيَاتِي بِهِمْ سَعِيدَةً ، وَ عَافِيَتِي بِهِمْ حَمِيدَةً ، وَ حَوَائِجِي بِهِمْ مَقْضِيَّةً ، وَ أَفْعَالِي بِهِمْ مَرْضِيَّةً ، وَ أُمُورِي بِهِمْ مَسْعُودَةً ، وَ شُئُونِي بِهِمْ مَحْمُودَةً.

 اللَّهُمَّ : وَ أَحْسِنْ لِيَ التَّوْفِيقَ ، وَ نَفِّسْ عَنِّي كُلَّ هَمٍّ وَ ضِيقٍ ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنِي عِقَابَكَ ، وَ امْنَحْنِي ثَوَابَكَ ، وَ أَسْكِنِّي جَنَّاتِكَ ، وَ أرْزُقْنِي رِضْوَانَكَ وَ أَمَانَكَ ، وَ أَشْرِكْ فِي صَالِحِ دُعَائِي وَالِدَيَّ وَ وُلْدِي وَ جَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَاتِ الْأَحْيَاءَ مِنْهُمْ وَ الْأَمْوَاتَ إِنَّكَ وَلِيُّ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ آمِينَ رَبَّ الْعَالَمِينَ.

 ثُمَّ تَسْأَلُ حَوَائِجَكَ.

 

الصلاة والدعاء بعد زيارة جعفر:

ثُمَّ تَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ : وَ تَجْعَلُ الْقَبْرَ بَيْنَ يَدَيْكَ وَ تُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ مَنْدُوباً لِلزِّيَارَةِ، فَإِذَا فَرَغْتَ مِنْ صَلَاتِكَ .

فَانْكَبَّ عَلَى الْقَبْرِ وَ قُلِ:

اللَّهُمَّ : صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ ، اللَّهُمَّ إِنِّي تَعَرَّضْتُ لِرَحْمَتِكَ بِلُزُومِي لِقَبْرِ ابْنَ‏ عَمِّ نَبِيِّكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ ، لِتُجِيرَنِي مِنْ نَقِمَتِكَ وَ سَخَطِكَ وَ مَقْتِكَ ، فِي يَوْمٍ تَكْثُرُ فِيهِ الْأَصْوَاتُ ، وَ تَشْغَلُ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا قَدَمَّتَ ، وَ تُجَادِلُ كُلُّ نَفْسٍ عَنْ نَفْسِهَا ، فَإِنْ تَرْحَمْنِي الْيَوْمَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيَّ وَ لَا حُزْنٌ ، وَ إِنْ تُعَاقِبْ فَمَوْلًى لَهُ الْقُدْرَةُ عَلَى عَبْدِهِ ، وَ لَا تُخَيِّبْنِي بَعْدَ الْيَوْمِ ، وَ لَا تَصْرِفْنِي بِغَيْرِ حَاجَتِي.

فَقَدْ لَصِقْتُ : بِقَبْرِ ابْنَ‏ عَمِّ نَبِيِّكَ، وَ تَقَرَّبْتُ بِهِ إِلَيْكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ وَ رَجَاءَ رَحْمَتِكَ ، فَتَقَبَّلْ مِنِّي ، وَ عُدْ بِحِلْمِكَ عَلَى جَهْلِي ، وَ بِرَأْفَتِكَ عَلَى جِنَايَةِ نَفْسِي ، فَقَدْ عَظُمَ جُرْمِي ، وَ مَا أَخَافُ أَنْ تَظْلِمَنِي وَ لَكِنْ أَخَافُ سُوءَ الْحِسَابِ ، فَانْظُرِ الْيَوْمَ تَقَلُّبِي عَلَى قَبْر ِابْنَ‏ عَمِّ نَبِيِّكَ عَلَيْهِمَ السَّلَامُ، فَبِهِمَ فُكَّنِي مِنَ النَّارِ ، وَ لَا تُخَيِّبْ سَعْيِي ، وَ لَا يَهُونَنَّ عَلَيْكَ ابْتِهَالِي ، وَ لَا تَحْجُبَنَّ عَنْكَ صَوْتِي ، وَ لَا تَقْلِبْنِي بِغَيْرِ حَوَائِجِي.

يَا غِيَاثَ : كُلِّ مَكْرُوبٍ وَ مَحْزُونٍ ، يَا مُفَرِّجاً عَنِ الْمَلْهُوفِ الْحَيْرَانِ ، الْغَرِيقِ الْمُشْرِفِ عَلَى الْهَلَكَةِ ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ ، وَ أنْظُرْ إِلَيَّ نَظْرَةً لَا أَشْقَى بَعْدَهَا أَبَداً ، وَأرْحَمْ تَضَرُّعِي وَ عَبْرَتِي وَ انْفِرَادِي ، فَقَدْ رَجَوْتُ رِضَاكَ ، وَ تَحَرَّيْتُ‏ الْخَيْرَ الَّذِي لَا يُعْطِيهِ أَحَدٌ سِوَاكَ ، فَلَا تَرُدَّ أَمَلِي.

اللَّهُمَّ : إِنْ تُعَاقِبْ فَمَوْلًى لَهُ الْقُدْرَةُ عَلَى عَبْدِهِ وَ جَزَاؤُهُ فِعْلُهُ ، فَلَا أَخِيبَنَّ الْيَوْمَ ، وَ لَا تَصْرِفْنِي بِغَيْرِ حَاجَتِي ، وَ لَا يَخِيبَنَّ شُخُوصِي وَ وِفَادَتِي ، فَقَدْ أَنْفَدْتُ نَفَقَتِي ، وَ أَتْعَبْتُ بَدَنِي ، وَ قَطَعْتُ الْمَفَازَاتِ ، وَ خَلَّفْتُ الْأَهْلَ وَ الْمَالَ وَ مَا خَوَّلْتَنِي ، وَ آثَرْتُ مَا عِنْدَكَ عَلَى نَفْسِي ، وَ لُذْتُ بِقَبْرِ ابْنَ‏ عَمِّ نَبِيِّكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ ، وَ تَقَرَّبْتُ بِهِ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ ، فَعُدْ بِحِلْمِكَ عَلَى جَهْلِي ، وَ بِرَأْفَتِكَ عَلَى ذَنْبِي ، فَقَدْ عَظُمَ جُرْمِي ، بِرَحْمَتِكَ يَا كَرِيمُ‏ .

أنظر ما أخذنا من الزيارة والدعاء المزار الكبير لابن المشهدي ص94ب9. مصباح الزائر ص 29- 30 و المزار الكبير ص 24- 25. بحار الأنوار ج97ص221ب 7ح18 .

 

وداع جعفر والشهداء :

ثُمَّ حَوِّلْ‏ وَجْهَكَ إِلَى قُبُورِ الشُّهَدَاءِ فَوَدِّعْهُمْ وَ قُلِ :

السَّلَامُ عَلَيْكُمْ : وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ ، اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنْ زِيَارَتِي إِيَّاهُمْ ، وَ أَشْرِكْنِي مَعَهُمْ فِي صَالِحِ مَا أَعْطَيْتَهُمْ ، عَلَى نُصْرَتِهِمْ نَبِيِّكَ وَ حُجَّتَكَ عَلَى خَلْقِكَ وَ جِهَادِهِمْ مَعَهُ .

اللَّهُمَّ : أجْمَعْنَا وَ إِيَّاهُمْ فِي جَنَّتِكَ مَعَ‏ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ، أَسْتَوْدِعُكُمُ اللَّهَ وَ أَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلَامَ ، اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي الْعَوْدَ إِلَيْهِمْ ، وَ احْشُرْنِي مَعَهُمْ ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ .

 

ثم اخرج و لا تول وجهك عن القبر حتى يغيب عن معاينتك .

و قف قبل الباب متوجها إلى القبلة و قل :

اللَّهُمَّ : إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ ، وَ بِحُرْمَةِ مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ ، وَ بِالشَّأْنِ الَّذِي جَعَلْتَهُ لِمُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ ، أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِ‏ مُحَمَّدٍ ، وَ أَنْ تَتَقَبَّلَ عَمَلِي ، وَ تَشْكُرَ سَعْيِي ، وَ تُعَرِّفَنِيَ الْإِجَابَةَ فِي جَمِيعِ دُعَائِي ، وَ لَا تُخَيِّبَ سَعْيِي ، وَ لَا تَجْعَلَهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنِّي ، وَ ارْدُدْنِي إِلَيْهِ بِبِرٍّ وَ تَقْوَى ، وَ عَرِّفْنِي بَرَكَةَ زِيَارَتِهِ فِي الدِّينِ وَ الدُّنْيَا ، وَ وَسِّعْ‏ عَلَيَّ مِنْ فَضْلِكَ الْوَاسِعِ ، الْفَاضِلِ الْمُفْضِلِ الطَّيِّبِ ، وَ ارْزُقْنِي رِزْقاً وَاسِعاً ، حَلَالًا كَثِيراً عَاجِلًا ، صَبّاً صَبّاً ، مِنْ غَيْرِ كَدٍّ وَ لَا نَكَدٍ ، وَ لَا مَنٍّ مِنْ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ ، وَ أجْعَلْهُ وَاسِعاً مِنْ فَضْلِكَ ، كَثِيراً مِنْ عَطِيَّتِكَ ، فَإِنَّكَ قُلْتَ‏ وَ سْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ‏ ، فَمِنْ فَضْلِكَ أَسْأَلُ ، وَ مِنْ عَطِيَّتِكَ أَسْأَلُ ، وَ مِنْ كَثِيرِ مَا عِنْدَكَ أَسْأَلُ ، وَ مِنْ خَزَائِنِكَ أَسْأَلُ ، وَ مِنْ يَدِكَ الْمَلْأَى‏ أَسْأَلُ ، فَلَا تَرُدَّنِي خَائِباً ، فَإِنِّي ضَعِيفٌ فَضَاعِفْ لِي ، وَ عَافِنِي إِلَى مُنْتَهَى أَجَلِي ، وَ أجْعَلْ لِي فِي كُلِّ نِعْمَةٍ أَنْعَمْتَهَا عَلَى عِبَادِكَ أَوْفَرَ النَّصِيبِ ، وَ أجْعَلْنِي خَيْراً مِمَّا أَنَا عَلَيْهِ ، وَ أجْعَلْ مَا أَصِيرُ إِلَيْهِ خَيْراً لِي مِمَّا يَنْقَطِعُ عَنِّي ، وَ أجْعَلْ سَرِيرَتِي خَيْراً مِنْ عَلَانِيَتِي ، وَ أَعِذْنِي مِنْ أَنْ يَرَى النَّاسُ فِيَّ خَيْراً وَ لَا خَيْرَ فِيَّ ، وَ ارْزُقْنِي مِنَ التِّجَارَةِ أَوْسَعَهَا رِزْقاً ، وَ آتِنِي يَا سَيِّدِي وَ عِيَالِي بِرِزْقٍ وَاسِعٍ ، تُغْنِينَا بِهِ عَنْ دُنَاةِ خَلْقِكَ ، وَ لَا تَجْعَلْ لِأَحَدٍ مِنَ الْعِبَادِ فِيهِ مَنّاً غَيْرِكَ ، وَ أجْعَلْنِي مِمَّنِ اسْتَجَابَ لَكَ ، وَ آمَنَ بِوَعْدِكَ ، وَ اتَّبَعَ أَمْرَكَ ، وَ لَا تَجْعَلْنِي أَخْيَبَ وَفْدِكَ ، وَ زُوَّارِ ابْنِ عم نَبِيِّكَ ، وَ أَعِذْنِي مِنَ الْفَقْرِ ، وَ مَوَاقِفِ‏ الْخِزْيِ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ ، وَ اقْلِبْنِي مُفْلِحاً مُنْجِحاً مُسْتَجَاباً لِي بِأَفْضَلِ مَا يَنْقَلِبُ بِهِ أَحَدٌ مِنْ زُوَّارِ أَوْلِيَائِكَ ، وَ لَا تَجْعَلْهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنْ زِيَارَتِهِمْ ، وَ إِنْ لَمْ تَكُنِ اسْتَجَبْتَ لِي وَ غَفَرْتَ لِي وَ رَضِيتَ عَنِّي ، فَمِنَ الْآنَ فَاسْتَجِبْ لِي وَ اغْفِرْ لِي وَ ارْضَ عَنِّي ، قَبْلَ أَنْ تَنْأَى‏ عَنِ ابْنِ عم نَبِيِّكَ دَارِي ، فَهَذَا أَوَانُ انْصِرَافِي ، إِنْ كُنْتَ أَذِنْتَ لِي غَيْرَ رَاغِبٍ عَنْكَ ، وَ لَا عَنْ أَوْلِيَائِكَ ، وَ لَا مُسْتَبْدِلٍ بِكَ وَ لَا بِهِمْ .

اللَّهُمَّ : أحْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ ، وَ مِنْ خَلْفِي وَ عَنْ يَمِينِي وَ عَنْ شِمَالِي ، حَتَّى تُبَلِّغَنِي أَهْلِي ، فَإِذَا بَلَّغْتَنِي فَلَا تَبَرَّأْ مِنِّي ، وَ أَلْبِسْنِي وَ إِيَّاهُمْ دِرْعَكَ الْحَصِينَةَ ، وَ أكْفِنِي مَؤُنَةَ نَفْسِي وَ مَؤُنَةَ عِيَالِي وَ مَؤُنَةَ جَمِيعِ خَلْقِكَ ، وَ أمْنَعْنِي مِنْ أَنْ يَصِلَ إِلَيَّ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِكَ بِسُوءٍ ، فَإِنَّكَ وَلِيُّ ذَلِكَ ، وَ الْقَادِرُ عَلَيْهِ ، وَ أَعْطِنِي جَمِيعَ مَا سَأَلْتُكَ ، وَ مُنَّ عَلَيَّ بِهِ وَ زِدْنِي مِنْ فَضْلِكَ ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ‏ .

ثُمَّ انْصَرِفْ وَ أَنْتَ : تَحْمَدُ اللَّهَ وَ تُسَبِّحُهُ وَ تُهَلِّلُهُ وَ تُكَبِّرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

كتاب المزار للمفيد ص130ب58. وأنظر تهذيب الأحكام ج6ص69ب20 باب وداع الشهداء رضوان الله عليهم‏.

 

مرقد جعفر ومزاره :

يا طيب : حسب ما منشور على ويكبيديا ومواقع أخرى ، نختار بحوث حول مقام ومرقد وضريح جعفر بن أبي طالب عليه السلام ، فإنهم ذكروا أن له صحن ومقام وضريح وعليه قبة ، وقربه مسجد وله منائر ويحيط به حدائق جميلة واسعة ، وجرت عليها عدت تطورات حسب الفترات التأريخية المتعددة من زمان الفاطميين والأيوبيين حتى الحكومة الهاشمية ، ووجدت عليه وقربه كتائب وحجر مخطوط عليه أسمه عليه السلام ، وجرت عدت تغييرات عليه في تحسين البناء خصوصا في الوقت الأخير ، موقعه الجغرافي الآن:

البلد: الأردن ، المملكة الأردنية الهاشمية .

المدينة: بلدة المزار ، في محافظة الكرك.

الإحداثيات: 31°04′00″N 35°41′43″E.

نوع المرقد : مقام وضريح.

التصنيف : ديني.

وذكروا في ويكيبيديا : مقام وضريح الصَّحابي جعفر بن أبي طالب، ويقع في بلدة المزار الجنوبي في محافظة الكرك، وهو عبارة عن مسجد كبير بُني حديثًا، وفي داخله (خارج مكان الصلاة) ضريح يُنسب للصَّحابي جعفر بن أبي طالب القائد الثّاني في معركة مؤتة. تم إعادة إعمار الضريح عام 1997 ليضم معه ضريح زيد بن حارثة، وجرى الربط بينهم بأروقة. وقد تم العثور على نقوش تدلّ على اعتناء الأيوبيين والمماليك بهذا الضريح.

وصف المسجد والضريح :

يتألف المسجد : من قاعة للصلاة بمساحة 1500م2، وقاعة صغيرة أخرى مساحتها 100م2، بالإضافة إلى صحن المسجد الذي تحيط به الأروقة من جميع الجوانب ومنه البوابات الرئيسية للمسجد.

يتبع المسجد : دورات مياه ومرافق عامة بالإضافة إلى عيادة صغيرة في الزاوية الشمالية الغربية من المسجد، ويوجد للمسجد ثلاثة مداخل رئيسية للرجال، حيث البوابة الرئيسية من جهة الشمال والتي منها يطل الزائر على مقام جعفر بن أبي طالب، ثم البوابة المرتبطة بأهل المزار حيث امتداد البيوت السكنية، وأما البوابة الغربية التي تتصل بالسوق التجاري وتعتبر النهاية الطبيعية للسوق التجاري الملاصق للمسجد.

أما مقام جعفر : فإن المبنى مُقام خارج قاعة الصلاة حيث يستطيع الزائر دخول مبنى المقام والزيارة دون الحاجة لدخول المسجد مع الحرص على ربط المقام بالمسجد برواق.

المصادر : مقامات الصحابة في الأردن شاهدة على الفتوحات الإسلامية ، جريدة الدستور في يوم 5 يونيو سنة 2009. مؤرشف من الأصل في 2016-04-25. اطلع عليه بتاريخ 2014-08-12.

 مقامات الصحابة في مؤتة.. قرية متكاملة تروي تاريخ الإسلام على ثرى الأردن، جريدة الرأي. 12 فبراير 2012. مؤرشف من الأصل في 2017-12-05. اطلع عليه بتاريخ 2014-08-12.

 مقامات شهداء مؤتة في حلة معمارية جديدة ، جريدة الغد. 20 يونيو 2005. مؤرشف من الأصل في 2017-12-12. اطلع عليه بتاريخ 2014-08-12.

 

ويا طيب : ذكر الدكتور محمد المعايطة موضوعا بعنوان :

 ديرتنا – عمّان – الكرك :

يوجد ثلاثة أضرحة : للصحابة استشهدوا في معركة مؤتة التي وقعت في جمادى الأول من العام الثامن للهجرة 629م، بتواجد أضرحة ومقامات الصحابة رضي الله عنهم في محافظة الكرك جنوبا في لواء المزار الجنوبي.

الصحابة : هم زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة، وهم قادة المسلمين الذين ولاهم رسول الله -صلّى الله عليه وآله وسلّم- على جيش المسلمين المكون من ثلاثة آلاف مقاتل، لمواجهة الروم، فأمّر عليه ثلاثة أمراء على التوالي أولهم زيد بن حارثة، فإن قُتل فجعفر بن أبي طالب، فإن قُتل فعبد الله بن رواحة -رضي الله عنهم- جميعاً.

ثمّ انطلق جيش المسلمين: ولمّا وصلوا منطقة معان تفاجأوا بالأعداد الهائلة للروم، حيث بلغ عددهم مئتي ألف مقاتلٍ، فتشاور قادة الجيش فيما بينهم، ثمّ قرّروا أن يواجهوا الكفار مهما كانت النتيجة، فسار الجيش، وانطلق زيد بن حارثة، وهو حامل لواء المسلمين وانقضّ على جيش العدو، حتى سقط شهيداً برماح الروم.

 وما كادت الراية : توشك على السقوط من يمين زيد بن حارثة .

حتى تلقاها جعفر بن أبي طالب بيمينه: ومضى بالراية في أقدام ثابتة، حتى قطعت يمينه فحملها بيساره إلى أن قطعت، فضمها بصدره من عضديه.

وهنا نادت خفقاتها: عبدالله بن رواحة، فشق الصفوف نحوها كالسهم وأخذها من صدر جعفر الطيار.

وهاجم بن رواحة : حتى طُعن، فاستقبل الدم بيده ودلك به وجهه، ثم اخترق الصفوف، وجعل يقول: «يا معشر المسلمين، ذُبُّوا عن لحم أخيكم»، فهاجم المسلمون حتى يدركوه، فلم يزالوا كذلك حتى أدركوه وقد مات مكانه، ثم اصطلح المسلمون على خالد بن الوليد.

وتعد الأضرحة : أحد أبرز وجهات السياحة الدينية في الأردن ويزورها آلاف السياح سنويا من كافة بلاد المسلمين، وتبعد 13 كم جنوب الكرك و140 كم جنوب العاصمة عمان.

ويقع المزار الجنوبي : على ارتفاع 1260م عن سطح البحر في جبال مؤاب، ويتمتع بمناخ بارد شتاءً معتدل صيفا، ويوجد في المدينة أقدم متحف إسلامي في الأردن متخصص بالآثار الإسلامية متحف المزار الإسلامي .

وبدأ : عام 1999م مشروع تطوير الأضرحة في المزار الجنوبي، حيث استملكت الحكومة الأراضي الواقعة حول الأضرحة وبدأ العمل فيها.

وتحظى المدينة : بالرعاية الملكية السامية لما فيها من مقامات للصحابة الأجلاء الذين قضوا نحبهم لنشر هذا الدين العظيم، وقد أمر جلالة الملك الراحل الحسين بن طلال رحمه الله تعالى بمكرمة ملكية سامية بإعادة هيكلة وترميم و إصلاح هذه المقامات ، وأمر رحمه الله بتوسعة مسجد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنة ومنذ عام 1999م بدأ مشروع تطوير الأضرحة في المزار الجنوبي، حيث تملكت الحكومة الأردنية الأراضي الواقعة حول الأضرحة .

وقد أهتم : حكام المسلمين بهذه المقامات ويوجد حاليا لوحات رخامية عليها كتابات بالخط الكوفي ، وان الفاطميين والأيوبيين والمماليك أهتموا بهذه المقامات ولا تزال النقوش الأثرية المتبقية التي تشهد على ذلك.

 ويوجد متحف إسلامي : عند مدخل مقام جعفر بن أبي طالب ، ويعلو باب المتحف نقش مملوكي كتب بالخط النسخ يعود للعهد المملوكي ، وفي الوقت الحاضر يؤم المنطقة أعداد كبيرة من الزوار المسلمين من العراق وإيران وماليزيا ولبنان وسورية وعدد كبير من دول العالم.

وهي تمثل : أهم معالم السياحة الدينية وهي مكان استشهاد القادة الثلاثة زيد وجعفر وعبد الله .

ويتألف المسجد : المحيط بمقام جعفر رحمه الله ، من قاعة للصلاة بمساحة 1500م2، وقاعة صغيرة أخرى مساحتها 100م2، بالإضافة إلى صحن المسجد الذي تحيط به الأروقة من جميع الجوانب ومنه البوابات الرئيسية للمسجد.

و يتبع المسجد : دورات مياه ومرافق عامة بالإضافة إلى عيادة صغيرة في الزاوية الشمالية الغربية من المسجد، ويوجد للمسجد ثلاثة مداخل رئيسية للرجال، حيث البوابة الرئيسية من جهة الشمال والتي منها يطل الزائر على مقام جعفر بن أبي طالب، ثم البوابة المرتبطة بأهل المزار حيث امتداد البيوت السكنية، وأما البوابة الغربية التي تتصل بالسوق التجاري وتعتبر النهاية الطبيعية للسوق التجاري الملاصق للمسجد. أما مقام جعفر بن أبي طالب، فإن المبنى مُقام خارج قاعة الصلاة حيث يستطيع الزائر دخول مبنى المقام والزيارة دون الحاجة لدخول المسجد مع الحرص على ربط المقام بالمسجد برواق.

ومسجد الصحابي الجليل : جعفر بن أبي طالب ، يعتبر من اهم واضخم المساجد في محافظة الكرك التي تم بناؤها ضمن مشاريع الإعمار الهاشمي لمقامات الصحابة الأجلاء في مختلف أنحاء المملكة.

ويمثل المسجد : معلما دينيا بارزا يئمه المسلمون من مختلف أنحاء المعمورة لزيارة أضرحة الشهداء قادة معركة مؤتة جعفر وعبدالله وزيد رضي الله عنهم.

وقد تم إبراز مقام جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه : خارج قاعة الصلاة ليحقق الناحية الشرعية للبناء المقام ، بحيث يستطيع الزائر دخوله دون الحاجة لدخول المسجد ، ويحتل المبنى المقام من خلال مركزه موقعا استراتيجيا ضمن المنظومة العمرانية التي تم تشكيلها داخل المسجد.

كما تم ربط المسجد : بمقام زيد بن حارثة من الجهة الشرقية من خلال درج تؤدي الى المدخل الغربي لمبنى المقام الذي يشابه في تصميمه مبنى مقام الصحابي جعفر بن أبي طالب ـ حيث توجد له ثلاثة مداخل تفضي الى روضة صغيرة تحيط بها الأروقة،.

روعي في تصميم المسجد : أن يحتوي على سبيل ماء دائم الجريان ليشرب منه المارة ، وعلى نزل يطل على فناء خارجي إضافة الى وجود إدارة وخدمات تابعة له ومرافق صحية وسكنين للأمام والمؤذن.

ويا طيب : الظاهر مما منشور على الأنترنيت ، تقام فعاليات موسم أحياء ذكرى شهادة شهداء مؤتة الأبرار رضوان الله عليهم عند مراقدهم الطاهرة في الأردن في محافظة الكرك في مزار مؤته ومسجدها الكبير ، ويزورهم المؤمنون ، ويقام حفل يذكر فيه فضائل الشهداء وبالخصوص جعفر الطيار ، ويدع له العلماء والفضلاء من كل مكان ، وتحت رعاية أوقاف سدنة مراقدهم المطهرة .

زيارة جعفر الطيار :

يا طيب : ذكروا في عدة مواقع أنه قريباً من مدخل غرفة ضريح الشهيد جعفر بن أبي طالب عليه السلام ، عُلّقت لوحة يمكن تقدير طولها بمتر واحد وعرضٍ يقدَّر بـ 60 سم ، وقد كتب عليها بخط جميل نصّ زيارة الشهيد جعفر الطيار، وكما يلي:

زيارة : جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصي أبو عبد الله ابن عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم قتل شهيداً في أرض الشام بـ(مؤتة) سنة ثمان للهجرة:

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليك : يا بن عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، السلام عليك يا قائد المسلمين ، إذ قال فيك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ( أَشْبَهْتَ يَا جَعْفَرُ خَلْقِي وخُلُقي ) وكَنّاكَ أبا المساكين، وقد أدَّيت الأمانة واجتنبت الخيانة من جهادك الروم حتى قتلت شهيداً صابراً بعدما قطعت يداك فعوّضك الله بهما جناحين تطير بهما في الجنة كما أخبر عنك النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

السلام عليك : يا بحر العلوم وكنزها ومحيي الرسوم ومروّجها، السلام عليك يا حافظ الدين وعون المؤمنين ومروّج شريعة سيد المرسلين، السلام عليك يا عضد الإسلام، السلام عليك أيها الزاهد الكامل، السلام عليك أيها الصالح التقي، السلام عليك أيها العارف المؤيد والعابد المسدَّد.

 أشهد : أنك الأمين على الدنيا والدين ، وأنك بالغت في إحياء الدين ، واجتهدت في حفظ شريعة أشرف الأولين والآخرين عليه وآله صلوات المصلين ، واتبعت سنن الأبرار.

وأشهد : أنك أظهرت الحق وأبطلت الباطل ، وسهلت السبيل وأوضحت الطريق ، ونصرت المؤمنين والشهداء والصالحين وحَسُنَ أولئك رفيقاً.

اللهم : أملأ قبره نوراً ورَوْحاً وريحاناً، وأسكنه في بحبوحة من جنان النعيم ، برحمتك يا أرحم الراحمين.

 

زيارة أخرى لجعفر :

يا طيب : ذكروا في مجاميع الكتب المختصة بالزيارة ، استحباب زيارة جعفر بن أبي طالب عليه السلام ، ومنها :

ذكر الكفعمي رحمه الله : خاتمة :

يستحب : زيارة المهدي في كل مكان و زمان و الدعاء بتعجيل فرجه صلوات الله عليه عند زيارته ، و تتأكد زيارته في السرداب بسر من رأى ، و يستحب زيارة النبي و الأئمة صلى الله عليهم وسلم أجمعين كل جمعة ، و لو من البعد ، و إذا كان على مكان عال كان أفضل .

و زيارة : المنتجبين من الصحابة ، خصوصا جعفر بن‏ أبي‏ طالب بمؤتة ، و العباس و أولاده، و سلمان بالمدائن و حذيفة ، و زيارة الأنبياء عليهم السلام حيث كانوا ، خصوصا إبراهيم و إسحاق و يعقوب عليهم السلام ، بمشهدهم المعروف، و زيارة قبور الشهداء و الصلحاء من المؤمنين‏.

البلد الأمين و الدرع الحصين ص309 .

مواقع زيارة ومدائح جعفر :

أنشودة وينك أبا المساكين : إنشاد جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية

جسمي به سَقمٌ والقلبُ أشواقُ
و الروح في لهفٍ و الدمعُ رقراقُ
يا ذا الجناحينِ غوثا من ثرى كَرَكٍ
ناديت يا سيدي فالوِلْدُ قد ضاقُوا

و ينك يا أبَا لمساكين
و ينك يا كحيل العين
باللهِ يا خو حيدر
ريدك بالحضرة تحضر
صاحب تصرف و أنظار
أنت جعفر الطيار
تحت جناحك أحمني
و بإمدادك داوني
همي ما دا يخليني
جُدْ بَأسرارك يا طيار
يا ابن عم المصطفى
يا مثالا للوفى
حبكم فيه الشِفا
نظرة نظرة يا طيار

يا صاحبْ أولْ هجرَة
نِلَتْ شَهادة و بُشرَى
ما يخيفك شَرّْ و كَثْرَة
جاهك غالي يا طيارْ
بعزْمَكْ تحضُرْ في الحاضرْ
وتْشَتِّتْ شَمْلِ الغادرْ
تهزمهُمْ بْسَيْفِ الناظرْ
بقوِّة همتَكْ يا طيارْ

بألحاظكْ شِنِّ الغارَة
تكسر ظهر الي جارَ
قلوباً صارتْ محتارَة
صاحتْ أدرك يا طيارْ
يا ذا الجناحينِ....... يا قرة العينِ بجيش أمدادك .......رُد العِدا عنِّي

مقروءة على هذا الموقع ومواقع أخرى .

https://www.youtube.com/watch?v=KAsbv4SFE4E

 

زيارة مقام سيدنا جعفر الطيار وشهداء مؤتة الأبرار:

محافظة الكرك، الأردن في موسم_مؤتة - 14/5/1446

سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكثر عدد ما أحصاه علمه وأحاط به كتابه

السلام عليكم يا سيدنا جعفر بن أبي طالب

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا عظيم المناقب

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا من كثرت عليهم من الحق المواهب

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا من أشبهتم بالخلق والخلق أطيب الأطايب

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا سيدنا المجاهد

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا سيدنا العابد

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا سيدنا الزاهد

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا معدن الكرم والإحسان

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا أبواب الفضل والامتنان

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا ابن عم رسول الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا محبوبا لصفي الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا سيدنا جعفر الذي قطعت في سبيل الله يديه

وأحتضن الراية بيده بعضديه فأبدله الله مكان يديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث يشاء

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا سيدنا جعفر الطيار

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا محط الرحمات والأنوار

السلام عليك ورحمة الله وبركات .........

والزيارة طويلة تجدها على هذا الموقع :

https://www.youtube.com/watch?v=Mi29N1_26P0&t=19s

فيديو : مرقد وضريح جعفر الطيار عليه السلام في الكرك | تحقيق مصور عراقي:

https://www.youtube.com/shorts/eniisnMnFMI

 

مرقد زيد بن حارثة عليه السلام :

https://www.youtube.com/shorts/rC7W01_Vmng

ويا طيب : وكفي تكتب زيارة جعفر الطيار أو جعفر بن أبي طالب على قوقل لتجد صور وأفلام وسيرته مكتوبة بكثرة لكثير من المواقع .

 

<




جعفر وفضله في الشعر:

وذكر الشيخ المفيد رحمه الله : عن الإمام علي عليه السلام شعر قال فيه:

مُحَمَّدٌ النَّبِيُّ أَخِي وَ صِنْوِي‏
وَ حَمْزَةُ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ عَمِّي‏
وَ جَعْفَرٌ الَّذِي أَضْحَى وَ أَمْسَى‏
يَطِيرُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ ابْنُ أُمِّي‏

وَ بِنْتُ مُحَمَّدٍ سَكَنِي وَ عِرْسِي‏
مَنُوطٌ لَحْمُهَا بِدَمِي وَ لَحْمِي‏
وَ سِبْطَا أَحْمَدَ وَلَدَايَ مِنْهَا
فَأَيُّكُمْ لَهُ سَهْمٌ كَسَهْمِي‏
سَبَقْتُكُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ طُرّاً
عَلَى مَا كَانَ مِنْ فَهْمِي وَ عِلْمِي‏
وَ أَوْجَبَ لِيَ الْوَلَاءَ مَعاً عَلَيْكُمْ‏
رَسُولُ اللَّهِ يَوْمَ غَدِيرِ خُمِ‏
فَوَيْلٌ ثُمَّ وَيْلٌ ثُمَّ وَيْلٌ‏
لِمَنْ يَلْقَى الْإِلَهَ غَداً بِظُلْمِي

الفصول المختارة ص280.

 

يا طيب : ذكر نصر بن مزاحم في قصة من وقائع صفين ، لما بايع عمرو بن العاص معاوية بن أبي سفيان لعنهم الله ، وأعطى معاوية عمروا مصر طعمة إن أنتصر على علي عليه السلام ، ولما سمع بقصتهما أمير المؤمنين قال شعرا :

يَا عَجَباً لَقَدْ سَمِعْتُ مُنْكَراً
كِذْباً عَلَى اللَّهِ يُشِيبُ الشَّعَرَا

يَسْتَرِقُ السَّمْعَ وَ يُغْشِي الْبَصَرَا
مَا كَانَ يَرْضَى أَحْمَدُ لَوْ خُبِّرَا
أَنْ يُقْرِنُوا وَصِيَّهُ وَ الْأَبْتَرَا
شَانِي الرَّسُولِ وَ اللَّعِينَ الْأَخْزَرَا
كِلَاهُمَا فِي جُنْدِهِ قَدْ عَسْكَرَا
قَدْ بَاعَ هَذَا دِينَهُ فَأَفْجَرَا
مِنْ ذَا بِدُنْيَا بَيْعَهُ قَدْ خَسِرَا
بِمُلْكِ مِصْرَ إِنْ أَصَابَ الظَّفَرَا
إِنِّي إِذَا الْمَوْتُ دَنَا وَ حَضَرَا
شَمَّرْتُ ثَوْبِي وَ دَعَوْتُ قَنْبَراً
قَدِّمْ لِوَائِي لَا تُؤَخِّرْ حَذَراً
لَنْ يَدْفَعَ الْحِذَارُ مَا قَدْ قُدِّرَا
لَمَّا رَأَيْتُ الْمَوْتَ مَوْتاً أَحْمَرَا
عَبَّأْتُ هَمْدَانَ وَ عَبَّوْا حِمْيَرَا
حَيُّ يَمَانٍ يُعْظِمُونَ الْخَطَرا
قِرْنٌ إِذَا نَاطَحَ قِرْناً كَسَرَا
قُلْ لِابْنِ حَرْبٍ لَا تَدِبَّ الْخَمَرَا
أَرْوِدْ قَلِيلًا أُبْدِ مِنْكَ الضَّجَرَا
لَا تَحْسَبَنِّي يَا ابْنَ حَرْبٍ غَمَرَا
وَ سَلْ بِنَا بَدْراً مَعاً وَ خَيْبَرَا
كَانَتْ قُرَيْشٌ يَوْمَ بَدْرٍ جَزَرَا
إِذْ وَرَدُوا الْأَمْرَ فَذَمُّوا الصَّدَرَا
لَوْ أَنَّ عِنْدِي يَا ابْنَ حَرْبٍ جَعْفَراً
أَوْ حَمْزَةَ الْقَرْمَ الْهُمَامَ الْأَزْهَرَا
رَأَتْ قُرَيْشٌ نَجْمَ لَيْلٍ ظُهُرَا


وقعة صفين لنصر بن مزاحم ص43 ، المراد بالأبتر : العاص بن وائل والد عمرو بن العاص، و فيه نزل قول اللّه: { إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3)}الكوثر .و بالأخزر : عمرو بن العاص، و كأنّه كان أخزر ينظر بمؤخر عينيه. أفجر: كذب، أو عصى، أو كفر. و مثله فجر. قنبر : بفتح القاف و الباء: مولى لعلي بن أبي طالب عليه السلام من المخلصين له الولاء ، و إليه ينسب المحدثان العباس بن الحسن و أحمد ابن بشر القنبريان. الخمر: بفتح الخاء المعجمة و الميم: ما و أراك من الشجر و الجبال و نحوها. و الدبيب: المشي على هينة. يقال للرجل إذا ختل صاحبه: هو يدب له الضراء، و يمشى له الخمر. و الإرواد: الإمهال. الغمر: بتثليث أوله و بفتح أوله و ثانيه: هو الضعيف المجهول الذي من لم يجرب الأمور ولم ترى أفعاله الكريمة. الجزر بفتحتين: اللحم الذي تأكله السباع، يقال تركوهم جزرا إذا قتلوهم.

 

ذكر محمد بن يعقوب الكليني رحمه الله : بسنده عن عبد الله بن إبراهيم بن محمد الجعفري قال: أتينا خديجة بنت عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام ، نعزيها بابن بنتها ، فوجدنا عندها موسى بن عبد الله بن الحسن ، فإذا هي في ناحية قريبا من النساء ، فعزيناهم ثم أقبلنا عليه ، فإذا هو يقول لابنة أبي يشكر الراثية قولي‏ ، فقالت‏ :

أعْدُدْ رَسُولَ اللَّهِ وَ أعدد بَعْدَهُ
أَسَدَ الْإِلَهِ وَ ثَالِثاً عَبَّاسَا
وَ أعْدُدْ عَلِيَّ الْخَيْرِ وَ أعْدُدْ جَعْفَراً
وَ أعْدُدْ عَقِيلًا بَعْدَهُ الرُّوَّاسَا

 فقال : أحسنت و أطربتني زيديني ، فاندفعت تقول :

وَ مِنَّا إِمَامُ الْمُتَّقِينَ مُحَمَّدٌ
وَ حَمْزَةُ مِنَّا وَ الْمُهَذَّبُ جَعْفَرُ
وَ مِنَّا عَلِيٌّ صِهْرُهُ وَ ابْنُ عَمِّهِ
وَ فَارِسُهُ ذَاكَ الْإِمَامُ الْمُطَهَّرُ

فأقمنا عندها : حتى كاد الليل أن يجيء ، ثم قالت خديجة : سمعت عمي محمد بن علي صلوات الله عليه ، و هو يقول : إنما تحتاج المرأة في المأتم إلى النوح لتسيل دمعتها ، و لا ينبغي لها أن تقول هجرا ، فإذا جاء الليل فلا تؤذي الملائكة بالنوح ، ثم خرجنا ..

الكافي ج1ص: 358ب81ح17. الرواسا : أي الثابت الصنديد الثابت اقدم البطل المقاوم والقائد المطاع.




الشهيد جعفر بعد الشهادة

 

يا طيب : هنا نذكر الشهيد جعفر بن أبي طالب الطيار عليه السلام في الجنة بجناحين مع الملائكة ، وأمور يخصه بعده شهادته ، من معرفة جناحي جعفر وخصائصهما ومواصفاتهما كما جاء بالأحاديث ، ونذكر حزن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله عليه ، ومواساة وتعزية النبي لآل جعفر ، وما ذكر من الشعر في شهادته .

 

جناحين جعفر الطيار :

يا طيب : إن ذكر الجناحين لجعفر بن أبي طالب وتسميته بلقب الطيار مر في كثير من الأحاديث السابقة التي ذكرنها في فضائله ، وكذا ستأتي في شهادته وغيرها من بيان فضله ومناقبة ، ولا يحسن أن نذكر كل الأحاديث الذاكرة للجناحين مرة أخرى في هذا الكتاب ، ويكون التكرار ممل ومخل بالبلاغة ، فلذا نأخذ نصوص الفقرات التي فيها كلمة الجناحين أو الطيار من الروايات التي ذكرنها ، لتجتمع عندنا هذه العبارة الكريمة والمنقبة الفضيلة ليسد من سادات أهل الدنيا والآخرة وخيرها ، مع ميزة أنه طيار في الجنة .

قال الله سبحانه وتعالى : في معرض وصف الملائكة وبيان حسن خلقهم وقدرته على إبداعهم ومراتبهم : { الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاء إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1)} فاطر. والأحاديث في أن للملائكة أجنحة كثيرة .

ويا طيب : معنى أن لجعفر بن أبي طالب جناحين في الجنة ويطير بهما مع الملائكة ، لا يعني أنها من ريش كما عليه طيور الدنيا ، بل هي بما يناسب الحياة الآخرة في الجنة ونعيمها الذي لا يوصف إلا بالإشارة إليه بما نفهمه من أحوال الدنيا ، وإن هذه الكرامة تشير إلى أن جناحيه لها من الجمال الباهر والسناء والبهاء المبهج والنظارة المبهرة الكريمة مما يغبطه به أهل الجنة ، مع نعيمهم الواسع وروعة ملاحة حسنهم وقسامة وجوههم و وسامة أجسامهم ورشاقتهم .

مما يجعلنا : أن نتصور جناحي جعفر الطيار بأحسن جمال ممكن في الجنة، و مناسب لجمال إنسان كريم شريف عالي المقام من سادة أهل الجنة حتى يغبط بها ويفرح للقياه ومنظره الوسيم الجسيم ورونقه النظر البهي الجميل كل أهل الجنة من المؤمنين بل حتى الأنبياء والأوصياء ، هذا وذكره يطير مع الملائكة دليل آخر على جمال وحسن وبهاء منظره لأنه كمنظر الملائكة وحسنها الأخاذ للقلوب التي هوى لقائهم المفرح الموجب للسرور في الدنيا والآخرة.

ويا طيب : لكي لا أطيل عليكم بذكر ما يمكن من مواصفات جعفر الطيار مع الملائكة في الجنة ، نذكر ونشير إلى نصوص الأحادي مختصرة ونشير إلى الموضوع المذكورة فيه ومصدرها ومنها .

في موضوع : جعفر أحد خير أهل الأرض : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

وَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : ذُو الْهِجْرَتَيْنِ وَ ذُو الْجَنَاحَيْنِ الْمُضَرَّجَيْنِ‏ يَطِيرُ بِهِمَا مَعَ الْمَلَائِكَةِ فِي الْجَنَّةِ .

كتاب سليم بن قيس الهلالي ج2ص565ح1. ورواه بسنده الصدوق في كمال الدين و تمام النعمة ج1ص263ب24ح10 . وروي بعدة كتب أخرى.

 

وفي نفس الموضوع عن : في حديث آخر عن علي الهلالي :

و منّا من له جناحان : أخضران ، يطير مع الملائكة في الجنّة حيث شاء ، و هو ابن عمّ أبيك ، و أخو بعلك .

الهيثمي في مجمع الزّوائد ج9ص 168.

 

وفي موضوع : جعفر سيد من النجباء :

في حدث النعمان المغربي : بإسناده عن الإمام علي عليه السّلام قال:

 و جعفر : له جناحان مضرّجان بالدم‏ يطير بهما في الجنة حيث يشاء.

شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار عليهم السلام ج2ص51408ح909. وفي مناقب الخوارزمي ص 212.

 

وفي نفس الموضوع : في حديث أخر وذكر الصدوق بسنده : عن محمد بن الحنفية رضي الله عنه يقول‏ :

وَ جَعْفَرُ بْنُ‏ أَبِي‏ طَالِبٍ‏ : الْمُزَيَّنُ بِالْجَنَاحَيْنِ يَطِيرُ بِهِمَا فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ يَشَاءُ.

المحاسن ج1ص9ب4ح28 . ويا طيب في هذا الحديث لم يذكر حمزة ولعله النسيان من بعض الرواة بسندها الطويل. ورواه في الخصال ج1ص320ح1.

موضوع : جعفر من أفضل الخلق :

روى الكليني : بسنده عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله جعفر الصادق عليه السلام قال: خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

وَ جَعْفَرٌ : ابْنُ عَمِّكَ ، الطَّيَّارُ فِي الْجَنَّةِ، يَطِيرُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ حَيْثُ يَشَاءُ.

الكافي ج8ص49ح10.

 

موضوع : جعفر من خير الخلق :

ذكر الكليني عن أصبغ بن نباتة الحنظلي قال: رأيت أمير المؤمنين عليه السلام:

وَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ:

لَهُ جَنَاحَانِ خَضِيبَانِ يَطِيرُ بِهِمَا فِي الْجَنَّةِ، لَمْ يُنْحَلْ أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ جَنَاحَانِ غَيْرُهُ ، شَيْ‏ءٌ كَرَّمَ اللَّهُ بِهِ مُحَمَّداً صلى الله عليه وآله وَ شَرَّفَهُ.

الكافي ج1ص450ب111ح34. تفسير فرات الكوفي ص111ح113.

 

وفي موضوع : جعفر من أهل البيت : في حديث قيس بن سعد بن عبادة :

وَ قَالَ : مِنْهُمْ أَهْلَ‏ الْبَيْتِ .

جَعْفَرُ بْنُ‏ أَبِي‏ طَالِبٍ‏ : الطَّيَّارُ فِي الْجَنَّةِ بِجَنَاحَيْنِ‏ ، أخْتَصَّهُ اللَّهُ بِذَلِكَ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ .

كتاب سليم بن قيس الهلالي ج2ص777ح26.

 

وفي موضوع : جعفر من خير الناس :

وذكر بن جرير الآملي : بسنده عن الأصبغ عن الإمام علي عليه السلام :

وَ جَعْفَرٌ : ذُو الْجَنَاحَيْنِ مِنْ وُلْدِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.

المسترشد في إمامة علي بن أبي طالب عليه السلام ص611ح278.

 

وفي نفس الموضوع : في حديث آخر ذكر الآملي : عن أبي أيوب الأنصاري:

 وَ مَنْ لَهُ جَنَاحَانِ : يَطِيرُ بِهِمَا فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ يَشَاءُ ، وَ هُوَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ابْنُ عَمِّكِ.

المسترشد في إمامة علي بن أبي طالب عليه السلام ص613ح279.

 

وفي نفس الموضوع : وقال الشيخ المفيد : عن عبد الله بن العباس قال:

 لنا أهل البيت سبع خصال ...

وَ مِنَّا جَعْفَرُ بْنُ‏ أَبِي‏ طَالِبٍ‏ : الْمُزَيَّنُ بِالْجَنَاحَيْنِ يَطِيرُ بِهِمَا فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ يَشَاءُ .

 الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ج1ص37.

 

وفي موضوع : البشارة لجعفر بالجنة :

 حدث بن حيون المغربي : بإسناده، عن الإمام علي عليه السّلام أنه قال: رسول الله صلى الله عليه وآله : بشرني جبرائيل : ...

ثم بشرني : أن ابن عمي جعفر في الجنة يطير فيها بجناحين، فسجدت.

شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار عليهم السلام ج2ص508ح899.

وفي موضوع : جعفر أختاره الله : قال رسول الله :

وَ هَذَا جَعْفَرُ بْنُ‏ أَبِي‏ طَالِبٍ‏ لَهُ جَنَاحَانِ خَضِيبَانِ ، يَطِيرُ بِهِمَا فِي الْجَنَّةِ.

تفسير القمي ج2ص346.

 

وفي موضوع : جعفر من أفضل المنعم عليهم : عن علي أمير المؤمنين :

وَ جَعْفَرٌ : ذُو الْجَنَاحَيْنِ يَطِيرُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ ، لَمْ يُنْحَلْهُ شَهِيدٌ قَطُّ قَبْلَهُ.

 وَ إِنَّمَا ذَلِكَ : شَيْ‏ءٌ أَكْرَمَ اللَّهُ بِهِ وَجْهَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم .

تفسير فرات الكوفي ص113ح114 .

وفي نفس الموضوع : في حديث آخر عن فرات بسنده: عن سليم بن قيس‏ ، عن الحسن بن علي عليه السلام :

 ثُمَّ جَعَلَ اللَّهُ لِجَعْفَرٍ :جَنَاحَيْنِ يَطِيرُ بِهِمَا مَعَ الْمَلَائِكَةِ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ يَشَاءُ.

 وَ ذَلِكَ لِمَكَانِهِمَا : وَ قَرَابَتِهِمَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ، وَ مَنْزِلَتِهِمَا مِنْهُ .

تفسير فرات الكوفي ص169ح217.

 

وفي موضوع : الله تعالى يشكر لجعفر خصال : ذكر الصدوق عن رسول عن جبرائيل عن الله تعالى :

قَالَ : فَضَرَبَ النَّبِيُّ عَلَى عَاتِقِهِ ، وَ قَالَ : حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ لَكَ جَنَاحَيْنِ تَطِيرُ بِهِمَا مَعَ الْمَلَائِكَةِ فِي الْجَنَّةِ .

علل الشرائع ج2ص558ب348ح1.

 

وفي موضوع : فضائل أخرى لجعفر: وعن الشعبي، أن ابن عمر :

كَانَ إِذَا سَلَّمَ عَلَى ‏ابْنِ جَعْفَرٍ .

 ‏قَالَ ‏ ‏السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا ‏ ‏ابْنَ ذِي الْجَنَاحَيْنِ ‏.

صحيح البخاري حديث رقم: 3709 .

 

وفي موضوع : جعفر يوم بعثة النبي :

ذكر علي بن إبراهيم رحمه الله في تفسيره : و روى الصادق عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أنه قال‏ :

بَيْنَا أَنَا رَاقِدٌ بِالْأَبْطَحِ : وَ عَلِيٌّ عَنْ يَمِينِي ، وَ جَعْفَرٌ عَنْ يَسَارِي ، وَ حَمْزَةُ بَيْنَ يَدَيَّ .

و إذا أنا بخفق : أجنحة الملائكة ، و قائل منهم يقول : إلى أيهم بعثت يا جبرئيل ؟ فقال : إلى هذا و أشار إلي.

وَ هَذَا ابْنُ عَمِّهِ جَعْفَرٌ : لَهُ جَنَاحَانِ خَضِيبَانِ‏، يَطِيرُ بِهِمَا فِي الْجَنَّةِ مَعَ الْمَلَائِكَةِ .

تفسير القمي ج2ص13تفسر سورة الإسراء(17): الآيات 1 .

 

وفي موضوع : صل جناح بن عمك ( أخيك ):

عن عثمان الشحام عن سلمة بن الأكوع قال:

فَصَلَّى النَّبِيُّ : بِعَلِيٍّ وَ جَعْفَرٍ .

فلما انفتل من صلاته قال:

 يَا جَعْفَرُ : هَذَا جَبْرَئِيلُ ، يُخْبِرُنِي عَنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَنَّهُ صَيَّرَ لَكَ جَنَاحَيْنِ أَخْضَرَيْنِ مُفَصَّصَيْنِ بِالزَّبَرْجَدِ وَ الْيَاقُوتِ، تَغْدُو وَ تَرُوحُ حَيْثُ تَشَاءُ.

شواهد التنزيل لقواعد التفضيل ج2ص333ح974. و الحديث بطوله رواه منتجب الدين بسند آخر في كتاب الأربعون حديث للرازي ص30ح9.

 

يا طيب : وهذه أحاديث كريمة تختصر ما ذكر لجعفر من جناحين في الجنة وأوصاف الجناحين ، وهي ذكرت بعد الشهادة ، كما ذكرنا أحاديث كثير حين شهادته تذكر الجناحين لجعفر في الجنة وأوصافها ، ومنها مختصرا.

قال ابن سعد : أخبرنا يزيد بن هارون قال : أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن رجل : أن النبي صلى الله عليه وآله قال : ،

 لقد رأيته في الجنة : يعني جعفرا ، له جناحان مضرجان بالدماء مصبوغ القوادم .

و قال بن سعد : أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس قال : حدثني حسين عن عبد الله بن حمزة عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب عليه السلام : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال :

إن لجعفر بن أبي طالب : جناحين يطير بهما في الجنة مع الملائكة .

وقال : أخبرنا سليمان بن حرب وعارم بن الفضل قالا : حدثنا حماد بن زيد عن عبد الله بن المختار قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله :

 مر بي جعفر بن أبي طالب : في الليلة في ملأ من الملائكة ، له جناحان مضرجان بالدماء ، أبيض القوادم .

وقال : أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس قال : حدثني حسين بن عبد الله بن ضميرة عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب عليه السلام : أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال :

 إن لجعفر بن أبي طالب : جناحين يطير بهما في الجنة مع الملائكة .

و قال : أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال : أخبرنا أبو شهاب عن هشام عن الحسن أنه قال :

إن لجعفر جناحين : يطير بهما في الجنة حيث يشاء .

الطبقات الكبرى طبع دار الكتب العلمية ج٤ص٢٩.

 

يا طيب : كثرة الأحاديث في وصف جناحي جعفر بن أبي طالب عليه السلام ، كل منها تبين أن الجناحين فضيلة لجعفر ، وأنه الله أختصه بهما من بين الناس مكرمة له ، وتبين أن الجناحين زينة له وبيان لحسن منظرة وجميل هيئته ، وتعرفنا مقاما كريما له في الجنة ، كما أن وصفها وبيان هيئتها أو ما تزين به ، تعرفنا في كل حديث شيء من صفاته الكريمة ، فبعض الأحاديث تختصر وبعضها تفصل أكثر حسب حال الموضوع والسامع ، وإن كل المواصفات للجناحين هي له ومبينة جمال من هيئته وحسنها ، ولا تناقض بينها أبدا .

العباس له جناحين كعمه :

في أمالي الصدوق والخصال : عن الهمداني، عن علي بن إبراهيم، عن اليقطيني، عن يونس ابن عبد الرحمان، عن ابن أسباط، عن علي بن سالم، عن أبيه، عن ثابت ابن أبي صفية الثمالي قال :

 نظر علي بن الحسين سيد العابدين عليه السلام :

 إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ : بْنِ عَبَّاسِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَاسْتَعْبَرَ .

ثُمَّ قَالَ : مَا مِنْ يَوْمٍ أَشَدَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله :

 مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ : قُتِلَ فِيهِ عَمُّهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَسَدُ اللَّهِ وَ أَسَدُ رَسُولِهِ .

وَ بَعْدَهُ يَوْمَ مُؤْتَةَ : قُتِلَ فِيهِ ابْنُ عَمِّهِ جَعْفَرُ بْنُ‏ أَبِي‏ طَالِبٍ‏ .

 ثم قال عليه السلام : ولا يوم كيوم الحسين ، ازدلف إليه ثلاثون ألف رجل ، يزعمون أنهم من هذه الأمة ، كل يتقرب إلى الله عزوجل بدمه .

 وهو عليه السلام : بالله يذكرهم ، فلا يتعظون ، حتى قتلوه بغيا ، وظلما ، وعدوانا .

 ثم قال عليه السلام : رَحِمَ اللَّهُ الْعَبَّاسَ فَلَقَدْ آثَرَ وَ أَبْلَى ، وَ فَدَى أَخَاهُ بِنَفْسِهِ.

 حَتَّى قُطِعَتْ يَدَاهُ : فَأَبْدَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏ بِهِمَا جَنَاحَيْنِ يَطِيرُ بِهِمَا مَعَ الْمَلَائِكَةِ فِي الْجَنَّةِ .

كَمَا جَعَلَ لِجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ .

وَ إِنَّ لِلْعَبَّاسِ : عِنْدَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى ، مَنْزِلَةً يَغْبِطُهُ بِهَا جَمِيعُ الشُّهَدَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

الأمالي للصدوق ص462م70ح10، وبحار الأنوار ج‏22ص274ب5ح21.

النبي يبكي جعفر وزيد :

ذكر الشهيد الثاني زين الدين بن علي :وَ لَمَّا أُصِيبَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَتَى رَسُولُ اللَّهِ أَسْمَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، فَقَالَ لَهَا :

أَخْرِجِي إِلَيَّ وُلْدَ جَعْفَرٍ : فَخَرَجُوا إِلَيْهِ فَضَمَّهُمْ إِلَيْهِ وَشَمَّهُمْ، وَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ.

فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أُصِيبَ جَعْفَرٌ ؟

قَالَ : نَعَمْ أُصِيبَ الْيَوْمَ .

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ : أَحْفَظُ حِينَ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى أُمِّي فَنَعَى إِلَيْهَا أَبِي ، وَ نَظَرْتُ إِلَيْهِ وَ هُوَ يَمْسَحُ عَلَى رَأْسِي وَ رَأْسِ أَخِي .

وَ عَيْنَاهُ يُهْرِقَانِ الدُّمُوعَ : حَتَّى تَقَطَّرَ لِحْيَتُهُ .

ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ إِنَّ جَعْفَراً قَدْ قَدِمَ إِلَى حُسْنِ الثَّوَابِ ، فَاخْلُفْهُ فِي ذُرِّيَّتِهِ بِأَحْسَنِ مَا خَلَفْتَ أَحَداً مِنْ عِبَادِكَ فِي ذُرِّيَّتِهِ .

ثُمَّ إِنَّهُ قَالَ : يَا أَسْمَاءُ أَ لَا أُبَشِّرُكِ ؟

قَالَتْ : بَلَى بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي .

قَالَ : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ جَعَلَ لِجَعْفَرٍ جَنَاحَيْنِ يَطِيرُ بِهِمَا فِي الْجَنَّةِ .

 

و عن أبي عبد الله عليه السلام : عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أنه قال: لَمَّا جَاءَ الْخَبَرُ بِوَفَاةِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ، كَانَ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ بَكَى عَلَيْهِمَا جِدّاً .

 وَ قَالَ : كَانَا يُحَدِّثَانِّي‏ وَ يُؤْنِسَانِّي ، فَجَاءَ الْمَوْتُ فَذَهَبَ بِهِمَا.

و عن خالد بن سلمة قال: لَمَّا جَاءَ نَعْيُ زَيْدِ بْنِ‏ حَارِثَةَ إِلَى النَّبِيِّ أَتَى النَّبِيُّ مَنْزِلَ زَيْدٍ ، فَخَرَجَتْ إِلَيْهِ بُنَيَّةٌ لِزَيْدٍ ، فَلَمَّا رَأَتْ رَسُولَ اللَّهِ خَمَشَتْ فِي وَجْهِهَا.

 فَبَكَى رَسُولُ اللَّهِ قَالَ : هَاهْ هَاهْ .

فَقِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذَا ؟

قَالَ : شَوْقُ الْحَبِيبِ إِلَى حَبِيبِهِ.

مسكن الفؤاد عند فقد الأحبة و الأولاد ص106.

قال الإمام الصادق عليه السلام : إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم .

حين جاءته : وَفَاةُ جَعْفَرِ بْنِ‏ أَبِي‏ طَالِبٍ‏ عليه السلام ، وَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ رضي الله عنه.

كَانَ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ : كَثُرَ بُكَاؤُهُ عَلَيْهِمَا جِدّاً ، وَ يَقُولُ كَانَا يُحَدِّثَانِي وَ يُؤَانِسَانِي ، فَذَهَبَا جَمِيعاً.

من لا يحضره الفقيه ج1ص177ح527 باب التعزية و الجزع عند المصيبة و زيارة القبور و النوح و المأتم .

النبي يرى جعفر والشهداء :

وعن سعيد بن المسيب قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

مثّلوا لي في الجنة : في خيمة من درّة ، كل واحد منهم على سريره.

 فرأيت : زيدا وابن رواحة في أعناقهما صدودا، وأما جعفر فهو مستقيم ليس فيه صدود، قال: فسألت، أو قال: قيل لي: إنهما حين غشيهما الموت، كأنهما أعرضا، أو كأنهما صدّا بوجوههما ، وأما جعفر فإنه لم يفعل.

ولما أخذ : جعفر بن أبي طالب الراية، جاءه الشيطان فمنّاه الحياة والدنيا، وكرّه الموت.

فقال جعفر : الآن حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين تمنيني الدنيا؟ ثم مضى قدما حتى استشهد.

فصلى عليه : رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ودعا له.

 ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: استغفروا لأخيكم جعفر فإنه شهيد ، وقد دخل الجنة، وهو يطير فيها بجناحين من ياقوت حيث شاء من الجنة.

تاريخ دمشق لابن عساكر ج72ص132ح14129.

وذكر هذا الحديث :كثير من الرواة والمؤرخين ، وقد وضع حديث سارية الجبل إزاءه ، فقد ذكر محمد بن جرير بن رستم، المسترشد في إمامة عليّ بن أبي طالب عليه السلام :

وَ يَرْوُونَ‏: أَنَّ عُمَرَ نَادَى مُنَادِيَهُ: ابْنَ زُنَيْمٍ، قَالَ: يَا سَارِيَةَ الْجَبَلِ وَ عُمَرُ بِالْمَدِينَةِ، وَ سَارِيَةُ بِفَارِسَ، فَسَمِعَ سَارِيَةُ صَوْتَ عُمَرَ، فَانْحَازَ إِلَى الْجَبَلِ!.

و إنّما وضعوا : هذا الحديث، بإزاء حديث رسول اللّه في جعفر بن‏ أبي‏ طالب‏، حين رفع له بموتة حتّى نظر إلى معترك جعفر ابن أبي طالب، ثمّ نعى جعفر إلى النّاس، و أخبرهم أنّه أصيب، و أصيب بعده زيد بن حارثه، و أصيب بعد زيد عبد اللّه بن رواحة رضي اللّه عنهم.

فأرادوا : مضاهاة رسول اللّه، بل أرادوا تفضيله على رسول اللّه (ص)، فإن كان عمر قوى إلى إسماع سارية، لقد قوى سارية، على إجابة عمر، و ما أعلم أحدا من أهل العقل و المعرفة يفكّر في مثل هذا القول، إلّا صرف القول فيه إلى الكفر باللّه، و اللّه المستعان.

المسترشد في إمامة علي بن أبي طالب عليه السلام ص551ح232. وروا ابن كثير حديث السارية ابن كثير في البداية والنهاية ج 10ص174 ورد الحديث الكثير من أهل العلم ، وبالخصوص تجد رده مفصلا في أسئلة وأجوبة في موقع مركز البحوث العقائدية وغيره .

 

النبي ثُكل بجعفر :

عن الثعالبي قال: قوله صلّى اللّه عليه (وآله) وسلّم: إذا رأى عليا رضي اللّه‏.

ويروى عنه صلّى اللّه عليه (وآله) وسلّم : أنه كان إذا رأى‏ عليا رضي اللّه عنه بعد غزوة مؤتة ، يقول :

« اللهم إنك أثكلتني : بعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب‏ يوم بدر، و حمزة يوم أحد، و جعفر يوم مؤتة .

و هذا علي : ف { رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89) } الأنبياء.

2- 77- 1

 الاقتباس من القرآن الكريم للثعالبي المتوفى سنة 429 ه ‏ج‏1ص142 ، وقال المحقق في الهامش ، في الأصل: يزيد بن الحارث بن عبد المطلب ، و الصواب ما هو مثبت أعلاه ، و هو عبيدة بن الحارث بن المطلب من أبطال قريش في الجاهلية و الإسلام ، أسلم قبل أن يدخل النبي صلّى اللّه عليه و سلّم دار الأرقم ، و عقد له النبي صلّى اللّه عليه و سلّم ثاني لواء عقده بعد أن قدم المدينة ، و قتل في معركة بدر سنة 2 ه. أنظر سيرة ابن هشام ج2ص625.

 

النبي يعزي آل جعفر :

عن البرقي بسنده : عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام قال:

لَمَّا قُتِلَ جَعْفَرُ بْنُ‏ أَبِي‏ طَالِبٍ‏ : أمر رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة عليها السلام ، أن تتخذ طعاما لِأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ ثلاثة أيام ، و تأتيها و تسليها ثلاثة أيام فجرت بذلك السنة أن يصنع لأهل المصيبة ثلاثة أيام طعام‏ .

المحاسن ج2ص419ح191. ومثله في الكافي ج3ص217ح1 باب ما يجب على الجيران لأهل المصيبة و اتخاذ المأتم .

وعن البرقي بسنده : عن حفص بن البختري عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لَمَّا قُتِلَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة عليها السلام أن تأتي ، أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ ، هي و نساؤها ، و تقيم عندها ثلاثة و تصنع لها طعاما ثلاثة أيام‏.

المحاسن ج2ص419ح192.

وبسند الأشعث : عن جعفر بن محمد عن أبيه عن عبد الله بن جعفر قال: لما جاء نعي جعفر ، قال رسول الله :

 أصْنَعُوا : لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَاماً ، فَقَدْ أَتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ أَوْ أَمْرٌ يَشْغَلُهُمْ.

الجعفريات ص211ج14.

وعن أبي عبد الله البرقي عن حماد بن عيسى عن مرازم قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول‏ : لما قتل جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ ، فمسح على رأس ابنها.

 فقالت : يا رسول الله أ حدث في أبيه حدث ؟

فقال صلى الله عليه وآله وسلم : نَعَمْ اسْتَشْهَدَ اللَّهُ جَعْفَراً ، وَ جَعَلَ لَهُ جَنَاحَيْنِ مِنْ يَاقُوتٍ يَطِيرُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ فِي الْجَنَّة.

فقالت : يا رسول الله اذكر هذا للناس ، و كانت موفقة .

فخرج رسول الله : فصعد المنبر فأعلم الناس ذلك .

ثم نزل فدخل فقال : أجعلوا لأهل جعفر طعاما ، فجرت السنة إلى اليوم‏ .

المحاسن ج2ص419ح193.

 

وقال اليعقوبي : قالت أسماء بنت عميس الخثعمية ، وكانت امرأة جعفر وأم ولده جميعا : دخل علي رسول الله ، ويدي في عجين .

فقال : يا أسماء أين ولدك ؟

فأتيته : بعبدالله ومحمد وعون ، فأجلسهم جميعا في حجره وضمهم إليه ومسح على رؤوسهم ودمعت عيناه .

 فقلت : بأبي وأمي أنت يا رسول الله ! لم تفعل بولدي كما تفعل بالأيتام ؟ لعله بلغك عن جعفر شيء ؟

 فغلبته العبرة وقال : رحم الله جعفرا !

فصحت : وا ويلاه واسيداه !

فقال : لا تدعي بويل ولا حرب ، وكل ما قلت فأنت صادقة .

 فصحت : وا جعفراه !

وسمعت صوتي : فاطمة بنت رسول الله.

فجاءت وهي تصيح : وابن عماه !

فخرج رسول الله : يجر رداءه ، ما يملك عبرته .

 وهو يقول : على جعفر فلتبك البواكي .

ثم قال : يا فاطمة اصنعي لعيال جعفر طعاما فإنهم في شغل .

 فصنعت فاطمة : لهم طعاما ثلاثة أيام ، فصارت سنة في بني هاشم .

تأريخ اليعقوبي ص65.

 

وقال ابن سعد : أخبرنا سليمان بن حرب قال : حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن حميد بن هلال عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

نعى جعفرا وزيدا : نعاهما من قبل أن يجيء خبرهما . نعاهما وعيناه تذرفان.

 

وقال : أخبرنا محمد بن عبيد والفضل بن دكين قالا : حدثنا زكريا بن أبي زائدة عن عامر قال : قتل جعفر بن أبي طالب بالبلقاء يوم مؤتة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

 اللهم : أخلف جعفرا في أهله .

 قال محمد بن عبيد : بخير ما خلفت عبدا من عبادك الصالحين .

وقال الفضل بن دكين : كأفضل ما خلفت عبدا من عبادك الصالحين .

الطبقات الكبرى طبع دار الكتب العلمية ج٤ص٢٩.

وعن عامر الشعبي قال:

أصيب جعفر بن أبي طالب : بالبلقاء يوم مؤتة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

اللهم: أخلف جعفرا في أهله، كأفضل ما خلّفت عبدا من عبادك الصالحين.

تاريخ دمشق لابن عساكر ج72ص135ح14135.

 

ويا طيب : الأحاديث كثيرة في تعزية النبي الأكرم لآل جعفر بعد شهادته ، وسيأتي قسم منها في حياة عبد الله بن جعفر ، حيث يحكي تفاصيل كريمة أخرى عن كيفية تعزية النبي لهم واهتمامه بهم .

 

النبي يأمر بالطعام لآل جعفر :

يا طيب : ذكرنا في أغلب المواضيع بعد شهادة السيد الجليل جعفر بن أبي طالب عليه السلام ، وبالخصوص في موضوع تعزية النبي الأكرم لآل جعفر وأسماء بنت عميش ، أن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، أمر بالطعام لآل جعفر لمدة ثلاثة أيام ، وهذه السنة المستحبة مؤكدة عند العامة والخاصة ، وأساس الفتوى الشرعية هو أحاديث ما أمر به النبي الأكرم لآل جعفر من الطعام.

 ولكون سنة إطعام أهل الميت : ثلاثة أيام ، كراهة الأكل عندهم ، مورد ابتلاء الكل ، نذكرها هنا منفردة لنعرف سنة الله ورسوله التي يلطف بها في مواساة عباده المفجوعين بميت لهم ، وأنه يكره مؤكدا الأكل عندهم ويستحب جدا تسليتهم وتعزيته ، وصنع الطعام وإرساله لهم أو مع الأكل معهم من طعام يصنعه ممن هو من أرحام الميت في طبقة ثانية أو ثالثة أو من الأصدقاء والجيران ومن له صلة معرفة بهم ، هذا وقد جاء بالفتوى :

فصل في المستحبات قبل الدفن وحينه وبعده :

التاسع والعشرون : إرسال الطعام إلى أهل الميت ثلاثة أيام ، ويكره الأكل عندهم، وفي خبر أنه عمل أهل الجاهلية.

تعليقة على العروة الوثقى للسيد علي السيستاني ج١ص ٣٤٨.

أي الأكل : عند أهل الميت من طعامهم من عمل الجاهلية .

وقال الصادق عليه السلام:‏ الْأَكْلُ عِنْدَ أَهْلِ الْمُصِيبَةِ مِنْ عَمَلِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ.

وَ السُّنَّةُ : الْبَعْثُ إِلَيْهِمْ بِالطَّعَامِ كَمَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ، فِي آلِ جَعْفَرِ بْنِ‏ أَبِي‏ طَالِبٍ‏ لَمَّا جَاءَ نَعْيُهُ.

 من لا يحضره الفقيه ج1ص182ح548 باب التعزية و الجزع عند المصيبة و زيارة القبور و النوح و المأتم .

وذكر البرقي : عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام قال:

 لَمَّا قُتِلَ : جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ فَاطِمَةَ أَنْ تَتَّخِذَ طَعَاماً لِأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، وَ تَأْتِيَهَا وَ تُسَلِّيَهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، فَجَرَتْ بِذَلِكَ السُّنَّةُ ، أَنْ يُصْنَعَ لِأَهْلِ الْمُصِيبَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ طَعَامٌ‏.

المحاسن ج2ص419ب25 باب الإطعام في المأتم ح191. الكافي ج3ص217ح1.

ويا طيب : عقد الحر العاملي رحمه الله في وسائل الشيعة ج3ص235ب67 فيه عدة أحاديث في بَابُ اسْتِحْبَابِ اتِّخَاذِ الطَّعَامِ لِأَهْلِ الْمُصِيبَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَ الْبَعْثِ بِهِ إِلَيْهِمْ وَ كَرَاهَةِ الْأَكْلِ عِنْدَهُمْ‏ ، فروى عدة أحاديث منها .

وسائل الشيعة ج3ص237ح3505-7.

 عن مرازم قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول‏ : لما قتل جعفر بن أبي طالب دخل رسول الله على أسماء بنت عميس إلى أن قال : فَقَالَ : أجْعَلُوا لِأَهْلِ جَعْفَرٍ طَعَاماً فَجَرَتِ السُّنَّةُ إِلَى الْيَوْمِ.

و عن حفص بن البختري عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما قتل جعفر بن أبي طالب أمر رسول الله ص فاطمة عليها السلام ، أَنْ تَأْتِيَ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ هِيَ وَ نِسَاؤُهَا ، وَ تُقِيمَ عِنْدَهَا ، وَ تَصْنَعَ لَهَا طَعَاماً ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.

وسائل الشيعة ج3ص237ح3505-7.

ويا طيب: مرت أحاديث مشابهة ضمن تعزية النبي الأكرم لآل جعفر فراجع.

 

رثاء جعفر بعد الشهادة :

يا طيب : ذكرنا في قصة غزوة مؤتة بعض الشعر في جعفر عليه السلام ، في موضوع أنه وهو المقدم لقيادة الجيش وأنه صاحب اللواء الأول ، وهنا نذكر قصائد ترثيه وترثي من معه :

ذكر بن هشام في السيرة :

شعر كعب بن مالك في غزوة مؤتة :

نام العيون ودمع عينك يهمل
سحا وكف الطباب المخضل
في ليلة وردت علي همومها
طورا أحن وتارة أتململ
وأعتادني حزن فبت كأنني
ببنات نعش والسماك موكل
وكأنما بين الجوانح والحشى
مما تأوبني شهاب مدخل
وجدا على النفر الذين تتابعوا
يوما بمؤتة أسندوا لم ينقلوا
صلى ا لإله عليهم من فتية
وسقى عظامهم الغمام المسبل
صبروا بمؤتة للإله نفوسهم
حذر الردى ومخافة أن ينكلوا
فمضوا أمام المسلمين كأنهم
فنق عليهن الحديد المرفل
إذ يهتدون بجعفر ولوائه
قدام أولهم فنعم الأول
حتى تفرجت الصفوف وجعفر
حيث التقى وعث الصفوف مجدل
فتغير القمر المنير لفقده
والشمس قد كسفت وكادت تأفل
قرم علا بنيانه من هاشم
فرعا أشم وسؤددا ما ينقل
قوم بهم عصم الإله عباده
وعليهم نزل الكتاب المنزل
فضلوا المعاشر عزة وتكرما
وتغمدت أحلامهم من يجهل
لا يطلقون إلى السفاه حباهم
ويرى خطيبهم بحق يفصل
بيض الوجوه ترى بطون أكفهم
تندى إذا اعتذر الزمان الممحل
يهديهم رضي الإله لخلقه
وبجدهم نصر النبي المرسل

سيرة بن هشام ج5ص35 وطبعة أخرى ج2ص387بترتيب الشاملة . وكف العين : قطرات الدمع السائلة قطرة قطرة ، و الطباب ثقب في خرز المزادة التي يجعل فيها الماء وقد يجمع فيه الماء فيقطر وبالخصوص إن أخضل وبل وندى ، الممحل: من المحل و هو الشدة و القحط و كلب الزمان و الجدب‏ .

 

وقال بن هشام : حسان يبكي جعفرا بعد غزوة مؤتة :

وقال حسان بن ثابت يبكي جعفر بن أبي طالب رضى الله عنه :

ولقد بكيت وعز مهلك جعفر
حب النبي على البرية كلها
ولقد جزعت وقلت حين نعيت
ليمن للجلاد لدى العقاب وظلها
بالبيض حين تسل من أغمادها
ضربا وإنهال الرماح وعلها
بعد ابن فاطمة المبارك جعفر
خير البرية كلها وأجلها
رزءا وأكرمها جميعا محتدا
وأعزها متظلما وأذلها
للحق حين ينوب غير تنحل
كذبا وأنداها يدا وأقلها
فحشا وأكثرها إذا ما يجتدى
فضلا وأبذلها ندى وأبلها
بالعرف غير محمد لا مثله
حي من أحياء البرية كلها

سيرة بن هشام ج5ص36 وطبعة أخرى ج2ص387 بترتيب الشاملة ، ديوان حسان بن ثابت الأنصاري ج١ص٣٢٣رقم163. والقصيدة أيضا في السيرة ج2ص800 رقم 386 والروض ج2ص262 ..

 

وقال بن هشام : حسان يبكي زيد بن حارثة وعبدالله بن رواحة بعد مؤتة :

وقال حسان بن ثابت في يوم مؤتة يبكي زيد بن حارثة وعبدالله بن رواحة :

عين جودي بدمعك المنزور
وأذكري في الرخاء أهل القبور
واذكري مؤتة وما كان فيها
يوم راحوا في وقعة التغوير
حين راحوا وغادروا ثم زيدا
نعم مأوى الضريك والمأسور
حب خير الأنام طرا جميعا
سيد الناس حبه في الصدور
ذاكم أحمد الذي لا سواه
ذاك حزني له معا وسروري
إن زيدا قد كان منا بأمر
ليس أمر المكذب المغرور
ثم جودي للخزرجي بدمع
سيدا كان ثم غير نزور
قد أتانا من قتلهم ما كفانا
فبحزن نبيت غير سرور

سيرة بن هشام ج5ص38 بترتيب الشاملة .

 

وقال بن هشام : قول أحد الشعراء بعد رجوعه من مؤتة :

وقال شاعر من المسلمين ممن رجع من غزوة مؤتة :

كفى حزنا أني رجعت وجعفر
وزيد وعبدالله في رمس أقبر
قضوا نحبهم لما مضوا لسبيلهم
وخلفت للبلوى مع المتغبر
ثلاثة رهط قدموا فتقدموا
إلى ورد مكروه من الموت أحمر

سيرة بن هشام ج5ص40 بترتيب الشاملة .

 

يا طيب : وهذه قصيدة نعي كتبتها من صوت الخطيب الشيخ حسين آل إسماعيل ألقها في مجلس له في حسينية مسلم بن عقيل عليه السلام في سنة 1446 ه بمناسبة شهادة جعفر بن أبي طالب عليه السلام ، فقال بعد هذه المقدمة : صلى الله وسلم عليكم يا رسول يا حبيب الله يا خير خلق الله وعلى آلك المعصومين المظلومين ، ولعن الله الظالمين لكم والغاصبين لحقكم ،ما خاب من تمسك بكم وآمن ملجئ لحصنكم يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزا عظيما :

أبكي لجعفر والدموع بوادي
من مقلتي والهم ملئ فؤادي
بطل إذ الأبطال تعلم أنه
درع حصين للنبي الهادي
لم أنسه في يوم مؤتة باذلا
نفسا سمت للعز والأمجاد
ما زال في حرب العدو مجاهدا
أهل الضلال وزمرة الإلحاد
فأصابه تسعون جرحا فاتكا
فهوى كما تهوي ذرى الأطواد
فبكى عليه المصطفى بشجونه
لما هوى فوق الثرى ملقى على الأوهاد

 

جعفر وكع فوك الثرى متخضب بدم
يبجي عليه المصطفى ولأجله يجر ونه
هلو الدمع مدرار لمصيبة الطيار
جبريل راواه مصرعه وصعد الأنفاس
لكن ما رئى جثه بليه راس
جبريل راوه مصرعه بلى كفين

الله يعين المرتضى لحالة عضيده
دمعه يهله المرتضه ويصفك على أيده
هلو الدمع مدرار لمصيبة الطيار

غزوة تبوك بعد مؤته :

يا طيب : نذكر هذا الموضوع لغزوة تبوك لأنه ذكر اليعقوبي خرج النبي صلى الله عليه وآله يطلب بدم جعفر ، وفيه ذكروا له ، وفي هذه الغزوة لم يجد النبي جيش للنصارى فلم تقع حرب ، ومن لاقاهم من النصارى جاؤوا فصالحوه على الجزية ، فتدبر قصة غزوة تبوك :

ذكر اليعقوبي : وغزاة تبوك :

 سار رسول الله : في جمع كثير إلى تبوك من أرض الشأم يطلب بدم جعفر بن أبي طالب .

ووجه إلى رؤساء : القبائل والعشائر يستنفرهم ويرغبهم في الجهاد ، وحض رسول الله أهل الغنى على النفقة ، فأنفقوا نفقات كثيرة وقووا الضعفاء .

 وقال رسول الله : أفضل الصدقة جهد المقل .

فأتاه البكاؤون : يستحملونه ، وهم : هرمى بن عبدالله من بني عمرو بن عوف وسالم بن عمير وعمرو بن الحمام و عبدالرحمن بن كعب وصخر بن سلمان. فقال : ما أجد ما أحملكم عليه .

وأتاه قوم : من الأغنياء فاستأذنوه ، وقالوا : دعنا نكن مع من تخلف .

 فقال الله تعالى : { رضوا بأن يكونوا مع الخوالف } وهم : الجد بن قيس ومجمع بن جارية وخدام بن خالد . فأذن لهم رسول الله ، فقال الله ، عزوجل : { عفا الله عنك لم أذنت لهم } .

وخرج رسول الله : غرة رجب سنة 9 واستخلف عليا على المدينة ، واستعمل الزبير على راية المهاجرين وطلحة على الميمنة و عبدالرحمن بن عوف على الميسرة ـ

وخرج : النساء والصبيان يودعونه عند الثنية ، فسماها ثنية الوداع .

وسار رسول الله : فأصاب الناس عطش شديد ، فقالوا : يا رسول الله لو دعوت الله لسقانا ، فدعا الله فسقاهم .

وقدم رسول الله : تبوك في شعبان فأتاه يحنة بن رؤبة أسقف أيلة ، فصالحه وأعطاه الجزية ، وكتب له كتابا .

وانصرف رسولا الله : فجلس له أصحاب العقبة لينفروا به ناقته ، فقال لحذيفة : نحهم وقل لهم : لتنحن أو لأدعونكم بأسمائكم وأسماء آبائكم وعشائركم ، فصاح بهم حذيفة .

 وكان خروجه : في رجب وانصرف في شهر رمضان وكان حذيفة يقول : إني لأعرف أسماء هم وأسماء آبائهم وقبائلهم .

تأريخ اليعقوبي ص 68.

 

<




 

روايات فيها جعفر الطيار

 

يا طيب : هذه أحاديث ورد فيها اسم جعفر الطيار ، وجاء ذكره ، لبيان أهميته وعلو مقامة بصورة غير مباشرة ، والغرض منها بيان أمر من أمور الدين وعقائده وأحكامه ، ويأتي فيها اسم جعفر الطيار لبيان أهمية ما فيها من الحكم وضرورة إجراءه وتكوينه ، فنذكر ما عثرنا عليه منها ، فتدبر :

 

ما وجد جعفر بجنة البرزخ :

عن محمّد بن الحسين، بإسناده، عن أبي علقمة قال :

 صلّى بنا : رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يوما صلاة الفجر ، فلما سلّم، التفت إلينا .

فقال : أ لا أخبركم برؤيا رأيتها البارحة في منامي ؟

قلنا : بلى يا رسول اللّه .

قال : رأيت عمي حمزة ، و ابن عمي جعفر رضوان اللّه عليهما ، و بين أيديهما طبق فيه نبق ، فأكلا منه مليّا ، ثم تحول النبق عنبا ، فأكلا منه مليا ، ثم تحول العنب رطبا ، فأكلا منه مليا .

 فقلت لهما : بأبي و أمي قد صرتما الى الآخرة و عملتما ، فأي الأعمال في الدنيا أفضل ؟ فأخبراني أيها وجدتما أفضل ؟

فقالا : فديناك بالآباء و الأمهات :

 وجدنا أفضل الأعمال :

الصلاة عليك ، و سقي الماء ، و حب علي بن أبي طالب عليه السّلام .

شرح الأخبار ج2ص380ح737 .

وعن بن شاذان قال : بسنده عن حدثنا أبو رجاء العطار عن سمرة قال: كان النبي كلما أصبح‏ أقبل على أصحابه بوجهه يقول : هل رأى منكم أحد رؤيا ، و إن النبي أصبح ذات يوم فقال : رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ : حَمْزَةَ عَمِّي وَ جَعْفَراً ابْنَ عَمِّي، جالسين و بين أيديهما طبق من نبق و هما يأكلان منه ، فما لبث أن تحول رطبا فأكلا منه .

فقلت لهما : مَا وَجَدْتُمَا أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ فِي الْآخِرَةِ .

قَالا : الصَّلَاةُ ، وَ حُبُّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَ إِخْفَاءُ الصَّدَقَةِ.

مائة منقبة من مناقب أمير المؤمنين و الأئمة ص139 المنقبة الحادية و السبعون.

 

جعفر مع سادة الملائكة :

يا طيب : مرت كثير من الأحاديث تعرفنا أن جعفر بن أبي طالب يطير مع الملائكة ، وهذه أحاديث تبين أن له شأن النصرة وتعرف أنه مع يطير مع سادة الملائكة في الجنة ، وكذا يمر معهم في عالم الدنيا للنصرة أو لإنزال الخيرات :

عن الحسين بن عبد الله بن عبيد الله ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال بعد قتل جعفر:

لقد مر بي الليلة جعفر : يقتفي نفرا من الملائكة، له جناحان متخضبة قوادمها بالدم، يريدون بيشة، بلدا باليمن.

وعن علي عليه السلام : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:

عرفت جعفرا : في رفقة من الملائكة يبشرون أهل بيشة بالمطر.

تاريخ ابن عساكر ج72ص135ح14132.

وعن ابن عباس قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم جالس وأسماء بنت عميس قريبا منه، إذ ردّ السلام.

 قال: يا أسماء، هذا جعفر- يعني ابن أبي طالب.

مع جبريل وميكائيل

والملائكة عليهم السلام.

مرّوا فسلّموا علينا: فردّوا عليهم السلام.

 وأخبرني : أنه لقي المشركين يوم كذا وكذا، قبل ممره على رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث أو أربع ، فقال: لقيت المشركين فأصبت في جسدي من مقاديمي ثلاثة وسبعين من طعنة وضربة، ثم أخذت اللواء بيدي اليمنى فقطعت، ثم أخذته بيدي اليسرى فقطعت.

فعوضني الله : من يدي جناحين أطير بهما

مع جبريل وميكائيل

أنزل من الجنة حيث شئت.

وآكل من ثمارها ما شئت.

 قالت أسماء: هنيئا لجعفر ما رزقه الله من الخير، لكني أخاف أن لا يصدق الناس، فاصعد المنبر فأخبر به الناس.

 فصعد المنبر : فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس

إن جعفر بن أبي طالب

مرّ مع جبريل وميكائيل وله جناحان

عوّضه الله من يديه ، فسلّم علي

 ثم أخبرهم : كيف كان أمره حيث لقي المشركين، فاستبان الناس من بعد ذلك اليوم الذي أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن جعفرا لقيهم، فلذلك سمي الطيار في الجنة.

وعن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

دخلت الجنة البارحة فنظرت

فإذا جعفر يطير على الملائكة

وإذا حمزة متكئ على سرير

 وذكر : ناسا من أصحابه.

تاريخ ابن عساكر ج72ص135ح14133.

 

 

لو كان حمزة وجعفر :

يا طيب : هذا حديث كريم يبين قوة وشجاعة وشهامة وعزة وجهاد ونصرة جعفر لدين الله ونصر هداه الحق ، واستماتته في الجهاد في سبيل الله وإعلاء كلمته ، ويعرفنا مقامه الكريم في أهل البيت عليهم السلام ، فتدبره تعرف ما ذكرنا ، عن الكليني بسنده : عن عبد الله بن مسكان عن سدير :

قال: كنا عند أبي جعفر الإمام الباقر عليه السلام ، فَذَكَرْنَا مَا أَحْدَثَ النَّاسُ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ ، و استذلالهم أمير المؤمنين .

 فقال رجل من القوم : أصلحك الله ، فأين كان عز بني هاشم ، و ما كانوا فيه من العدد؟

 فقال أبو جعفر عليه السلام : وَ مَنْ كَانَ بَقِيَ مِنْ‏ بَنِي هَاشِمٍ؟

 إِنَّمَا كَانَ جَعْفَرٌ وَ حَمْزَةُ فَمَضَيَا .

وَ بَقِيَ مَعَهُ : رجلان ضعيفان ذليلان حديثا عهد بالإسلام ، عباس و عقيل، و كانا من الطلقاء .

أَمَا وَ اللَّهِ : لَوْ أَنَّ حَمْزَةَ وَ جَعْفَراً كَانَا بِحَضْرَتِهِمَا .

مَا وَصَلَا : إِلَى مَا وَصَلَا إِلَيْهِ.

وَ لَوْ كَانَا : شَاهِدَيْهِمَا ، لَأَتْلَفَا نَفْسَيْهِمَا .

الكافي ج8ص189ح216.

يا طيب : إن عقيل والعباس أسرى في بدر واطلق سراحهم بفدية ، كما أنهم أظهروا إسلامهم في فتح مكة ، ولم يكن لهم همة قيادة وشجاعة حرب ومقارعة الأقران ، وكانوا من عزمهم وهمم كعموم الناس ، وأما حمزة وجعفر فكانت لهم همم عالية في القيادة والوجاهة في سيادة الناس ، ويكفي أنهم أول من أسلموا ونصروا النبي الأكرم ، وراجع صحيفة حمزة عليه السلام ، وهذه أيضا صحيفة جعفر تبين قدرته في الكلام وقوته وشجاعته في مواجهة الأقران .

وأما قوله لأتلفا نفسيهما : أي أتلفها خصميهما صنما قريش الأول والثاني ، لأنه الحديث عنهما لو كان حمزة وجعفر شاهدا موقف يوم السقيفة وأنهم يسلبون الخلافة لرسول الله لما مكنوهم ولأتلفوهم لو أصروا على العناد لأمير المؤمنين عليه السلام ، ويؤيد هذا أحاديث كثيرة ، منها معرفة حمزة وجعفر لولاية علي وإقرارهم له ، كما هم يعرفون فضله في بيعة يوم الدار وغيرها الكثير .

 

جعفر خير الأعمام :

وذكر الخزاز الرازي رحمه الله قال : بسنده عن زيد بن ثابت قال : قال رسول الله : معاشر الناس أ لا أدلكم على خير الناس جدا و جدة ، قلنا : بلى يا رسول الله . قال : الحسن و الحسين أنا جدهما و جدتهما خديجة سيدة نساء أهل الجنة .

قال : أ لا أدلكم على خير الناس أبا و أما ؟ قلنا : بلى يا رسول الله .

قال الحسن و الحسين أبوهما علي بن أبي طالب و أمهما فاطمة سيدة نساء العالمين .

أَ لَا أَدُلُّكُمْ : عَلَى خَيْرِ النَّاسِ عَمّاً وَ عَمَّةً ؟ قُلْنَا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ .

قَالَ " الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ .

عَمُّهُمَا : جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَ عَمَّتُهُمَا أُمُّ هَانِي بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ .

أيها الناس : أ لا أدلكم على خير الناس خالا و خالة ؟ قلنا : بلى يا رسول الله قال الحسن و الحسين ، خالهما القاسم بن رسول الله و خالتهما زينب بنت رسول الله .

ثُمَّ قَالَ : عَلَى قَاتِلِهِمَا لَعْنَةُ اللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ .

وَ إِنَّهُ لَيَخْرُجُ مِنْ صُلْبِ الْحُسَيْنِ : أئمة أبرار أمناء معصومون قوامون بالقسط ، و منا مهدي هذه الأمة الذي يصلي عيسى ابن مريم خلفه .

قلنا : من يا رسول الله ؟ قال : هو التاسع من صلب الحسين تسعة من صلب الحسين أئمة أبرار ، و التاسع مهديهم يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما ، و هذا زيد بن ثابت روى عنه القاسم بن حسان و أبو الطفيل.كفاية الأثر في النص على الأئمة الإثني عشر ص98.

إمارة جعفر لمؤته دليل الولاية :

يا طيب : في حديث استفزاز معاوية لعبد الله بن جعفر حين زار المدينة في السنة الثانية لحكومته ، في حديث طويل فيه كثير من أدلة الإمامة والولاية لآل البيت بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، قال بن عباس رحمه الله في جواب سؤاله بعد بيان عبد الله بن جعفر رحمه الله بعد بيان أدلة في الولاية وسيأتي الحديث بتمامه في حياته ورواياته عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :..

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ: فأقبل معاوية على الحسن و الحسين و ابن عباس و الفضل بن عباس و عمر بن أبي سلمة و أسامة بن زيد .

فقال معاوية: كلكم على ما قال ابن جعفر ، فقالوا : نعم .

قال : يا بني عبد المطلب ، إنكم لتدعون أمرا عظيما ، و تحتجون بحجج‏ قوية ، إن كانت حقا و إنكم لتضمرون‏ على أمر تسرونه ، و الناس عنه في غفلة عمياء ، و لئن كان ما تقولون حقا ، لقد هلكت الأمة و ارتدت عن دينها و تركت عهد نبينا ، غيركم أهل البيت و من قال بقولكم ، فأولئك في الناس قليل‏.

فَأَقْبَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ : على معاوية ، فقال : بيان طويل في بيان أحقية الولاية لأهل البيت ثم قال : ......

يَا مُعَاوِيَةُ : أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ، حِينَ بَعَثَ إِلَى مُؤْتَةَ أَمَّرَ عَلَيْهِمْ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ.

 ثُمَّ قَالَ : إِنْ هَلَكَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، فَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ ، فَإِنْ هَلَكَ زَيْدٌ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ .

وَ لَمْ يَرْضَ لَهُمْ : أَنْ يَخْتَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ ، أَ فَكَانَ يَتْرُكُ أُمَّتَهُ لَا يُبَيِّنُ لَهُمْ خَلِيفَتَهُ فِيهِمْ .

بَلَى وَ اللَّهِ : ما تركهم في عمياء و لا شبهة ، بل ركب القوم ما ركبوا بعد البينة ، و كذبوا على رسول الله فهلكوا و هلك من شايعهم‏ ، و ضلوا و ضل من تابعهم ، فبعدا للقوم الظالمين‏ .

فقال معاوية : يا ابن عباس إنك لتتفوه بعظيم‏ ، و الاجتماع عندنا خير من الاختلاف ، و قد علمت أن الأمة لم تستقم على صاحبك.

كتاب سليم بن قيس الهلالي ج2ص834ح42. يا طيب : سيأتي تمام الحديث وجواب عبد الله بن جعفر رحمه الله في حياته .

 

المرجون لأمر الله :

يا طيب : هذا الحديث يبين أهمية التوبة والتوحيد والدخول في الإسلام ، وهو شامل لكل المسلمين ، وهو في حين بيان للرجاء فيه بيان للخوف من أمر الله تعالى وضرورة إخلاص الإيمان بالله تعالى ، ويبين أمرا مهما للمرجوين لأمر الله تعالى فتدبر :

في الكافي : عن زرارة عن أبي جعفر الباقر عليه السلام: في قول الله عز و جل : { وَ آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ‏ } .

 قال عليه السلام : قوم كانوا مشركين فَقَتَلُوا مِثْلَ حَمْزَةَ وَ جَعْفَرٍ وَ أَشْبَاهَهُمَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.

 ثُمَّ إِنَّهُمْ : دخلوا في الإسلام فوحدوا الله و تركوا الشرك ، و لم يعرفوا الإيمان بقلوبهم ، فيكونوا من المؤمنين فتجب لهم الجنة ، و لم يكونوا على جحودهم فيكفروا فتجب لهم النار .

فَهُمْ : عَلَى تِلْكَ الْحَالِ‏، إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَ إِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ‏.

الكافي ج2ص407باب المرجون لأمر الله ح1. ومثله ح2 ، ورواه الكثير غيرهم. ويا طيب : تمام الآيات هي قوله تعالى : { أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104) وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (105) وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (106)} لتوبة ، ويا طيب : مع عظم المثال ولكن الله غفور رحيم لمن يتوب إلى الله ويندم على ما فعل ، ويترك المعصية منيبا إليه بالطاعة ، ويستغفره لتحط ذنوبه ، ولا يبقى مسوف متأرجح لم يعتني بأمر الدين ويطبقه بكل ما أوجب وأراد ، وتكرار التوبة بكل إيمان وطلب العفو من الله في كل حين ، مقرا لله بالندم مستغفرا مما كان منه ليتوب الله عليه ويخرج من تأخير قبول التوبة وليكون مع المؤمنين

 

الذين أخرجوا من ديارهم :

يا طيب : ذكر في هذا الحديث أكرم وأعلى فرد ومصداق تنطبق عليه هذه الآية الكريمة ، ومن ثم جرت في جميع المؤمنين ، وكل من أكره على الهجرة في سبيل الله تعالى .

 الكليني بسنده : عن سلام بن المستنير، عن أبي جعفر عليه السلام:‏ في قول الله تبارك و تعالى : { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ‏ بِغَيْرِ حَقٍ‏ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ‏ }

قَالَ عليه السلام : نَزَلَتْ فِي رَسُولِ اللَّهِ وَ عَلِيٍّ وَ حَمْزَةَ وَ جَعْفَرٍ صلى الله عليهم وسلم ، وَ جَرَتْ فِي الْحُسَيْنِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ .

الكافي ج8ص338ح534. وتمام الآيات في قوله تعالى : { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) } الحج . ويا طيب : وفسرت هذه الآية بما ذكرنا في عدة مصادر أخرى متقاربة المعنى في بيان أعلى مصداق وفرد لمن هاجر في سبيل الله لما أجبرهم الظالمين ، وأعلاهم منزلة ومقاما هم من ذكروا في الحديث ثم من تبعهم من المؤمنين .

تكريم المؤمن تكريما لجعفر :

يا طيب : من قصة منح الصلاة التسابيح لجعفر حين قدومه من الحبشة في خيبر ، نستفيد بعض الأحكام وألطفها الإسلامية ، وهي الترحيب بالمؤمنين ومعانقتهم والتزامهم ومصافحتهم ، وهذا خلق عظيم وأدبا من آداب الإسلام كريم ، وقد ذكر الشهيد الأول رحمه الله : بسنده عن ابن بسطام قال: كنت عند أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام‏ فأتى رجل فقال:

جعلت فداك : إني رجل من أهل الجبل و ربما لقيت رجلا من إخواني، فالتزمته‏ فيعيب‏ علي بعض الناس و يقولون: هذا من فعل الأعاجم و أهل الشرك.

فقال عليه السلام: وَ لِمَ ذَاكَ؟ فَقَدِ الْتَزَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ جَعْفَراً وَ قَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ.

فقال له الرجل: كيف هذا؟

فَقَالَ: إِنَّهُ يَوْمَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ، أَتَاهُ بَشِيرٌ، فَقَالَ: هَذَا جَعْفَرٌ قَدْ جَاءَ.

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ: وَ بِأَيِّهِمَا أَنَا أَشَدُّ فَرَحاً، بِقُدُومِ جَعْفَرٍ، أَوْ بِفَتْحِ خَيْبَرَ؟ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ قَدِمَ جَعْفَرٌ، فَالْتَزَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ قَبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَ جَلَسَ النَّاسُ كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِمُ الطَّيْرُ.

فقال رسول الله صلى الله عليه و آله ابتداء منه: يَا جَعْفَرُ. قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.

فَقَالَ: أَ لَا أَمْنَحُكَ؟ أَ لَا أَحْبُوكَ؟ أَ لَا أُعْطِيكَ؟

فَقَالَ لَهُ‏ جَعْفَرٌ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قال: و ظن الناس أنه سيعطيه ذهبا أو فضة فقال: إني أعطيك شيئا إن أنت‏ صنعته كل يوم كان خيرا لك من الدنيا و ما فيها، و إن أنت صنعته بين كل يومين غفر لك ما بينهما أو كل جمعة، أو كل شهر، أو كل سنة، غفر لك ما بينهما. قال: ثم قال:

صَلِّ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ : تُكَبِّرُ ثُمَّ تَقْرَأُ، فَإِذَا فَرَغْتَ ، قُلْتَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ اللَّهُ أَكْبَرُ «خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً» فَإِذَا رَكَعْتَ قُلْتَهَا عَشْراً، فَإِذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ قُلْتَهَا «4» عَشْراً، فَإِذَا سَجَدْتَ قُلْتَهَا عَشْراً، وَ إِذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ قُلْتَهَا عَشْراً، وَ إِذَا سَجَدْتَ قُلْتَهَا عَشْراً، وَ إِذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ قُلْتَهَا عَشْراً وَ أَنْتَ قَاعِدٌ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ، فَذَلِكَ خَمْسٌ وَ سَبْعُونَ تَسْبِيحَةً فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، فَذَلِكَ ثَلَاثُمِائَةِ تَسْبِيحَةٍ فِي أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ أَلْفٌ وَ مِائَتَا تَسْبِيحَةٍ....

الأربعون حديثا ص52ح23. ، وعنه في بحار الأنوار ج88ص 208ب2ح12 فضل صلاة جعفر بن أبي طالب وصفتها و أحكامها . و في بحار الأنوار ج73ص43ح47ب 100 المصافحة و المعانقة و التقبيل ذكر أول الحديث .

 

وذكر بن عساكر : قال علي بن يونس المديني: كنت جالسا في مسجد مالك بن أنس، حتى إذا استأذن عليه سفيان بن عينية ، قال مالك: رجل صالح وصاحب سنة، أدخلوه.

 فلما دخل، سلّم ثم قال: السلام خاص وعام، السلام عليك أبا عبد الله ورحمة الله وبركاته. فقال له مالك: وعليك السلام أبا محمد ورحمة الله وبركاته، وقام إليه وصافحه ، وقال: لولا أنه بدعة لعانقتك.

قال سفيان: قد عانق من هو خير مني من هو خير مني ومنك.

فقال له مالك: النبي صلى الله عليه وسلم جعفرا؟ قال له سفيان: نعم.

 فقال مالك: ذاك حديث خاص ليس بعام. فقال له: ما عم جعفرا يعمّنا، وما خصّه يخصّنا، إذا كنا صالحين.

 ثم قال له سفيان: يا أبا عبد الله أتأذن لي أن أحدث في مجلسك؟ فقال له مالك: نعم.

 فقال سفيان: أكتبوا: حدثنا عبد الله بن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس :

أن جعفر بن أبي طالب : لما قدم من أرض الحبشة، تلقاه النبي صلى الله عليه وسلم واعتنقه، وقبّل ما بين عينيه ، وقال: مرحبا بأشبههم بي خلقا وخلقا.

تاريخ دمشق لابن عساكر ج72ص128ح14125.

 

بيت جعفر الطيار لورثته :

يا طيب : في هذا الحديث الذي يبين بعض مخالفات من أستولى على الحكومة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ، وعمل برأيه مخالفا لسنة رسول الله ، وهي مخالفات كثير ذكرها الإمام علي عليه السلام ، ومنها أنهم ظاهرا استولوا على بيت جعفر الطيار عليه السلام وألحقوه بالمسجد بدون رضا أهله وورثته .

يا طيب : وإن بيت جعفر عليه السلام قرب بيوت النبي الأكرم عند المسجد النبوي ، وقد قال ابن الأثير : ولما هاجر إِلَى الحبشة أقام بها عند النجاشي إِلَى أن قدم عَلَى رَسُول اللَّهِ حين فتح خيبر، فتلقاه رَسُول اللَّهِ واعتنقه، وقبل بين عينيه. وقال: ما أدري بأيهما أنا أشد فرحًا، بقدوم جَعْفَر أم بفتح خيبر؟

 وأنزله رَسُول اللَّهِ : إِلَى جنب المسجد.

كتاب أسد الغابة ج2ص541ر759.

قال سليم بن قيس: سمعت أبا الحسن عليه السلام يحدثني و يقول‏: إن النبي صلى الله عليه وآله قال‏: منهومان لا يشبعان منهوم في الدنيا لا يشبع منها، و منهوم في العلم لا يشبع منه ، .... والحديث طويل إلى قال عليه السلام :

فقال عليه السلام : و الله لقد عملت الأئمة قبلي بأمور عظيمة خالفت فيها رسول الله متعمدين ، لو حملت الناس على تركها و تحويلها عن موضعها إلى ما كانت تجري عليه على عهد رسول الله ، لتفرق عني جندي حتى لا يبقى في عسكري غيري و قليل من شيعتي الذين إنما عرفوا فضلي‏ و إمامتي من كتاب الله و سنة نبيه لا من غيرهما .

أ رأيتم: لو أمرت بمقام إبراهيم عليه السلام فرددته إلى المكان الذي وضعه فيه رسول الله ، و رددت فدك إلى ورثة فاطمة عليها السلام ، و رددت صاع رسول الله ص و مده إلى ما كان .

وَ أَمْضَيْتُ : قَطَائِعَ أَقْطَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ لِأَهْلِهَا .

 وَ رَدَدْتُ : دَارَ جَعْفَرِ بْنِ‏ أَبِي‏ طَالِبٍ‏ إِلَى وَرَثَتِهِ وَ هَدَمْتُهَا مِنَ الْمَسْجِدِ ، وَ رَدَدْتُ قَضَايَا مَنْ قَضَى مَنْ كَانَ قَبْلِي‏ بِجَوْرٍ .....

كتاب سليم بن قيس الهلالي ج2ص718ح18.

 

عمارة بكفالة جعفر وأسماء :

يا طيب : مر الحديث بأسلوب وبيان آخر في فضائل جعفر عليه السلام ، ونذكره هنا بأسلوب وتفصيل آخر ، في قصة كفالة جعفر لعمارة بنت حمزة ابن عبد المطلب عليه السلام ، وأمها سلمى بنت عميس أخت أسماء بنت عميس وهي زوجة جعفر بن أبي طالب خالتها ، فحكم النبي بكفالتها لهم ، وقد عرفت القصة وهنا نبينها بحديث عن بن عباس رحمه الله :

ذكر أبن سعد : أخبرنا سفيان بن عيينة وإسماعيل بن إبراهيم الأسدي عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب قال: قال علي لرسول الله: ألا تزوج ابنة عمك حمزة فإنها، قال سفيان : أجمل، وقال إسماعيل : أحسن فتاة في قريش؟ فقال: يا علي أما علمت أن حمزة أخي من الرضاعة ، وأن الله حرم من الرضاعة ما حرم من النسب؟

أخبرنا : محمد بن عمر، حدثني بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن بن عباس قال:

 إن عمارة بنت حمزة بن عبد المطلب : وأمها سلمى بنت عميس كانت بمكة، فلما قدم رسول الله كلم علي النبي ، فقال: علام تترك ابنة عمنا يتيمة بين ظهري المشركين؟ فلم ينهه النبي، صلى الله عليه وسلم، عن إخراجها فخرج بها.

 فتكلم : زيد بن حارثة، وكان وصي حمزة ، وكان النبي، صلى الله عليه وآله سلم، آخى بينهما حين آخى بين المهاجرين، فقال: أنا أحق بها ابنة أخي.

 فلما سمع بذلك جعفر بن أبي طالب قال: الخالة والدة ، وأنا أحق بها لمكان خالتها عندي أسماء بنت عميس.

 فقال علي: ألا أراكم تختصمون في ابنة عمي ، وأنا أخرجتها من بين أظهر المشركين ، وليس لكم إليها نسب دوني ، وأنا أحق بها منكم.

فقال: رسول الله، صلى الله عليه وآله سلم: أنا أحكم بينكم.

أما أنت يا زيد : فمولى الله ورسوله.

وأما أنت يا علي : فأخي وصاحبي.

 وأما أنت يا جعفر : فشبيه خلقي وخلقي، وأنت يا جعفر أولى بها تحتك خالتها ولا تنكح المرأة على خالتها ولا على عمتها. فقضى بها لجعفر.

قال محمد بن عمر: فقام جعفر فحجل حول رسول الله.

 فقال النبي صلى الله عليه وآله سلم: ما هذا يا جعفر؟

فقال: يا رسول الله ، كان النجاشي إذا أرضى أحدا ، قام فحجل حوله.

فقيل للنبي: تزوجها. فقال: ابنة أخي من الرضاعة.

فزوجها رسول الله : سلمة بن أبي سلمة.

 فكان النبي صلى الله عليه وآله سلم، يقول: هل جزيت سلمة ؟

الطبقات الكبرى لابن سعد ج8ص159.

جعفر وأسماء في الرجعة :

ذكر الخصيبي : بسنده عن المفضل بن عمر قال: سألت سيدي أبا عبد الله الصادق عليه السلام ، قال: في حديث طويل يذكر فيه أحوال الإمام المهدي عجل الله ظهوره ، ويصف كيفية الظهور ووقائعه وأهم الملاحم والفتن حينها ، ثم يصف أحوال رجوع رسول الله والأئمة والمؤمنين والكافرين وقادتهم للدنيا ، وشكاية الآل المظلومين والأئمة المعصومين لرسول الله صلى الله عليهم وسلم ، وبعد خمسة عشر صفحة من البيان ، قال الصادق عليه السلام للمفضل :

 وَ يَقِفُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ : وَ الْحَسَنُ عَنْ يَمِينِهِ ، وَ فَاطِمَةُ عَنْ شِمَالِهِ.

وَ يُقْبِلُ الْحُسَيْنُ : و يضمه رسول الله إلى صدره ، و يقول : يا حسين فديتك ، قرت عيناك و عيناي فيك.

وَ عَنْ يَمِينِ الْحُسَيْنِ : حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ .

وَ عَنْ شِمَالِهِ جَعْفَرُ بْنُ‏ أَبِي‏ طَالِبٍ‏ .

وَ أَمَامَهُ : أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ .

وَ يَأْتِي مُحَسِّنٌ : مُخَضَّباً بِدَمِهِ ، تحمله خديجة ابنة خويلد و فاطمة ابنة أسد و هما جدتاه ، و جمانة عمته أبنة أبي طالب .

وَ أَسْمَاءُ ابْنَةُ عُمَيْسٍ : صارخات و أيديهن على خدودهن ، و نواصيهن منتشرة ، و الملائكة تسترهن بأجنحتها .

وَ أُمُّهُ فَاطِمَةُ : تصيح و تقول : { هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (103)} الأنبياء ، وَ جَبْرَائِيلُ يصيح و يقول: مظلوم فانتصر .

فَيَأْخُذُ : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ مُحَسِّناً على يده و يرفعه إلى السماء، و هو يقول : إلهي صبرنا في الدنيا احتسابا ، و هذا الـ { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا (30)} آل عمران. ....

الهداية الكبرى ص392_417. وعنه حلية الأبرار للبحراني ج‏6ص396ب46.




أسماء الخثعمية زوجة جعفر

يا طيب : العاقلة الفاهمة المؤمنة الموقنة البرة الموالية المخلصة لآل محمد صل الله عليهم وآله وسلم ، السيدة الكريمة : أسماء بنت عميس زوجة جعفر بن أبي طالب ، كانت من المؤمنات الصالحات المجاهدات المهاجرات ولها هجرتين في سبيل الله والمخلصات الدين لرب العالمين ، شربت حب أهل البيت حتى أرتوت وأروت ، وتغذت الإيمان حتى أخلصت لله العبودية وأكملت وأتمت، وتكللت باليقين حتى بشرت بالجنة ، فإنها وأخواتها مبشرات بالجنة بنص من رسول الله ، ويكفيها فخرا أنها زوجة جعفر الوفية وأم أم أولاده محمد وعبد الله وعون المخلصون لله الدين المجاهدون رحمهم الله ، ولها شخصية قوية كريمة وعالمة فاهمة متدبرة بالقراءة متابعة ومعلمة لتفسيره ، ولقوة شخصيتها غلبت على أخواتها ، حتى كان بعض الأفعال الكريمة لأخواتها تنسب لها ، وإن من أخواتها المبشرات بالجنة ميمونة زوجة رسول الله ، وسلمى زوجة سيد الشهداء حمزة ، وأختها لبابة أم الفضل و عبد الله زوجة العباس بن عبد المطلب رحمهن الله .

ولأسماء رحمها الله : ذكر مشرف في الهجرة وحين عودتها للمدينة لمنورة ، لها روايات إما تحكي أحوالها أو هي تحدث بها ، ولذا سنفرد لها بحثا هنا يعرفنا بعض شأنها الكريم وعلو منزلتها رحمها الله .

فيا طيب : قد عرفت في حياة جعفر الطيار زوجها ، أنها هاجرت معه سنة 5 خمسة للبعثة ، وبقيت في الهجرة مع زوجها والمهاجرين إلى سنة 7 للهجرة ، فهي مهاجرة لمدة أكثر من 14 أربعة عشر سنة ، وقد ولدة ثلاثة أولاد لجعفر وهم سادة كرام ، وسيأتي بعض بيان شأنهم الكريم وحياتهم الفاضلة .

 

وقال بن أبي الحديد :

وأسماء : كانت من المهاجرات إلى أرض‏ الحبشة و هي إذ ذاك حين هجرتها للحبشة زوجة لجعفر بن أبي طالب عليه السلام ، فولدت له هناك محمد بن جعفر و عبد الله و عونا .

ثم هاجرت معه : إلى المدينة فلما قتل جعفر يوم مؤتة ، تزوجها أبو بكر فولدت له محمد بن أبي بكر هذا ثم مات عنها .

فتزوجها علي بن أبي طالب عليه السلام ، و ولدت له يحيى بن علي لا خلاف في ذلك.

و قال ابن عبد البر في الاستيعاب : ذكر ابن الكلبي أن عون بن علي اسم أمه أسماء بنت عميس ، و لم يقل ذلك أحد غيره.

أنظر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج16ص142.

 

نسب أسماء :

ذكر أبو الفرج الأصفهاني : أسماء بنت عميس بن معد الحارث بن تيم بن كعب بن مالك بن قحافة ابن عامر بن ربيعة بن عامر بن سعد بن مالك بن بشير بن وهب الله بن شهران بن عفرس بن خلف بن أفتل وهو خثعم .

وأمها هند : بنت عوف بن الحارث وهو حماطة ابن ربيعة بن ذي جليل بن جرش واسمه منبه بن اسلم بن زيد بن الغوث بن سعد ابن عوف بن عدي بن مالك بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن غريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن حمير وهو العرنجج بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.

وهند هذه : التي هي أم أسماء بنت عميس ، التي قيل فيها: الجرشية اكرم الناس أحماء ، جرش من اليمن.

وابنتها أسماء: بنت عميس تزوجها جعفر بن أبي طالب، ثم أبو بكر، ثم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام .

وأبنتها الأخرى: ميمونة أم المؤمنين زوجة النبي صلى الله عليه وآله.

وأبنتها الأخرى : لبابة أم الفضل، أخت ميمونة ، أم ولد العباس بن عبد المطلب.

وابنتها الأخرى : سلمى بنت عميس ، أم ولد حمزة بن عبد المطلب.

وأحماء هذه الجرشية: رسول الله صلى الله عليه وآله، وأمير المؤمنين علي ابن أبي طالب، والحمزة، والعباس، وجعفر، وأبو بكر، ومن أحمائها أيضا الوليد ابن المغيرة المخزومي فأم خالد بن الوليد: أم الفضل الكبرى بنت الحارث أخت أسماء لأمها. وهي أم جميع ولد جعفر بن أبي طالب.

وتزوجت الجرشية : الحارث بن الجون بن بجير بن الهرم بن روبية بن عبدالله ابن هلال بن عامر ، فولدت منه ميمونة زوجة النبي صلى الله عليه وآله ، وأم الفضل أختها تزوجها العباس فولدت له عبدالله. وعبيد الله. والفضل ومعبدا وقثم.

وذكرها : الحسن بن زيد بن الحسن بن علي فقال: لقد كنت الجرشية أكرم الناس أحماء ، ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله ، وعليا ، وحمزة ، وجعفر ، والعباس ، ولم يذكر أبا بكر ، وكان في مجلسه جماعة من ولده ، فرأى ذلك قد شق عليهم ، فقال: وأبو بكر بعد سكوت طويل.

ولما قتل عنها جعفر تزوجها أبو بكر فولدت له محمدا.

ثم توفى : فخلف عليها علي بن أبي طالب فولدت له يحيى بن علي ، وتوفي في حياة أبيه ، ولا عقب له.

مقاتل الطالبيين ج1ص14.

شرح الأخبار، ج ٣، القاضي النعمان المغربي، ص ٥٨

 

قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن عميس أكرم الناس أصهارا . و

قال أيضا لهند Hمهن : هي أكرم عجوز جمعت على الأرض أصهارا.

ذخائر العقبى ص22 ، وطبقات ابن سعد ج8ص205 ، والدر المنثور ص 35 ، ذيل المذيل ص 85 ، الحلية ج2ص74.

 

أسماء من أهل الجنة :

روى الصدوق : بسنده عن أبي بصير عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال : سمعته يقول :

رَحِمَ اللَّهُ الْأَخَوَاتِ : مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ .

فَسَمَّاهُنَّ :

أَسْمَاءُ : بِنْتُ عُمَيْسٍ الْخَثْعَمِيَّةُ ، وَ كَانَتْ تَحْتَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام.

وَ سَلْمَى: بِنْتُ عُمَيْسٍ الْخَثْعَمِيَّةُ ، وَ كَانَتْ تَحْتَ حَمْزَةَ .

وَ خَمْسٌ : مِنْ بَنِي هِلَالٍ .

 مَيْمُونَةُ : بِنْتُ الْحَارِثِ كَانَتْ تَحْتَ النَّبِيِّ ، وَ أُمُّ الْفَضْلِ : عِنْدَ الْعَبَّاسِ اسْمُهَا هِنْدٌ ، و الْغُمَيْصَاءُ : أُمُّ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ، وَ عَزَّةُ : كَانَتْ فِي ثَقِيفٍ عِنْدَ الْحَجَّاجِ بْنِ عِلَاطٍ ، وَ حَمِيدَةُ : وَ لَمْ يَكُنْ لَهَا عَقِبٌ.

الخصال ج2ص363ب7ح55.

يا طيب : هذا مقام وحديث تكريم لم أجد مثله أو ما يقاربه لنساء المسلمين ، حتى أنه ما يقارب أن ليحقها بالمقام الأعلى من الجنة ، وتكون مع خديجة وفاطمة بنت أسد وفاطمة الزهراء عليهم السلام ، وذلك لصبرها وتفانيها في طاعة الله وأولياءه وأحباءه المخلصين .

 

أسماء تستفتي رسول الله :

في تفسير الثعلبي : و قال مقاتل بن حيان: بلغني أنّ أسماء بنت عميس رجعت من الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب، فدخلت على نساء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، فقالت: هل نزل فينا شي‏ء من القرآن؟ قلن: لا.

فأتت رسول اللّه صلّى اللّه عليه فقالت: يا رسول اللّه إنّ النساء لفي خيبة و خسار؟

 قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه: و ممّ ذلك؟

 قالت: لأنّهنّ لا يذكرن بخير كما يذكر الرجال، فأنزل اللّه عزّ و جلّ : { إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَ الْمُسْلِماتِ وَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ وَ الْقانِتِينَ وَ الْقانِتاتِ وَ الصَّادِقِينَ وَ الصَّادِقاتِ وَ الصَّابِرِينَ وَ الصَّابِراتِ وَ الْخاشِعِينَ وَ الْخاشِعاتِ وَ الْمُتَصَدِّقِينَ وَ الْمُتَصَدِّقاتِ وَ الصَّائِمِينَ وَ الصَّائِماتِ وَ الْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَ الْحافِظاتِ وَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَ الذَّاكِراتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَ أَجْراً عَظِيماً (35) } الأحزاب .

الكشف و البيان للثعلبي ج8ص45تفسير سورة الأحزاب الآيات 34 إلى 38. مجمع البيان في تفسير القرآن للطبرسي ج8ص560.

أسماء لها فضل الهجرتين :

ذكر محمد بن أسحاق : حدثنا يونس عن زكريا بن أبي زائدة عن عامر الشعبي:

عن أسماء بنت عميس : أنها انطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت:

يا رسول الله : إن ناساً من المهاجرين يفخرون علينا ، ويزعمون أنا لسنا من المهاجرين الأولين.

 فقال رسول الله صلى الله عليه وآله سلم: لكم هجرتان: هاجرتم إلى أرض الحبشة ونحن مدهنون بمكة، وهاجرتم بعد، وكانوا قدموا عليه خبير.

وحدثنا يونس عن إبراهيم بن اسماعيل عن الزهري عن قبيضة بن ذؤيب

 عن أبي سلمة بن عبد الأسد: وكان ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وآله سلم، وأول من هاجر بظعينته إلى أرض الحبشة ثم إلى المدينة، وكانت تحته أم سلمة التي هاجر بها، فلما توفي عنها تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده.

السيرة النبوية لابن أسحاق ص 107.

 

وقال أبو علي أحمد الموصلي : بهذا الإسناد عن أبي موسى قال بلغنا مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم ، ونحن باليمن ، فخرجنا مهاجرين إليه أنا و أخوان لي وأنا أصغرهم أحدهما أبو بردة والآخر أبو رهم ، إما قال في بضعة ، وإما قال في ثلاثة وخمسين أو اثنين وخمسين رجلاً من قومي .

قال : فركبنا سفينة ً فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة ، فوافقنا جعفر بن أبي طالبٍ وأصحابه عنده .

فقال جعفر : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعثنا ها هنا ، وأمرنا بالإقامة .

قال : فأقمنا معه حتى قدمنا جميعاً .

قال : فوافقنا رسول الله صلى الله عليه وآله سلم حين أفتتح خيبر فأسهم لنا - أو قال فأعطانا منها - وما قسم لأحدٍ غاب عن فتح خيبر منها شيئاً إلا لمن شهد معه إلا لأصحاب سفينتنا مع جعفرٍ وأصحابه قسم لهم معهم .

قال : وكان ناسٌ من الناس يقولون لنا - يعني لأهل السفينة - سبقناكم بالهجرة .

 

وقال : فدخلت أسماء بنت عميس ، وهي ممن قدم معنا على حفصة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم زائرة ً، وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر إليه .

فدخل عمر : على حفصة وأسماء عندها ، فقال عمر : حين رأى أسماء ، من هذه ؟

قالت : أسماء بنت عميس .

فقال : عمر الحبشية هذه؟ البحرية هذه؟

 فقالت أسماء : نعم .

فقال عمر : سبقناكم بالهجرة ، فنحن أحق برسول الله منكم .

فغضبت وقالت : كلمة ً، يا عمر كلاً والله ، كنتم مع رسول الله ، يطعم جائعكم ، ويعظ جاهلكم ، وكنا في دار - أو في أرض ، البعداء البغضاء في الحبشة.

وذلك في الله : وفي رسوله وايم الله لا أطعم طعاماً ولا أشرب شراباً حتى أذكر ما قلت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ونحن كنا نؤذى ونخاف ، وسأذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأسأله ووالله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد على ذلك.

قال فلما جاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم قالت : يا نبي الله إن عمر قال كذا وكذا ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ‏لَيْسَ بِأَحَقَّ بِي مِنْكُمْ، وَلَهُ وَلأَصْحَابِهِ هِجْرَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَكُمْ أَنْتُمْ أَهْلَ السَّفِينَةِ هِجْرَتَانِ .

قالت : فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتوني أرسالاً ، يسألوني عن هذا الحديث ، ما من الدنيا شيءٌّ هم أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

قال أبو بردة فقالت أسماء : فلقد رأيت أبا موسى وإنه ليستعيد مني هذا الحديث.

الجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم ج1ص183رقم 458ح35. أخرجه البخاري في: 64 كتاب المغازي: 38 باب غزوة خيبر.

 

وأبن سعد : روى ما يقارب الحديث السابق وقال : أخبرنا محمد بن عبيد الطنافسي والفضل بن دكين قالا: حدثنا زكريا بن أبي زائدة عن عامر قال:

قالت أسماء بنت عميس : يا رسول الله إن رجالا يفخرون علينا ويزعمون أنا لسنا من المهاجرين الأولين؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله سلم: بل لكم هجرتان، هاجرتم إلى أرض الحبشة ونحن مرهنون بمكة ، ثم هاجرتم بعد ذلك.

قال عامر: قدموا من الحبشة ليالي خيبر.

وأخبرنا : عبد الله بن نمير عن الأجلح عن عامر قال: قالت: أسماء بنت عميس : يا رسول الله إن هؤلاء يزعمون أنا لسنا من المهاجرين؟

 فقال: كذب من يقول ذلك، لكم الهجرة مرتين، هاجرتم إلى النجاشي وهاجرتم إلي.

الطبقات الكبرى لابن سعد ج8ص281.

 

أسماء ترثي زوجها جعفر :

وذكر النعمان المغربي : عن إبراهيم بن علي ، بإسناده، عن عائشة ، قالت: لَمَّا أَتَى نَعْيُ جَعْفَرٍ وَ عَرَفْنَا فِي وَجْهِ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ اَلْحُزْنَ.

و قال رسول الله صلى الله عليه و آله: اِصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَاماً، فَقَدْ جَاءَهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ أَنْ يَصْنَعُوا لِأَنْفُسِهِمْ.

فَجَرَتْ : بِذَلِكَ اَلسُّنَّةُ مِنْ بَعْدُ بِأَنْ يَصْنَعَ لِأَهْلِ بَيْتٍ خَوَاصُّهُمْ طَعَاماً.

وَ قَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ : تَرْثِي جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ بِهَذِهِ اَلْأَبْيَاتِ:

يَا جَعْفَرُ اَلطَّيَّارُ خَيْرَ مُضَرِّبٍ
لِلْخَيْلِ يَوْمَ تَطَاعُنٍ وَ تَشَاحٍّ
قَدْ كُنْتَ لِي جَبَلاً أَلُوذُ بِظِلِّهِ
فَتَرَكْتَنِي أَمْشِي بِأَجْرَدِ ضَاحِي
قَدْ كُنْتَ ذَاتَ حَمِيَّةٍ مَا عِشْتَ لِي
أَمْشِي اَلْبِرَازَ وَ أَنْتَ كُنْتَ جَنَاحِي
فَالْيَوْمَ أَخْشَعُ لِلذَّلِيلِ وَ أَتَّقِي
مِنْهُ وَ أَدْفَعُ ظَالِمِي بِالرَّاحِ

شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار عليهم السلام ج3ص207ح1140. قولها: تشاح : أي حينما تجد المخاصمة والمحاكة تكون حريص على تنفيذ أمرك بوعي وإخلاص حتى تنجزه. و قولها: فتركتني أمشي بأجرد ضاحي :الأجرد: الذي لا نبات فيه من الجبال و الأرضين. و الضاحي: ما ليس له ظل. يقال : ضحا الرجل ضحيا إذا أصابه حرّ الشمس. و في القرآن: «وَ لا تَضْحى‏» أي: لا يصيبك حرّ الشمس يعني في الجنة. و قولها: ألوذ. اللوذ أن تستتر بشيء مخافة من تراه و تخافه. و قولها: و أدفع ظالمي بالراح : الراحة باطن الكف، و ذلك مما يدفع به الضعيف الذليل من نفسه أن يتقي براحة كفه.

 

أسماء في عدة وفاة جعفر :

وعن البرقي بسنده : عن العباس بن موسى بن جعفر عليه السلام قال: سألت أبي عن المأتم؟

 فقال عليه السلام : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما انتهى إليه قتل جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، دَخَلَ عَلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ امْرَأَةِ جَعْفَرٍ .

فَقَالَ : أَيْنَ بَنِيَّ ، فَدَعَتْ بِهِمْ ، وَ هُمْ ثَلَاثَةٌ : عَبْدُ اللَّهِ وَ عَوْنٌ وَ مُحَمَّدٌ ، فَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ رُءُوسَهُمْ .

فَقَالَتْ : إِنَّكَ تَمْسَحُ رُءُوسَهُمْ كَأَنَّهُمْ أَيْتَامٌ ، فَتَعَجَّبَ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ عَقْلِهَا.

فَقَالَ : يَا أَسْمَاءُ أَ لَمْ تَعْلَمِي أَنَّ جَعْفَراً اسْتُشْهِدَ ، فَبَكَتْ .

فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ : لَا تَبْكِي ، فَإِنَّ جَبْرَئِيلَ أَخْبَرَنِي أَنْ لَهُ جَنَاحَيْنِ فِي الْجَنَّةِ مِنْ يَاقُوتٍ أَحْمَرَ.

فقالت : يا رسول الله لو جمعت الناس و أخبرتهم بفضل جعفر ، لا ينسى فضله، فعجب رسول الله من عقلها .

ثم قال رسول الله : أبعثوا إلى أهل جعفر طعاما ، فجرت السنة.

المحاسن ج2ص420ح194.

 

أخبرنا عبد الله بن محمد قال أخبرنا محمد بن محمد قال حدثني موسى بن إسماعيل قال حدثنا أبي عن أبيه عن جده جعفر بن محمد عن أبيه عن جده علي بن الحسين قال:

 حَدَّثَتْنَا أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ قَالَتْ :

‏ أَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله: وسلم حِينَ جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرِ بْنِ‏ أَبِي‏ طَالِبٍ‏ فَعَزَّانِي .

فَقَالَ : عَزَمْتُ عَلَيْكِ يَا أَسْمَاءُ ، لَمَّا كَحَلْتِ عَيْنَيْكِ ، وَ صَفَّرْتِ ذِرَاعَيْكِ، وَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرٍ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ .

وَ ذَلِكَ أَنَّهُ : نَظَرَ إِلَى عَيْنَيَّ مِنْ أَثَرِ الْبُكَاءِ ، فَتَخَوَّفَ عَلَى بَصَرِي أَنْ تَذْهَبَ، فَأَمَرَنِي بِالْكُحْلِ .

وَ أَمَرَنِي : أَنْ أُصَفِّرَ ذِرَاعَيَّ ، مِنْ شُقَاقٍ كَانَ بِذِرَاعَيَّ.

الجعفريات (الأشعثيات) ص210 باب الرخصة في علاج المعتدة بالكحل ، دعائم الإسلام ج2ص291ح1097.

يا طيب : للعدة شروط سواء كانت عن طلاق أو عن وفاة ، ومذكورة في كتب الاستفتاءات للمراجع ، وعليه يجب على المتوفى عنها زوجها أن تراجع الرسالة العملية له ، ومن جملة الأحكام لعدة الوفاة عن الرسائل العملية للسيد السيستاني حفظه الله ، قال : عدّة الوفاة

مسألة 578: إذا توفّي الزوج وجب الاعتداد على زوجته صغيرة كانت أم كبيرة، يائسة كانت أم غيرها، مسلمة كانت أم كتابيّة، مدخولاً بها أم غيرها، دائمة كانت أم متمتّعاً بها، ولا فرق في الزوج بين الكبير والصغير والعاقل وغيره......

مسألة 579: المراد بالأشهر هي الهلاليّة، فإن توفّي الزوج أوّل رؤية الهلال اعتدّت زوجته بأربعة أشهر هلاليّات وضمّت إليها من الشهر الخامس عشرة أيّام، وإن مات في أثناء الشهر فعليها أن تجعل ثلاثة أشهر هلاليّات في الوسط وتكمل نقص الشهر الأوّل من الشهر الخامس ثلاثين يوماً على الأحوط وجوباً وتضيف إليها عشرة أيّام أُخرى، والأحوط الأولى أن تحتسب الشهور عدديّة بأن تعدّ كلّ شهر ثلاثين يوماً فتكون المدّة مائة وثلاثين يوماً....

مسألة 581: كما يجب على الزوجة إن تعتدّ عند وفاة زوجها كذلك يجب عليها الحداد مادامت في العدّة، والمقصود به ترك ما يعدّ زينة لها سواء في البدن أم في اللباس، فتترك الكحل والطيب والخضاب والحمرة والخطاط ونحوها كما تجتنب لبس المصوغات الذهبيّة والفضيّة وغيرها من أنواع الحليّ، وكذا اللباس الأحمر والأصفر ونحوهما من الألوان التي تعدّ زينة عند العرف، وربّما يكون اللباس الأسود كذلك إمّا لكيفيّة تفصيله أو لبعض الخصوصيّات المشتمل عليها مثل كونه مخطّطاً.

وبالجملة: عليها أن تترك في فترة العدّة كلّ ما يعدّ زينة للمرأة بحسب العرف الاجتماعيّ الذي تعيشه، ومن المعلوم اختلافه بحسب اختلاف الأزمنة والأمكنة والتقاليد.

وأمّا ما لا يعدّ زينة لها: مثل تنظيف البدن واللباس وتقليم الأظفار والاستحمام وتمشيط الشعر والافتراش بالفراش الفاخر والسكنى في المساكن المزيّنة وتزيين أولادها، فلا بأس به.....

مسألة 584: إنّ الحداد ليس شرطاً في صحّة العدّة بل هو تكليف استقلاليّ في زمانها، فلو تركته عصياناً أو جهلاً أو نسياناً في تمام المدّة أو في بعضها لم يجب عليها استئنافها، أو تدارك مقدار ما اعتدّت بدونه فيجوز لها التزوّج بعد انقضاء العدّة على كلّ تقدير .

مسألة 585: لا يجب على المعتدّة عدّة الوفاة أن تبقى في البيت الذي كانت تسكنه عند وفاة زوجها، فيجوز لها تغيير مسكنها والانتقال إلى مسكن آخر للاعتداد فيه، كما لا يحرم عليها الخروج من بيتها الذي تعتدّ فيه إذا كان لضرورة تقتضيه، أو لأداء حقّ أو فعل طاعة أو قضاء حاجة، نعم يكره لها الخروج لغير ما ذكر، كما يكره لها المبيت خارج بيتها.

الكتب الفتوائية منهاج الصالحين ـ الجزء الثالث عدة الوفاة .

ويا طيب : هذه بعض أحكام عدة الوفاة وتوجد مسائل أخرى يطول المقام بذكرها ، وإن أسماء بنت عميس ذكرة العلة التي تكتحل بها خوفا على نظرها لكثرة بكائها ، وتصفير يديها بوضع الدواء لشق في ساعدها ، وليس للزينة .

 

 

أحاديث أسماء الولائية

 

يا طيب : عرفت أن أسماء مبشرة بالجنة ، ولا يبشر بالجنة إلا من يخلص الولاء للنبي وآله ولم ينقلب أو يوالي عدوهم والمنحرف عنه ، ولهذا ترى أسماء في المقام الأعلى في ذكر النساء المؤمنات ، ولها شأن كريم ومحل خاص في روايات وأحاديث أهل البيت عليهم السلام تحكي فضلها ، وذلك لما أظهرت من بيان الحق والدفاع الهدى الصادق والولاية الواقعية لأهل البيت عليهم السلام ، ومن رواياتها :

أسماء وآية الولاية :

قال الطبري محمد بن جرير في تفسير قوله تعالى :

{و قوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً (3) } المائدة ، ..

 حدثنا محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل، قال: حدثنا أسباط، عن السدي :

فقالت أسماء بنت عميس: حججت مع رسول الله صلي الله عليه و سلم تلك الحجة.

 فبينما نحن نسير : إذ تجلى له جبريل صلي الله عليه و سلم على الراحلة، فلم تطق الراحلة من ثقل ما عليها من القرآن، فبركت.

 فأتيته : فسجيت عليه برداء كان عليَّ.

 جامع البيان في تفسير القرآن ج6ص52.الدر المنثور في التفسير بالمأثور ج2ص259. ويا طيب : فقد أثبت العلامة الأميني رحمه الله نزولها يوم غدير خم في كتابه المبارك الغدير ، وأشبع الكلام فيها فراجع كتاب الغدير للعلامة الأميني رحمه الله .

 

أسماء وحديث المنزلة :

ذكر أبن عقدة الكوفي : بسنده عن فاطمة بنت علي‏ عن أسماء بنت‏ عميس‏، أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال لعليّ:

أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي.

 فضائل أمير المؤمنين لأبن عقده ص57ب5ح54. وتجده في ترجمة الإمام عليّ عليه السّلام من تاريخ دمشق ج1ص385ح446.

ويا طيب : روي الحديث عن كثير من الصحابة وفي كثير من الكتب وهنا نروي فقط أحاديث أسماء رحمها :

روى : عن موسى الجهني قال: قلت لفاطمة بنت عليّ : أ تحفظين عن أبيك شيئا؟ قالت: لا، و لكن حدّثتني أسماء بنت عميس ، أنّها سمعت النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول لعليّ:

 «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي».

قال حلو بن السري: و حدّثني عروة بن عبد اللّه الجعفي أبو مهل أنّه كان مع موسى الجهني و دخل على فاطمة بنت عليّ حين حدّثت موسى بهذا الحديث، عن أسماء بنت عميس، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم .

 فضائل أمير المؤمنين عليه السلام ص58ب5ح55. ورواه ابن البطريق في عمدة عيون صحاح الأخبار في مناقب إمام الأبرار ص128ف16ح171 وحديث175 عنها بسند آخر . وفي ترجمة الإمام عليّ عليه السّلام من تاريخ دمشق ج1ص385ح445، قال: أخبرنا أبو غالب بن البنّاء، أنبأنا أبو الغنائم بن المأمون، أنبأنا أبو الحسن الدارقطني أنبأنا أحمد بن محمّد بن سعيد ....

 

أسماء تدافع عن أمير المؤمنين :

ذكر لصدوق رحمه الله : باب العلة التي من أجلها أمر خالد بن الوليد بقتل أمير المؤمنين عليه السلام عن أبيه رحمه الله قال : حدثنا علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عمن ذكره عن أبي عبد الله عليه السلام قال:

لما منع : أبو بكر فاطمة عليها السلام فدكا ، و أخرج وكيلها ، جاء أمير المؤمنين عليه السلام إلى المسجد وأبو بكر جالس وحوله المهاجرون والأنصار .

فقال عليه السلام : يا أبا بكر لم منعت فاطمة ما جعله رسول الله لها و وكيلها فيه منذ سنين .

فقال أبو بكر : هذا فيء للمسلمين ، فإن أتت بشهود عدول و إلا فلا حق لها فيه ؟

قال عليه السلام : يا أبا بكر تحكم فينا بخلاف ما تحكم في المسلمين ؟ قال: لا . قال : أخبرني لو كان في يد المسلمين شي‏ء فادعيت أنا فيه ، ممن كنت تسأل البينة ؟ قال : إياك كنت أسأل ؟ قال : فإذا كان في يدي شي‏ء ، فادعى فيه المسلمون ، تسألني فيه البينة ؟

قال : فسكت أبو بكر . فقال : عمر هذا فيء للمسلمين و لسنا من خصومتك في شي‏ء .

فقال أمير المؤمنين : لأبي بكر ، يا أبا بكر تقر بالقرآن ؟ قال : بلى . قال : فأخبرني عن قول الله عز و جل‏ : { إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (33)} الأحزاب ، أ فينا أو في غيرنا نزلت ؟ قال : فيكم .

قال عليه السلام : فأخبرني لو أن شاهدين من المسلمين شهدا على فاطمة بفاحشة ما كنت صانعا ؟ قال : كنت أقيم عليها الحد كما أقيم على نساء المسلمين . قال : كنت إذن عند الله من الكافرين ؟ قال : و لم . قال : لأنك كنت ترد شهادة الله و تقبل شهادة غيره ، لأن الله عز و جل قد شهد لها بالطهارة ، فإذا رددت شهادة الله و قبلت شهادة غيره ، كنت عند الله من الكافرين .

قال : فبكى الناس و تفرقوا و دمدموا .

فلما رجع : أبو بكر إلى منزله ، بعث إلى عمر ، فقال : ويحك يا ابن الخطاب ، أ ما رأيت عليا و ما فعل بنا ، و الله لئن قعد مقعدا آخر ليفسدن هذا الأمر علينا ، و لا نتهنأ بشي‏ء ما دام حيا .

قال عمر : ما له إلا خالد بن الوليد ، فبعثوا إليه .

فقال له : أبو بكر نريد أن نحملك على أمر عظيم .

قال : أحملني على ما شئت و لو على قتل علي .

قال : فهو قتل علي ، قال : فصر بجنبه ، فإذا أنا سلمت فاضرب عنقه.

فَبَعَثَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ : وَ هِيَ أُمُّ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ خَادِمَتَهَا ، فَقَالَتِ : أذْهَبِي إِلَى فَاطِمَةَ فَأَقْرِئِيهَا السَّلَامَ ، فَإِذَا دَخَلْتَ مِنَ الْبَابِ .

فَقُولِي‏ : { إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ‏ فَاخْرُجْ‏ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ‏(20) } القصص .

فَإِنْ فَهِمَتْهَا : وَ إِلَّا فَأَعِيدِيهَا مَرَّةً أُخْرَى .

فَجَاءَتْ : فَدَخَلَتْ ، وَ قَالَتْ‏ : إِنَّ مَوْلَاتِي تَقُولُ : يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ كَيْفَ أَنْتُمْ ، ثُمَّ قَرَأَتْ هَذِهِ الْآيَةَ : { إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ‏ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ‏ } ، فَلَمَّا أَرَادَتْ أَنْ تَخْرُجَ قَرَأْتُهَا .

فَقَالَ لَهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ : أَقْرِئِي مَوْلَاتَكِ مِنِّي السَّلَامَ ، وَ قُولِي لَهَا : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَحُولُ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مَا يُرِيدُونَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .

فوقف : خالد بن الوليد بجنبه ، فلما أراد أن يسلم لم يسلم ، و قال : يا خالد لا تفعل ما أمرتك ، السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .

فقال أمير المؤمنين عليه السلام ، ما هذا الأمر الذي أمرك به ثم نهاك قبل أن يسلم .

قال : أمرني بضرب عنقك ، و إنما أمرني بعد التسليم .

فقال : أ و كنت فاعلا ؟ فقال : إي و الله لو لم ينهني لفعلت .

قال فقام أمير المؤمنين : فأخذ بمجامع ثوب خالد ثم ضرب به الحائط ، و قال لعمر : يا ابن صهاك ، و الله لو لا عهد من رسول الله و كتاب من الله سبق‏ لعلمت أينا أضعف جندا و أقل عددا.

علل الشرائع ج1ص191ب151ح1. وذكر القصة مفصلا في تفسير القمي ج2ص15ح1. و المسترشد في إمامة علي بن أبي طالب عليه السلام ص452. إثبات الوصية للمسعودي ص147.

 

 

وزيرا من أهلي علي :

في قوله تعالى : { قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) وَأجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) أشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (34) إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا (35)} طه.

عن فرات الكوفي قال : حدثنا إبراهيم بن أحمد بن عمر الهمداني معنعنا .

 عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ‏ : كان رسول الله ص واقفا بمكة مستقبلا ثبير مستدبرا حراء ، و هو يقول :

اللَّهُمَّ : إِنِّي أَقُولُ الْيَوْمَ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ عليه السلام:

اللَّهُمَ‏ : أشْرَحْ لِي صَدْرِي وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي وَ أحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي‏.

وَ أجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي‏ : عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ‏ أَخِي ، أشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ، كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً، وَ نَذْكُرَكَ كَثِيراً ، إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً.

تفسير فرات الكوفي ص255ح346. و للحديث مصادر كثيرة وقد رواه الحاكم الحسكاني في الشواهد بأسانيد مع الإشارة إلى رواية فرات ، و ابن حنبل في الفضائل ح 280، و أخرجه ابن مردويه و الخطيب و ابن عساكر و ابن مندة كما في الدّر المنثور و الطرائف، و أخرجه القاضي أبو جعفر في المناقب في أول الجزء الثالث ح 218 و 277، و أورده شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار عليهم السلام ج1ص191ح151، والمجلسي في بحار الأنوار نقلا عن كنز الفوائد ج1ص296.و عن فرات في ص 140 و أورد التالي أيضا في ص 143.

وكذا رواه فرات في الحديث 347 عن عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقُرَشِيُّ مُعَنْعَناً عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ.وروي عن أبن عباس مفصلا وعن غيره عند العامة والخاصة بكثرة .

وذكر الحسكاني فقال : رِوَايَةُ الصَّحَابِيَّةِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ أَخْبَرَنَا ، عبد الرحمن بن الحسن قال: أخبرنا محمد بن إبراهيم المؤدب، قال: حدثنا مطين قال: حدثنا عباد بن يعقوب قال: أخبرنا علي بن عابس، عن الحارث بن حصيرة عن القاسم بن جندب قال مطين: هو أبو جندب و كذا قال عباد قال: سمعت رجلا من خثعم يقول:

سَمِعْتُ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ‏ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَقُولُ كَمَا قَالَ أَخِي مُوسَى اللَّهُمَ‏ { { وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي (29)} عَلِيّاً أَخِي‏ { اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (34) إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا (35)} طه .

شواهد التنزيل لقواعد التفضيل ج1ص479ح511 . ورواه ابن البطريق في عمدة عيون صحاح الأخبار في مناقب إمام الأبرار ص272ف34ح431 .و رواه أيضا أحمد بن حنبل في الحديث:280 من فضائل أمير المؤمنين من كتاب الفضائل ص 202 ط1، و رواه عنه المحب الطبري في الرياض النضرة: ج 2 ص 163، و في ط ص 215 و العصامي في كتاب سمط النجوم: ج 2 ظ 478 و أيضا رواه عن كتاب الفضائل سبط بن الجوزي في أوائل الباب الثاني من كتاب تذكرة الخواص ص 30.كنز الفوائد ج1ص296. و رواه أيضا السيوطي في الدر المنثور، عن السلفي في الطيوريات.

 

وصالح المؤمنين في علي :

في قوله تعالى : { إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (4)} التحريم.

ذكر الحسكاني : بسنده عن حصين بن مخارق، عن موسى بن جعفر عن أبيه عن آبائه عليهم السلام عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ‏ عُمَيْسٍ رضي الله عنها قالت:

سمعت رسول الله يقول‏ : { وَ صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ‏ } هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.

و هذا الإسناد متصل‏ .

شواهد التنزيل لقواعد التفضيل ج2ص344ح14- 985. و هذا رواه الثعلبي حرفيّاً في تفسير الآية الكريمة في تفسيره ج4ص269. فضائل أمير المؤمنين عليه السلام لابن عقدة ص218ح232.

 

وعن يونس بن أرقم : عن إبراهيم بن حبان عن أُمِّ جَعْفَرٍ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قَالَت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول‏ في هذه الآية : { وَ إِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَ جِبْرِيلُ وَ صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ‏} ، { وَ صَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ } عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ .

شواهد التنزيل لقواعد التفضيل ج2ص344ح986. و الحديث رواه أيضاً بسنده عن الحبري أبو نعيم الحافظ في كتابه ما نزل من القرآن في عليّ كما في الفصل 25 من كتاب خصائص الوحي المبين ص 235 ، و كما في الحديث 71 من كتاب النور المشتعل ص 120، ورواه غيرهم الكثير .

 

أسماء تروي رد الشمس :

ذكر الشيخ المفيد رحمه الله : في حديث رد الشمس لعلي بن أبي طالب عليه السلام مرتين ، فصل : و مما أظهره الله تعالى من الأعلام الباهرة على يد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ما استفاضت به الأخبار و رواه علماء السيرة و الآثار ، و نظمت فيه الشعراء الأشعار ، رجوع الشمس له عليه السلام مرتين‏ في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرة ، و بعد وفاته مرة أخرى ، ... ومنه : مَا رَوَتْهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ‏ عُمَيْسٍ‏ وَ أُمُّ سَلَمَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ و جابر بن عبد الله الأنصاري و أبو سعيد الخدري في جماعة من الصحابة ، وذكر ملخص الأحاديث الآتية ، ونذكر مصدر روايته عن أسماء رحمها الله ، ثم نذكر نص الأحاديث عن مصادر متقدمة عليه :

الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ج1ص345. للتحقّق من تواتر الحديث راجع طرقه في تاريخ دمشق ج2ص283- 305، و كفاية الطالب ص381- 388، و الغدير ج3ص127-141، و إحقاق الحقّ ج5ص521- 539.

ذكر الصدوق رحمه الله : بسنده عن ابن نباتة عن محمد بن موسى عن عمارة بن مهاجر ، عَنْ أُمِّ جَعْفَرٍ وَ أُمِّ مُحَمَّدٍ بِنْتَيْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ‏ عُمَيْسٍ‏ وَ هِيَ جَدَّتُهُمَا.

 قالت‏ رحمها الله : خرجت مع جدتي أَسْمَاءَ بِنْتِ‏ عُمَيْسٍ ، و عمي عبد الله بن‏ جعفر ، حتى إذا كنا بالصهباء ، قالت :

حدثتني : أَسْمَاءَ بِنْتِ‏ عُمَيْسٍ ، قالت : يا بنية ، كنا مع رسول الله في هذا المكان ، فصلى رسول الله الظهر ، ثم دعا عليا ، فاستعان به في بعض حاجته .

ثم جاءت العصر : فقام النبي فصلى العصر ، فجاء علي فقعد إلى جنب رسول الله ، فأوحى الله تعالى إلى نبيه .

فوضع رأسه : في حجر علي ، حتى غابت الشمس لا يرى منها شي‏ء لا على أرض و لا على جبل .

ثم جلس رسول الله : فقال لعلي هل صليت العصر ؟ فقال : لا يا رسول الله ، أنبئت أنك لم تصل ، فلما وضعت رأسك في حجري لم أكن لأحركه .

فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا عَبْدُكَ عَلِيٌّ ، أحْتَبَسَ نَفْسَهُ عَلَى نَبِيِّكَ ، فَرُدَّ عَلَيْهِ شَرْقَهَا ، فَطَلَعَتِ الشَّمْسُ فَلَمْ يَبْقَ جَبَلٌ وَ لَا أَرْضٌ إِلَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ.

ثُمَّ قَامَ عَلِيٌّ : فَتَوَضَّأَ وَ صَلَّى ، ثُمَّ انْكَسَفَتْ.

علل الشرائع ج2ص351ب61ح3. يا طيب : الصهباء : كل أرض لونها أحمر وهي مناطق متعددة ومنها بين مكة والمدينة ، ولعلها بعضها قرب مسجد الفضيخ الآتي ذكره .

ذكر الكليني رحمه الله : بسنده عن عمار بن موسى‏، قال: دخلت أنا و أبو عبد الله عليه السلام مسجد الفضيخ، فقال: يا عمار، ترى‏ هذه الوهدة .

قلت: نعم.

قال: كَانَتِ امْرَأَةُ جَعْفَرٍ الَّتِي خَلَفَ عَلَيْهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قاعدة في هذا الموضع، و معها ابناها من جعفر، فبكت ، فقال‏ لها ابناها : ما يبكيك يا أمه؟

قالت : بكيت لأمير المؤمنين عليه السلام، فقالا لها: تبكين لأمير المؤمنين، و لا تبكين لأبينا؟

قالت : ليس هذا لهذا ، و لكن ذكرت حديثا حدثني به أمير المؤمنين عليه السلام في هذا الموضع، فأبكاني. قالا: و ما هو؟

قالت : كنت أنا و أمير المؤمنين في هذا المسجد، فقال لي: ترين‏ هذه الوهدة ؟ قلت : نعم.

 قَالَ : كُنْتُ أَنَا وَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قَاعِدَيْنِ فِيهَا ، إذ وضع رأسه في حجري، ثم خفق‏ حتى‏ غط ، و حضرت صلاة العصر، فكرهت أن أحرك رأسه عن فخذي ، فأكون قد آذيت رسول الله صلى الله عليه و آله حتى‏ ذهب الوقت و فاتت‏.

 فانتبه : رسول الله صلى الله عليه و آله، فقال: يا علي، صليت؟ قلت: لا، قال: و لم ذلك‏ ؟ قلت: كرهت أن‏ أوذيك.

قَالَ: فَقَامَ، وَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَ مَدَّ يَدَيْهِ كِلْتَيْهِمَا، وَ قَالَ: اللَّهُمَّ رُدَّ الشَّمْسَ إِلى‏ وَقْتِهَا حَتّى‏ يُصَلِّيَ عَلِيٌّ، فَرَجَعَتِ الشَّمْسُ إِلى‏ وَقْتِ الصَّلَاةِ حَتّى‏ صَلَّيْتُ الْعَصْرَ، ثُمَّ انْقَضَّتْ‏ انْقِضَاضَ الْكَوْكَبِ‏ .

الكافي ج9ص278ب221ح8134_6. وهدة : أرض مسطحة ، خفق حتى غط : نام نوما عميقا .

و في مرآة العقول ج18ص276: أمّا تركه عليه السلام الصلاة ؟ فيمكن أن يكون لعلمه عليه السلام برجوع الشمس له. أو يقال: إنّه عليه السلام صلّى بالإيماء حذراً من إيذاء الرسول صلى الله عليه و آله كما قيل. أو يقال: إنّه أراد بذهاب الوقت ذهاب وقت الفضيلة، و كذا المراد بفوت الصلاة فوت فضلها.

و في الوافي: «هذه القصّة مشهورة عند العامّة اشتهار الشمس، و إن كذّبها بعضهم عناداً، و نقل في مغانم المطابة عن أحمد بن صالح من العامّة إنّه كان يقول: لا ينبغي لمن سبيله العلم التخلّف عن حفظ حديث أسماء؛ لأنّه من علامات النبوّة».

و عن المحقّق: الشعراني رحمه الله في هامش الوافي: قصّة ردّ الشمس مشهورة عند العامّة، لكن لا عند مسجد الفضيخ، بل عند مسجد الصهبا على مرحلة من خيبر. قال السمهودي: أخرج حديث ردّ الشمس ابن مندة و ابن شاهين عن أسماء بنت‏ عميس‏، و ابن مردويه عن أبي هريرة. و قال الحافظ ابن حجر: أخطأ ابن الجوزي بإيراده في الموضوعات راجع: فتح الباري ج6ص155؛ الغدير ج3ص132.

وأخرجه الصدوق في الفقيه ج1ص203ح610، بسند آخر عن أسماء بنت عميس. والمفيد في الإرشاد ج1ص345، بسند آخر عن أسماء بنت عميس و أمّ سلمة و جابر بن عبداللَّه الأنصاري و أبي سعيد الخدري، و فيهما مع اختلاف. والخصال ص508ب70ح1.

يا طيب : وهذا أسلوب آخر ورواية أخرى بسند آخر عن أسماء بنت عميس رحمها الله في روايتها لحديث رد الشمس :

وذكر بن عقدة الكوفي : بسنده‏ عن عروة بن عبد اللّه بن قشير، قال: دخلت على فاطمة بنت عليّ، فرأيت في عنقها خرزة، و رأيت في يديها مسكتين غليظتين و هي عجوز كبيرة.

 فقلت لها: ما هذا؟ فقالت: إنّه يكره للمرأة أن تتشبّه بالرجال.

ثمّ حدّثتني : أنّ أسماء بنت عميس حدّثتها ، أنّ عليّ بن أبي طالب رضى اللّه عنه دفع إلى نبيّ اللّه صلى اللّه عليه و سلم و قد أوحي إليه، فجلّله بثوبه فلم، يزل كذلك حتّى أدبرت الشمس ،تقول: غابت أو كادت تغيب.

 ثمّ إنّ نبيّ اللّه صلى اللّه عليه وآله سلم : سرى عنه ، فقال: أ صلّيت يا عليّ؟. قال: لا.

 فقال النبيّ صلى اللّه عليه وأله وسلم: اللّهم ردّ على عليّ الشمس .

 قالت أسماء: فرجعت الشمس حتى بلغت نصف المسجد.

قال عبد الرحمن: قال أبي: و حدّثني موسى الجهني نحوه‏ .

فضائل أمير المؤمنين عليه السلام ص75ف11ح73 . الأمالي للمفيد ص94ب11ح3، وراجعة ترجمة الإمام عليّ عليه السّلام من تاريخ دمشق ج2ص292ح815، والقاضي النعمان في شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار عليهم السلام ج1ص97ح18.

 

أسماء تلد محمد رحمه الله

 

يا طيب : إن أسماء بنت عميس الخثعمية رحمها الله بعد شهادة رفيق حياتها جعفر بن أبي طالب عليه السلام وقد ولدت منه محمد وعبد الله وعون وسيأتي ذكرهم ، وبعد شهادة جعفر عليه السلام وبعد العدة بفترة تزوجت أبي بكر بن أبي قحافة فولدت منه محمد ، ثم بعده تزوجت علي بن أبي طالب عليه السلام فولدت منه يحيى وقيل وعون ، وقد عرفت بعض الروايات عنها ، وفي هذا الموضوع نذكر حالها مع أبو بكر وولده محمد ، وإن أبو بكر كان يعتمد عليها حتى ذكر أوصى بأن تغسله بعد موته ، ولها دور كريم في بيان الحق وتعريفه له وليولدها محمد بن أبي بكر ، وذكرت قصة زواجها منها وهي :

 

زواج أسماء الثاني :

ذكر الثقفي : عن أبي إسماعيل كثير النواء: أن أبا بكر خرج في غزاة .

 فَرَأَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ‏ عُمَيْسٍ : في منامها و هي تحته أي كان متزوج بها ، كأن أبا بكر مخضب بالحناء رأسه و لحيته و عليه ثياب بيض .

فجاءت : إلى عائشة فأخبرتها ، فقالت: إن صدقت رؤياك فقد قتل أبو بكر إن خضابه الدم و إن ثيابه أكفانه ثم بكت .

فدخل النبي : و هي كذلك ، فقال: ما أبكاها؟

فقالوا: يا رسول الله ما أبكاها أحد ، وَ لَكِنْ أَسْمَاءُ ذكرت رؤيا ، رأتها لأبي بكر .

فأخبر النبي فقال: ليس كما عبرت عائشة ، و لكن يرجع أبو بكر صالحا .

فَيَلْقَى أَسْمَاءَ : فَتَحْمِلُ مِنْهُ أَسْمَاءُ بِغُلَامٍ .

تُسَمِّيهِ مُحَمَّداً : يَجْعَلُهُ اللَّهُ غَيْظاً عَلَى الْكَافِرِينَ وَ الْمُنَافِقِينَ.

 فَكَانَ الْغُلَامُ : مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ قُتِلَ يَوْمَئِذٍ فَكَانَ كَمَا أَخْبَرَ.

الغارات ج1ص189.

ويا طيب : وذكر ابن سعد : ويحيى وعون ابنا علي وأمهما أسماء بنت عميس الخثعمية .

الطبقات الكبرى لابن سعد ج3ص20.

ولادة أسماء بركة للنساء :

روى الصدوق : بسنده عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال‏ :

 إِنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ‏ عُمَيْسٍ‏ : نَفِسَتْ بِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، بالبيداء لأربع بقين من ذي القعدة في حجة الوداع .

فأمرها : رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فاغتسلت و احتشت و أحرمت و لبت مع النبي و أصحابه ، فلما قدموا مكة لم تطهر حتى نفروا من منى، و قد شهدت المواقف كلها، عرفات و جمعا و رمت الجمار ، و لكن لم تطف بالبيت و لم تسع بين الصفا و المروة .

فلما نفروا : من منى ، أمرها رسول الله ، فاغتسلت و طافت بالبيت و بالصفا و المروة ، و كان جلوسها في أربع بقين من ذي القعدة و عشر من ذي الحجة و ثلاثة أيام التشريق.

من لا يحضره الفقيه ج2ص380ح2755.

وعن الكليني رحمه الله : عن عدة من أصحابنا، بسنده عن عمر بن أبان الكلبي، قال: ذكرت لأبي عبد الله عليه السلام : المستحاضة ؟

 فذكر عليه السلام : أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ.

 فَقَالَ : إِنَ‏ أَسْمَاءَ وَلَدَتْ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ بِالْبَيْدَاءِ .

وَ كَانَ : فِي وِلَادَتِهَا الْبَرَكَةُ لِلنِّسَاءِ ، لِمَنْ‏ وَلَدَتْ مِنْهُنَّ أَوْ طَمِثَتْ، فَأَمَرَهَا رَسُولُ ‏اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ، فَاسْتَثْفَرَتْ‏ وَ تَنَطَّقَتْ‏ بِمِنْطَقَةٍ ، وَ أَحْرَمَتْ.

الكافي ج8ص672ب150 باب إحرام الحائض و المستحاضة حديث 7679_2. في مرآة العقول ج18ص91 يمكن أن يكون أراد السائل بالمستحاضة الحائض و النفساء، أو الأعمّ منهما و من المستحاضة، فالجواب ظاهر الانطباق عليهم ، و إن أراد المستحاضة بالمعنى المصطلح، فذكر قصّة أسماء لعلّه لبيان أنّه إذا جاز للنفساء الإحرام مع كونها ممنوعة عن الصلاة و كثير من العبادات ، فيجوز للمستحاضة التي بعد الأغسال بحكم الطاهر بطريق أولى . البيداء : المفازة التي لا شي‏ء فيها، سمّيت بذلك؛ لأنّها تُبيد من يحلّها، و هي هنا اسم موضع مخصوص بين ‏مكّة و المدينة، أو المراد بها مطلق الصحراء، كما قال العلّامة المجلسي: قوله عليه السلام: بالبيداء، يحتمل أن يكون المراد بالبيداء هنا مطلق الصحراء، فيكون المراد خارج المدينة عند مسجد الشجرة، أو قبل الوصول إليه، و لو كان المراد بالبيداء المعروف الذي هو بعد مسجد الشجرة فيحتمل أن يكون ضربت خيمتها هناك لكثرة الناس؛ فإنّها قريبة من المسجد. راجع النهاية ج1ص171؛ لسان العرب ج3ص67 بيد . في الوافي: إنّما كانت في ولادتها البركة ؛ لأنّها كانت سبباً لتعلّم كثير من مسائلهنّ في الاستحاضة و النفاس. تنطّقت بمنطقة : أي شدّتها على وسطها، و المِنْطَقة و المِنْطَق و النِّطاق: كلّ ما شدّ به وسطه، أو المنطقة: معروفة اسم لها خاصّة.

 

وذكر الكليني رحمه الله : عن عدة من أصحابنا ، بسنده عن زرارة عن الإمام الصادق عليه السلام، قال‏: قلت له ‏ :النُّفَسَاءُ مَتى‏ تُصَلِّي؟

قال عليه السلام: تَقْعُدُبِقَدْرِحَيْضِهَا، وَ تَسْتَظْهِرُ بِيَوْمَيْنِ‏ ،فَإِنِ انْقَطَعَ الدَّمُ، وَ إِلَّا اغْتَسَلَتْ، وَ احْتَشَتْ‏،وَ اسْتَثْفَرَتْ‏،وَ صَلَّتْ.

 وَ إِنْ‏جَازَ الدَّمُ : الْكُرْسُفَ، تَعَصَّبَتْ‏،وَ اغْتَسَلَتْ، ثُمَّ صَلَّتِ الْغَدَاةَ بِغُسْلٍ، وَ الظُّهْرَ وَ الْعَصْرَ بِغُسْلٍ، وَ الْمَغْرِبَ وَ الْعِشَاءَ بِغُسْلٍ؛ وَ إِنْ‏لَمْ يَجُزِ الدَّمُ الْكُرْسُفَ‏،صَلَّتْ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ.

قُلْتُ: وَ الْحَائِضُ؟

قَالَ: مِثْلُذلِكَ سَوَاءً، فَإِنِ انْقَطَعَ عَنْهَا الدَّمُ‏،وَ إِلَّا فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ، تَصْنَعُ مِثْلَ النُّفَسَاءِ سَوَاءً، ثُمَّ تُصَلِّي، وَ لَاتَدَعُ الصَّلَاةَ عَلى‏ حَالٍ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قَالَ: الصَّلَاةُ عِمَادُ دِينِكُمْ».

الكافي ج‏5 / 274 / 13 باب النفساء ح4202_4. الاستظهار: الاحتياط و استيثاق. و قال العلّامة الفيض: استظهارالمرأة أن تترك عبادتها حتّى يظهر حالها أ حائض، أم طاهر؟.أحتشاء المرأة: استدخالها شيئاً في نفسها يمنع الدم من القطر. راجع النهاية ج1ص392؛ ولسان العرب ج14ص179 مادة حشا. واستثفار المرأة: هو أن تأخذ خرقة طويلة عريضة تشدّ أحد طرفيها من قدّام و تخرجها من بين فخذيها و تشدّ طرفها الآخر من وراء بعد أن تحتشي بشيء من القطن؛ ليمتنع به من سيلان الدم. راجع النهاية ج1ص 214 مادة ثفر؛ والحبل المتين ص187.التعصّب: شدّ العِصابة، و هي العمامة و كلّ ما يُعْصَب به من منديل و نحوه. قال الشيخ البهائي: وما تضمّنه‏ الحديث من التعصّب المراد به التحشّي و الاستثفار؛ الحبل المتين ص189. لسان العرب ج1ص602 عصب.

 

وذكر الكليني : عن علي بن إبراهيم، عن أبيه رفعه، قال:

سألت : امرأة أبا عبد الله عليه السلام، فقالت: إني كنت أقعد في‏ نفاسي عشرين يوما حتى‏ أفتوني بثمانية عشر يوما.

فقال أبو عبد الله عليه السلام: و لم أفتوك بثمانية عشر يوما ؟

فقال رجل‏ : للحديث الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه و آله‏ ، قال لِأَسْمَاءَ بِنْتِ‏ عُمَيْسٍ حِينَ‏ نَفِسَتْ‏ بِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ.

فقال أبو عبد الله عليه السلام: إِنَّ أَسْمَاءَ سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وقد أتي بها ثمانية عشر يوما.

 و لو سألته : قبل ذلك، لأمرها أن تغتسل، و تفعل ما تفعله‏ المستحاضة.

الكافي ج5ص272ب13 بَابُ النُّفَسَاء حديث 4201_3. تهذيب الأحكام ج1ص178ح512- 84.

ويا طيب : هذه الولد المبارك كانت ولادته سببا لمعرفة كثير من الأحكام في النفاس والحيض والاستحاضة ، وعلى أمرئة أن ترجع لمن تقلد في معرفة ما تبتلي به من الأحكام .

 




محمد بن أسماء الشهيد :

يا طيب : إن محمد بن أبي بكر من الأولياء المخلصين والأحبة لأهل البيت المقربين ، كان مؤمنا بولاية علي بن أبي طالب عليه السلام ، نصا حقا وأنه الخليفة المفروض طاعته بعد رسول الله ، ويقر أن حكومة أبوه كان فلته مغصوبة وغاشمة ظلومه ، وهنا لم نذكر تفاصيل حياته لأنه ليس من نسل جعفر الطيار ، وإن كانت أمه أسماء رحمها الله ، ولكن نذكر مختصرا عنه :

 قال ابن الأثير في أسد الغابة ضمن ترجمة محمد بن أبي بكر :

 تزوّج عليّ : بأمّه أسماء بنت‏ عميس بعد وفاة أبي بكر ، و كان أبو بكر تزوّجها بعد قتل جعفر بن أبي طالب ، و كان ربيبه في حجره .

و شهد مع عليّ : الجمل و كان على الرّجّالة .

و شهد معه : صفّين ، ثمّ ولّاه مصر فقتل بها.

 و كان ممّن : حصر عثمان بن عفّان و دخل عليه ليقتله ، فقال له عثمان: لو رآك أبوك لأساءه فعلك فتركه و خرج.

 و لمّا ولّي مصر : سار إليه عمرو بن العاص فاقتتلوا، فانهزم محمّد و دخل خربة فاخرج منها و قتل و أحرق في جوف حمار ميّت.

قيل: قتله معاوية بن حديج السّكونيّ، و قيل: قتله عمرو بن العاص صبرا.

و لمّا بلغ : عائشة قتله أشتدّ عليها ، و قالت: كنت أعدّه ولدا و أخا، و مذ أحرق لم تأكل عائشة لحما مشويّا، و كان له فضل و عبادة.

و كان عليّ عليه السلام : يثني عليه ، و هو أخو عبد اللَّه بن جعفر لامّه ، و أخو يحيى بن عليّ لامّه؛ أخرجه الثّلاثة .

وقال بن أبي الحديد : أم محمد بن أبي بكر أسماء بنت عميس بن النعمان بن كعب بن مالك بن قحافة بن خثعم ،كانت تحت جعفر بن أبي طالب و هاجرت معه إلى الحبشة فولدت له هناك عبد الله بن جعفر الجواد .

ثم قتل عنها : يوم مؤتة ، فخلف عليها أبو بكر ، فأولدها محمدا ثم مات عنها ، فخلف عليها علي بن أبي طالب .

و كان محمد : ربيبه و خريجه ، و جاريا عنده مجرى أولاده ، رضع الولاء و التشيع مذ زمن الصبا ، فنشأ عليه فلم يكن يعرف له أبا غير علي و لا يعتقد لأحد فضيلة غيره حتى قال علي عليه السلام : محمد ابني من صلب أبي بكر.

و كان يكنى : أبا القاسم في قول ابن قتيبة ، و قال غيره بل كان يكنى أبا عبد الرحمن.

و كان محمد : من نساك قريش ، و كان ممن أعان على عثمان في يوم الدار و اختلف هل باشر قتل عثمان أم لا .

و من ولد محمد : القاسم بن محمد بن أبي بكر ، فقيه الحجاز و فاضلها ، و من ولد القاسم عبد الرحمن بن القاسم بن محمد كان من فضلاء قريش و يكنى أبا محمد ، و من ولد القاسم أيضا أم فروة تزوجها الباقر أبو جعفر محمد بن علي فأولدها الصادق أبا عبد الله جعفر بن محمد عليهم السلم .

شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج6ص54، و المعارف ص 175.

وذكر الثقفي : عَنْ مَالِكِ بْنِ الْجَوْنِ الْحَضْرَمِيِّ قَالَ:

قيل لعلي عليه السلام : لَقَدْ جَزِعْتَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ جَزَعاً شَدِيداً يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟

قال عليه السلام : « وَ مَا يَمْنَعُنِي أَنَّهُ كَانَ لِي رَبِيباً وَ كَانَ لِبَنِيَّ أَخاً وَ كُنْتُ لَهُ وَالِداً أَعُدُّهُ وَلَداً ».

الغارات ج2ص759.

 

و ينسب إلى محمد بن أبي بكر قوله:

يا أبانا قد وجدنا ما صلح‏
خاب من أنت أبوه و افتضح‏
إنما أنقذني منك الذي‏
أنقذ الدر من الماء الملح‏
يا بني الزهراء أنتم عدتي
و بكم في الحشر ميزاني رجح‏
و إذا صح ولائي فيكم
لا أبالي أي كلب قد نبح‏

 و قتل : بمصر ، و كان محمد واليا لمصر من قبل أمير المؤمنين ، قتل من قبل قادة جيش سيره معاوية لمصر ، وقد وضعوه في جوف حمار ميت و أحرقوه.

و لما بلغ أمير المؤمنين : قتل محمّد بن أبي بكر ، حزن لذلك حزنا شديدا حتّى ظهر ذلك عليه و تبين في وجهه، و قام خطيبا فحمد اللّه و أثنى عليه إلى أن قال: ألا و إن محمّد بن أبي بكر قد استشهد رحمة اللّه عليه و عند اللّه نحتسبه.

و لما سمعت أمه : أسماء بقتله كظمت غيظها حتّى شخبت ثدياها دما.

و كان استشهاده سنة (37) هجرية.

سفينة البحار ج 1 ص 312، رجال الكشّيّ ص 60، خلاصة العلامة ص 138، النجوم الزاهرة ج 1 ص 110.

ذكر الشيخ المفيد رحمه الله محمد بن أبي بكر رحمه الله‏:

عن ابْنُ الطَّيَّارِ قَالَ: ذُكِرَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام : رَحِمَهُ اللَّهُ وَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ .

قَالَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام : يَوْماً مِنَ الْأَيَّامِ ، أبْسُطْ يَدَكَ أُبَايِعْكَ.

فَقَالَ : أَ وَ مَا فَعَلْتَ ؟ فَقَالَ : بَلَى ، فَبَسَطَ يَدَهُ .

فَقَالَ : أَشْهَدُ أَنَّكَ إِمَامٌ مُفْتَرَضٌ طَاعَتُكَ ، وَ أَنَّ أَبِي فِي النَّارِ .

فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : كَانَتِ النَّجَابَةُ مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ‏ عُمَيْسٍ‏ ، لَا مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ‏ .

و حدثنا أحمد بن هارون الفامي رحمه الله عن محمد بن الحسن عن محمد بن الحسن الصفار عن يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير عن عمر بن أذينة عن زرارة بن أعين عن أبي جعفر عليه السلام :

‏ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ : بَايَعَ عَلِيّاً عَلَى الْبَرَاءَةِ مِنْ أَبِيهِ‏.

و حدثنا جعفر بن محمد بن قولويه عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن الحسن بن موسى الخشاب و محمد بن عيسى بن عبيد عن علي بن أسباط عن عبد الله بن سنان قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول‏ :

 كان مع أمير المؤمنين : من قريش خمسة نفر ، و كان ثلاث عشرة قبيلة مع معاوية .

فأما الخمسة : فَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، أَتَتْهُ النَّجَابَةُ مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ .

وَ كَانَ مَعَهُ : هشام بن عتبة بن أبي وقاص المرقال ، و كان معه جعدة بن هبيرة المخزومي و كان أمير المؤمنين خاله ، و هو الذي قال له عتبة بن أبي سفيان إنما هذه الشدة في الحرب من قبل خالك ، فقال له جعدة : لو كان لك خال مثل خالي لنسيت أباك ، و محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة ، و الخامس سلف أمير المؤمنين ابن أبي العاص بن الربيعة .

الإختصاص ص69 ، رواه الكشّيّ في رجاله ص43. و أبن الطيار : هو حمزه بن محمد بن عبد الله بن جعفر الطيار رحمه الله وله روايات كثيرة، وهو من أصحاب الباقر والصادق عليهم السلام ، السلف- ككبد- من الرجال زوج أخت امرأته.

 

أسماء ووفاة النبي :

ويا طيب : ما ذكر في وضع يدها على كتف النبي عند وفاته لا يصح ، لأنه ليس بمحرم لها ، وإن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم توفي في حضن علي بن أبي طالب عليه السلام عنده بنته فاطمة الزهراء عليها السلام ، وقصة وفاته مشهورة ، ولكن نذكر ما ذكروا من الرواية :

ذكر بن سعد أخبرنا محمد بن عمر، حدثني القاسم بن إسحاق عن أمه عن أبيها القاسم بن محمد بن أبي بكر أو عن أم معاوية ، أنه لما شك في موت النبي، صلى الله عليه وآله سلم.

 قال بعضهم: قد مات! وقال بعضهم: لم يمت!

وضعت أسماء بنت عميس : يدها بين كتفيه ، وقالت: قد توفي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قد رفع الخاتم من بين كتفيه.

الطبقات الكبرى لابن سعد ج2ص272.

 

وصية الصديقة لأسماء :

ذكر الشيخ المفيد رحمه الله : عن علي بن الحسين بن علي عن أبيه الحسين عليه السلام قال: لما مرضت فاطمة بنت النبي وصت إلى علي أن يكتم أمرها و يخفي خبرها و لا يؤذن أحدا بمرضها ، ففعل ذلك ، وَ كَانَ يُمَرِّضُهَا بِنَفْسِهِ .

وَ تُعِينُهُ عَلَى ذَلِكَ : أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ رَحِمَهَا اللَّهُ ، عَلَى اسْتِسْرَارٍ بِذَلِكَ كَمَا وَصَّتْ بِهِ .

 فلما حضرتها الوفاة : وصت أمير المؤمنين أن يتولى أمرها و يدفنها ليلا و يعفي قبرها فتولى ذلك أمير المؤمنين ، و دفنها و عفى موضع قبرها ، فلما نفض يده من تراب القبر هاج به الحزن فأرسل دموعه على خديه و حول وجهه إلى قبر رسول الله ، فقال : ....

الأمالي للمفيد ص281م33ح7. الأمالي للطوسي ص109م4ح166- 20. روضة الواعظين و بصيرة المتعظين ج1ص151.

وعن الإمام الشافعي : أخبرنا إبراهيم بن محمد عن عمارة عن أم محمد بنت محمد بن جعفر بن أبي طالب عن جدتها أسماء بنت عميس :

 أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

أوصت : أن تغسلها إذا ماتت ، هي وعلي فغسلتها هي وعلي .

المسند للإمام الشافعي ص٣٦١.

وذكر الطبرسي : عن أسماء بنت عميس ، قالت: أوصتني فاطمة عليها السلام أن لا يغسلها إلّا أنا و علي ، فغسلتها أنا و عليّ عليه السلام .

الاحتجاج على أهل اللجاج ج1ص94. وراجع الإصابة ج4ص 225، وأسد الغابة ج5ص395، وأعلام النساء ج1ص46.

 

وذكر ابن عساكر : أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا عمر بن محمد بن عمر بن علي عن أبيه عن علي بن حسين عن بن عباس قال:

 فاطمة : أول من جعل لها النعش، عملته لها أسماء بنت عميس، وكانت قد رأته يصنع بأرض الحبشة.

الطبقات الكبرى لابن سعد ج8ص28.

وروى الخصيبي : وَ كَانَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا السَّلَامُ : غمضت عينها و حفظت نفسها و مدت‏ عليها الملاءة.

 وَ قَالَتْ: يَا أَسْمَاءُ بِنْتَ‏ عُمَيْسٍ‏ إِذَا أَنَا مِتُّ ، فانظري إلى الدار ، فإذا رأيت سجافا من سندس الجنة قد ضرب فسطاطا من جانب الدار ، فاحمليني و زينب و أم كلثوم و أتيا بي فاجعلوني من وراء السجاف و خلوا بيني و بين نفسي.

فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا السَّلَامُ : وَ ظَهَرَ السِّجَافُ ، حَمَلْتُهَا و جعلت وراءه، فغسلت و حنطت بالحنوط ، و كان كافور أنزله جبريل عليه السلام من الجنة و في ثلاث صرر، فقال: يا رسول الله العلي الأعلى يقرئك السلام، و يقول لك هذا حنوطك و حنوط ابنتك فاطمة، و حنوط أخيك علي مقسوم ثلاثا، و إن أكفانها من الجنة لأنها أمة أكرم على الله من أن يتولاها أحد غيره.

وَ رُوِيَ‏ : أنها تكفنت من بعد غسلها و حنوطها و طهارتها لا دنس فيها ، و أنها لم يكن يحضرها إلا أمير المؤمنين و الحسن و الحسين و زينب و أم كلثوم و فضة جاريتها ، وَ أَسْمَاءُ ابْنَةُ عُمَيْسٍ .

و أن أمير المؤمنين عليه السلام : جهزها ، و معه الحسن و الحسين في الليل ، و صلوا عليها .

و أنها وصت و قالت : لا يصلي علي أمة نقضت عهد أمير المؤمنين عليه السلام و لم يعلم بها أحدا، و لا حضر وفاتها أحد و لا صلى عليها من سائر الناس غيرهم لأنها وصت عليها السلام و قالت: ....

الهداية الكبرى ص177ب3.

والطبري بسنده : عن الإمام الصادق عليه السلام : أنها فاطمة الزهراء عليها السلام قبضت لعشر بقين من جمادى الآخرة، و قد كمل عمرها يوم قبضت ثماني عشرة سنة، و خمسة و ثمانين يوما بعد وفاة أبيها، فغسلها أمير المؤمنين عليه السلام.

وَ لَمْ يَحْضُرْهَا : غَيْرُهُ، وَ الْحَسَنِ، وَ الْحُسَيْنِ، وَ زَيْنَبَ، وَ أُمِّ كُلْثُومٍ، وَ فِضَّةَ جَارِيَتِهَا، وَ أَسْمَاءَ بِنْتِ‏ عُمَيْسٍ‏، و أخرجها إلى البقيع في الليل، و معه الحسن و الحسين، و صلى عليها، و لم يعلم بها، و لا حضر وفاتها، و لا صلى عليها أحد من سائر الناس غيرهم، و دفنها في الروضة، و عفى‏ موضع قبرها، و أصبح البقيع ليلة دفنت و فيه أربعون قبرا جددا ....

دلائل الإمامة للطبري ص136ح43، وعنه بحار الأنوار ج‏43ص171ب7ح11.

يا طيب : عرفت أن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، لما رجع جعفر بن أبي طالب عليه السلام مع زوجته أسماء بنت عميس أختط لهم النبي بيتا قرب المسجد قرب بيوته وبيت أخيه علي بن أبي طالب عليهم السلام ، ولهذا كثرت الأحاديث عنها في مخالطة أهل البيت في كثير من المناسبات ، وحتى بعد شهادة جعفر وزواجها بقيت في بيتها ، وقد عرفت أن أسماء امرأة فعالة مجاهدة ذكية لا تفوتها مناسبة كريمة تخدم بها الإسلام وأهله ، ولذا حضورها كان مسلما.

ويا طيب : أما ما ذكر في الروايات حضور أسماء بنت عميس رحمها الله زفاف فاطمة الزهراء عليها السلام من الإمام علي عليه السلام أو حضورها في ولادة الإمام الحسن والحسين عليهم السلام ، فلا يصح ، لأنها كما عرفت هاجرت سنة 5 خمسة من البعثة مع زوجها جعفر الطيار عليه السلام ، وبقيت في الحبشة مهاجرة حتى سنة 7 سبعة من الهجرة وجاء في فتح خيبر مع زوجها ، وقد زفت فاطمة عليها السلام سنة 2 للهجرة وولادة الحسن عليه السلام سنة 3 والحسين سنة 4 من الهجرة .

ولذا يا طيب : لم نذكر هذه الروايات في سيرة حياتها رحمها الله .

ويا طيب : إن من كان مع فاطمة الزهراء عليها السلام من أهلها ، فاطمة بنت أسد عليها السلام ، فهي حتما حضرت زواجها وولادة الإمام الحسن عليه السلام بل والإمام الحسين عليه السلام لأنه قيل وفاتها على بعض الأقوال سنة خمسة وبعضها سنة أربعة وبعضها سنة ثلاثة ، فتكون ممن حضرت زواجها و ولادت أولادها أو بعضهم .

كما أن أم سلمة : رجعت مع زوجها من الحبشة قبل الهجرة لمكة ، وفي أول الهجرة انتقلت للمدينة ، وزوجها وهو ابن عمت النبي وعلي بن أبي طالب ، وأستشهد بعد بدر وتزوجها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فكانت قرب فاطمة الزهراء وحضرت وزواجها وولادة أبنائها لأنها من المقربين لأهل البيت ، وكانت هي وزوجها أبو سلمة في مكة تحت رعاية خاله أبو طالب مستجيرا به ولم تستطع عشيرته أن تؤذيه ، فكانت مقربة لأهل البيت حتى قبل زواجها من النبي .

وصفية : عمة النبي وعلي صلى الله عيهم وسلم من المهاجرات الأوائل وهي أم الزبير ، كما وزينب بنت عمت النبي زوجة النبي ، وغيرهن من الطالبيات المهاجرات ، كن يحففن بفاطمة عليها السلام في كل مهمة ، فهن ممن حضرن زواج فاطمة الزهراء وولادة أبنائها عليهم الصلاة والسلام .

وقيل : إن من كانت تحضر عند فاطمة الزهراء عليها السلام هي أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصاري ، و المكناة بأم سلمة ، ، وكانت تسمى خطيبة النساء ، ولها عدت أحاديث ، هي ومن المؤمنات المبايعات الأوائل من الأنصار ، وكانت تكثر ملازمة النبي وأهل بيته عليهم السلام .

فلهذا : حضور أسماء رحمها عند شهادة فاطمة الزهراء عليها مسلم لأنها أقرب بيت لها فذكرنا أحاديثها ، وأما زواجها وأولادها ، فلعله أشتبه أسمها ببعض الطالبيات رحمهن الله فلم نذكر أحاديث ذكرت أسمها في هذه المناسبات .

 

بعض أخبار أسماء :

يا طيب : نذكر هنا بعض أخبار أسماء المختصرة ولم نضع لها عناوين لأنها مختصرة :

قال عماد الدين الطبري : حدثنا إبراهيم بن حيان ، عن أم جعفر بنت جعفر امرأة محمد ابن الحنفية ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ أَنَّهَا حَدَّثَتْهَا:

 أَنَّهَا كَانَتْ : تَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ .

 قالت : قلت يا جدة ما كنت تصنعين؟

 قَالَتْ : كُنْتُ أَخْرِزُ السَّقَّاءَ ، وَ أُدَاوِي الْجَرْحَى ، وَ أَكْحُلُ الْعَيْنَ.

بشارة المصطفى لشيعة المرتضى ص267.

 

قال بن سعد : بسنده عن فاطمة الخزاعية:

 عن أسماء بنت عميس قالت: أنا غسلت أم كلثوم بنت رسول الله وصفية بنت عبد المطلب، وجعلت عليها نعشا أمرت بجرائد رطبة فواريتها.

الطبقات الكبرى لابن سعد ج8ص28.

وقال: أخبرنا وكيع بن الجراح عن شعبة عن سعد بن إبراهيم :

أن أبا بكر : أوصى أن تغسله امرأته أسماء.

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا بن جريج عن عطاء قال:

أوصى أبو بكر : أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس ، فإن لم تستطع استعانت بعبد الرحمن بن أبي بكر.

الطبقات الكبرى لابن سعد ج3ص203. وذكر عدة روايات : وكلها بنفس المعنى .

 

وقال: أخبرنا الحسن بن موسى قال: أخبرنا زهير قال: أخبرنا أبو إسحاق عن مصعب بن سعد :

أن عمر : أول من فرض الأعطية، فرض لأهل بدر والمهاجرين والأنصار ستة آلاف ستة آلاف، وفرض لأزواج النبي، عليه السلام، ففضل عليهن عائشة، فرض لها في اثني عشر ألفا ولسائرهن عشرة آلاف عشرة آلاف ، غير جويرية وصفية فرض لهما في ستة آلاف، ستة آلاف .

وفرض للمهاجرات الأول: أسماء بنت عميس ، وأسماء بنت أبي بكر ، وأم عبد، أم عبد الله بن مسعود، ألفا ألفا.

الطبقات الكبرى لابن سعد ج3ص204.

 

أسماء تكفل خولة :

ذكر محمد بن علي العلوي : في حديث الحنفيّة أمّ محمّد بن عليّ عليهما السّلام‏ قصة طويلة عن الإمام الباقر عليه السلام وبعض شيعته ، وذكر فيه كيف تزوج بها وهي ممن أسر من بني حنيفة ، وكلامها في مجلس أبو بكر والصحابة .. إلى أن قال :

ثمّ قال أبو بكر: خذها يا أمير المؤمنين بارك اللّه لك فيها، و انصرف لوجهه الكريم.

 فلمّا وصل : باب أسماء بنت‏ عميس‏ ، ناداها .

و قال: يا أسماء، قالت: لبّيك يا أمير المؤمنين.

قال: خذي هذه المرأة و أكرمي مثواها ، و أحفظيها إلى أن يقدم أخوها، ثمّ قدم بعد مدّة أخوها و زوّجها أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه.

كنز الفوائد ج1ص296. والراوندي في الخرائج و الجرائح ج2ص589ح1، وفيه : فبعث علي عليه السلام خولة إلى دار أسماء بنت عميس ، و قال لها : خذي هذه المرأة أكرمي مثواها ، فلم تزل خولة عند أسماء إلى أن قدم أخوها و زوجها من علي بن أبي طالب عليه السلام.

أسماء وعلامة المهدي :

ذكر بن طاووس : بسنده عن نعيم، عن عبد اللّه بن مروان عن سعيد بن يزيد التنوخي عن الزهري، قال:

 إذا التقى : السفياني و المهدي للقتال يومئذ يسمع صوت من السماء: ألا إنّ أولياء اللّه أصحاب فلان، يعني: المهدي. هذا لفظ الحديث.

قال الزهري: قالت أسماء بنت عميس: إنّ أمارة ذلك أنّ كفّا من السماء مدلّاة ينظر إليها الناس .

التشريف بالمنن في التعريف بالفتن ص134ب124ح149.

 




أولاد جعفر وأحفاده

 

أولاد جعفر الطيار :

وذكر علي بن إبراهيم : و رجع عمرو إلى قريش ، فأخبرهم أن جَعْفَراً فِي أَرْضِ الْحَبَشَةِ فِي أَكْرَمِ كَرَامَةٍ فلم يزل بها حتى هادن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قريشا و صالحهم و فتح خيبر ، فوافى بجميع من معه.

 وَ وُلِدَ لِجَعْفَرٍ : بِالْحَبَشَةِ مِنْ أَسْمَاءِ بِنْتِ عُمَيْسٍ ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ.

تفسير القمي ج1ص178.

وقال ابن سعد : وكان لجعفر من الولد عبد الله ، وبه كان يكنى وله العقب من ولد جعفر.

ومحمد وعون : لا عقب لهما، ولدوا جميعا لجعفر بأرض الحبشة في المهاجر إليها، وأمهم أسماء بنت عميس.

وأخبرنا : إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس قال: حدثني أبي عن عبيد الله بن محمد بن عمر بن علي عن أبيه قال:

 ولد جعفر بن أبي طالب : عبد الله ، وعون ، ومحمد بنو جعفر ، وأخواهم لأمهم يحيى بن علي بن أبي طالب ، ومحمد بن أبي بكر .

وأمهم : الخثعمية أسماء بنت عميس.

الطبقات الكبرى لابن سعد ج4ص34.

 

بناتنا لأبنائنا :

وعن الإمام الرضا عليه السلام قال : وَ نَرْوِي :‏ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم :

 نَظَرَ : إِلَى وَلَدَيْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ عليهم السلام .

 وَ بَنَاتِ : جَعْفَرِ بْنِ‏ أَبِي‏ طَالِبٍ‏ عليه السلام .

فَقَالَ : بَنُونَا لِبَنَاتِنَا ، وَ بَنَاتُنَا لِبَنِينَا.

الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا عليه السلام ص355ب95 باب مكارم الأخلاق و التجمل و المروءة و الحياء و البر و صلة الأرحام و غير ذلك من الآداب.

وقال الصدوق : في باب الاعتقاد في العلويّة:

و بعضهم أكفاء بعض: لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ حِينَ نَظَرَ إِلَى بَنِينَ وَ بَنَاتِ عَلِيٍّ وَ جَعْفَرٍ ابْنَيْ أَبِي‏ طَالِبٍ: بَنَاتُنَا كَبَنِينَا، وَ بَنُونَا كَبَنَاتِنَا.

اعتقادات الإمامية للصدوق ص111ب41.

 

أبناء جعفر تصبهم العين :

قال الشعيري : قال رسول الله :‏ إن العين لتدخل الرجل القبر و تدخل الجمل القدر.

و جاء في الخبَرِ : أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ‏ عُمَيْسٍ‏ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ بَنِي جَعْفَرٍ تُصِيبُهُمُ الْعَيْنُ أَ فَأَسْتَرْقِي لَهُمْ ؟

 قَالَ : نَعَمْ ، فَلَوْ كَانَ شَيْ‏ءٌ يَسْبِقُ الْقَدَرَ لَسَبَقَتِ الْعَيْنُ .

وعن الفراء و الزجاج: قال الحسن‏ دواء إصابة العين ، أن يقرأ الإنسان هذه الآية: { وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (51) ‏} القلم.

جامع الأخبار ص157ف119.

 

حرمة الزكاة لجعفر وأولاده :

يا طيب : ذكر الشيخ المفيد رحمه الله :

 و تحرم : الزكاة الواجبة على بني هاشم جميعا من ولد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب و جعفر و عقيل و العباس رضي الله عنهم ، إذا كانوا متمكنين من حقهم في الخمس من الغنائم على ما نطق به القرآن ، فإذا منعوه و اضطروا إلى الصدقة حلت لهم الزكاة.

المقنعة ص243ب14 باب ما يحل لبني هاشم و يحرم عليهم من الزكاة .

وفي موقع استفتاءات السيد السيستاني حفظه الله : السؤال: هل تحلّ زكاة المال على الهاشمي وغيره؟

الجواب: تحلّ صدقة الهاشمي على الهاشمي وعلى غيره حتّى زكاة المال وزكاة الفطرة، وأمّا صدقة غير الهاشمي فإن كانت زكاة المال أو زكاة الفطرة فهي حرام على الهاشمي ولا تحلّ للمتصدّق عليه ولا تفرغ ذمّة المتصدّق بها عنها، وإن كانت غيرهما فالأقوى جوازها سواء أكانت واجبة كردّ المظالم والكفارات وفدية الصوم أم مندوبة، إلّا إذا كانت من قبيل ما يتعارف من دفع المال القليل لدفع البلاء ونحو ذلك ممّا كان من مراسم الذلّ والهوان فإنّ في جوازه إشكالاً.

ويا طيب : حرمة الصدقة والزكاة الواجبة على الهاشميين من غير الهاشميين ، لأن الله عوضهم عنها بالخمس ، فإن كانوا متمكنين منه فلهم سهمهم ، وإن حرموا واضطروا فلهم ما يسد حاجتهم ، ولها أحكام كثيرة يجب مراجعتها لمن نقلده .

 

ولد جعفر الطيار

يا طيب : عرفت نسب جعفر بن أبي طالب وهو نسب رسول الله لأن أبي طالب وعبد الله أبو رسول الله أخوة لأب وأم صلى الله عليهم وسلم ، وعرفت نسب أسماء بنت عميس رحمها الله ، وإن ولد جعفر ثلاثة كلهم ولدوا في الحبشة ، ومر بعض ذكرهم ونذكرهم هنا بحديث واحد ، حتى نذكر بعض قصص حياة ولده رحمهم الله ، وما آل أمرهم :

قال مصعب الزبيري : ولِد جعفر بن أبي طالب:

قال أبو عبد الله: ولد جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب:

عبد الله؛ ومحمداً؛ وعوناً .

قالوا: لما هاجر بن أبي طالب إلى أرض الحبشة، حمل أمرأته أسماء بنت عميس؛ فولدت له هناك أسماء بنت عميس: عبد الله، ومحمداً، وعوناً. ثم ولد للنجاشي، بعدما ولدت أسماء بنت عميس ابنها عبد الله بأيام.

 فأرسل إلى جعفر: ما سميت أبنك؟ قال: عبد الله ؛ فسمى النجاشي أبنه عبد الله؛ وأخذته أسماء، فأرضعته حتى فطمته بلبن عبد الله بن جعفر.

 ونزلت : بذلك عندهم منزلة؛ فكان من أسلم بالحبشة يأتي أسماء بعد، يخبر خبرهم.

 فلما ركب جعفر بن أبي طالب : مع أصحاب السفينتين، منصرفهم من عند النجاشي، حمل معه أسماء ابنة عميس وولده الذين ولدوا هناك: عبد الله، ومحمداً، وعوناً، حتى قدم بهم بالمدينة؛ فلم يزالوا بها حتى وجه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جعفراً إلى مؤتة؛ فمات بها شهيداً.

كتاب نسب قريش للزبيري ج3ص80. ومثله بسنده ابن سعد في الطبقات الكبرى ج ٤ص24 رقم345.

ويا طيب : إن نسب الجعفرية من ولد جعفر بن أبي طالب كلهم من أحفاد أبنه عبد الله ، ولم يعقب عون ومحمد ومن لده ، فنذكر بعض حياتهم مختصرة في صحيفة أبيهم لنعرف شأنه الكريم وشأنهم المجيد:

محمد بن جعفر الطيار

 

يا طيب : عرفت : محمد بن جعفر بن أبي طالب ولد في الحبشة ، ولازم عمه علي بن أبي طالب عليه السلام ، حتى كان قائد لميمنة جيش عمه علي بن أبي طالب في حرب صفين ، وفيها أستشهد ، فتعرف على قصة شهادته .

شهادة محمد بن جعفر :

عن ابن عقدة قال: حدّثنا يحيى بن الحسن، قال: حدّثني أبو يونس محمّد بن أحمد، قال: حدّثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدّثني عبد الرحمن بن المغيرة، عن أبيه‏ عن الضحّاك بن عثمان، قال:

خرج : عبيد اللّه بن عمر بن الخطّاب في كتيبة يقال لها الخضراء.

و كان بإزائه محمّد بن جعفر بن أبي طالب‏ : معه‏ راية أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب التي تسمّى الجموح. و كانا في عشرة آلاف.

فاقتتلوا قتالا شديدا.

قال: فلقد ألقى اللّه عزّ وجلّ عليهم الصبر، و رفع عنهم النصر.

فصاح: عبيد اللّه حتّى متى هذا الحذر؟ أبرز حتّى أنا جزك.

فبرز له محمّد : فتطاعنا حتّى انكسرت رماحهما، ثمّ تضاربا حتّى انكسر سيف محمّد. و نشب سيف عبيد اللّه بن عمر في الدرقة ، فتعانقا ، و عضّ كلّ واحد منهما أنف صاحبه فوقعا عن فرسيهما.

و حمل: أصحابهما عليهما فقتل بعضهم بعضا، حتّى صار عليهما مثل التلّ العظيم من القتلى.

و غلب عليّ عليه السّلام : على المعركة، فأزال أهل الشام عنهما.

و وقف عليهما فقال:

اكشفوا هؤلاء القتلى : عن ابن أخي ، فجعلوا يجرون القتلى عنهما حتّى كشفوهما ، فإذا هما متعانقان .

 فقال عليّ عليه السّلام: أما و اللّه لعن غير حبّ تعانقتما .

فضائل أمير المؤمنين عليه السلام ص96ح93 . مقاتل الطالبيين ص 12.

 

 




حياة عبد الله بن جعفر الطيار

مختصر حياة عبد الله :

عبد الله بن جعفر الطيار : كان عالما فاضلا ورعا مؤمنا مخلصا مواليا للنبي وآهل به هو منهم ، وكان شجاعا شهما مدافعا عن الهدى الحق وأهله ، وناشرا لتعاليمه ومحدثا لمعارفه ، نصر الهدى بكل ما أوتي من قوة حتى أمام الحكام العتاة الطغاة ، وله مواقف مشهودة ، وكان كريما جوادا سخيا مشهور بمساعدة المحتاجين ، حتى عد في أوائل إن لم نقل أول أجواد العرب .

وكنيته : أبو جعفر .

ولقبه : بحر الجود .

وأمه : المؤمنة المخلصة أسماء بنت عميس .

وأخوته : محمد ، وعون ، ومحمد بن أبي بكر من أمه ، ويحيى بن علي بن أبي طالب عليه السلام .

يا طيب : عرفت أن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قد ولد في الحبشة ، في أول الهجرة سنة 5 خمسة للبعثة النبوية المباركة ، وذكروا توفى سنة 80 وقيل 84 أربع 85 أو خمسة وثمانين ، وكان عمره 90 سنة ، والصحيح أن يكون ولد سنة 5 خمسة للبعثة ، وقد ذكر بعضهم كما عرفت أن أمه كانت حاملة به حين هاجرت ، فيكون 8 سنوات قبل الهجرة و وثمانون سنة ، فيكون عمره 88 سنة أو 92 سنة أو 93 سنة ، وتدبر هذه الأقوال في عمره الشريف المبارك .

ذكر بن عبد البر :

 عبد الله : بن جعفر بن أبي طالب القرشي الهاشمي ، ولد في الحبشة، وقدم مع أبيه المدينة، وحفظ عن رسول الله وروى عنه.

وتوفى بالمدينة : سنة ثمانين، وهو ابن تسعين سنة.

وقيل: إنه توفى سنة أربع أو خمس وثمانين، وهو ابن ثمانين سنة، والأول عندي أولى، وعليه أكثرهم أنه توفى سنة ثمانين، وصلى عليه أبان بن عثمان، وهو يومئذ أمير المدينة، وذلك العام يعرف بعام الجحاف لسيل كان بمكة أجحف بالحاج، وذهب بالإبل، وعليها الحمولة.

 كتاب الاستيعاب في معرفة الأصحاب ج3 ص818 رقم 1488 .

وقال مصعب الزبيري : ومات عبد الله بن جعفر سنة ٨٠، وهو عام الجحاف: سيل كان ببطن مكة، جحف الحاج، وذهب بالإبل، وعليها الحمولة.

وكان الوالي : يومئذ على المدينة أبان بن عثمان بن عفان، في خلافة عبد الملك بن مروان، وهو صلى الله عليه ، وكان عبد الله بن جعفر، يوم توفي ابن تسعين سنة.

كتاب نسب قريش للزبيري ج3ص80.

وذكر بن عساكر : بسنده عن محمد بن عبد الرحمن قال : سمعت هشام بن سليمان المخزومي ، قال : أجتمع أهل الحجاز وأهل البصرة وأهل الكوفة ، أنهم لم يسمعوا بيتين أحسن من بيتين رأوهما ، على قبر عبد الله بن جعفر بن أبي طالب عليه السلام.

مقيم إلى أن يبعث الله خلقه
لقاؤك لا يرجى و أنت قريب
تزيد بلى في كل يوم وليلة
وتنسى كما تبلى وأنت حبيب

تاريخ دمشق ج27ص298. و البيان في أسد الغابة ج3ص96.

وجاء في زيارته :

اَلسَّلامُ عَلَيْكَ : يَا عَبدِاللهِ بْنَ جَعْفَرٍ اَلطَّيَّارِ فِي الجِنَانِ ، وَ عَلى مَنْ حَولَكُمَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ، رَضِيَ اللهُ تَعَالى عَنْكُمْ وَ أَرْضَاكُمْ أَحْسَنَ الرِّضَا ، وَ جَعَلَ اَلجنَّةَ مَنْزِلَكُمْ وَ مَسْكَنَكُمْ ، وَ مَحَلَّكُمْ وَ مَأويكُم ، اَلسَّلامُ عَلَيْكُم وَ رَحَمَةُ اللهِ وَ بَرَكاتُهُ .

 

أولاد عبد الله وزوجاته :

ذكر الزبيري : ولد عبد الله بن جعفر بن أبي طالب: جعفراً الأكبر، به كان يكنى، انقرض؛ وعوناً الأكبر، انقرض، وكان يجد به وجداً شديداً وحزن عليه حزناً، وعرف فيه حتى أبصر بعد ورجع.

 وعلي بن عبد الله: وفيه البقية من ولده؛ وأم كلثوم، خطبها معاوية علي ولده، فجعل عبد الله أمرها إلى الحسين بن علي، فزوجها الحسين القاسم بن محمد بن جعفر بن أبي طالب.

 وأمهم جميعاً: زينب بنت علي بن أبي طالب، وأمها: فاطمة بنت النبي صلى الله عليهم وسلم.

 والحسين : وعوناً الأصغر، قتلا بالطف، وأمهما: بنت المسيب بن نجبة الفزاري.

 وأبا بكر : ومحمداً؛ وعبد الله الأصغر، بالترتيب؛ ومحمداً الأصغر، قتل بالطف، وأمهم: ابنة خصفة بن ثقيف بن بكر بن وائل.

 ويحيى : وهارون؛ وصالحاً؛ وموسى؛ وأم أبيها، وأم محمد، وأمهم جميعاً: ليلى بنت مسعود بن خالد بن مالك بن ربعي بن سلمى بن جندل بن نهشل .

 وصالحاً الأصغر: وأسماء؛ ولبابة، بني عبد الله؛ أمهم: آمنة بنت عبد الله بن كعب بن عبد الله من خثعم.

 وجعفر بن عبد الله، درج، وأمه: النابغة بنت خداش، من بني عبس بن بغيض.

 وحسيناً الأصغر، لا عقب له، ومعمرية؛ وإسحاق، بني عبد الله، لأمهات أولاد شتى.

والعقب : من ولد عبد الله بن جعفر لعلي ومعاوية وإسحاق وإسماعيل بني عبد الله بن جعفر؛ وليس لسائر ولد عبد الله عقب؛ وقد انقرض ولد جعفر إلا من هؤلاء المسمين، وإلا ولد أم كلثوم بنت عبد الله بن جعفر.

كتاب نسب قريش للزبيري ج3ص80.

 

أحوال وأوصاف عبد الله وجوده :

عن ابن الأثير: عن ابن عياش، عن هشام، عن عروة، أن عَبْد اللَّهِ بْن الزبير، وعبد اللَّه بْن جَعْفَر بايعا النَّبِيّ وهما ابنا ست.

كتاب أسد الغابة ج2ص540ر756.وذكر أخرجه ابن منده، وَأَبُو نعيم.

ذكر ابن بطريق : و من الجمع بين الصحيحين للحميدي أيضا الحديث الثاني و السبعون من إفراد البخاري في الصحيح ، من مسند عبد الله بن عمر، و بالإسناد المقدم قال عن أبي عمرو و عامر بن شراحيل الشعبي ، قال:

كان : ابن عمر إذا سلم على ‏ابن جعفر ، يعني عبد الله ، قال:

 السَّلَامُ عَلَيْكَ : يَا ابْنَ ذِي الْجَنَاحَيْنِ‏.

عمدة عيون صحاح الأخبار في مناقب إمام الأبرار ص409ح844و851 ، عن صحيح البخاريّ الجزء الخامس باب مناقب جعفر بن أبي طالب ص 20.

 

وذكر بن عبد البر : وكان عبد الله بن جعفر كريما، جوادا ظريفا، خليقا عفيفا سخيا يسمى بحر الجود.

 ويقال: إنه لم يكن في الإسلام أسخى منه.

ويقولون: إن أجواد العرب في الإسلام عشرة. فأجواد أهل الحجاز عبد الله بن جعفر، وعبيد الله بن عباس بن عبد المطلب، وسعيد بن العاص.

وأجود أهل الكوفة : عتاب بن ورقاء أحد بنى رباح بن يربوع، وأسماء بن خارجة ابن حصن الفزاري، وعكرمة بن ربعي الفياض أحد بنى تيم الله بن ثعلبة، وأجواد أهل البصرة عمرو بن عبيد الله بن معمر، وطلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي ثم أحد بنى مليح وهو طلحة الطلحات، وعبيد الله بن أبى بكرة، وأجواد أهل الشام خالد بن عبيد الله بن خالد بن أسد بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس.

وليس في هؤلاء كلهم : أجود من عبد الله بن جعفر، ولم يكن مسلم يبلغ مبلغه في الجود، وعوتب في ذلك ، فقال: إن الله عودني عادة، وعودت الناس عادة، فأنا أخاف إن قطعتها قطعت عنى.

ومدحه نصيب : فأعطاه إبلا وخيلا وثيابا ودنانير ودراهم. فقيل له: تعطى لهذا الأسود مثل هذا؟ فقال: إن كان أسود فشعره أبيض. ولقد استحق بما قال أكثر مما نال، وهل أعطيناه إلا ما يبلى ويفنى، وأعطانا مدحا يروى، وثناء يبقى.

وقد قيل: إن هذا الخبر إنما جرى لعبد الله بن جعفر مع عبد الله بن قيس الرقيات.

 وأخباره : في الجود كثيرة جدا.

كتاب الاستيعاب في معرفة الأصحاب ج3 ص818 رقم 1488 .

 

الرواة عنه :

روى عنه ابناه إسماعيل، ومعاوية، وأبو جعفر محمد بن على، والقاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، وسعد بن إبراهيم الأكبر، والشعبي، ومورق العجلي، وعبد الله بن شداد، والحسن بن سعد، وعباس بن سهل بن سعد، وغيرهم.

 كتاب الاستيعاب في معرفة الأصحاب ج3 ص818 رقم 1488 .

روايات عبد الله بن جعفر :

 

عبد الله يروي تعزية الرسول لهم :

ذكر الواقدي : حدثني محمد بن مسلم عن يحيى بن أبي يعلى قال : سمعت عبد الله ابن جعفر يقول :

 أنا أحفظ : حين دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أمي فنعى لها أبي ، فأنظر إليه وهو يمسح على رأسي ورأس أخي وعيناه تهراقان الدموع حتى تقطر لحيته .

 ثم قال : اللهم إن جعفراً قد قدم إلى أحسن الثواب فأخلفه في ذريته بأحسن ما خلفت أحداً من عبادك في ذريته .

ثم قال : يا أسماء ألا أبشرك ؟

قالت : بلى بأبي أنت وأمي .

قال : فإن الله عز وجل جعل لجعفر جناحين يطير بهما في الجنة .

 قالت : بأبي وأمي يا رسول الله ، فأعلم الناس ذلك .

فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : وأخذ بيدي يمسح بيده رأسي ، حتى رقي على المنبر وأجلسني أمامه على الدرجة السفلى ، والحزن يعرف عليه.

فتكلم فقال : إن المرء كثيرٌ بأخيه وابن عمه ، ألا إن جعفراً قد استشهد.

 وقد جعل الله له : جناحين يطير بهما في الجنة .

ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وآله سلم : فدخل بيته وأدخلني ، وأمر بطعامٍ فصنع لأهلي ، وأرسل إلى أخي فتغدينا عنده ، والله غداءً طيباً مباركاً ، عمدت سلمى خادمته إلى شعيرٍ فطحنته ثم نسفته ثم أنضجته وأدمته بزيت ، وجعلت عليه فلفلاً ، فتغديت أنا وأخي معه ، فأقمنا ثلاثة أيام في بيته ندور معه كلما صار في إحدى بيوت نسائه ، ثم رجعنا إلى بيتنا .

فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله سلم : وأنا أساوم بشاة أخٍ لي .

فقال : اللهم بارك في صفقته .

قال عبد الله : فما بعت شيئاً ولا اشتريت إلا بورك فيه .

المغازي للواقدي ج2ص767. وعنه شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج15ص71. كتاب نسب قريش للزبيري ج3ص81.

 

جعفر يقر لأهل البيت :

ومن غرر روايات عبد الله بن جعفر رحمه الله : في أهل البيت الخمسة وإنهم هم أصحاب الكساء ما رواه الحاكم النيسابوري ، فقال : عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب أنه قال :

 لما نظر : رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الرحمة هابطة ، قال : أدعوا لي أدعوا لي.

 فقالت صفية : من يا رسول الله ؟

قال : أهل بيتي علياً وفاطمة والحسن والحسين ، فجيء بهم ، فألقي عليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم كساءه، ثم رفع يديه .

ثم قال : اللهم هؤلاء آلي  فصل على محمد وآل محمد.

 وأنزل الله عزوجل : { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) } الأحزاب.

المستدرك على الصحيحين ج3ص14. وقال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد .

عبد الله بن جعفر يثأر لأبيه :

يا طيب : ذكر الواقدي في فتوح الشام ، حديث وقعة أبي القدس:

قال الواقدي: سألت من حدث بهذا الحديث عن حصن أبي القدس :

قال: ما بين عرقا وطرابلس مرج ( وادي أخضر واسع كثير النباتات)، يقال له : مرج السلسلة .

وكان بإزائه دير : وفيه صوامع ، وفيه صومعة راهب ، عالم بدين النصرانية وقد قرأ الكتب السالفة وأخبار الأمم الماضية المتقدمة ، وكانت تقصده الروم وتقتبس من علمه وله من العمر ما ينوف عن مائة سنة.

 وكان في كل سنة : يقوم عند ديره عيد آخر صيام الروم ، وهو عيد الشعانين ، فتجتمع الروم والنصارى وغيرهم من جميع النواحي والسواحل ومن قبط مصر ، ويحدقون به فيطلع عليهم من ذروة له فيعلمهم ويوصيهم بوصايا الإنجيل.

 وكان يقوم في ذلك العيد : سوق عظيم من السنة إلى السنة، وكان يحمل له الأمتعة والذهب والفضة ، ويبيعون ويشترون ثلاثة أيام، وما كان المسلمون يعلمون بذلك ولا يعرفونه ، حتى دلهم عليه رجل نصراني من المعاهدين وقد اصطفاه أبو عبيدة وأمنَّه وأهله.

فلما ولي أبو عبيدة : أمر المسلمين ، أراد ذلك المعاهد أن يتقرب إلى أبي عبيدة ، فعسى أن يكون فتح الدير والسوق على يديه ، فأقبل إليه.

 وأبو عبيدة : قد أطال الفكر فيما يصنع وأي بلد من بلاد الروم يقصد ، فمرة يقول: أسير إلى بيت المقدس بالجيش فإنها أشرف بلدهم وكرسي مملكة الروم بها قيام دينهم، ووقتاً يقول: أسير إلى أنطاكية وأقصد هرقل وأفرغ منه، وبينما هو يفكر في أمره وقد جمع المسلمين .

إذ أقبل ذلك المعاهد : وكان من نصارى الشام ، فقال: أيها الأمير إنك قد أحسنت إليَّ وأمنتني ووهبتني أهلي ومالي وولدي، وقد أتيتك ببشارة وغنيمة يغنمها المسلمون ساقها الله إليهم، فإن أظفرهم الله بها استغنوا غنى ولا فقر بعده.

 فقال أبو عبيدة: أخبرنا ما هذه الغنيمة وأين تكون؟ فما علمتك إلا ناصحاً!

 فقال: أيها الأمير إنها بإزائك على دير الساحل ، وهو حصن يعرف بأبي القدس ، وبإزائه دير فيه راهب تعظمه النصرانية ويتبركون بدعائه ويقتبسون من علمه و، له في كل سنة عيد يجتمعون إليه من كل النواحي والقرى والأمصار والضياع والأديرة ، ويقوم عنده سوق عظيم يظهرون فيه فاخر ثيابهم من الديباج والذهب والفضة، يقيمون عنده ثلاثة أيام أو سبعة ، وقد قرب وقت قيام السوق ، فتأخذون جميع ما فيه وتقتلون الرجال وتسبون النساء والذراري، وهذه غنيمة يفرح بها المسلمون ويوهن لها عدوكم.

 

قال الواقدي: فلما سمع أبو عبيدة ما قاله المعاهد فرح رجاء أن يكون ما قاله المعاهد غنيمة للمسلمين.

فقال للمعاهد: كم بيننا وبين هذا الدير؟ قال: عشرة فراسخ للمجد السائر. قال أبو عبيدة: وكم بقي إلى قيام السوق؟ قال: أيام قلائل. قال أبو عبيدة: فهل يكون لهم حامية يلي أمرهم ويصد عنهم؟ قال المعاهد: لسنا نعرف ما ذكرت في بلاد الملك لأنه لا يصيب بعضنا بعضاً لهيبة هرقل في قلوبهم.

 فلما سمع أبو عبيدة ذلك قال: هل بالقرب منه شيء من مدائن الشام؟ قال: نعم بالقرب من السوق مدينة تسمى طرابلس، وهي مينا الشام ، إليها تقدم المراكب من كل مكان ، وفيها بطريق عظيم كثير التجبر ، وقد أقطعه الملك إياها من تجبره ، وهو يحضر السوق ، وما كنت أعهد أن لهذا السوق حامية من الروم ، إلا أن يكون الآن لخوفهم منكم ، ولو سار إلى الدير والسوق أدنى المسلمين لرجوت لهم الفتح إن شاء الله تعالى.

فقال أبو عبيدة: أيها الناس أيكم يهب نفسه لله تعالى ، وينطلق مع جيش أبعثه فتحا للمسلمين.

فسكت الناس : ولم يتكلم أحد، فنادى أبو عبيدة ثانية وإنما يريد خالداً بقوله واستحيا أن يواجهه في ذلك لأجل عزله.

 فقام من وسط الناس : غلام شاب نبت شعر عارضيه واخضرَّ شاربه ، وكان ذلك الشاب عبد الله بن جعفر رضي الله عنه .

وكانت أمه : أسماء بنت عميس الخثعمية رضي الله عنها .

وكان أبوه جعفر رضي الله عنه : قد مات في غزوة تبوك ، وخلف ولده عبد الله صغيراً ، فتزوجها أبو بكر.

فلما كبر عبد الله بن جعفر بن أبي طالب : وترعرع .

كان يقول لأمه: يا أماه ما فعل أبي؟

فتقول: يا ولدي قتله الروم .

وكان يقول : لئن عشت لآخذن بثأره.

 فلما مات : أبو بكر وتولى عمر .

 جاء عبد الله بن جعفر إلى الشام : في بعث بعثه عمر مع عبد الله بن أنيس الجهني.

 وكان فيه ( عبد الله بن جعفر ) : مشابهة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، في خلقه وخلقه ، وهو أحد الأصحاب الأسخياء.

 فلما قال أبو عبيدة : أيها الناس من ينطلق إلى هذا الدير .

وثب عبد الله بن جعفر الطيار رضي الله عنه وقال: أنا أول من يسير مع هذا البعث يا أمين الأمة.

 ففرح أبو عبيدة : وجعل يندب له رجالاً من المسلمين وفرسان الموحدين.

وقال له: أنت الأمير يا ابن عم رسول الله ، وعقد له راية سوداء وسلمها إليه.

 وكان على الخيل : خمسمائة فارس منهم رجال من أهل بدر.

 وكان من جملة : من سيره مع عبد الله بن جعفر ، أبو ذر الغفاري ، وعبد الله بن أبي أوفى ، وعامر بن ربيعة و .... ومثل هؤلاء السادات رضي الله عنهم أجمعين.

 ولما أن أجتمع : الخمسمائة فارس تحت راية عبد الله بن جعفر ، وما منهم إلا من شهد الوقائع وخاض المعامع عوَّلوا على المسير.

و قال أبو عبيدة لعبد الله بن جعفر: يا ابن عم رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - لا تقدم على القوم إلا في أول قيام السوق، ثم إنه ودعهم وساروا.

 

وكان في هذه السرية : مع عبد الله بن جعفر رضي الله عنه ، واثلة بن الأسقع رضي الله عنه ، وكان خروجهم من أرض الشام وهي دمشق إلى دير أبي القدس في ليلة النصف من شعبان و كان القمر زائد النور.

وقال : وأنا إلى جانب عبد الله بن جعفر.

 فقال لي: يا ابن الأسقع ما أحسن قمر هذه الليلة وأنوره.

 فقلت: يا ابن عم رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - هذه ليلة النصف من شعبان وهي ليلة مباركة عظيمة، وفي هذه تكتب الأرزاق والآجال وتغفر فيها الذنوب والسيئات وكنت أردت أن أقومها. فقلت: إن سيرنا في سبيل الله خير من قيامها والله جزيل العطاء.

 فقال: صدقت ، ثم إننا سرنا ليلتنا .

فبينما نحن سائرون : إذ أشرفنا على صومعة راهب وعليه برنس أسود، فجعل يتأملنا وينظر في وجوهنا فتفقدنا واحداً بعد واحد.

 ثم جعل يطيل النظر : في وجه عبد الله.

 ثم قال: أهذا الفتى ابن نبيكم؟ فقلنا: لا .

قال: إن نور النبوة يلوح بين عينيه فهل يلحق به؟

 فقلنا: هو ابن عمه.

 فقال الراهب: هو من الورقة والورقة من الشجرة.

 فقال عبد الله: أيها الراهب وهل تعرف رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -؟

فقال: وكيف لا أعرفه وأسمه وصفته في التوراة والإنجيل والزبور، وإنه صاحب الجمل الأحمر والسيف المشهر.

فقال عبد الله: فلم لا تؤمن به وتصدقه؟!

فرفع يده : إلى السماء ، وقال: حتى يشاء صاحب هذه الخضراء! فأعجبنا كلامه.

 وسرنا : والدليل بين أيدينا ، إذ أتى بنا إلى واد كثير الشجر والماء ، أمرنا أن نكمن فيه.

 ثم قال لعبد الله بن جعفر: إني ذاهب أجس لكم الخبر.

فقال له عبد الله: أسرع في مسيرك وعد إلينا بالخبر.

قال : فانطلق مسرعاً .

وأقام عبد الله بن جعفر : يحرس المسلمين بنفسه إلى الصباح.

فلما أصبحنا : صلينا صلاة الصبح ، وجلسنا ننتظر رجوع الرسول ، فلم يأت وأبطأ خبره علينا ، فقلق المسلمون عليه لاحتباسه ، وخافوا من المكيدة ووسوس لهم الشيطان ، وساءت بالدليل الظنون ، فما من المسلمين إلا من ظن بالمعاهد شراً ، إلا أبا ذر الغفاري - رضي الله عنه - فإنه قال: ظنوا بصاحبكم خيراً ولا تخافوا منه كيداً ولا مكراً إن له شأناً تعلمونه. قال : فسكت الناس بعد ذلك وإذا بصاحبهم قد أقبل.

 قال واثلة بن الأسقع: فلما رأيناه فرحنا به وظننا أنه يأمر بالنهوض إلى العدو ، فأقبل حتى وقف وسط المسلمين.

وقال: يا أصحاب محمد _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وحق المسيح ابن مريم _ عليهما السلام _ أني لا أكذبكم فيما أحدثكم به ، وإني رجوت لكم الغنيمة وقد حال بينكم وبينها ماء.

 

فقال له عبد الله بن جعفر - رضي الله عنهما -: وكيف حيل بيننا وبينها؟

قال: حال بينكم وبينها بحر عجاج، وذلك أنِّي أشرفت على السوق وقد قام فيه البيع والشراء، فاجتمع فيه أهل دين النصرانية وقد دار أكثرهم بالدير ، دير أبي القدس ، وأجتمع إليه القسس والرهبان والملوك والبطارقة، فلما نظرت إلى ذلك لم أرجع حتى اختبرت ما السبب الذي تجمعت له الخلق زيادة على كل سنة، وذلك أني مضيت، واختلطت بالقوم .

وإذا بصاحب طرابلس : قد زوج ابنته ملكاً من ملوك الروم، وقد أتوا بالجارية إلى الدير ليأخذوا لها من راهبهم قرباناً ، وقد دار بها فرسان الروم المتنصرة في عددهم وعديدهم، كل ذلك خوفاً منكم لأنهم يعلمون أنكم بأرض الشام .

يا معاشر المسلمين : وما أرى لكم صواباً أن تصلوا إلى القوم ، لأنهم خلق كثير وجم غفير وجمع غزير.

فقال عبد الله بن جعفر - رضي الله عنه - : في كم يكون القوم وكم حزرتهم؟

فقال: أما السوق ففيه أكثر من عشرين ألفاً من عوام الروم والأرمن والنصارى والقبط واليهود من مصر والشام وأهل السواد والبطارقة والمتنصرة.

 وأما المستعدون للحرب : فخمسة آلاف فارس فما لكم بالقوة طاقة، وإن وقع الصائح في بلادهم أنضاف إليهم أمثالهم فإن بلادهم متصلة بهم.

 وأما أنتم : فعددكم يسير، والعرب منكم بعيد.

 

قال الواقدي: فصعب ذلك على عبد الله بن جعفر وعلى المسلمين وسقط في أيديهم وهموا بالرجوع.

فقال عبد الله بن جعفر – رضي الله عنهما -: معاشر المسلمين، ما الذي تقولون في هذا الأمر ؟

فقالوا : نرى أن لا نلقي بأيدينا إلى التهلكة كما أمر ربنا في كتابه العزيز، ونرجع إلى الأمير أبي عبيدة ، والله لا يضيع أجرنا.

قال فلما سمع عبد الله قولهم قال : أما أنا فأخاف إن فعلت ذلك أن يكتبني الله من الفارين ، وما أرجع أو أبدي عذراً عند الله تعالى، فمن ساعدني فقد وقع أجره على الله، ومن رجع فلا عتب عليه.

 فلما سمعوا ذلك : من عبد الله بن جعفر أميرهم ، وبَذْلُ مهجته .

استحيوا منه : وأجابوه بأجمعهم ، وقالوا: أفعل ما تريد فما ينفع حذر من قدر.

ففرح عبد الله بن جعفر بإجابتهم :

ثم عمد إلى درعه فأفرغه عليه

ووضع على رأسه بيضة

وشد وسطه بمنطقة

وتقلد بسيف أبيه

واستوى على متن جواده

وأخذ الراية بيده

وأمر الناس بأخذ الأهبة .

فلبسوا دروعهم : واشتملوا بسلاحهم، وركبوا خيولهم ، وقالوا للدليل: سر بنا نحو القوم ، فستعاين من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - عجباً.

 

قال واثلة بن الأسقع: فرأيت الدليل قد أصفرَّ وجهه وتغير لونه .

وقال: سيروا أنتم برأيكم وما عليَّ من أمركم، وخرج.

قال أبو ذر الغفاري : فرأيت ابن جعفر _ رضي الله عنهما _ يتلطف به حتى سار بين يديه يدله على القوم ساعة.

 ثم وقف وقال: أمسكوا عليكم فإنكم قد قربتم من القوم ، فكونوا في مواضعكم كامنين إلى وقت السحر ، ثم أغيروا على القوم.

 قال واثلة: فبتنا ليلتنا حيث أمرنا ، ونحن نطلب النصر من الله تعالى.

 فلما أصبح النهار : صلى بهم عبد الله بن جعفر الصبح.

فلما فرغوا من صلاتهم قال: ما ترون في الغارة؟

فقال عامر بن عميرة بن ربيعة: أدلكم على أمر تصنعونه؟ قالوا: قل. قال: اتركوا القوم في بيعهم وشرائهم وإظهار أمتعتهم، ثم اكبسوا عليهم على حين غفلة وغرَّة من أمرهم.

فصوَّب الناس رأيه : وصبروا إلى وقت قيام السوق، ثم أظهروا السيوف من أغمادها وأوتروا القسي وشرعوا لأماتهم.

 وعبد الله بن جعفر : أمامهم والراية بيده.

 فلما طلعت الشمس : عمد عبد الله إلى المسلمين ، فجعلهم خمسة كراديس ، كل كردوس مائة فارس ، وجعل على كل مائة نقيباً .

وقال رضي الله عنه : تأخذ كل مائة منكم قطراً من أقطار سوقهم ، ولا تتشغلوا بنهب ولا غارة، ولكن ضعوا السيوف في المفارق والعواتق.

 وتقدم عبد الله بن جعفر – رضي الله عنهما - :بالراية .

وطلع على القوم : فنظر إلى الروم متفرقين في الأرض كالنمل لكثرتهم ، وقد أحدق منهم بدير الراهب خلق كثير، والراهب قد أخرج رأسه من الدير وهو يعظ الناس ويوصيهم ويعلمهم معالم ملتهم ، وهم إليه شخوص بأبصارهم .

وابنة البطريق : عنده في الدير ، والبطارقة وأبناؤهم عليهم الديباج المثقل بالذهب، ومن فوقهم دروع وجواشن تلمع وبيض ، وهم ينظرون صيحة بين أيديهم أو طارقاً يطرقهم من خلفهم.

 

ونظر عبد الله إلى الدير : وإلى ما أحدق به، وإلى الراهب وما حول صومعته فهاله ذلك من أمرهم ، وصاح فيهم قبل الحملة وقال:

يا أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - : أحملوا بارك الله فيكم، فإن كانت غنيمة وسرور فالفتح والسلامة ويكون الاجتماع تحت صومعة الراهب، وإن كان غير ذلك فهو وعدنا الجنة ونلتقي عند حوض رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - مع الصحابة.

قال وطلب عبد الله – رضواه الله عليه - : الجم العظيم فغاص فيهم ، وجعل يضرب بسيفه ويطعن برمحه ويحمل المسلمون من ورائه.

 وسمع الروم : أصوات المسلمين مرتفعة بالتهليل والتكبير ، فتيقنوا أن جيوش المسلمين قد أدركتهم ، وكانوا لذلك منتظرين وعلى يقظة من أمرهم.

 فأما السوقة : فإنهم تبادروا إلى أسلحتهم والمنع عن أنفسهم وأموالهم ، وأخرجوا السيوف من الأغمدة وانعطفوا على قتال المسلمين عطفة الأسد الضاري.

وطلبوا صاحب الراية : ولم يكن في المسلمين راية غيرها ، فأحدقوا بالراية من كل جانب ومكان ، وقامت الحرب على ساق ، وثار الغبار وانعقد، وأحدق الروم بالمسلمين، فما كان المسلمون فيهم إلا كشامة بيضاء في جلد بعير أسود، وما كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يعرف بعضهم بعضاً إلا بالتهليل والتكبير، وكل واحد مشتغل بنفسه عن غيره.

 

قال أبو سبرة _ بن رهم رضي الله عنه بن عمت النبي صلى الله عليه وآله وسلم _ : وكان من السابقين والمتقدمين بإيمانهم في الإسلام وصاحب الهجرتين جميعاً .

قال رحمه الله :

 شهدت : قتال الحبشة مع جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه -.

 وشهدت : المشاهد مع رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في بدر وفي أحد وفي حنين، وقلت إني لا أشهد مثلها.

 فلما قبض رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - حزنت عليه ولم أستطع أن أقيم بالمدينة بعد فقده ، فقدمت مكة فأقمت بها ، فعوتبت في منامي من التخلف عن الجهاد، فخرجت إلى الشام وشهدت أجنادين والشام وسرية خالد خلف توما وهربيس .

وشهدت : سرية عبد الله بن جعفر ، وكنت معه على دير أبي القدس ، فأنستني وقعتها ما شهدت قبلها من الوقائع بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

 وذلك أني نظرت : إلى الروم حين حملنا عليهم في كثرتهم وعددهم ، وقلنا ما ثم غيرهم وليس لهم كمين عظيم ، فرأينا أجسادهم هائلة وعليهم الدروع وما يبين منهم إلا حماليق الحدق ، لهم طقطقة وزمجرة عندما يحملون .

حتى نظرت : إلى المسلمين قد غابوا في أوساطهم ولا أسمع منهم إلا الأصوات ، تارة يجهرون بها وتارة أقول هلكوا.

ثم أنظر : إلى الراية بيد عبد الله بن جعفر - رضي الله عنه - مرفوعة بذلك.

 وعبد الله : يقاتل بالراية ويكر على المشركين ولا ينثني ويجاهد على صغر سنه.

ولم تزل الحرب : بيننا كلما طال مكثها اشتد ضرامها وعلا قتامها والتهبت نارها.

 وصار عبد الله : في وسط القوم ، وهم حوله كالحلقة الدائرة ، والروم يحدقون به، فجعل كلما حمل يميناً حملتُ يميناً ، وإن حمل شمالاً حملتُ شمالاً ، ولم نزل في الحرب والقتال حتى كلت منا السواعد وخدرت المناكب ، وعظم الأمر علينا ، وهالنا الصبر .

وتثلم سيف عبد الله – بن جعفر رضي الله عنهما - في يده : وكادت تقع فرسه من تحته ، فالتجأ بأصحابه في موضع ، فاجتمع أصحابه إليه ، فنظر المسلمون إلى رايته فقصدوها، وما منهم إلا مكلوم من المشركين.

 فضاق _ عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما - لذلك ذرعه ، وما نزل به في نفسه مثل ما نزل بالمسلمين ، فألجأ إلى الله تعالى أمره ، وفوض إلى صاحب السماء شأنه ، ورفع يده إلى السماء ، وقال في دعائه:

 " يا من خلق خلقه : وأبلى بعضهم ببعض ، وجعل ذلك محنة لهم ، أسألك بجاه محمد النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - إلا ما جعلت لنا من أمرنا فرجاً ومخرجاً " .

 ثم عاد إلى القتال : وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يقاتلون معه تحت رايته.

 فلله در أبي ذر الغفاري - رضي الله عنه - : فإنه نصر ابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجاهد بين يديه.

 قال عمرو بن ساعدة : فلقد رأيته مع كبر سنه يضرب بسيفه ضرباً شديداً في الروم ، وينتمي إلى قومه ويذكر عند حملاته اسمه ويقول: أنا أبو ذر، والمسلمون يفعلون كفعله إلى أن بلغت القلوب الحناجر وظنوا أن في ذلك الموضع قبورهم.

 

قال الواقدي رحمه الله تعالى: حدثني عبد الله بن أنيس الجهني قال:

كنت أحب جعفراً : وأحب من أولاده عبد الله ، فلما قبض أبو بكر ، وكان قائماً مقام أبيه ، نظرت إلى أمه أسماء بنت عميس حزينة ، فكرهت أن أنظر إليها في ذلك الحزن، وأيضاً أن أبا بكر كان يحب عبد الله حباً شديداً .

فاستأذن عبد الله بن جعفر : عمر بن الخطاب في المسير إلى الشام.

 وقال لي – عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما -: يا ابن أنيس الجهني ، أشتهي أن ألحق بالشام ومعنا عشرون فارساً أكون مجاهداً أفتصحبني ؟

فقلت: نعم.

 فودَّع : عمه علياً - رضي الله عنه - وودع عمر .

وسار _ عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما : يريد الشام ، ومعنا عشرون فارساً ، حتى أتينا تبوك.

 فقال: يا ابن أنيس أتدري موضع قبر أبي؟

فقلت: نعم.

فقال: أشتهي أن أرى الموضع.

فما زلنا : حتى أتينا الموضع فأريته موضع مصرع أبيه ، وموضع الوقعة ، وقبر أبيه جعفر رحمه الله تعالى وعليه حجارة.

 فلما نظر إليه : نزل ، ونزلنا معه ، وبكى وترحم ، فأقمنا عنده إلى صبيحة اليوم الثاني.

 

فلما رحلنا : رأيت عبد الله يبكي ووجهه مثل الزعفران ، فسألته عن ذلك؟

 فقال: رأيت أبي البارحة في النوم وعليه حلتان خضراوان وتاج ، وله جناحان ، وبيده سيف مسلول أخضر ، فسلمه إليَّ .

وقال: يا بني قاتل به أعداءك ، فما وصلت إلى ما ترى إلا بالجهاد.

 وكأني : أقاتل بالسيف حتى تثلَّم. ق

ال عبد الله بن أنيس : وسرنا حتى أتينا عسكر أبي عبيدة بدمشق.

فبعث – عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما - : أمير تلك السرية ، إلى دير أبي القدس.

 

فلما رأيتُ : ما بينه وبين الروم، قلت يوشك أن يذهب عبد الله ، فسرتُ كالبرق ورجعت إلى أبي عبيدة .

فلما رآني قال: أبشارة يا ابن أنيس أم لا؟

فقلت: أنفذ المسلمين إلى نصرة عبد الله بن جعفر ومن معه، ثم حدثته بالقصة ، فقال أبو عبيدة: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون .

قلت : أيصاب عبد الله بن جعفر ومن معه تحت رايتك يا أبا عبيدة وهي أول إمارتك.

 

ثم التفت إلى خالد بن الوليد فقال له: يا أبا سليمان سألتك بالله الحق عبد الله بن جعفر فأنت المعد لها! فقال خالد: أنا لها إن شاء الله وما كنت أنتظر إلا أن تأمرني! فقال أبو عبيدة: استحييت منك يا أبا سليمان! فقال: والله لو أمر عليَّ طفل صغير لأطيعن له، فكيف أخالفك وأنت أقدم مني إيماناً وأسبق إسلاماً ، سبقت بإسلامك مع السابقين وسارعت بإيمانك مع المسارعين ، وسماك رسول الله بالأمين، فكيف ألحقك أو أنال درجتك، والآن أشهدك أني قد جعلت نفسي حسيباً في سبيل الله تعالى لا أخالفك أبداً، ولا وليت إمارة بعدها أبداً!

فاستحسن المسلمون قوله، فقال أبو عبيدة: يا أبا سليمان الحق إخوانك رحمك الله. فوثب خالد كأنه الأسد ، وسار إلى رحله فأفرغ عليه درع مسيلمة الكذاب، وألقى بيضة على رأسه ، وأردفها قلنسوة ، وتقلد بحسامه ، وانصب في سرجه كأنه السيل، ونادى بجيش الزحف هلموا إلى جذب السيوف، فأجابوه مسرعين كأنهم العقبان وبادروا إلى طاعة الرحمن ، وأخذ خالد الراية بيده وهزها على ركابه، ودار به عساكر الزحف من كل جانب ، وودع المسلمون بعضهم بعضاً وساروا وسار خالد وعبد الله بن أنيس يدلهم على الطريق.

 

قال رافع بن عميرة الطائي: كنت يومئذ من أصحاب خالد بن الوليد ولم يزل مجداً في السير والله عز وجل ، يطوي لنا البعيد، فلما كان عند غروب الشمس أشرفنا على القوم والروم كالجراد المنتشر قد غرق المسلمون في كثرتهم.

فقال خالد: يا ابن أنيس في أي جانب أطلب ابن عم رسول الله .

فقلت له : إنه واعد أصحابه أن يلتقوا عند دير الراهب أو موعدهم الجنة. فنظر خالد ، نحو الدير فشاهد الراية الإسلامية، و هي بيد عبد الله بن جعفر ، وما من المسلمين إلا وقد أصيب بجرح، وقد أيسوا من الحياة الفانية وطمعوا في الحياة السرمدية.

 والروم : تناوشهم بالحرب ، وتكثر الطعن والضرب .

وعبد الله بن جعفر يقول لأصحابه:

 دونكم والمشركين : وأصبروا لقتال المارقين .

وأعلموا أنه قد تجلى عليكم أرحم الراحمين.

 ثم قرأ الآية قوله تعالى: { كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) } البقرة .

فلما نظر خالد : إلى صبرهم وتجلدهم على قتال أعدائهم ، لم يطق الصبر دون أن حمل عليهم وهزَّ رايته، وقال لأصحابه: دونكم القوم القباح ، فأرووا من دمائهم السلاح، وأبشروا بالنجاح ، يا أهل حي على الفلاح.

 

فبينما أصحاب عبد الله بن جعفر : في أشد ما يكونون فيه ، إذ خرجت عليهم خيل المسلمين وكتائب الموحدين.

 فلما نظر عبد الله وأصحابه : إلى ذلك ، ظنوا أنها نجدة الأعداء فأيقنوا بالهلاك والفناء ، وجعلوا ينظرون إلى الخيل التي رأوها وإذا هي قاصدة إليهم ، ففزعوا وجزعوا وظنوا أن كميناً من الروم قد خرج لقتالهم فعظم عليهم الأمر.

وإذا بفارس : على المقدمة ، ينادى بأعلى صوته: أبشروا يا معاشر حملة القرآن بالنصر المشيد ، أنا خالد بن الوليد.

 فلما نظر المسلمون : الراية ، وسمعوا صوت خالد ، كأنهم كانوا في لجة وأخرجهم ، فأجابوه بالتهليل والتكبير، وكانت أصواتهم كالرعود القواصف والرياح العواصف، ثم حمل خالد بن الوليد بجيش الزحف الذي لا يفارقه ، ووضع السيف في الروم.

قال عامر بن سراقة: فما شبهت حملته إلا حملة الأسد في الغنم ، ففرقهم يميناً وشمالاً، فثبت المسلمون، وكل علج من الروم شديد يمانع عن نفسه ، وخالد يطلب أن يصل إلى عبد الله بن جعفر.

 

قال واثلة بن الأسقع: لقد كنا آيسنا من أنفسنا وأيقنا بالهلاك حتى أتتنا المعونة من الله - عز وجل -، فحملنا بحملة إخواننا.

فما أختلط الظلام : حتى نظرت إلى خالد بن الوليد والراية بيده، وهو يسوق المشركين بين يديه سوق الغنم إلى المراعي ، والمسلمون يقتلون ويأسرون .

فلله در أبي ذر الغفاري : وضرار بن الأزور ، والمسيب بن نجبة الفزاري ، لقد قرنوا المواكب ، وهزوا المضارب ، وقتلوا الروم من كل جانب .

والتقى ضرار بعبد الله بن جعفر - رضي الله عنه - : فنظر إليه والدم على أكمام درعه كأكباد الإبل .

 فقال: شكراً لله تعالى لك يا ابن عم رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ،

والله

إنك لقد أخذت

بثأر أبيك

وشفيت غليلك .

! فقال عبد الله بن جعفر - رضي الله عنه - : من الرجل المخاطب لي ؟ وكان الظلام قد اعتكر ، وضرار ملثم لا يبين منه إلا الحدق ، فلم يعرفه عبد الله. فقال: أنا ضرار بن الأزور صاحب رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -.

 فقال – عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما - : مرحباً بطلعتك ، وبأخ منا ، عِدل لنا ، وقام لنصرتنا.

فتوح الشام للواقدي ج1ص88 - 96.

عبد الله يفتح دير أبي أقدس :

يا طيب : بعد ما ذكر الواقدي في فتوح الشام القصة أعلاه ، بعدها وضع عنوان معركة ضرار ، وذكر فيه تتمة قصة فتح حصن ودير أبي أقدس ، وتتمة محاورة عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما مع ضرار بن الأزور .

فقال عبد الله بن جعفر – رضي الله عنهما - لضرار : شكر الله لك وأحسن جزاءك.

ثم قال عبد الله : يا ضرار ، أعلم أن حامية الروم والبطارقة عند الدير لأجل أبنة صاحب طرابلس وما معها من الأموال، وقد أحاط بها كل فارس من الروم، فهل لك يا ابن الأزور أن تحمل معي؟

 فقال ضرار : وأين هم ؟

فقال _ عبد الله بن جعفر رضي الله عنهم _: أما تنظر إليهم ؟ فمد عينه ضرار ، وإذا بحامية الروم وبطريق طرابلس ، وقد أحدقوا بالدير يمنعون عن الجارية ، والنيران مشتعلة والصلبان تلمع كضوء النار ، وكأنهم سد من حديد.

فقال ضرار : أرشدك الله للخيرات فنعم المرشد أنت ، أحمل حتى أحمل معك بحملك.

 

فحمل عبد الله بن جعفر – رضي الله عنهما - : من جهته ، وحمل ضرار بن الأزور من جهته ، واتبعتهما الرجال ، وزعقوا في الروم وحماة المشركين وهم يمانعون عن أنفسهم ، وكان أشدهم منعة بطريقهم فبرز أمام القوم ، وهو يهدر كالبعير ويزأر زئير الأسد يصيح بكلمة الكفر ويحمل حملات الشجعان .

فقصده : ضرار بن الأزور K وباطشه في الضرب والتقت الأقران ، ونظر ضرار إلى العلج وعظم خلقته ، وتمكنه في سرجه وشدة ضربه وحسن احترازه ، فأخذ ضرار منه حذره، واحترز منه البطريق وطلبه أشد الطلب ، وكل واحد منهما طامع في صاحبه، فانفرد ضرار بن الأزور مع صاحب القوم ، وكل قرن مع قرنه، وليس مع ضرار أحداً من المسلمين ، فانبسط ضرار بين أيديهم ليمكر بهم وطلبه البطريق وأصحابه وقصدوه بحملتهم.

فلما نظر ضرار : إلى ذلك ، قصد موضعاً يصلح لمجال الخيل ، فاعترضه واحد منهم في ظلمة الليل فكبا به الجوادثم وثب ضرار وملك جواد عدو الله واستوى في سرجه، وكان على الجواد كثيراً من الذهب والفضة والفصوص التي تساوي ثمناً كثيراً...

ملك عبد الله بن جعفر – رضي الله عنهما - : الدير ومن فيه ، ومن معه من المسلمين ، وأحدقوا به ، ولم يأخذوا منه شيئاً حتى رجع خالد من اتباع الروم، وذلك أن خالداً اتبعهم إلى نهر عظيم كان بينهم وبين طرابلس الشام، والروم يعرفون مخاوضه ف، وقف خالد ورجع إلى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فوجدهم قد ملكوا الدير وقتلوا العلج .

وانتشر الناس : في جمع الغنائم ، وما كان في السوق من المتاع والفراش والقماش والثياب والطعام وغيره.

 قال واثلة بن الأسقع: فجعلنا نجمعه ونأكل من الخيرات ، وأخرجوا ما كان في الدير من آنية الذهب والفضة والستور والمراتب ، وأخرجوا ابنة البطريق ومعها أربعون جارية لهن حلي وحلل، والمال على البراذين والبغال والحمير ، فأنقلب أصحاب رسول الله بالغنيمة والأموال الجسيمة.

قال الواقدي: فنسبت تلك السرية لثلاث: عبد الله بن جعفر صاحبها، وعبد الله بن أنيس مدركها، وخالد بن الوليد منجدها ...، وانقلب خالد والمسلمون بالغنائم إلى دمشق وأبو عبيدة ، فشكر لهم وسلم على خالد وعلى عبد الله بن جعفر، ورجع إلى مكانه فخمَّس الغنيمة وقسمها على الناس فدفع لضرار بن الأزور فرس البطريق وسرجه وما عليه من حلي الذهب والفضة والجواهر والفصوص .. وعرض السبي على أبي عبيدة ، وفي الجملة ابنة البطريق، فقال عبد الله بن جعفر: أريدها. قال أبو عبيدة: حتى استأذن أمير المؤمنين في ذلك فكتب إليه يعلمه بها وبمسألة عبد الله بن جعفر فكتب عمر بن الخطاب: هي له، فأخذها عبد الله وأقامت زماناً عنده وعلمها الطبخ، وكانت من قبل تعرف طبخ الفرس والروم وأقامت عنده إلى أيام يزيد ، فأخبر بها فاستهداها منه فأهداها له، وكانت عنده.

فتوح الشام للواقدي ج1ص 96-98.

زيارة عبد الله بن جعفر : ومرقده في البقيع :

اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يَا عَبدِاللهِ بْنَ جَعْفَرٍ اَلطَّيَّارِ فِي الجِنَانِ وَ عَلى مَنْ حَولَكُمَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ رَضِيَ اللهُ تَعَالى عَنْكُمْ وَ أَرْضَاكُمْ أَحْسَنَ الرِّضَا وَ جَعَلَ اَلجنَّةَ مَنْزِلَكُمْ وَ مَسْكَنَكُمْ وَ مَحَلَّكُمْ وَ مَأويكُم اَلسَّلامُ عَلَيْكُم وَ رَحَمَةُ اللهِ وَ بَرَكاتُهُ .

 

روايات عبد الله بن جعفر

 

يا طيب : روايات عبد الله بن جعفر رحمه الله كثيرة جدا ، وذكرنا قسما منها فيما مر من حياة أبيه عليه السلام ، وهنا نذكر بعض رواياته التي لم نذكرها سابقا ، ومما فيها بيان كريم عن تأريخ الإسلام وتعالميه الغراء ، وبالخصوص مما تخص سيرته وحياته الكريمة .

 

عبد الله يروي رضاع النبي :

حدث أبن عساكر : بسنده عن جهم بن أبي جهم ، عن عبد الله بن جعفر عن حليمة بنت الحارث أم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم السعدية التي أرضعته ، قالت : خرجت : في نسوة من بني سعد بن بكر ، نلتمس الرضعاء بمكة على أتان لي قمراء قد أذنت بالركب فخرجت في سنة شهباء لم تبق شيئا ، ومعي زوجي الحارث بن عبد العزى .

قالت : ومعنا شارف لنا ، والله إن تبض علينا فقطرة من لبن ، ومعي صبي لن ينام ليلنا مع بكائه ما في ثديه ما يغنيه ، وما في شارفنا من لبن يغذو إلا أنا نرجو ، فلما قدمنا مكة لم يبق منا امرأة إلا عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتأباه .

وإنما كنا : نرجو كرامة رضاعه من والد المولود ، وكان يتيما ، فكنا نقول : يتيم ما عسى أن تصنع أمه حتى لم يبق من صواحبي امرأة إلا أخذت صبيا غيري ، فكرهت أن أرجع لم آخذ شيئا وقد أخذ صواحبي .

فقلت لزوجي : والله لأرجعن إلى ذلك اليتيم فأخذنه ، قالت : فأتيته فأخذته فرجعت إلى رحلي ، فقال زوجي : قد أخذتيه ، فقلت : نعم والله ، وذاك إني لم أجد غيره ، فقال : قد أصبت فعسى الله أن يجعل فيه خيرا .

قالت : فوالله ما هو إلا أن جعلته في حجري ، فأقبل عليه ثديي بما شاء الله من اللبن ، قالت : فشرب حتى روي ، وشرب أخوه يعني ابنها حتى روي .

وقام زوجي : إلى شارفنا من الليل ، فإذا فيه حافلا ، فحلب لنا ما شئنا ، فشرب حتى روي ، قالت : وشربت حتى رويت ، فبتنا ليلتنا تلك بخير شباعا رواء ، وقد نام صبياننا ، قالت : يقول أبوه يعني زوجها والله يا حليمة ما أراك إلا قد أصبت نسمة مباركة ، قد نام صبينا وروي .

قالت : ثم خرجنا ، فوالله لو خرجت حتى أتى أمام الركب قد قطعتهن ، حتى ما يتعلق بأحد ، حتى أنهم ليقولون : ويحك يا بنت الحارث كفا علينا ، أليست هذه أتانك التي خرجت عليها ، فأقول : بلى والله قد قدمنا وهي قدامنا حتى قدمنا منازلنا من حاضر بني سعد بن بكر ، فقدمنا على أجدب أرض الله ، فوالذي نفس حليمة بيده إن كانوا يسرحون أغنامهم إذا أصبحوا ، ويسرح راعي غنمي فتروح غنمي بطانا لبنا حفلا وتروح أغنامهم جياعا هالكة ما لها من لبن ، قالت : فنشرب ما شئنا من اللبن ، ما من الحاضر أحد يطلب قطرة ولا يجدها ، فيقولون : لرعاتهم ويلكم ألا تسرحون حيث يسرح راعي حليمة ، فيسرحون في الشعب الذي يسرح فيه راعينا ، فتروح أغنامهم جياعا ما لها من لبن ، وتروح غنمي لبنا حفلا .

قالت : وكان صلى الله عليه وآله سلم يشب في اليوم شباب الصبي في شهر، ويشب في شهر شباب الصبي في سنة ، فبلغ سنة وهو غلام جفر.

قالت : فقدمنا على أمه ، قلت لها ، وقال لها أبوه : ردي علينا ابني فلنرجع به ، فإنا نخشى عليه أوباء مكة ، قالت : ونحن أضن شيء به ، فيما رأينا من بركته.

 قالت : فلم يزل بها ، حتى قالت : أرجعا به ، فرجعنا به ، فمكث عندنا شهرين .

قالت : فبينما هو يلعب وأخوه يوما خلف البيوت يرعيان بهما لنا ، إذ جاءنا أخوه يشتد ، فقال : لي ولأبيه أدركا أخي القرشي قد جاءه رجلان فأضجعاه فشقا بطنه ، فخرجنا نحوه نشتد فانتهينا إليه وهو قائم ، فاعتنقه أبوه واعتنقته ، ثم قال : ما لك أي بني ، قال : أتاني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني ثم شقا بطني فوالله ما أدري ما صنعا .

قالت : فاحتملناه فرجعنا به ، قالت : يقول أبوه : والله يا حليمة ما أرى هذا الغلام إلا قد أصيب ، فانطلقي فلنرده إلى أهله قبل أن يظهر ما نتخوف عليه.

 قالت : فرجعنا به إليها ، قالت : ما ردكما وقد كنتما حريصين عليه؟

قالت فقلت : لا والله إلا أنا كفلناه وأدينا الحق الذي يجب علينا فيه ، ثم تخوفنا الأحداث عليه ، فقلنا : يكون في أهله.

قالت فقالت آمنة : والله ما ذاك بكما فأخبراني خبركما وخبره ، فوالله ما زالت بنا حتى أخبرنا خبره ، قالت : فتخوفتما عليه كلا والله إن لابني هذا شأنا ألا أخبركما عنه ، إني حملت به فلم أحمل حملا قط كان أخف ولا أعظم بركة منه ، ثم رأيت نورا كأنه شهاب خرج مني حين وضعته ، أضاءت لي أعناق الإبل ببصرى ، ثم وضعته فما وقع كما يقع الصبيان ، وقع واضعا يده بالأرض رافعا رأسه إلى السماء .

دعاه : والحقا بآلكما .

تاريخ دمشق لابن عساكر ج3ص88 وعن سيرة بن إسحاق ص26. وقمراء: القمرة بالضم لون إلى الخضرة أو بياض فيه كدرة، شهباء : قَاحِلَةٌ أصابت أموالهم ، الشارف: الناقة المسنة . تبض: ترشح تقصر

 

عبد الله والبشارة الخديجة :

وفي سيرة بن هشام : تبشير الرسول لخديجة ببيت من قصب .

قال ابن إسحاق : وحدثني هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير ، عن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم :

أمرت : أن أبشر خديجة ببيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب .

 قال ابن هشام : القصب ههنا : اللؤلؤ المجوف.

السيرة النبوية لأبن هشام ج2ص77.

 

دعاء النبي لعبد الله وأخوته :

يا طيب : في هذا الحديث الكريم عن عبد الله بن جعفر رحمه الله تعاليم ومعارف قيمة ، وبالخصوص تبين أن حالهم كان ضعيف ، ولكنه يعرفنا أوصافهم واهتمام النبي الأكرم صلى الله عليه وآله بهم ، والمهم أنه كان ينادي النبي جعفر بأخي ، لا تبكوا على أخي ، و آتوني ببني أخي ، وإن عبد الله بن جعفر كأبيه شبيه النبي الأكرم خلقا وخلقا ، ودعا النبي لجعفر أن يبارك في صفقاته ، ولذا كان تاجرا كريما جوادا كما سترى من خيره ، فتدبر :

قال ابن سعد : أخبرنا وهب بن جرير قال : حدثنا أبي قال : سمعت محمد بن أبي يعقوب يحدث عن الحسن بن سعد ، عن عبد الله بن جعفر قال : بعد أن ذكر شهادة قادة مؤتة ....

 ثم أمهل : ( رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ) آل جعفر ثلاثا أن يأتيهم ، ثم أتاهم ، فقال : لا تبكوا على أخي بعد اليوم .

 ثم قال : ائتوني ببني أخي .

فجيء بنا : كأنا أفراخ .

فقال : أدعوا إليّ الحلاق ، فدعي فحلق رؤوسنا .

فقال : أما محمد فشبيه عمنا أبي طالب . وأما عبد الله _ في كتاب ابن معروف موضع عبد الله عون الله _ فشبيه خلقي وخلقي .

 قال : ثم أخذ بيده فأشالها ، وقال : اللهم أخلف جعفرا في أهله ، وبارك لعبد الله في صفقة يمينه . ثلاث مرات .

الطبقات الكبرى ج ٤ص27 رقم345.

ويا طيب : كأنهم أفراخ لضعفهم ، وعرفت أنه لمجالهم كان يحسدهم الناس ، وأمر النبي بترقيتهم وقراءة التمائم من آيات القرآن لهم من المعوذتين وغيرهن ، وإن محمد بن جعفر رحمه الله كان يشبه أبو طالب عليه السلام ، وإن عبد لله بن جعفر كان يشبه النبي صلى الله عليه وسلم .

 

عبد الله ونزول آية التطهير :

ذكر الحسكاني : في فضائل أمير المؤمنين عليه السلام ، قال ومنها رواية عبد الله بن جعفر الطيار رضي الله عنه ، بسنده عن إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الطَّيَّارِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ:

لما نظر : النبي صلى الله عليه وآله إلى جبرئيل هابطا من السماء ، قال : من يدعو لي من يدعو لي ، فقالت زينب: أنا يا رسول الله.

فَقَالَ: أدْعِي لِي عَلِيّاً وَ فَاطِمَةَ وَ حَسَناً، وَ حُسَيْناً، فَجَعَلَ حَسَناً عَنْ يَمِينِهِ وَ حُسَيْناً عَنْ يَسَارِهِ وَ عَلِيّاً وَ فَاطِمَةَ تُجَاهَهُمْ ، ثُمَّ غَشَّاهُمْ بِكِسَاءٍ خَيْبَرِيٍّ.

 وَ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ أَهْلًا، وَ إِنَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي، فأنزل الله تعالى: { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) } الأحزاب .

 فَقَالَتْ زَيْنَبُ: يا رسول الله‏ ، أ لا أدخل معكم ؟

قال: مكانك فإنك على خير إن شاء الله.

شواهد التنزيل لقواعد التفضيل ج2ص53ح673، وبسند آخر حديث674 و675، وزينب اسم أثنان من زوجات النبي الأكرم وهي أمّ المؤمنين زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله بن عمرو بن عبد مناف ، والأخرى وهي أمّ المؤمنين زينب بنت جحش بن رئاب بن يعمر بن صبر بن مرة، ابنة عمّة رسول الله؛ فأمّها أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم.

 

عبد الله وولده يلازم عمه :

يا طيب : في هذا الحديث نرى أن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، هو وولده يلازمون عمهم ويحيطون به ويتعلمون منه كبناء الإمام علي عليه السلام ، وهذا الحديث يعرفنا هذا المعنى :

عن أبان بن أبي عياش : عن سليم بن قيس الهلالي، قال‏ : سمعت عليا عليه السلام يقول: في شهر رمضان و هو الشهر الذي قتل فيه ؟

 وَ هُوَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : بَيْنَ ابْنَيْهِ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ .

وَ بَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ‏ أَبِي‏ طَالِبٍ‏ : و خاصة شيعته، و هو يقول:

دعوا الناس : و ما رضوا لأنفسهم، و ألزموا أنفسكم السكوت و دولة عدوكم، فإنه لا يعدمكم‏ ما ينتحل أمركم و عدو باغ حاسد.

النَّاسُ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ بَيِّنٌ بِنُورِنَا، وَ صِنْفٌ يَأْكُلُونَ بِنَا.

وَ صِنْفٌ : اهْتَدَوْا بِنَا ، وَ اقْتَدَوْا بِأَمْرِنَا، و هم أقل الأصناف. أولئك الشيعة النجباء الحكماء و العلماء الفقهاء و الأتقياء الأسخياء، طوبى‏ لهم و حسن مآب‏.

كتاب سليم بن قيس الهلالي ج2ص943ج79. فالصنف بين بنورنا أي ليس له نور ونورنا كشفه ، وقسم أخذوا من نورنا ولكنهم ليستأكلوا به لا عن إيمان خالص ، وقسم مخلصون .

 

علامة رضا الله :

وبالإسناد : عن محمد بن عيسى بن عبيد بن يقطين، قال: حدثني عبد الله بن إبراهيم بن أبي عمرو الغفاري بالمدينة سنة إحدى و مائتين، قال: حدثني الْقَاسِمُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ‏ أَبِي‏ طَالِبٍ‏، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ:

علامة رضاء اللّه عن خلقه : عدل سلطانهم ، و رخص أسعارهم.

وعلامة سخط اللّه على خلقه: جور سلطانهم، وغلاء أسعارهم.

الأصول الستة عشر ص 122ح4 أصل زيد الزراد. وفي الكافي ج5ص162ح1، وغيره «غضب» بدل «سخط».

 

 

رواية عبد الله بن جعفر في الولاية :

أبان عن سليم قال : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ‏ أَبِي‏ طَالِبٍ‏ قَالَ‏ : كنت عند معاوية و معنا الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ عليهما السلام ، و عنده عبد الله بن العباس و الفضل بن العباس‏.

 فَالْتَفَتَ إِلَيَّ : معاوية فقال : يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ ما أشد تعظيمك للحسن‏ و الحسين و الله‏ ما هما بخير منك ، و لا أبوهما خير من أبيك ، و لولا أن فاطمة بنت رسول الله أمهما، لقلت : ما أمك أسماء بنت عميس دونها .

قال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ : فَغَضِبْتُ : مِنْ مَقَالَتِهِ ، وَ أَخَذَنِي مَا لَمْ أَمْلِكْ مَعَهُ نَفْسِي‏ ، فَقُلْتُ وَ اللَّهِ ، إِنَّكَ لَقَلِيلُ الْمَعْرِفَةِ بِهِمَا وَ بِأَبِيهِمَا وَ بِأُمِّهِمَا .

بَلْ وَ اللَّهِ‏ : لَهُمَا خَيْرٌ مِنِّي ، وَ لَأَبُوهُمَا خَيْرٌ مِنْ أَبِي ، وَ لَأُمُّهُمَا خَيْرٌ مِنْ أُمِّي.

يا معاوية : إِنَّكَ لَغَافِلٌ ، عَمَّا سَمِعْتُهُ أَنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ يَقُولُ فِيهِمَا وَ فِي أَبِيهِمَا وَ فِي أُمِّهِمَا ، قَدْ حَفِظْتُهُ وَ وَعَيْتُهُ وَ رَوَيْتُهُ‏ .

قال معاوية : هات ما سمعت‏ ، و في مجلسه الحسن و الحسين و عبد الله بن عباس و الفضل بن عباس و ابن أبي لهب‏، فو الله ما أنت‏ بكذاب و لا متهم .

فَقُلْتُ : إِنَّهُ أَعْظَمُ مِمَّا فِي نَفْسِكَ ؟

قال : و إن كان أعظم من أحد و حراء جميعا فلست أبالي، إذا لم يكن في المجلس أحد من أهل الشام،‏ و إذ قتل الله صاحبك‏ ، و فرق جمعكم‏ ، و صار الأمر في أهله و معدنه ، فحدثنا فإنا لا نبالي ما قلتم و لا ما ادعيتم‏ .

قال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ : قُلْتُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ قَدْ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ : { وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ‏ (60)} الإسراء ، فقال صلى الله عليه وآله: إني رأيت اثني عشر رجلا من أئمة الضلالة يصعدون منبري‏ و ينزلون ، يردون أمتي على أدبارهم القهقرى ، فيهم رجلان من حيين من قريش مختلفين تيم و عدي‏، و ثلاثة من بني أمية، و سبعة من ولد الحكم بن أبي العاص‏ .

و سمعته يقول : إن بني أبي العاص إذا بلغوا ثلاثين رجلا ، جعلوا كتاب الله دخلا ، و عباد الله خولا ، و مال الله دولا .

يا معاوية : إني سمعت رسول الله ص يقول : و هو على المنبر ، و أنا بين يديه ، و عمر بن أبي سلمة ، و أسامة بن زيد ، و سعد بن أبي وقاص ، و سلمان الفارسي ، و أبو ذر ، و المقداد ، و الزبير بن العوام‏ ، وَ هُوَ يَقُولُ‏ : أَ لَسْتُ‏ أَوْلى‏ بِالْمُؤْمِنِينَ‏ مِنْ أَنْفُسِهِمْ‏ ؟ فَقُلْنَا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ .

قال : أ ليس أزواجي أمهاتكم ؟ قلنا : بلى يا رسول الله‏.

 قال : مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ‏ ، وَ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبِ عَلِيٍّ ، وقال : اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ‏ .

أَيُّهَا النَّاسُ : أَنَا أَوْلى‏ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ‏ لَيْسَ لَهُمْ مَعِي أَمْرٌ ، وَ عَلِيٌّ مِنْ بَعْدِي‏ أَوْلى‏ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ‏ لَيْسَ لَهُمْ مَعَهُ أَمْرٌ ، ثُمَّ ابْنِيَ الْحَسَنُ مِنْ بَعْدِ أَبِيهِ‏ أَوْلى‏ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ‏ لَيْسَ لَهُمْ مَعَهُ أَمْرٌ ، ثُمَّ ابْنِيَ الْحُسَيْنُ‏ مِنْ بَعْدِ أَخِيهِ‏ أَوْلى‏ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ‏ لَيْسَ لَهُمْ مَعَهُ أَمْرٌ .

ثُمَّ عَادَ فَقَالَ‏ : أَيُّهَا النَّاسُ إِذَا أَنَا اسْتُشْهِدْتُ ، فَعَلِيٌّ أَوْلَى بِكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ‏ ، فإذا استشهد علي فابني الحسن أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم ، فإذا استشهد ابني الحسن فابني الحسين أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم‏، فإذا استشهد ابني الحسين ، فابني علي بن الحسين‏ أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم ليس لهم معه أمر .

ثم‏ أقبل صلى الله عليه وآله على علي عليه السلام فقال : يا علي إنك‏ ستدركه ، فأقرئه عني السلام‏ ، فإذا استشهد فابنه محمد أولى‏ بالمؤمنين منهم بأنفسهم ، و ستدركه أنت يا حسين‏ فأقرئه مني السلام ، ثم يكون في عقب‏ محمد رجال واحد بعد واحد ، و ليس لهم معهم أمر ، ثم أعادها ثلاثا .

ثم قال‏ : و ليس منهم أحد إلا و هو أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم ليس لهم معه أمر ، كلهم‏ هادون مهتدون ،تسعة من ولد الحسين‏ .

فَقَامَ‏ إِلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : وَ هُوَ يَبْكِي ، فَقَالَ : بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي‏ يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، أَ تُقْتَلُ ؟

قَالَ : نَعَمْ أَهْلِكُ شَهِيداً بِالسَّمِّ ، وَ تُقْتَلُ أَنْتَ بِالسَّيْفِ و تخضب لحيتك من دم رأسك ، و يقتل ابني الحسن بالسم ، و يقتل ابني الحسين بالسيف ، يقتله طاغي بن طاغي دعي بن دعي منافق بن منافق‏.

 فقال معاوية : يَا ابْنَ جَعْفَرٍ لَقَدْ تَكَلَّمْتَ بِعَظِيمٍ‏ ، وَ لَئِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقّاً ، لَقَدْ هَلَكْتُ وَ هَلَكَ الثَّلَاثَةُ قَبْلِي وَ جَمِيعُ مَنْ تَوَلَّاهُمْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَ لَقَدْ هَلَكَتْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ وَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ غَيْرَكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ، وَ أَوْلِيَائِكُمْ وَ أَنْصَارِكُمْ‏ .

فَقُلْتُ : وَ اللَّهِ إِنَّ الَّذِي قُلْتُ حَقٌّ ، سَمِعْتُهُ‏ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ .

فقال معاوية : يَا حَسَنُ وَ يَا حُسَيْنُ وَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ، مَا يَقُولُ ابْنُ جَعْفَرٍ ؟

فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِنْ لَا تُؤْمِنْ بِالَّذِي قَالَ ، فَأَرْسِلْ إِلَى الَّذِينَ سَمَّاهُمْ فَاسْأَلْهُمْ عَنْ ذَلِكَ .

فأرسل: معاوية إلى عمر بن أبي سلمة ، و إلى أسامة بن زيد ، فسألهما ؟

فَشَهِدَا : أَنَّ الَّذِي قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ قَدْ سَمِعْنَاهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ كَمَا سَمِعَهُ‏.

وَ كَانَ هَذَا : بِالْمَدِينَةِ أَوَّلَ سَنَةٍ جُمِعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى مُعَاوِيَةَ .

( قَالَ سُلَيْمٌ : وَ سَمِعْتُ ابْنَ جَعْفَرٍ يُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ‏. _ حدث عبد الله بن جعفر بهذا الحديث في زمان عمر كما حدث معاوية بهذا الحديث في هذه الرواية ، فالظاهر كان كثير ما يحدث في فضل أهل البيت ويعرفهم بالإمامة والولاية و، كان رحمه داعية لهم موالي لهم مقرا بإمامتهم وولايتهم _ .)

فقال معاوية : يَا ابْنَ جَعْفَرٍ قَدْ سَمِعْنَاهُ فِي الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ وَ فِي أَبِيهِمَا .

فَمَا سَمِعْتَ فِي أُمِّهِمَا : وَ مُعَاوِيَةُ كَالْمُسْتَهْزِئِ وَ الْمُنْكِرِ ؟!

قال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ: فَقُلْتُ : بَلَى ، قَدْ سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ يَقُولُ:

 لَيْسَ فِي جَنَّةِ عَدَنٍ : مَنْزِلٌ أَشْرَفَ وَ لَا أَفْضَلَ وَ لَا أَقْرَبَ إِلَى عَرْشِ رَبِّي‏ مِنْ مَنْزِلِي .

نَحْنُ فِيهِ : أَرْبَعَةَ عَشَرَ إِنْسَاناً ، أنا و أخي علي و هو خيرهم و أحبهم إلي ، و فاطمة و هي سيدة نساء أهل الجنة ، و الحسن و الحسين ، و تسعة أئمة من ولد الحسين ، فنحن فيه أربعة عشر إنسانا في منزل واحد ، أذهب الله عنا الرجس و طهرنا تطهيرا هداة مهديين .

أَنَا الْمُبَلِّغُ عَنِ اللَّهِ : وَ هُمُ الْمُبَلِّغُونَ عَنِّي وَ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ ، و هم حجج الله تبارك و تعالى على خلقه ، و شهداؤه في أرضه ، و خزانه على علمه ، و معادن حكمه‏ ، من أطاعهم‏ أطاع الله‏ ، و من عصاهم عصى الله ، لا تبقى الأرض طرفة عين إلا ببقائهم‏ ، و لا تصلح الأرض‏ إلا بهم ، يخبرون الأمة بأمر دينهم و بحلالهم و حرامهم يدلونهم على رضى ربهم ، و ينهونهم عن سخطه ، بأمر واحد و نهي واحد ، ليس فيهم اختلاف و لا فرقة و لا تنازع‏ ، يأخذ آخرهم عن أولهم ، إملائي و خط أخي علي بيده ، يتوارثونه إلى يوم القيامة .

أهل الأرض : كلهم في غمرة و غفلة و تيه و حيرة غيرهم و غير شيعتهم و أوليائهم‏ ، لا يحتاجون إلى أحد من الأمة في شي‏ء من أمر دينهم‏ ، و الأمة تحتاج‏ إليهم .

وَ هُمُ الَّذِينَ : عَنَى اللَّهُ فِي كِتَابِهِ‏ ، وَ قَرَنَ طَاعَتَهُمْ بِطَاعَتِهِ وَ طَاعَةِ رَسُولِهِ ، فَقَالَ : { أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ‏ (59)} النساء .

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ: فأقبل معاوية على الحسن و الحسين و ابن عباس و الفضل بن عباس و عمر بن أبي سلمة و أسامة بن زيد .

فقال : كلكم على ما قال ابن جعفر ، فقالوا : نعم .

قال : يا بني عبد المطلب ، إنكم لتدعون أمرا عظيما ، و تحتجون بحجج‏ قوية ، إن كانت حقا و إنكم لتضمرون‏ على أمر تسرونه ، و الناس عنه في غفلة عمياء ، و لئن كان ما تقولون حقا ، لقد هلكت الأمة و ارتدت عن دينها و تركت عهد نبينا ، غيركم أهل البيت و من قال بقولكم ، فأولئك في الناس قليل‏.

فَأَقْبَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ : على معاوية ، فقال : قال الله عز و جل‏ في كتابه‏ : { وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ (13) } سبأ ، و يقول‏: { وَ ما أَكْثَرُ النَّاسِ وَ لَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ‏ (103) } يوسف ، و يقول‏: { وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ قَلِيلٌ ما هُمْ (24) }ص ، و يقول لنوح‏: { وَ ما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ‏ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ (40)}هود .

وَ تَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ : يا معاوية ، و أعجب من أمرنا أمر بني إسرائيل ، إن السحرة قالوا لفرعون‏ : { فقَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) } طه ، فآمنوا بموسى و صدقوه و اتبعوه ، فسار بهم و بمن تبعه من بني إسرائيل فأقطعهم البحر و أراهم الأعاجيب ، و هم يصدقون به و بالتوراة ، يقرون له بدينه ، فمر بهم على قوم يعبدون أصناما لهم‏ : { قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (1 38)} الأعراف، ثم اتخذوا العجل‏ فعكفوا عليه جميعا غير هارون و أهل بيته ، و قال لهم السامري‏: { هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (طه88) } ، ثم قال لهم بعد ذلك: { يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) } المائدة ، فكان من جوابهم ما قص الله في كتابه‏: {‏ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) } المائدة ، حتى قال موسى ‏ : { قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25) } المائدة ، ثم قال‏: { فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ‏ (26)} المائدة .

 فَاحْتَذَتْ‏ هَذِهِ الْأُمَّةُ : ذَلِكَ الْمِثَالَ سَوَاءً ، و قد كانت لهم فضائل‏ و سوابق مع رسول الله و منازل منه قريبة ، و مقرين بدين محمد و القرآن ، حتى فارقهم نبيهم فاختلفوا و تفرقوا و تحاسدوا ، و خالفوا إمامهم و وليهم حتى لم يبق منهم على ما عاهدوا عليه نبيهم ، غير صاحبنا الذي هو من نبينا بمنزلة هارون من موسى ، و نفر قليل لقوا الله عز و جل على دينهم و إيمانهم ، و رجع الآخرون القهقرى على أدبارهم ، كما فعل أصحاب موسى باتخاذهم العجل و عبادتهم إياه ، و زعمهم أنه ربهم ، و إجماعهم عليه غير هارون و ولده‏ و نفر قليل من أهل بيته .

وَ نَبِيُّنَا صلى الله عليه وآله : قَدْ نَصَبَ لِأُمَّتِهِ أَفْضَلَ النَّاسِ وَ أَوْلَاهُمْ وَ خَيْرَهُمْ بِغَدِيرِ خُمٍّ ، وَ فِي غَيْرِ مَوْطِنٍ ، و احتج عليهم به ، و أمرهم بطاعته ، و أخبرهم أنه منه بمنزلة هارون من موسى ، و أنه ولي كل مؤمن بعده ، و أن كل من كان هو وليه فعلي وليه ، و من كان هو أولى به من نفسه فعلي أولى به من نفسه ، و أنه خليفته فيهم و ، وصيه و أن من أطاعه‏ أطاع الله‏ ، و من عصاه عصى الله ، و من والاه والى الله ، و من عاداه عادى الله ، فأنكروه و جهلوه : و تولوا غيره .

يا معاوية: أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ، حِينَ بَعَثَ إِلَى مُؤْتَةَ أَمَّرَ عَلَيْهِمْ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ.

 ثُمَّ قَالَ : إِنْ هَلَكَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، فَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ ، فَإِنْ هَلَكَ زَيْدٌ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ .

وَ لَمْ يَرْضَ لَهُمْ : أَنْ يَخْتَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ ، أَ فَكَانَ يَتْرُكُ أُمَّتَهُ لَا يُبَيِّنُ لَهُمْ خَلِيفَتَهُ فِيهِمْ .

بَلَى وَ اللَّهِ : مَا تَرَكَهُمْ فِي عَمْيَاءَ وَ لَا شُبْهَةٍ ، بل ركب القوم ما ركبوا بعد البينة ، و كذبوا على رسول الله فهلكوا و هلك من شايعهم‏ ، و ضلوا و ضل من تابعهم ، فبعدا للقوم الظالمين‏ .

فقال معاوية : يَا ابْنَ عَبَّاسٍ إنك لتتفوه بعظيم‏ ، و الاجتماع عندنا خير من الاختلاف ، و قد علمت أن الأمة لم تستقم على صاحبك.

فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ : مَا اخْتَلَفَتْ أُمَّةٌ بَعْدَ نَبِيِّهَا إِلَّا ظَهَرَ أَهْلُ بَاطِلِهَا عَلَى أَهْلِ حَقِّهَا .

 وَ إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ اجْتَمَعَتْ : على أمور كثيرة ليس بينها اختلاف و لا منازعة و لا فرقة ، شهادة أن لا إله إلا الله ، و أن محمدا رسول الله ، و الصلوات الخمس و الزكاة المفروضة ، و صوم شهر رمضان ، و حج البيت ، و أشياء كثيرة من طاعة الله .

وَ اجْتَمَعُوا : على تحريم الخمر ، و الزنا ، و السرقة ، و قطع الأرحام‏ ، و الكذب ، و الخيانة ، و أشياء كثيرة من معاصي الله‏.

وَ اخْتَلَفَتْ فِي‏ شَيْئَيْنِ : أحدهما : اقتتلت عليه و تفرقت فيه ، و صارت فرقا يلعن بعضها بعضا ، و يبرأ بعضها من بعض .

و الثاني : لم تقتتل عليه ، و لم تتفرق فيه ، و وسع بعضهم فيه لبعض ، و هو كتاب الله ، و سنة نبيه .

و ما يحدث : زعمت أنه ليس في كتاب الله و لا سنة نبيه‏ .

و أما الذي : اختلفت فيه و تفرقت و تبرأت بعضها من بعض ، فالملك و الخلافة ، زعمت أنها أحق بهما من أهل بيت نبي الله ، فمن أخذ بما ليس فيه بين أهل القبلة اختلاف و رد ، علم ما اختلفوا فيه إلى الله ، فقد سلم و نجا من النار ، و لم يسأله الله عما أشكل عليه من الخصلتين اللتين‏ اختلفت فيهما ، و من وفقه الله و من عليه و نور قلبه و عرفه ولاة الأمر و معدن العلم أين هو ، فعرف ذلك ، كان سعيدا و لله وليا ، و كان نبي الله يقول‏: رَحِمَ اللَّهُ : عَبْداً قَالَ حَقّاً فَغَنِمَ ، أَوْ سَكَتَ فَسَلِمَ‏ .

فَالْأَئِمَّةُ : مِنْ أَهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ ، و معدن الرسالة ، و منزل الكتاب ، و مهبط الوحي ، و مختلف الملائكة ، لا تصلح إلا فيها ، لأن الله خصها ، و جعلها أهلا في كتابه على لسان نبيه ، فالعلم فيهم ، و هم أهله ، و هو عندهم كله بحذافيره ، باطنه و ظاهره ، و محكمه و متشابهه ، و ناسخه و منسوخه‏.

يا معاوية : إن عمر بن الخطاب أرسلني في إمارته‏ إلى علي بن أبي طالب ، أني أريد أن أكتب القرآن في مصحف ، فابعث إلينا ما كتبت من القرآن .

فقال عليه السلام : تضرب و الله عنقي قبل أن تصل إليه .فقلت : و لم ؟

قال : لأن الله يقول‏ : { لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79)‏ } الواقعة . يَعْنِي لَا يَنَالُهُ كُلَّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ، إِيَّانَا عَنَى ، نَحْنُ الَّذِينَ أَذْهَبَ اللَّهُ عَنَّا الرِّجْسَ وَ طَهَّرَنَا تَطْهِيراً .

و قال‏: { أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا (32)} فطر ، فَنَحْنُ الَّذِينَ اصْطَفَانَا اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ ، وَ نَحْنُ صَفْوَةُ اللَّهِ ، وَ لَنَا ضُرِبَتِ الْأَمْثَالُ ، وَ عَلَيْنَا نَزَلَ الْوَحْيُ .

قال : فغضب عمر ، و قال : إن ابن أبي طالب يحسب أنه ليس عند أحد علم غيره ، فمن كان يقرأ من القرآن شيئا فليأتنا به ، فكان إذا جاء رجل بقرآن فقرأه و معه آخر كتبه ، و إلا لم يكتبه .

فمن قال : يا معاوية ، إنه ضاع من القرآن شي‏ء ، فقد كذب ، هُوَ عِنْدَ أَهْلِهِ مَجْمُوعٌ مَحْفُوظٌ .

ثُمَّ أَمَرَ : عمر قضاته و ولاته ، فقال : اجتهدوا رأيكم ، و اتبعوا ما ترون أنه الحق ، فلم يزل هو و بعض ولاته ، و قد وقعوا في عظيمة ، فكان علي بن أبي طالب يخبرهم بما يحتج به عليهم ، و كان عماله و قضاته يحكمون في شي‏ء واحد بقضايا مختلفة فيجيزها لهم ، لأن الله لم يؤته‏ الحكمة و فصل الخطاب‏ .

و زعم كل صنف : من أهل القبلة ، أنهم معدن العلم ، و الخلافة دونهم ، فبالله نستعين على من جحدهم حقهم ، و سن للناس ما يحتج به مثلك عليهم‏ ،حسبنا الله و نعم الوكيل‏ .

إِنَّمَا النَّاسُ ثَلَاثَةٌ :

مُؤْمِنٌ : يعرف حقنا، ويسلم لنا، ويأتم بنا ، فذلك ناج ، نجيب‏ لله ولي.

و ناصب لنا العداوة : يتبرأ منا و يلعننا ، و يستحل دماءنا ، و يجحد حقنا ، و يدين بالبراءة منا ، فهذا كافر به ، مشرك ملعون‏ .

و رجل : آخذ بما لا يختلفون فيه ، و رد علم ما أشكل عليه إلى الله من ولايتنا ، و لم يعادنا ، فنحن نرجو له ، فأمره إلى الله‏ .

فلما سمع : ذلك معاوية ، أمر للحسن و الحسين عليهم السلام بألف ألف درهم، و لكل واحد بخمسمائة ألف‏ .

كتاب سليم بن قيس الهلالي ج2ص834-848ح42. وذكر محققه في الهامش : في هذا الحديث يحكي سليم احتجاج عبد اللّه بن جعفر على معاوية في الخلافة، و ما ذكر له من مطاعن الغاصبين. و الحديث يتضمّن ما يلي:

معاوية يغضب ابن جعفر : بإنكار فضل أهل البيت عليهم السلام، تفسير الشجرة الملعونة في القرآن، التنصيص على الأئمّة الاثني عشر ، و الإخبار بشهادتهم، قتل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله شهيدا، تقرير كلام ابن جعفر، منزلة المعصومين الأربعة عشر عليهم السلام في الدنيا و الآخرة، لقد هلك الأمة جميعا غير أهل البيت عليهم السلام و شيعتهم، مشابهة هذه الأمّة ببني إسرائيل في إتّباع العجل و السامريّ، ما ارتكب الأمّة بعد نبيّها إلّا بعد إتمام الحجّة، على ما اتّفقت الأمّة و على ما اختلفت، القرآن كلّه مجموع محفوظ عند الأئمّة عليهم السلام، الأمّة فقدت العلم بفقد عليّ بن أبي طالب عليه السلام، الناس في قبال أهل البيت عليهم السلام ثلاثة: مؤمن، ناصب، آخذ بما لا يختلفون.

رواه عن سليم: الكليني في الكافي، و الصدوق في العيون و الإكمال و الخصال، و النعمانيّ في الغيبة، و الكراجكيّ في الاستنصار، و الشيخ الطوسيّ في الغيبة، و ابن شهرآشوب في المناقب، و الطبرسيّ في الاحتجاج و أمين الإسلام الطبرسيّ في إعلام الورى، و الإربلي في كشف الغمّة، و البياضي في الصراط المستقيم، و المحقّق الحلّي في المعتبر، و أبو الصلاح الحلبيّ في تقريب المعارف، و الشيخ عليّ بن يوسف الحلّي في العدد القويّة.

 

عبد الله ودفن الإمام الحسن:

يا طيب : بعد أن ذكروا قصة طويلة في ملحمة دفن الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام ، حين أراد دفنه عند جده ، وعارضت بني أمية ، حتى قال أبن عساكر :

فلما صلوا : على حسن خشي عبد الله بن جعفر أن يقع في ذلك ملحمة عظيمة ، فأخذ بمقدم السرير ثم مضى نحو البقيع ، فقال له : حسين ما تريد ؟

قال : عزمت عليك بحقي أن لا تكلمني كلمة واحدة فصار به إلى البقيع فدفنه هناك رحمه الله .

ثم ذكر حديث آخر فقال :

فانتهى حسين بن علي : إلى قبر النبي ، فقال : أحفروا ها هنا ، فنكب عنه سعيد بن العاص وهو الأمير فاعتزل ولم يحل بينه وبينه ، وصاح مروان في بني أمية ولفها وتلبسوا السلاح . وقال مروان : لا كان هذا أبدا .

فقال له حسين : يا ابن الزرقاء ما لك ولهذا ؟ قال : لا كان هذا ولا يخلص إليه وأنا حي .

فصاح حسين : بحلف الفضول ، فاجتمعت بنو هاشم وتيم وزهرة وأسد ، وبنو جعونة بن شعوب من بني ليث قد تلبسوا السلاح، وعقد مروان لواء وعقد حسين بن علي لواء ، فقال الهاشميون : يدفن مع النبي ، حتى كانت بينهم المراماة بالنبل وابن جعونة بن شعوب يومئذ شاهر سيفه ؟

فقام في ذلك : رجال من قريش عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، والمسور بن مخرمة بن نوفل .

وجعل : عبد الله بن جعفر يلح على حسين ، وهو يقول : يا ابن عم ألم تسمع إلى عهد أخيك أن خفت أن يهراق في محجمة من دم ، فادفني بالبقيع مع أمي ، أذكرك الله أن تسفك الدماء ، وحسين يأبى دفنه إلا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو يقول : ويعرض مروان لي ماله ولهذا .

قال فقال : المسور بن مخرمة يا أبا عبد الله أسمع مني ، قد دعوتنا بحلف الفضول واجبناك ، تعلم أني سمعت أخاك يقول قبل أن يموت بيوم ، يا ابن مخرمة أني قد عهدت إلى أخي أن يدفنني مع رسول الله أن وجد إلى ذلك سبيلا ، فإن خاف أن يهراق في ذلك محجم من دم فليدفني مع أمي بالبقيع ، وتعلم أني أذكرك الله في هذه الدماء ، إلا ترى ما ها هنا من السلاح والرجال والناس سراع إلى الفتنة.

 قال : وجعل الحسين يأبى ، وجعلت بنو هاشم والحلفاء يلغطون ، ويقولون : لا يدفن إلا مع رسول الله ، قال الحسن بن محمد ( ابن الحنفية ) بن علي : سمعت أبي يقول لقد رأيتني يومئذ وإني لأريد أن اضرب عنق مروان ما حال بيني وبين ذلك ، أن لا أكون أراه مستوجبا لذلك ، إلا أني سمعت أخي يقول أن خفتم أن يهراق في محجم من دم فادفنوني بالبقيع .

 

فقلت لأخي : يا أبا عبد الله وكنت ارفقهم به ، أنا لا ندع قتال هؤلاء جبنا عنهم ، ولكنا إنما نتبع وصية أبي محمد ، إنه لو قال والله ادفنوني مع النبي صلى الله عليه وسلم، لمتنا من آخرنا أو ندفنه مع النبي ، ولكنه خاف ما قد ترى .

فقال : أن خفتم أن يهراق في محجم من دم ، فادفنوني مع أمي ، فإنما نتبع عهده وننفذ آمره ، قال : فأطاع حسين بعد أن ظننت انه لا يطيع ، فاحتملناه حتى وضعناه بالبقيع وحضر سعيد بن العاص ليصلي عليه .

فقالت بنو هاشم : لا يصلي عليه أبدا إلا حسين ، قال: فاعتزل سعيد بن العاص ، فوالله ما نازعنا في الصلاة ، وقال: أنتم أحق بميتكم فإن قدمتموني تقدمت ، فقال حسين بن علي : تقدم ، فلولا أن الأئمة تقدم ما قدمناك.

تاريخ دمشق لابن عساكر ج13ص291.

 

شهادة ولد عبدالله مع الحسين:

يا طيب : إن ثلاثة من أبناء عبد الله بن جعفر الطيار عليهم السلام ، كانوا مع الإمام الحسين في كربلاء ، وذلك لكي ينصروا محكم التنزيل والهدى الحق ، وقد برزوا للقتال حتى استشهدوا ، وأولهم :

محمد بن عبد الله بن جعفر : يقاتل الطغيان وينصر التبيان :

فبعد ما : ذكر من ذكر نهضة الحسين عليه السلام ويوم كربلاء واستشهاد جملة من الأنصار ، قالوا : وخرج من بعده محمد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وهو يقول : 

نشكو إلى الله من العدوان
قتال قوم في الردى عميان
قد  تركوا  معالم  القرآن
و محكم التنزيل و التبيان
و أظهروا الكفر مع الطغيان

ثم قاتل : حتى قتل عشرة أنفس.

ثم قتله : عامر بن نهشل التميمي فيما روى عن سليمان بن أبي راشد عن حميد بن مسلم بالإسناد : الذي قدمناه ، وإياه عنى سليمان بن قتة بقوله :

و سمي النبي غودر فيهم
قد علوه بصارم مصقول
فإذا ما بكيت عيني فجودي
بدموع تسيل كل مسيل

بحار الأنوار ج45ب37ص34ح2. المناقب لابن شهر آشوب ج 4 ص 106. مقاتل الطالبيين ص59 . مقتل الخوارزمي ج2ص30 .

وذكر المفيد رحمه الله : محمد بن عبد اللّه بن جعفر: أمه: الحوصاء بنت حفصة بنت ثقيف من بكر بن وائل ، دخل المعركة و هو يرتجز يقول: الشعر أعلاه .

الإرشاد ص 268، الفتوح ج5ص204.

 

عون بن عبد الله : كجده الطيار نال شرف المحشر :

عون : بن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب الأكبر .

أمه : زينب العقيلة بنت علي بن أبي طالب.

وأمها : فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله .

وإياه : عنى سليمان بن قتة بقوله :

واندبي إن بكيت عونا أخاه
ليس  فيما  ينوبهم  بخذول
فلعمري لقد أصبت ذوي القر
بى فبكى على المصاب الطويل

والعقيلة : هي التي روى ابن عباس عنها كلام فاطمة في فدك ، فقال: حدثتني عقيلتنا زينب بنت علي عليه السلام.

وقال الخوارزمي: ثم خرج من بعده، عون بن عبد الله بن جعفر وأمه العقيلة زينب عليها السلام ، وهو يرتجز ويقول:

إن تنكروني فأنا ابن جعفر
شهيد صدق في الجنان أزهر
يطير فيها  بجناح  أخضر
كفى بهذا شرفاً في المحشر

ثم قاتل : حتى قتل من القوم ثلاثة فوارس ، وثمانية عشر راجلا ، ثم قتله عبد الله بن بطة الطائي .

قال أبو الفرج : بعد ذكر قتل محمد وعون ، حدثني بسنده عن حميد بن مسلم: أن عبدالله بن قطنة التيهاني التميمي ، قتل عون بن عبدالله بن جعفر.

 مقاتل الطالبيين ص 61 . مقتل الخوارزمي ج2ص31 .تاريخ الطبري ج4ص341 .

 

 عبيد الله : بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب عليه السلام .

وأمه : الخوصاء بنت حفصة .

ذكر يحيى بن الحسن العلوي : فيما حدثني به احمد بن سعيد عنه :

أنه قتل : مع الحسين ، بالطف ، رضوان الله عليه وصلواته على الحسين وآله.

بحار الأنوار ج45ب37ص34ح2. المناقب ج 4 ص 61 .

يا طيب : هذا أخذناه مما جمعناه في صحيفة الإمام الحسين عليه السلام صحيفة الشهادة من موسوعة صحف الطيبين ، وتجد في صحيفة العقيلة زينب عليها السلام ، ما يخصها من خطبها وأحداث كربلاء.

وكما جاء : ذكر بعض الشهداء من أولاد عبد الله بن جعفر عليهم السلام في زيارة الإمام الحسين عليه السلام كما ذكر بن طاووس رحمه الله فقال : فصل فيما نذكره من لفظ زيارة الحسين عليه السلام في نصف شعبان‏ ، أقول إن هذه الزيارة مما يزار بها الحسين عليه السلام أول رجب أيضا ، و إنما أخرنا ذكرها في هذه الليلة لأنها أعظم فذكرناها في الأشرف من المكان ، فبعدما ذكر زيارة الإمام الحسين وأبنه علي الأكبر عليهم السلام ، قال في زيارة الشهداء :

السَّلَامُ : عَلَى الْعَبَّاسِ بْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، السَّلَامُ عَلَى جَعْفَرِ بْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، السَّلَامُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، السَّلَامُ عَلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، السَّلَامُ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، السَّلَامُ عَلَى الْقَاسِمِ بْنِ الْحَسَنِ ، السَّلَامُ عَلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ الْحَسَنِ ، السَّلَامُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ.

 السَّلَامُ : عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ .

السَّلَامُ : عَلَى جَعْفَرِ بْنِ عَقِيلٍ ، السَّلَامُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَقِيلٍ ، السَّلَامُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ ، السَّلَامُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سَعْدِ بْنِ عَقِيلٍ .

السَّلَامُ : عَلَى عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.

السَّلَامُ عَلَيْكُمْ : أَهْلَ بَيْتِ الْمُصْطَفَى ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الشُّكْرِ وَ الرِّضَا ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَنْصَارَ اللَّهِ ، وَ رِجَالَهُ مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ وَ الْبَلْوَى ، وَ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى بَصِيرَةٍ فِي سَبِيلِهِ.

 أَشْهَدُ : أَنَّكُمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏ : { وَ كَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ ما ضَعُفُوا وَ مَا اسْتَكانُوا وَ اللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ‏ } ، فَمَا ضَعُفْتُمْ وَ مَا اسْتَكَنْتُمْ حَتَّى لَقِيتُمُ اللَّهَ عَلَى سَبِيلِ الْحَقِّ وَ نَصْرِهِ ـ وَ كَلِمَةِ اللَّهِ التَّامَّةِ .

صَلَّى اللَّهُ : عَلَى أَرْوَاحِكُمْ وَ أَبْدَانِكُمْ وَ سَلَّمَ تَسْلِيماً ، فُزْتُمْ وَ اللَّهِ ، لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ مَعَكُمْ‏ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً ، أَبْشِرُوا بِمَوَاعِيدِ اللَّهِ الَّتِي لَا خُلْفَ لَهَا ، إِنَّهُ‏ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ .

أَشْهَدُ أَنَّكُمُ : النُّجَبَاءُ وَ سَادَةُ الشُّهَدَاءِ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ ، وَ أَشْهَدُ أَنَّكُمْ جَاهَدْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَ قُتِلْتُمْ عَلَى مِنْهَاجِ رَسُولِ اللَّهِ ، أَنْتُمُ السَّابِقُونَ وَ الْمُجَاهِدُونَ ، أَشْهَدُ أَنَّكُمْ أَنْصَارُ اللَّهِ وَ أَنْصَارُ رَسُولِهِ ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَكُمْ وَعْدَهُ ، وَ أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ ، وَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ .

الإقبال بالأعمال الحسنة ج2ص713ف53. والمزار للشهيد الأول ص150.

 

وفي زيارة أخرى : للحسين عليه السلام ، وبعدها ذكر الشهداء ، ذكر خاص لعون بن عبد الله بن جعفر عليهم السلام :

السَّلَامُ عَلَيْكَ : يَا عَوْنَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ النَّاشِي فِي حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ ، وَ الْمُقْتَدِي بِأَخْلَاقِ رَسُولِ اللَّهِ ، وَ الذَّابِّ عَنْ حَرِيمِ رَسُولِ اللَّهِ صَبِيّاً ، وَ الذَّائِدِ عَنْ حَرَمِ رَسُولِ اللَّهِ مُبَاشِراً لِلْحُتُوفِ ، مُجَاهِداً بِالسُّيُوفِ ، قَبْلَ أَنْ يَقْوَى جِسْمُهُ وَ يَشْتَدَّ عَظْمُهُ ، وَ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ، مَا زِلْتَ مِنَ العَلَاءِ مُنْذُ يَفَعْتَ ، تَطْلُبُ الْغَايَةَ الْقُصْوَى فِي الْخَيْرِ مُنْذُ تَرَعْرَعْتَ ، حَتَّى رَأَيْتَ أَنْ تَنَالَ الْحَظَّ السَّنِيَّ فِي الْآخِرَةِ بِبَذْلِ نَفْسِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَ الْقِتَالِ‏ لِأَعْدَاءِ اللَّهِ ، فَتَقَرَّبْتَ وَ الْمَنَايَا دَانِيَةٌ ، وَ زَحَفْتَ وَ النَّفْسُ مُطْمَئِنَّةٌ طَيِّبَةٌ ، تَلَقَّى بِوَجْهِكَ بَوَادِرَ السِّهَامِ ، وَ تُبَاشِرُ بِمُهْجَتِكَ حَدَّ الْحُسَامِ ، حَتَّى وَفَدْتَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِأَحْسَنِ عَمَلٍ ، وَ أَرْشَدِ سَعْيٍ ، إِلَى أَكْرَمِ مُنْقَلَبٍ ، وَ تَلَقَّاكَ مَا أَعَدَّهُ لَكَ مِنَ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ ، الَّذِي يَزِيدُ وَ لَا يَبِيدُ ، وَ الْخَيْرِ الَّذِي يَتَجَدَّدُ وَ لَا يَنْفَدُ ، فَصَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْكَ تَتْرَى تَتَّبِعُ أُخْرَاهُنَّ الْأُولَى .

مصباح الزائر ص124- 125. بحار الأنوار ج98ص244ب18ح38 .

 

عبد الله يتمنى كونه مع الحسين :

وذكر الشيخ المفيد رحمه الله : في قصة واقعة كربلاء و بطولة الإمام الحسين و أصحابه و استشهادهم و ما جرى عليهم بعده:

و حمل : عبد الله بن قطبة الطائي على ، عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ‏ أَبِي‏ طَالِبٍ‏ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَقَتَلَهُ.

و حمل : عامر بن نهشل التيمي على ، مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ‏ أَبِي‏ طَالِبٍ‏ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَقَتَلَهُ.

الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ج2ص107. وذكرهما في الاختصاص ص83 تسمية من شهد مع الحسين بن علي عليه السلام بكربلاء.

وروى الشيخ المفيد رحمة الله : دخل بعض موالي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ‏ أَبِي‏ طَالِبٍ‏ عليه السلام ، فَنَعَى إِلَيْهِ ابْنَيْهِ فَاسْتَرْجَعَ ؟

فقال أبو السلاسل : مولى عبد الله ، هذا ما لقينا من الحسين بن علي .

فخذفه : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ بنعله ، ثم قال : يا ابن اللخناء ، أَ لِلْحُسَيْنِ تَقُولُ هَذَا .

وَ اللَّهِ : لَوْ شَهِدْتُهُ لَأَحْبَبْتُ أَلَّا أُفَارِقَهُ حَتَّى أُقْتَلَ مَعَهُ ، وَ اللَّهِ إِنَّهُ لَمِمَّا يُسَخِّي بِنَفْسِي عَنْهُمَا ، وَ يُعَزِّينِي عَنِ الْمُصَابِ بِهِمَا ، أَنَّهُمَا أُصِيبَا مَعَ أَخِي وَ ابْنِ عَمِّي ، مُوَاسِيَيْنِ لَهُ صَابِرَيْنِ مَعَهُ.

ثم أقبل : على جلسائه ، فقال : الْحَمْدُ لِلَّهِ ، عَزَّ عَلَيَّ مَصْرَعُ الْحُسَيْنِ ، إِنْ لَا أَكُنْ آسَيْتُ حُسَيْناً بِيَدِي ، فَقَدْ آسَاهُ وَلَدَيَّ.

 الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ج2ص124. كشف الغمة ج2ص68. بحار الأنوار ج45ص122ب39.

نصيحة عبد الله لصديقه :

وذكر الكراجكي : و روي في الكامل :‏ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ‏ أَبِي‏ طَالِبٍ‏ ، أفتقد صديقا له من مجلسه ، ثم جاءه .

فقال : أين كانت غيبتك ؟

قال : خرجت إلى عرض من أعراض المدينة مع صديق لي.

فقال له : إِنْ لَمْ تَجِدْ مِنْ صُحْبَةِ الرِّجَالِ بُدّاً ، فَعَلَيْكَ بِصُحْبَةِ مَنْ إِنْ صَحِبْتَهُ زَانَكَ، وَ إِنْ خَفَقْتَ لَهُ صَانَكَ ، وَ إِنِ احْتَجْتَ إِلَيْهِ أَعَانَكَ ، وَ إِنْ رَأَى مِنْكَ خَلَّةً سَدَّهَا ، أَوْ حَسَنَةً عَدَّهَا ، أَوْ وَعَدَكَ لَمْ يَحْرِضْكَ ، وَ إِنْ كَثَّرْتَ عَلَيْهِ لَمْ يَرْفِضْكَ ، وَ إِنْ سَأَلْتَهُ أَعْطَاكَ ، وَ إِنْ أَمْسَكْتَ عَنْهُ ابْتَدَأَكَ.

كنز الفوائد ج1ص99 فصل آخر في ذكر الإخوة و الإخوان.

ورحم الله الشيخ حسن جليل الأنباري إذ قال رباعيات تعرفنا شأن جعفر الكريم وتشوقنا لقراءة صحيفته المباركة:

دارمي

يا طيب تدبر صحيفة جعفر الطيار
لتعرف شأن سيد من الآل الأطهار
+
وتجد معارف الهجرة والشهداء الأبرار
وتجد ما كرمه الله بجناحين من الأنوار
+
وتقرء تأريخ المسلمين الأطايب الأحرار
وظلم من خالفهم من أهل مكة الكفار
+
وتعرف صلاة جعفر هدية من المختار
يوم فتح خيبر بيد أخيه علي الكرار
+
فترى هدى التسبيح وما له من الأسرار
وإنه ذكر له فضل عظيم خص بالأبرار

رباعيات

أشبهت خَلقي وخُلقي قال النبي لجعفر
وسيم بهي الطلعة متألق الحسن جعفر
خُلقه القرآن وآدابه سنن الرسول جعفر
كريم السجايا جميل الشيم الطيار جعفر

=
عالم فاضل ومفسر ومحدث كامل جعفر
مهاجر زاهد ومجاهد في سبيل الله جعفر
مخلص لله عابد ومطيع لرسول الله جعفر
شهيد له جناحين في الجنة طيار جعفر

عناوين مفيدة :

صحيفة جعفر بن أبي طالب الطيار

عليه السلام

تأليف وتحقيق وإعداد

خادم علوم آل محمد عليهم السلام

الشيخ حسن جليل الأنباري

موقع موسوعة صحف الطيبين

لحضرتكم يا طيب صحيفة الإمام جعفر الطيار عليه السلام مع قابلية الاختيار والاقتباس منها والنسخ واللصق في المواقع الاجتماعية

www.alanbare.com/jafr

الصحيفة كتاب إلكتروني بي دي أف

جيد للقراءة والمطالعة على الحاسب والجوال

www.alanbare.com/jafr/jafr.pdf





  ف

           

ت