في أصول الدين وسيرة المعصومين
صلى الله عليه وآله وسلم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبين محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين
يا طيب هذه صحيفة نزول روح القدس والروح الأمين على رسول الله الذي بعثه الله سبحانه وتعالى وعز وجل وجعله أفضل وأكرم عباده وحبيبه وخليله وصفيه ونجيبه السابق إلى طاعة ، فكان أتم مظهرا لأسماء الله الحسنى ومعه آله المتجلين بنورها في التكوين ، معلمي كلام الله المجيد وكتابه القرآن الكريم وكل حلال يرضاه وحرام قلاه .
ذو الخلق العظيم : ورحمة الله للعالمين سيدنا و مولانا ونبينا أبو القاسم محمد بن عبد الله صلى الله عليه و آله و سلم ، فهو خير خلق الله البشير النذير السراج المنير الطيب الطاهر الدر الفاخر البحر الزاخر العلم الظاهر المنصور المؤيد الرسول المسدد المصطفى الأمجد المحمود الأحمد حبيب إله العالمين .
و أنه سيد الأولين و الآخرين : وسيد الأنبياء والمرسلين وخاتمهم، القائم بالقسط والفاتح بالخير معدن الوحي والتنزيل المبلغ عن الله ونور الله الذي يستضاء به وحجة الله على الأولين و الآخرين ، والمهيمن على رسل الله والخاتم لأنبيائه الشاهد على خلقه الشفيع إليه والمكين لديه والمطاع في ملكوته ، الأحمد من الأوصاف المحمد لسائر الأشراف ، الكريم عند الرب والمكلم من وراء الحجب الفائز بالسباق والفائت عن اللحاق ، صاحب المقام المحمود ولواء الحمد والوسيلة إلى نعيم الله تعالى ورضوانه ، المبلغ لرسالة الله والداعي إليه بالحق الناصح لأمته المجاهد في سبيل ربه الصادع بأمره المتحمل للأذى في جنبه ، الداعي إلى سبيل الله بالحكمة و الموعظة الحسنة الجميلة ، مؤدي الحق الذي عليه ، الرحيم الرؤوف بالمؤمنين الشديد الغليظ على الكافرين ، العابد لله المخلص بكل يقين ، المبلغ المهدي الهادي من الضلال رحمة الله للعالمين ، فوز ونجاة وشفيع المؤمنين ، وموصلهم لأتم سعادة وخير وبركة ونعيم بصراط مستقيم في الدارين .
وتجد يا طيب : في هذه الصحيفة أدلة وبراهين ضرورة النبوة العامة والخاصة وحياة نبينا الأكرم وولادته ونبوته وفضائله ومناقبه ومواعظه وحكمة وتعاليمه و معجزاته وأخلاقه وسلوكه وسيرته مع أهل زمانه حتى شهادته .
اللَّهُمَّ : صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ وَ اجْعَلْ صَلَوَاتِكَ، وَصَلَوَاتِ مَلَائِكَتِكَ الْمُقَرَّبِينَ ، وَ أَنْبِيَائِكَ الْمُرْسَلِينَ ، وَ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ، وَ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرَضِينَ ، وَ مَنْ سَبَّحَ لَكَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ ، عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَ رَسُولِكَ ، وَ نَبِيِّكَ وَ أَمِينِكَ ، وَ نَجِيِّكَ وَ حَبِيبِكَ ، وَ صَفِيِّكَ وَ صَفْوَتِكَ وَ خَاصَّتِكَ ، وَ خَالِصَتِكَ وَ خِيَرَتِكَ مِنْ خَلْقِكَ ، وَأَعْطِهِ الْفَضْلَ وَ الْفَضِيلَةَ ، وَ الْوَسِيلَةَ وَ الدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ ، وَ ابْعَثْهُ مَقَاماً مَحْمُوداً يَغْبِطُهُ بِهِ الْأَوَّلُونَ وَ الْآخِرُونَ .
الراجي لرحمة ربه وأن يجعله عبدا مخلصا له و من أنصار أوليائه نبينا محمد وآله صلى الله عليهم وسلم ومنهجهم الحق حقا
خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن الأنباري
موسوعة صحف الطيبين
صحيفة النبوة الأصل الثالث للدين روابط الصفحة
https://www.alanbare.com/a3
الصحيفة كتاب الكتروني
https://www.alanbare.com/a3/a3.pdf
صحيفة الصلاة على محمد وآل محمد
https://www.alanbare.com/a3/slih/
صحيفة المبعث والإسراء والمعراج
https://www.alanbare.com/a3/mbath/
الصحيفة كتاب الكتروني
https://www.alanbare.com/a3/mbath.pdf
فيديو الصلاة المسلسلة
الشيخ الأنباري مع الشهيد الدكتور صادق آل ناصر رحمه الله
الحمد لله والصلاة على نبينا محمد وآله :
الحمد لله والشكر لله : الأول قبل الإنشاء ، والآخِر بعد فناء الأشياء ، الذي خلق الخلق ابتداء وابتداع ، فكون الكون وكائناته بأحسن اصطناع ، ومن غير مثال ولا أصول أوليه فهدى كل كائن لما فيه شأنه وعلاه ، ورتبه بمراتب حسب شرفه في الوجود وجمّله بهداه ، فتنزلت برحمته وإحسانه الكائنات لمرتبة عالم الشهادة وبقاهريته لأدناه ، وبربوبيته وقيمويته تتم الغاية لكل شيء فيصل لمنتهاه ، فأرجع الشريف منها والمطيع لما فيه كرامته ورضاه ، وبكل سعادة ونعيم وتكون الجنة مأواه ، ونزل العاصي لعالم أسفل في نار يصلى فيها فتكون مثواه ، أبعدنا الله منه ومن كل شيء ربنا حرّمه وقلاه .
وأسأل الله رب العالمين ومرسل خير عباده بالدين الحق المبين : أن يصلي على جميع الأنبياء والمرسلين من الأولين والآخرين ، وبالخصوص رحمته ونوره الذي كرمه وحبه وآواه ، فجعله يشرق بنور هداه على كل مؤمن يحب الرب ورضاه ، حتى كان فخر الكائنات وسيد الأنبياء والمرسلين ، وختم بنبوته ورسالته تنزيل معارف الهدى والدين ، فكان بكل ما علّمه وظهر به أسوة وقدوة لكل العالمين ، ومن تبعه وأطاع وتولاه صار في رحمة الله ربنا أرحم الراحمين ، فكان في رضا الله ونعيمه وفي جنة الخلد مع الحور العين ، والولدان المخلدين وهواء لطيف وأكل طيب وماء من معين ، ومن هجره ولم يتصل به وآذاه في نفسه وآله في عذاب الله في أسفل السافلين ، ويصلى في الجحيم وله طعام من غسلين ولا ينفعه مال ولا بنون ولا شفاعة الشافعين .
فيا ربي وخالق كل شيء وهاديه : صلي وسلم على السراج المنير والبشير النذير نبي الرحمة المصطفى الأمين محمد ، وعلى آله الطيبين الطاهرين الغر الميامين أئمة المؤمنين والواجب إطاعتهم على كل المسلمين ، والذين حافظت بهم على معارف كتابك المنزل على أشرف الأنبياء وأكمل المرسلين ، خلفاء رسولك وورثة هداه والظاهرين به في كل حين ، حتى كانوا بحق ولاة نور هداك ومعرفي عبوديتك لكل المؤمنين والطالبين ، وزدهم يا رب من فضلك بالكرامات والنور وأرفع شأنهم حتى المقام المحمود في أعلى عليين.
واجعلنا يا رب يا حي يا قيوم : متنورين بنور هداهم وأسلك بن صراطهم المستقيم حتى نقيم عبوديتك مع الإخلاص واليقين ، وتقبل منا وأرضى عنا حتى تجعلنا معهم نحف بهم تحت ضل عرشك مع الشهداء والصالحين والصديقين ، وأحسن لنا بهم رفقه حتى لتجعلنا معهم في مقام الكرامة والمجد والعز على سرر متقابلين ، فإنك أرحم الراحمين ووليي اليوم وفي كل حين ويوم الدين ، فأكرمنا بمعرفتهم يا رب حتى أقول مع الطيبين في جنة الخلد في آخر دعاء لنا الحمد لله رب العالمين ، وأجعل لعنتك وغضبك وتمام نقمتك على أعدائهم وكل من منع الناس من معرفتهم وحرفهم عن هداهم ودع لأئمة الكفر والضلال إلى أبد الآبدين ، وأرحم يا رب من يقول آمين .
أهمية بحث النبوة : الأصل الثالث للدين :
أما بعد يا أخي الطيب : فإن النبوة ومعارفها هي من أصل الإيمان وركن ركين من أركان الدين ، وبها نعرف بحق المعرفة الممكنة عظمة رب العالمين ، وبالنبوة يُعرف هدى الله وما يحب من المعارف أن يعبد بها ويرضى بإقامتها مع الإخلاص له وحده لا شريك له ، فمن عرف الله وآمن به فلابد له من طلب معرفة عظمته وشأنه الكريم وأسماءه الحسنى وهداه الحق ودينه القيم من المنعم عليهم وأهل الصراط المستقيم ، والذين أيدهم بالكتاب والحكمة وجعلهم أدلة عليه وعلى معارف نوره وهداه إلى يوم الدين .
فمن وفقه الله : لمعرفة الأنبياء وبالخصوص نبينا الأكرم سيدهم وخاتم المرسلين ومعارفه بحق من آله الطيبين الطاهرين ، والصادقين المصطفين الأخيار الذين أختارهم رب العالمين لهداه ودينه ، وجد في تطبقها وأخلص لله في إقامتها ، دخل جنة الرب وتنعم بنعيم الأبد في وجوده وبكل محيطه خالدا إلى يوم الدين ، ومن لم يُوفق أو أنحرف وتبع أهل الضلال أو أئمة الكفر ولم يطلب هدى الله من أهله المطهرين ضل وهوى ، أبعدنا الله منه وعن تقصيره بل وقصوره .
وبهذا نعرف يا أخي الطيب : إن حقيقة السعادة والفرح والسرور بعد معرفة الله وعدله ، وهو أن نعرف نبيه الأكرم الذي بعثه برسالته وكيف حافظ الله على تعاليمه ، حتى نعرف عظمته ودينه القيم وهداه الحق الذي يُسعد العباد ، ويُفرحهم في كل حين ويوم المعاد ، وهي معرفة النبوة والنبي وبالخصوص خاتم المرسلين بمعرفة كريمة تلي معرفة الله عز وجل وعدله في عباده ، فمن وفقه الله لها عرف الله وعدله ، ومن لم يوفق ضل عن رحمة الله ونأى فتجبر وطغى أو فرط وهوى .
ولذا يا أخي الكريم : بعد إن كتبنا صحف التوحيد من موسوعة صحف الطيبين ، ندخل في صحيفة النبوة العامة ومعناها وضرورتها وأسسها وأصولها ، ثم النبوة الخاصة لنبينا الأكرم وخاتم المرسلين المصطفى الأمين نبينا محمد صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين وكل أصحابه الكرام المنتجبين والذين هم بودهم وحبهم وطاعتهم والهين ، وبمولاتهم بحق فرحين ، وبهم مقتدي متأسيين ، ولله بدينهم مخلصين ، لا مغضوبا عليهم ولا ضالين ولا ظالمين ، بل عبدوا الله بهدى أصحاب النعيم وبصراط مستقيم فنالوا رضا الرب الكريم .
ولذا نجعل يا طيب : بحوث النبوة ومسائلها في أبواب تُعرفن أمور لابد من تيقن ضرورتها وأهميتها والشرف المختص بها وكرامتها على الله ، بل نعرف ولي الله الذي يحققنا بنور معارف هداه وأفضل مخلوق في كل مراتب الكائنات ، وحبيب لله الذي جعله مصطفى مختار لكل الفضائل والمكرمات ، ولذا تكون معرفة النبوة وختمها من أفضل المعارف ، وفيها أحلى علم وأجمل نور بهي يهب الإنسان صراط الهدى والعروة الوثقى ، والسبب المتصل بدا وعودا بين الأرض والسماء ، ويتصل بإنا لله وإنا إليه راجعون بأفضل نور نازل وصاعد وبكل حُسن وجمال وسناء .
لأنه بالنبي ورسالته : نعرف محل الكرامة والعز والمجد والشرف ونور الهدى الإلهي ، وكل شيء من معاني عبودية الله والتوجه له بكل طاعة حتى بم يخص الحياة وشؤونها ، وبكل فضائل العدل والإحسان ، وبأجمل الأخلاق الحسنة والآداب الكريمة ، وبحق النعيم والحلال الطيب ، وبها نرتفع عن الرذائل والخسة والسفه والباطل وكل شين ليس من شأن الإنسان الكريم الفاضل البر ، فلذا يكون من يعرف النبوة والنبي الحق يشتاق لطلب معارف الهدى منه ، ومع الاطمئنان للروح بالعلم بها ، وبراحة للنفس بتطبيقها ، ومع الإخلاص والحب للتحلي بها ، ووهبنا الله معارفها وحقائقها وزين أرواحنا بتطبيقها بعد العلم بها .
أبواب : صحيفة النبوة العامة والخاصة وبحوثها :
يا طيب سنجعل البحث هنا : في كل ما يوصلنا لليقين بالنبوة العامة لكل الأنبياء ، وبالنبوة الخاصة لخاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد صلى الله عليهم وآلهم وسلم ، ونذكر كل شاهد وبرهان قوي يُدخل نور معارفها في قلوبن بأفضل الإيمان ، فنصدق بنور المبعوث بالنبوة من الله تعالى في أي مكان وزمان ، حتى لا نفرق بين أحد من الأنبياء والمرسلين ، ونقر بكل وله وعبودية وخضوع فنقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب العالمين ، وأشهد أن محمد عبده ورسوله المصطفى الأمين ، بل وللفطن ببحوث صحيفة النبوة : يشهد إن عليا وأولاده المعصومين أولياء الله وهداه وبحق إنهم أئمة المؤمنين ، ولذا ستكون بحوث صحيفة النبوة وهي الأصل الثالث للدين في أبواب المعارف التالي :
الباب الأول : في معنى النبوة العامة وتعريفها ومعارفها وضرورة وجود النبي وفق الهدى الكوني والتشريعي والاجتماعي ، وخواصه وصفاته وكل ما يتعلق بعصمته وشأنه الكريم ، والتي ترينا أصولا لابد من مراعاتها لمعرفة صدق مدعي النبوة وأحقيته وضرورة إطاعته بكل هداه .
والباب الثاني وما بعده : في النبوة الخاصة ، وهي المعرفة بنبوة نبينا الكريم والمصطفى الأمين سيد الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فنطبق ما عرفنا من الأصول والأسس في الباب الأول ، لمعرفة شأنه الشريف وضرورة رسالته وفضله على كل البشر وكرامته عند الله بالعقل والنقل . وهذا الباب وسابقة يكون فيهما المعرفة النظرية بالنبوة ، وضرورة وجود الأنبياء وبالخصوص نبينا الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ثم في الباب الثالث : نذكر شواهد كريمة تعرفنا صدق دعوته صلى الله عليه وآله وسلم ، فنجعل الباب فيما يعرفنا وجود الكمال التام في صفاته الذاتية والشخصية في المرتبة الأولى : للصفات الذاتية للنبي العظيم في عوالم الغيب والشهادة وشرفه ونسبه الكريم ، وفي المرتبة الثاني : نتعرف على طيب مولده المبارك ونشأته وصباه وزواجه حتى مبعثه الشريف .
ثم يأتي الباب الرابع : فنجعله في معرفة علو همته في تبليغ دينه القويم ، فنعرف به أمرا آخرا لضرورة بعثة نبينا الأكرم ، وهو من خلال معرفة مبعثه الشريف وثباته وجهاده في مكة المكرمة .
وأما الباب الخامس : فسيكون في ظروف هجرته الشريفة وأمر الله في تبليغ دينه في طيبة المدينة المنورة وثباته وجهاده الكريم فيها ، فينشر دعوة الرب سبحانه وتعالى ويبلغ رسالته بنصر الله له فيها لكل أهل الدنيا.
و الباب السادس : نعرف به خُلقه العظيم ومكارم سيرته ومحاسن صفاته وآدابه الفاضلة الشريفة ، ونسأل الله أن يجعنا ممن يقتدي به بكلها .
فيكون لنا معرفة بنينا الأكرم بعد المعرفة النظرية معرفة عملية بشأن نبينا الكريم وجهاده وثباته لنشر دين الله بنفس وجوده الطاهر الطيب .
وتأتي الآن المعرفة العلمية بنبينا الأكرم لمعرفة شيء من هداه ومعجزاته الكريمة حتى رحيله إلى الله سبحانه وتعالى ومعرفة حكمته في الأحداث بعده .
ففي الباب السابع : نذكر أحاديث شريفة تعرفنا بعض معارف حكمته ببليغ الكلام وقصار الحكم وفي معارف قيمة متعددة، فتعرفنا بعض هداه.
وأما الباب الثامن : فنعرف به شيء عن معجزته الخالدة القرآن المجيد ، والذي شرفه الله به ليثبت صدقه وأحقية دينه ورسالته الإلهية ، والتي خصه الله بها واصطفاه سبحانه لتعليمها .
وكذا الباب التاسع : نعرف به شيء عن معجزات نبينا الأكرم الكونية الأخرى التي أيده بها الله سبحانه وتعالى ، وعرّف كرامته عليه ليثبت دعوته فيقبله الطيبون ويؤمنوا به حتى اليقين ، ولتطمئن نفوسهم الكريمة بهداه ، وكذا لكي يقيم حجته على المعاندين ويريهم آيات المقدرة الربانية التي كرمه الله بها ، فيجعلهم موقنين بخطئهم وضلالهم عن الحق وعنادهم لدين الله القيم ولهداه الواقعي ، ولسعادتهم الحقيقية التي توجب عليهم إقامة دين الله تعالى فيموتوا بالحسرة والندامة في الدني قبل الآخرة .
فنعرف بهذه الأبواب يا أخي الكريم : أهم شواهد الصدق وما يجلب اليقين على نبوة نبينا الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ونعرف به أدلة حق على رسالته وصدقه ، فنقيم كل برهان قوي محكم يبين كرامته عند الله ، وما جعله بحق أكرم رسول وأعظم نبي وسيد أهل الدنيا والآخرة ، وشرّفه الله تعالى بعزه وبمجده ، وكرمنا الله به ونورنا به ليخرجنا من الظلمات إلى النور بإذنه ، بل تنور الوجود الكوني بكل مراتبه وحسُن خلقه ووجوده ، حين يسكن به أفضل خلق الله ووليه بالحق نبي الرحمة الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وكل من بلغته رسالته فأقم عبودية الله وشكره بما يحب الله ويرضى فوصل لسعادته ولأفضل غايته ولتمام نعمته وكمال نوره .
ثم نجعل الباب العاشر : في خاتمة بحوث النبوة الخاصة ، ومن خلال معرفة رحيل نبينا الأكرم إلى ربه وأهم الأحداث حينها وبعدها، وبه نعرف ختم الرسالة والنبوة ، وكيف يختبر الله عباده المؤمنين ، وضرورة معرفة الدين بهداه الحق عن علم ويقين ، وضرورة تتبع ومعرفة هداه من الصادقين ، فيغتصب الأمر من لم يأتمنه على تبليغ آيات معدودة ، ثم ينتقل الحكم لمن يحارب الإسلام بكل وجوده حتى آخر عمره ، وهو تعالى يطلب من المؤمنين متابعة المصطفين الأخيار بعد إن حافظ الله بهم على دينه وهداه ، فجعلهم مطهرون ككتابه المجيد الذي فيه كلامه الطاهر ، وصدق طُهرهم بسيرتهم وسريرتهم مع النبي الأكرم ، فقرن حياتهم بحياته ودينهم بدينه ، وكانوا بعد رسول الله أئمة المؤمنين بحق .
ونسأل الله سبحانه وتعالى : أن يوفقنا لبيان معارف النبوة حتى يرضى عنا ويهبنا حبه وحب كل الأنبياء والمرسلين ، وبالخصوص خاتمهم وأشرفهم نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين صلى الله عليهم وسلم أجمعين .
وأهدي صحيفة النبوة الأصل الثالث للدين هذه : لوينا وإمام عصرن الحجة بن الحسن العسكري عجل الله تعالى ظهوره المبارك : وجعلنا من أنصاره وأعوانه في الدنيا بنشر تعاليم دينه الذي عرفوه لنا بفضل الله عليهم وعلينا ، حتى يرضى عنا ويجعلنا تحت رايته ومن جنده في يوم ظهوره ودولته لإقامة العدل والقسط والإحسان بفضل الرب المنان ، وفي يوم القيامة حين يدعى كل أناس بإمامهم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بلقب سليم ، فيحشرنا معهم سبحانه في معارفهم بالدني وبنعيمهم وملكهم العظيم من الكتاب والحكمة في الدارين ، وفرحين مسرورين بالهدى الحق بكل يقين ، ومطمئنين بنور رضاه وما يهبنا من كمال المجد ونور العز والنعيم مكرمين ، حتى يجعلنا معهم راضيين مرضيين ، فنحف بنبي الرحمة محمد وآله الطيبين الطاهرين ومعنا كل الشهداء والصالحين والصديقين والأنبياء والمرسلين وصحبهم المنتجبين وفي أعلى عليين ، إنه ولي التوفيق وهو أرحم الراحمين ، وصلى الله على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين , والحمد لله رب العالمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .
أخوكم في الإيمان بالله ورسوله وبكل ما أوجبه تعالى
خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري
موقع موسوعة صحف الطيبين
يوم ميلاد نبينا الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم
17 / ربيع الأول /1425 ــ 7/5/2004
يا طيب : قال الله سبحانه وتعالى في التكوين كله :
{ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا (27) } ص .
{ ومَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَ إِلاَّ بِالْحَقِّ (85) } الحجر.
وبخصوص خلق الإنس والجن :
{ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58) } الذاريات .
ولكي يعبدوا الله سبحانه قال :
{ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً
أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ
فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلاَلَةُ
فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (36) } النحل .
وأما في سيد المرسلين ونبينا الأكرم خاتمهم ومن آمن به فقال :
{ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَ وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} البقرة 285 .
وبعد ما عرفنا غرض الخلقة ومجمل التعاليم ، هذه بعض مواصفات نبين الأكرم قال الله تعالى :
{ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ (2)} الجمعة.
{ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا (1)} الأعراف .
{ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)
قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (108) } الأنبياء .{ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)}القلم .
{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرً وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46) وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنْ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيرًا} الأحزاب47 .
وهذا الدين : كما عرفت ليس عبثا ، وإنما حافظ عليه وعلى تعاليمه وكتابه سبحانه وتعالى إلى يوم القيامة بقوله :
{ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) } الحجر.
{ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلآ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ
إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (7) } الرعد .
{ وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ
وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (89) إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ
وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) } النحل.
ولكي نعرف : المحافظ على الدين الهادي بعد النبي والشاهد على العباد ، أمر سبحانه بإتاء ذي القربى ، وجعل مودتهم حسنة وأجر الرسالة وهو نفعه لنا لأنه بمودتهم الله يغفر لنا ويشكر عملنا ، وقد قال سبحانه :
{ ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُو وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى
وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (23) } الشورى. وقد عرفهم الله تعالى بقوله : { فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَ وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61) إِنَّ هَذَ لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللّهُ وَإِنَّ اللّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62) } آل عمران .
وهذا هو الصراط المستقيم : لمن تبع المنعم عليهم بهداه ، وبه نبتعد عن المغضوب عليهم والضالين ، والذي نسأل الله أن يهدينا له ويثبتنا عليه في الدنيا بل والآخرة في كل صلاة مرتين حين قراءة سورة الفاتحة .
ويا طيب : بعد أن عرفنا ملخص التكوين وهداه ووجودنا فيه ، وغرض الخلقة ، بأنه لابد من عبودية لله تعالى بهدى رسول هو منذر ومؤيد مسدد من الله ، ومن ثم الاقتداء بالهادي والشاهد بعده ، وهم قرباه وآله نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ولهذا بعد الأصل الأول والثاني التوحيد والعدل ، عقدنا في هذا الجزء بحث النبوة وضرورتها في الأصل الثالث للدين ، ثم يأتي الأصل الرابع للدين الإمامة للحفاظ على القرآن و الدين بأئمة حق نصبهم الله تعالى وأختارهم ، ثم الجزاء من الثواب للمؤمنين حقا والعقاب للضالين واقعا في الأصل الخامس الدين المعاد يوم القيامة ، إن شاء الله تعالى .
في هذا الباب : بحوث تعرفنا معنى النبوة وضرورة وجودها وفق الهدى الكوني والتشريعي لهداية العباد بمعارف الله ، فيُشكر ويعبد سبحانه ويسعد الإنسان بدين قيم يكون بتطبيقه كماله ونعيمه الحقيقي، ونعرف به أسس وأصول بتطبيقه على شريعة كل نبي ومرسل نتيقن نبوته وصدق دعوته ورسالته وكرامته عند الله .
وفيه أمور في إشراقات و قبسات نور :
النبي : هو ذلك الإنسان الذي له طهارة الروح وصفاءها والاستعداد النفسي التام والقوي جداً ، بحيث يؤهله لتلقي الوحي الإلهي المخبر عن تعاليم هدى الله تعالى ومعارفه التي توصل الإنسان لحقيقة عبوديته سبحانه ، والتي بإقامته سعادة البشر في جميع جوانب الحياة الفردية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيره ، بحيث يجعلهم تطبيقها في واقع النعيم والعدالة والإحسان والفرح والسرور في الدني والآخرة .
والنبي عليه السلام : هو الذي أختاره الله العالم بحقيقة العباد واصطفاه لما عِلمه سبحانه من حقيقته الروحية والبدنية التي تظهر بتعاليمه بكل جد ونشاط وصدق وإخلاص ، فكان أشرف الخلق في زمانه وأحسنهم في تبليغ رسالته فضلا عن العلم بها وتطبيقها ، فلذا يُعلمه الله ويؤيده بالمعجزة بما يثبت دعواه حتى يصدقه العباد وكل طالب لنور هدى الله الموافق لحقيقة نور فطرته الطالبة للكمال .
وهذه الصفات للنبي هي : من المواصفات الذاتية الدالة على صدق مدعي النبوة لمن يريد معرفة النبي الأكرم في زمانه ، أو قبله مما ينقل عن النبي وعن تعاليمه التي علمها وما حكاه التأريخ عن مواصفاته وسيرته وسلوكه .
النبوة : هي سفارة بين الله وبين ذوي العقول من عباده لتعليمهم ما يوصلهم لعبودية الله ولسعادة الدنيا والآخرة .
وبعبارة أخرى النبوة : هي حالة إلهية غيبية يتلقى بها النبي المعارف الإلهية التي توحد البشر نحو العبودية لله تعالى ، وترفع التناقض والاختلاف بينهم بما يوصلهم لحقيقة تعاليم الله تعالى وللسعادة في الدارين .
فالنبوة : هي منصب ألهي لمن تحصل له حالة معنوي فيها قد صفت روحه وطابت وطهرت واستعدت للارتقاء في الغيب ، وقدرت على التلقي للمعارف الإلهية ، ثم له القدرة على الإنباء عنها وإظهارها للناس وتعليمها .
ومعنى النبوة : مأخوذ إما من معنى ، النبوة : أي الرفعة ، أو من معنى النبأ : الذي هو الخبر ، وعلى كل الأحوال المراد من النبوة : هو التشرف بالاتصال بالعالم العلوي للغيب لتلقي الوحي الإلهي الموصل لتعاليم الله ومعارفه ، وذلك لكي يتعلمها ويطبقها ويبلغها للبشر ، فيعرفهم عبودية لله ويوصلهم للسعادة في الدارين ، وهي أفضل منزلة لبني الإنسان وأكرم حبوة من الله لعبادة سواء في نفس وجود النبي الكريم أو تشرف أولي الألباب به فيتعلمون منه.
الوحي : إشارة سريعة مُعرفة للمقصود ، وهو حالة الاتصال الروحي للنبي بما وراء المادة ، بعالم الغيب لتقي وأدراك المعارف والتعاليم الإلهية الحقيقية بالطرق التي بينها الله تعالى في كتابه المجيد ، ونسبة النبي فيها إلى الناس نسبة المستيقظ إلى النائمين ، وإن نفس النبي وروحه الطاهرة هي التي تتلقى وتدرك الوحي بالكلام والرؤية ، وقيل : من غير مشاركة للحواس الجسدية المادية .
ولتلقي الوحي طرق ثلاث : وهي إما :
وحي إلهام : وإلقاء في القلب ونفث في الروع .
وإما من وراء حجاب : و ليس وراء بمعنى خلف و إنما هو الخارج عن الشيء المحيط به و هذا كما كُلم موسى عليه السلام في الطور وكما أوحي إلى الأنبياء في منامهم .
أو إرسال ملك الوحي : كالروح وجبرائيل وميكائيل وغيرهم من الملائكة وقد قال تعالى : {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا : وَحْيًا ، أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ ، أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ }الشورى51.
الرسول : وهو النبي الذي ينزل عليه الملك بالوحي فيراه ويكلمه .
والنبي : ـ الذي لم يبلغ مرتبة الرسول ـ هو الذي يرى الوحي في المنام فأوحي إليه فيه ، والاثنان مأموران بالتبليغ للتعاليم التي يتلقوه .
أولي العزم : هم الأنبياء و الرسول الذين يأتون بتعاليم مكملة للرسالة السابقة أو ناسخة لها وفق عصر الناس واستعدادهم الجديد لتلقي تعاليم الرب وتطبيقها ، والأنبياء الرسل والمعروفون بأولي العزم هم خمسة : نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، ونبينا محمد صلى الله عليهم وآلهما أجمعين ، ومعنى العزم : هو الثبات على العهد الأول المأخوذ على الأنبياء ، وكل واحد منهم صاحب شرعة ومنهاج وكتاب ، ودينهم الإسلام .
والنبي : سواء كان قد وصل لمرتبة الرسول أو لا فهو مأمور بتبليغ التعاليم الإلهية التي تلقها ، سواء كانت نازلة عليه لكونه رسول من أولي العزم أو نبي تابع للرسول السابق عليه ، وهو محافظ على تعاليم الله وناشر لها ومبينه وعنده من تعاليم الله كل ما يحتاج إليه أهل زمانه ، ويوصلهم لعبودية الله تعالى وسعادتهم في الدنيا والآخرة ، وهو نافي لتحريف التعاليم التي تغيرت بمرور الزمان بيد المنحرفين عن الرسول السابق ، ورافع للاختلاف بينهم .
وأولي العزم : خصوا بأن لهم صياغة جدية لتعاليم الله تعالى والمناسبة لعصرهم ولشأنهم ولحال الناس في القدرة على تعلمها وتطبيقها ، وهو أسلوب يناسب استعداد البشر الجديد وتكاملهم في زمانهم الذي هم فيه وزمان آتي بعدهم ، وهذا لا ينافي كون دين الله تعالى واحد ، حيث أن التعاليم نفسها داعية إلى عبودية الله تعالى وتوحيده وإلى سعادة البشر بأسلوب له تعاليم جديدة مناسبة لعصرهم وم بعده حسب استعداد البشر وطاقتهم لتطبيق المعارف الربانية.
والرسالة : هي نفس التعاليم الإلهي التي تلقاها النبي وبلغه للناس .
فالنبوة : هي حالة تلقي الوحي والتعاليم .
والرسالة : هي نفس المعارف والتعاليم التي تلقاها لغرض تبليغه .
والكتاب : هو ما يجمع بين دفتيه أصول التعاليم والمعارف الإلهية التي تلقاها النبي المرسل للتبليغ ، وفيه كل حكم إلهي مفروض وواجب الإتباع ول يقبل النقض ، وبعض الأنبياء خصوا بصحف ، وسيأتي فيها الكلام أن شاء الله .
وبيانه بإشراقات نور :
قد عرفنا في مباحث التوحيد : في غرض الخلقة وغاية الوجود إن الله تعالى سخر للإنسان كل شيء بعد إن أتقن خلقه ، وهداه بهدى تكويني وهدى تشريعي ، وذلك حتى يتمكن من الوصول لغرضه الوجودي الذي هو خلاصة غرض الوجود ويقيم العبودية لله تعالى ويشكره عن اختيار ، ومع وجود تمام الظروف الملائمة فيصل الإنسان لأحسن غايته وما به تمام سعادته في الدارين .
ولما كان الله سبحانه وتعالى خالق الوجود وكل شيء فيه وهادي له : وهو تعالى لا يباشر عباده ولا يخالطهم لأنهم لا يطيقون نوره ول هو مثلهم لأنه ليس كمثله شيء ، فلابد من اختيار أفضل العباد وأحسنهم في كل زمان لتبليغ هداه لهم ، فينزل عليهم وحيه وتعاليمه ليهدوا العباد الهدية التشريعية الموصلة لهم للصراط المستقيم الذي فيه بيان لكيفية العبودية له بحقيقة تعاليمه سبحانه ، والتي فيها كل ما فيه خير وصلاح البشر وسعادتهم في الدنيا والآخرة ، وهؤلاء المصطفون هم الأنبياء وأوصياهم عليهم الصلاة والسلام ، ولهذا يكون بعث الأنبياء ضرورة وجودية كونية وتشريعيّة ليتم غرض الخلقة والوجود بأحسن صورة ممكنة وبالخصوص بني الإنسان .
وهذا بيان أخر لضرورة وجود النبي بين البشر : وبحثه من حيث الطبيعة النفسية والاجتماعية والمدنية للإنسان ، والتي بنفسها مع الغض عن النظر لغاية الوجود كله ، هي بنفسها تستدعي وجود النبي أو وصيه بينهم ليعلمهم بصدق وينفي الانحراف عن الهدى الحق والاختلاف فيه بينهم .
وذلك حيث أنه قد أتفق أهل الملل قاطبة على ضرورة بعث الأنبياء من قبل الله تعالى إلى الناس كافة ، وذلك لحكمة الوجود الاجتماعي والمدني للإنسان ، وإنه بوجوده يتمكن من الوصول إلى كماله بهداية ربانية تشريعيّة تعلمه الصراط المستقيم ، والذي يجب عليه سلوكه ليصل لسعادته وتمام هدايته، وبيانه:
حيث إن الإنسان : بطبعه الاجتماعي والمدني وبما أعطاه الله تعالى من المواصفات في الخلقة من المدنية والاجتماع والاختلاف في تشخيص المصالح والتخاصم الشديد في تطبيقها ، فإنه يحتاج لمرشد وهادي يعلمه سبيل الوصول لتمام سعادته وحقيقة أهدافه في جميع شؤون حياته المادية والمعنوية وبالخصوص إقامة حقيقة العبودية لله تعالى ، وكل ذلك وفق قانون عادل ودقيق ومتقن يصلح لجميع البشر في جمع الآفاق والبقاع ، و في جمع الأزمنة حتى في حال ختم النبوة ، أو حين غيبة النبي عن مجتمعه لظرف ما أو لبعدهم عنه في زمانه .
وبوجود النبي الكريم : يعرف هدى الله الحق ، وينفصل التخاصم بينهم في تعلم الهدى وتطبيقه ، ويرتفع الاختلاف بما يعلمه بشكل صريح وقاطع ، كم يمنع من الكذب على الله في ادعاء النبوة أو تعليم ضلال وتحميله على هدى الله ودينه الحق ، فلذا الواجب على كل البشر بعد الإيمان بالله البحث عن نبي مبعوث عرفه الله لهم بما يؤيد رسالته ويُعرف صدقه ، وبهداه الحق تتم لهم إقامة عبوديته ويتم صلاحهم بالعدل والإحسان وشكر الرب المنان بما يحب ويرضى .
البيان الثالث : تعاليم الله ترشدنا لضرورة النبوة:
قال تعالى : { كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } البقرة 213 . والآيات في هذا الباب كثيرة ، فهو تعالى يعلمنا إنه لابد لنا من نبي يرفع الاختلاف بيننا ويعلمنا هداه الحق المرضي له وهذا ما يطلبه العقلاء والوجدان.
ثم إن الله تعالى : العالم بحقيقة البشر وبجميع ما يحتاجون إليه لتطهير أرواحهم و ما ينتظم به أمر معاشهم ؛ هو الذي يختار أفضلهم وأطهرهم وأنزههم واتقاهم وأنقاهم وأعلمهم وأصلحهم لتبليغ تعاليمه ولقيادتهم لكمال صلاحهم ، لذا لا يحق لأحد أن يرشح نفسه للنبوة ولا خليفة للنبي أو أن يكون وصي له ، ما لم يكن الله قد اختاره لتبليغ رسالته أو بيانها بعد نبيه ، فلذا قال الله تعالى:
{ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (68) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ }القصص 69.
{ اللَّهُ يَصْطَفِي مِنْ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (75) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ} الحج 76 .
{ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } آل عمران 34 .
والآيات في هذا المعنى : كثيرة وبها تجد تفصيل الاصطفاء واختيار الأنبياء من قبله تعالى على علم منه بطهارتهم وصدقهم ، راجع مثلاً الآيات من 1 _ 61 من سورة آل عمران ، ترى فيها تفصيل اختيار الأنبياء من لدن آدم إلى نبين محمد وذريته ، وذلك لعلمه تعالى بصدقهم في تعلم وتطبيق وتبليغ دينه الحق الرافع للاختلاف بين الناس ، وبهذا المعرفة للتأريخ الديني نعرف ضرورة النبوة.
وفيه بيانان :
... وَاصْطَفى سُبْحَانَهُ مِنْ ـ وَلَدَ آدم ـ أَنْبيَاءَ أَخَذَ عَلَى الْوَحْيِ مِيثَاقَهُمْ وَعَلَى تَبْليغِ الرِّسَالَةِ أَمَانَتَهُمْ .
لَمَّا بَدَّلَ : أَكْثَرُ خَلْقِهِ عَهْدَ اللهِ إِلَيْهِمْ ، فَجَهِلُوا حَقَّهُ ، واتَّخَذُوا الأنداد مَعَهُ ، وَاجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ عَنْ مَعْرفَتِهِ ، وَاقتَطَعَتْهُمْ عَنْ عِبَادَتِهِ .
فَبَعَثَ فِيهمْ رُسُلَهُ ، وَوَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِياءَهُ :
لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ ، وَيُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ ، وَيَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بَالتَّبْلِيغِ ، وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ ، وَيُرُوهُمْ آيَاتِ الْمَقْدِرَةِ :
مِنْ سَقْفٍ فَوْقَهُمْ مَرْفُوعٍ ، وَمِهَادٍ تَحْتَهُمْ مَوْضُوعٍ، وَمَعَايِشَ تُحْيِيهِمْ ، وَآجَالٍ تُفْنِيهمْ ، وَأَوْصَابٍ تُهْرِمُهُمْ ، وَأَحْدَاثٍ تَتَابَعُ عَلَيْهِمْ .
وَلَمْ يُخْلِ اللهُ سُبْحَانَهُ خَلْقَهُ : مِنْ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ ، أَوْ كِتَابٍ مُنْزَلٍ ، أَوْ حُجَّةٍ لاَزِمَةٍ ، أَوْ مَحَجَّةٍ قَائِمَةٍ ، رُسُلٌ لا تُقَصِّرُ بِهِمْ قِلَّةُ عَدَدِهِمْ .
وَلاَ كَثْرَةُ المُكَذِّبِينَ لَهُمْ : مِنْ سَابِقٍ سُمِّيَ لَهُ مَنْ بَعْدَهُ ، أَوْ غَابِرٍ عَرَّفَهُ مَنْ قَبْلَهُ ، عَلَى ذْلِكَ نَسَلَتِ القُرُونُ ، وَمَضَتِ الدُّهُورُ ، وَسَلَفَتِ الأباء ، وَخَلَفَتِ الأبناء... )
نهج البلاغة الخطبة 1 ، وسيأتي تمامها في ضرورة بعثة نبينا الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
عن أبي عبد الله جعفر الصادق عليه السلام أنه : قال للزنديق الذي سأله : من أين أثبت الأنبياء والرسل ؟
قال عليه السلام : ( إنه لما أثبتنا أن لنا خالقاً صانعاً متعالياً عنا وعن جميع ما خلق ، وكان ذلك الصانع حكيما متعاليا لم يجز أن يشاهده خلقه ، ولا يلامسوه ، فيباشرهم ويباشروه ، ويحاجهم ويحاجوه .
ثبت أن له سفراء في خلقه : يعبرون عنه إلى خلقه وعباده ، ويدلونهم على مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم وفى تركه فناؤهم .
فثبت : الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه والمعبرون عنه عز وجل ، وهم الأنبياء عليهم السلام وصفوته من خلقه ، حكماء مؤدبين بالحكمة ، مبعوثين بها ، غير مشاركين للناس - على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب - في شيء من أحوالهم مؤيدين من عند الحكيم العليم بالحكمة .
ثم ثبت ذلك : في كل دهر وزمان مم أتت به الرسل والأنبياء من الدلائل والبراهين ، لكيلا تخلو أرض الله من حجة يكون معه علم يدل على صدق مقالته وجواز عدالته ) .
كافي ج1ص410ک4ب1ح434/ 1 . علل الشرائع ج1ص120ب99ح3 .
فلما عرفنا يا طيب : إنه لابد من وجود نبيا مرسلا من قبل الله سبحانه بين الناس يُعرفهم دين الله وهداه الواقعي الصادق الحق ، والذي به يشكر الله ويعبد ، وبه يكون معارف هداهم وصلاحهم في كل أحوالهم ، وبه يرفع الاختلاف بينهم لما فيه تمام سعادتهم حين إتباعه .
وذلك لأنه لله لم يجبر أحد على عبوديته وتطبيق هداه ، وذلك بعد إن هداهم السبيل بصراط مستقيم لوجود المنعم عليه بالنبوة والهدى الإلهي بالوحي أو بالتعليم ، ويدل عليه وعلى ضرورة وجوده العقل وإتقان الوجود وتعاليم الدين ، والكلام الحسن الصادق الموافق للفطرة الذي يعلموه سادت البشر والمصلحين فيهم .
نذكر أمر أخر مهم : وهو سبب ختم النبوة ، وما هي الظروف الموجبة لختمها ، وضرورة وجود من يقوم مقام الأنبياء بين العباد من أوصياءهم وخلفائهم ، مادامت مصلحة العباد مستوجبه لوجود الصادق الذي يقوم بتعريف هدى الله الواقعي ، وبه يرفع الاختلاف المتواجد بين المبشر الذي هو من طبيعة وجودهم ، ونشير لما يجب به أن يُعرف الوصي للنبي وخليفته بالحق بعده .
يا طيب من المتفق عليه : إن دين الله تعالى واحد وهو الإسلام ، وكلما ينحرف الناس عن الصراط المستقيم الذي بتعاليمه يتوصل الناس للسعادة المادية والمعنوية واختلفوا فيه ؛ يرسل الله تعالى من يجدد تعاليمه بالأسلوب المناسب لهم ووفق الاستعداد الحاصل للناس في تلك الفترة ، فيرسل الله سبحانه وتعالى مبشرين ومنذرين من الأنبياء والرسل لتبليغ تعاليمه الحقيقية .
فإذا استكمل الناس من الجهة الروحية والمعنوية : لتمكنهم من إقامة التعاليم الربانية وفق أخر استعداد معنوي واجتماعي لهم إلى يوم القيامة ، ينزل الله تعالي خاتمة تعاليمه وفق استكمالهم الأخير ، ويتم أمر إرسال رسول لتبليغ أحكام الله تعالى وتعاليمه الجديدة الموافقة لصلاحهم وشأنهم في إقامة العبودية الله .
وإذا أمن رفع الاختلاف بين الناس : وأمكن الحفاظ على تعاليم الله تعالى من التأويل والتحريف بمؤَمن ، وبهذا المؤَمن يتم الحفاظ على حقيقة التعاليم من غير تحريف ، وهو وجود من يقوم مقام النبي والرسول بتعرف حقيقة تعاليم الله وشرحه وتفسيرها من غير وحي مباشر ، ختم الرسالة والنبوة بالاكتفاء بهؤلاء المؤَمنين والذين يسمون بأمير المؤمنين وهم أوصياء أخر نبي وخلفائه وهم أئمة الناس بعده ، ولهم يرجع العباد في تعلم حقيقة التعاليم ويرجع لحكمهم عند الاختلاف في الآراء ، ولبيان وشرح هذان السببان لختم النبوة نقول :
من المعروف بوضوح في التاريخ لمن سبره ودرسه : أن البشر ل يزالون يستكملون ويقوى استعدادهم الروحي والمعنوي والاجتماعي والثقافي لتلقي المعارف الربانية ، فينزل الله تعالى في كل مرتبة من الاستعداد من التعاليم ما يرفع احتياجهم ، وحين يستكمل أخر استعداد لهم يُنزل الله تعالى أخر تعاليمه ومعارفه الهادية للبشر والكافية لإيصالهم إلى الصراط المستقيم الذي يوصلهم لسعادة الدنيا والآخرة على طول الزمان المتبقي حتى تقوم القيامة ، وبه تقام عبودية الله بما يحب ويرضى وبه فلاحهم وسعادتهم ونعيمهم في الدارين .
و ما ذكرنا لا ينافي أن دين الله واحد : بل يؤكد أن الله تعال مهتم بهداية البشر وفق أخر استعدادهم بما يصلحهم ، فإذا وصلوا لحالة من تقبل القوانين الروحية والمعنوية وفق آخر استعداد للبشر ، أنزل الله تعاليمه التامة وختم دينه ، ولم يحرمهم فيضه وهدايته بعد تكاملهم الروحي والاجتماعي وغيره .
وما قد يقال : إن البشر في القرن الحادي والعشرين وم قبله قد تطور بشكل سريع اقتصادياً ، وتوسعت معرفته كثيراً في كل مجالات الحياة وبالخصوص التقنية والتكنولوجية والفلسفية الفكرية والاجتماعية والظروف المدنية ، فيحتاج لتعاليم جديدة ربانية مناسبة فيحتاج رسولا فضلا عن النبي .
فإنه يقال : إن القوانين الإسلامية كافية للإنسان ، وتحل كل مشاكله ويسعده تعلمها وإقامتها بحدودها ، وبها يتنعم إذا طبقها اقتصاديا أو في حالته الاجتماعية وكذا في جميع مجالات الحياة ، فإن الإنسان لم يستعد معنوياً لقبول أكثر من التعاليم الإسلامية لإقامة حياته المدنية وما فيه ترقيه في المعرفة المعنوية في العبودية والتوجه له والإخلاص في طاعته أكثر مما جاء في خاتم الأديان ، فمثلاً الآن لا يطيقون صلاة الليل فيوجبها عليهم أو يوجب المواساة بنصف المال بدل العشر في الزكاة أو الخمس أو يوجب واجبات أخرى تقربهم وتربطهم بخالقهم والمنعم عليهم أكثر، بل حتى بينهم في المساواة والبر والإحسان ، ولو كان لهم استعداد أكثر لم ختم الله دينه ، أو لختمه وأمر بتطبيق بعض التعاليم بعد كذا من السنين ، كما قد يقال : بحق في زمان ظهور الحجة بن الحسن آخر أوصياء خاتم الأنبياء عجل الله تعالى ظهوره ، والذي يرافق ظهور المعجزة ونزول الخيرات وكثير من الأمور التي قد لا تعد تطور طبيعي ولا تطبيق اختياري لمعارف الله بدون عناية لتمام الهدى لمن يهتدي والرض بما قسم الله له ، كما وتمام الضلال والهوان لمن يتعصى ومع العقاب الدنيوي فضل عن الأخروي ، وهذه حالة أخرى لآخر الزمان الذي يقام به العدل والقسط بالتمام مع شيء من الإجبار.
ولكون إن هذه الحالة العامة قبل قيام القائم وظهور آخر الزمان في حياة الإنسان باقية ولا تتطور ليوم القيامة ، أي بقاء استعداده فقط لتحمل تعاليم الإسلام التي فيها كل ما يحتاجه الإنسان في كل مجلات حياته المادية والمعنوية ، قد ختم الله بالإسلام نزول معارف وتعليم جديدة لهم ، لأنه بتطبيقها فقط يمكن أن يسعد البشر وهي التي توصلهم لسعادة الدنيا والآخرة ، وبهذا كانت ختم النبوة بنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله ، وقد قال تعالى :
{ مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ : وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ
وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ
وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا } الأحزاب40.
وعرف سبحانه أن القرآن فيه تبيان لكل شيئاً من التعاليم بقوله تعالى :
{ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ :
تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ، وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ } النحل 89 .
وبهذا عرّفنا سبحانه إن ختم النبوة وتعاليم الدين لما أنزل ما به تبيان كل شيء من الهدى والرحمة ، تم وكمل معنى ما عرفنا إن نبينا محمد صلى الله عليه وآله خاتم النبيين ، وقد أثبتت التجربة والبرهان على أن تعاليم الإسلام كافية لجميع العصور الماضية والآتية ، وبقي الحفاظ عليها وهذا يتم بيانه بالإشراق الثاني :
بعد إن عرفنا : أن اهتمام الله بهداه الحق يدعوه للحفاظ عليه ، ولا يكفي إنزال آخر التعاليم والمعارف الربانية مع عدم الأمن من التحريف والاختلاف ، ومن دون ما يوجد من يرجعون إليه في تعلم المعارف الربانية الحقيقية من غير تحريف ، ويكفي لهذه المهمة أوصياء الأنبياء حيث لا يحتاجون لتلقي وحي جديد وتعاليم جديدة ، بل يمكنهم معرفة جميع ما يحتاجون إليه من كتاب الله الكريم وسنة نبيه المطهرة ، وقد عرفت أن القرآن فيه تبيان كل شيء ، وبقي لطف الله وحكمته وتدبيره لخلقه وربوبيته وهداه ورحمته ، ولبيان جديته في دعوته وإرادته للعبودية الصحيحة من غير اختلاف ولا انحراف وبالتعاليم الحقيقية هو:
أن يبين لنا تعالى ويعرفنا : المعلم للقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة بحقيقة تعاليمه بعد وجود نبينه الذي ختم به النبوة ، ويكون هؤلاء المعلمون هم أوصياء النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وآله ، والحق هم آله الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا كما ستعرف في الأصل الرابع للدين في بحث الإمامة من هذه الموسوعة أو راجع فيها صحيفة الثقلين وغيرها من بحوث صحيفة الإمام علي أو صحيفة الإمام الحسين عليهم السلام في موسوعتنا أو غيرها من الكتب .
ثم إنه لا يعقل : أن يقرر سبحانه وهو المهتم بدينه وتعاليم هداه أن وجود الاختلاف بين الناس بالبغي والظلم والعدوان باقي ، ثم يختم دينه وهداه ولا يعرفنا من يرفع الاختلاف ولا يرشدنا لخليفة نبيه الصادق في شرح وتعليم هداه الحق والواقعي الذي يرضى أن يعبد به وبه سعادة البشر ، مع أن الدين عنده واحد وهو الإسلام ، وذلك كما عرفت وكما عرفنا في قوله تعال :
{ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } البقرة 213 .
وقال تعالى : {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} آل عمران 7 .
وقال سبحانه : { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ } آل عمران 144 .
فالله تعالى : بين أن الناس مختلفون في القرآن وبعد نبيه الأكرم كما بين سبب اختلاف الناس ، والله تعالى ختم النبوة فلا مصحح لانحرافهم بعد النبي الأكرم بوحي جديد أو رسالة جديدة أو نبوة جديدة ، والإسلام خاتم الأديان ويطول زمانه ليوم القيامة ، وقد تفنن الناس في البيان وحصل لهم الاستيعاب للتطور الاجتماعي بسرعة وهو موجب للاختلاف وحب المنصب والجاه وزينة الحياة الدنيا والسلطة والسيطرة والطغيان ، مما يوجب وجود وعاظ سلاطين ومفسرين تعجبهم آرائهم وكلامهم وقياسهم واستحسانهم ، وما ويوجب سرعة الاختلاف وكثرته ، وقد أشار الله تعالى لهذا في القرآن الكريم في مواضع كثيرة منها قد تلوناها عليك في الآيات السابقة .
وبعد كل هذه الأسباب : الموجبة للاختلاف والانحراف عن الصراط المستقيم ، فمن غير المعقول ولا مناسب لجدية الله لإرادة العبودية الحقيقية والتعاليم الإسلامية الصحيحة ، وقد ختم النبوة ، وعند هذه الحالة فلا يضع وصي بل أوصياء للنبي بعد الوصي الأول قد أختارهم عن علم واصطفاهم ، ثم عرفنا بهم وبيّن مواصفاتهم أو أشار لهم في كتابه الكريم وعلى لسان خاتم الأنبياء نبيا محمد صلى الله عليه وآله وسلم . فعليه : إذا علمنا بختم النبوة من قِبله سبحانه وتعالى ، فلابد لن من معرفة الوصي والخليفة الحقيقي للنبي الأكرم الذي به يُعصم الناس من الاختلاف ، ويجب أن يكون عنده علم الكتاب وعلم النبي الأكرم ومُطهر مثله وصادق بحق .
ثم لا يعقل : ولا يتصور أنه سبحانه يصر على أن يحافظ على كتابه الكريم من التحريف لفظاً دون أن يحافظ عليه معناً وتفسيراً وشرحاً وبياناً وتعليماً وهو القائل سبحانه { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } الحجر 9 ، فلذا لا يتم الحفاظ على الدين كما عرفت إلا بتوسط الأنبياء أو أوصيائهم ، وقد عرفت انه قد تم ختم النبوة ، فلابد من أن يوجد لخاتم الأنبياء أوصياء هم الذين يرفعون ما يقع من الاختلاف في الدين ، ويدلون الناس على الصراط المستقيم ويبنون لهم حقائق التعاليم الربانية ، كما أنه لابد أن يكون قد بينهم الله تعالى للناس ودل عليهم نبيه الأكرم خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وقلن أن أوصياء نبينا هم آله وأهل بيته الطيبين الطاهرين صلاة الله وسلامه عليهم أجمعين .
وهذا له كثير من الشواهد : راجع فيه بحث الإمامة أو ما ذكرن من الصحف ، أو بالرجوع للكتب المطولة مثل الغدير أو إحقاق الحق أو عبقات الأنوار أو المراجعات وإثبات الهداة وغيرها ، ويكفيك قوله تعالى بجعل الولاية للمؤمن وهو في حالة صلاة والركوع والمعطي للزكاة بهذه الحالة ،وهو الإمام علي ، بعد ولايته سبحانه وولاية نبيه حين قال تعالى:{ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ }المائدة55.
فهذا الآية يا طيب : باتفاق المسلمين قد نزلت في حق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ووليهم بعد أخيه سيد المرسلين عليهم وعلى آلهم صلاة الله وسلامه والملائكة وكل الطيبين ، وولايته وآله امتداد لولاية الله في هداية عباده بأحسن سبيل وأوضح طريق وصراط مستقيم لتعريف هداه التام في كل حين بإمام حق .
يُعرف صدق مدعي النبوة بأمور وهي :
إن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق وهو عليم وحكيم بعباده ، وبر رحيم بهم وهادي لهم قيوم عليهم ، وهو الذي يبعث النبي في زمان يحتاج فيه المجتمع لنبي يدلهم على مكارم الأخلاق وكل ما فيه صلاح حالهم وخيرهم ، فيعرهم ويرشدهم لضرورة الإيمان بالله تعالى ، ويدلهم على معارف هداه الذي فيه نعيمهم وسعادتهم، وما يجب عليهم من العمل عن اعتقاد بهداه وبالعدل الإحسان بينهم ، وضرورة الصدق في أقوالهم وأفعالهم ليسود بينهم التعامل باللطف و الوئام ، وذلك بعد أن كان قد ساد بينهم الشرك والكفر والظلم والغش والخيانة والجهل والعدوان أو كاد أن يعمهم ، فيرتفع بهم بما أنزل الله عليه من ذل الانحطاط والكفر إلى عز الإيمان والحكمة ليصلوا لسعادة الدنيا والآخرة.
وبالتدبر في رسالة الأنبياء ودعوتهم للإصلاح : نعرف هداهم الحق في تعاليمهم وفي سيرتهم وسلوكهم وما دعوا له من العدل والإحسان وضرورة الإيمان بالله الرب الحنان المنان ، ولا يمكن إنكار خير وبر وهدى رسالة المرسلين وما تدعو له من الهدى ، ويكفيك التدبر في القرآن المجيد لتعرف المهام التي جاء بها الأنبياء ، فراجع سورة الأنبياء والآيات المتعرضة لقصص الأنبياء ، وقد قدمنا كلام الإمام علي عليه السلام في سبب بعث الأنبياء فتدبر فيه تعرف ما رمنا .
وقال الله تعالى : { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ } النحل 36 .
وقال سبحانه : { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ } الحديد 25 . وقال عز وجل : { هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ } الجمعة 2 .
وآيات القرآن المجيد : كلها يمكن إرجاعها لهذا المطلب ، وهو بأن البشر محتاج لهداة كلما بدلوا حقيقة الأحكام الإلهية ، فيتفضل الله عليهم بمن يعلمهم هداه الحق ولم يخل زمان مما فيه صلاحهم ، ومع وجود المصلح لهم والرافع للاختلاف بينهم والمبين لهداه الحق فيهم إن تبعوه بعد تعريفه لهم :
وقد قال سبحانه وتعالى : { إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ } الرعد7.
وقال الله تعالى : { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَ إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ
وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَ دَاوُودَ زَبُورًا ، وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ، وكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا
رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } النساء 163 ـ 135 .
وبهؤلاء المطهرين المصطفين الأخيار يقيم الله حجته ، فإنه بهم عرف البشر هداه ، وعليهم إطاعتهم لأنه بما علموه وبينوه يكون صلاح العباد ، وهذا يدركوه بعقولهم وبفطرتهم الطالبة للكمال من الرب المتعال ، كما عرفت من ضرورة وجود النبي المعرف لهدى الله ولكل ما يصلح البشر ، ولعنايته سبحانه بهم ولكونه حكيم وهادي لهم وقيوم عليهم ، يوصلهم لأحسن غاية لهم إن أقاموا تعليمه ومعارفه المنزلة على الأنبياء والمرسلين عليهم السلام .
يجب أن يكون النبي : فيه مواصفات ذاتية متعلقة بشخص النبي الكريم تؤيد دعوته وتصدقه ، وهذه الصفات الفاضلة هي التي تؤهله لمقام النبوة وتحمله أعباء الرسالة وتبليغها ، ونذكرها هنا على نحو الشرح المختصر ، وراجع أصولها في بحث العصمة الآتي ، والصفات وهي :
النبي : يجب أن يكون طاهر مطهر ، وهي أن تكون له صفة النزاهة عن دناءة الآباء وعهر الأمهات ، وأن يكون وليد بيت شرف ورفعة و من عائلة كريمة في أخلاقها ونسبها لسراية العرق الوراثي في الأبناء وتأثيره ، كما يجب أن يكون سالم الخلق في البدن وعدم وجود ما ينفر الناس منه لا في ذاته ولا في لوازمها حتى يتوجه إليه مجتمعه ويؤثر فيهم فيطيعه الناس بكل ما يُعلم من هداه.
كما يجب أن : يكون سيد مجتمعه في طهارة النفس من الضلال والأمور الخسيسة ، ويجب أن يكون له العقل الكامل وذو لب حكيم والذكاء والفطنة والعلم والفهم والحلم ، وذلك لكي تؤثر دعوته في الناس ويقبلون منه تعاليمه ولا ينتقص في شيء من النسب والمواصفات الخلقية والعلمية والعملية .
قال تعالى : { إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ …. فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ } آل عمران 33،34ـ61 ، وبهذه الآيات الكريمة : عرفنا سبحانه الاصطفاء لمن يعلم خيره وصلاحه وصدقه ، ثم بين في تلك الآيات لو تتلوها كلها بتمامها لطهارة مريم ويحيى ثم يباهلهم بالنبي وآله الطيبين الطاهرين ، وينفي عنهم الكذب ، وبهذ يدل العباد وكل المنصفين ، لملاك النبوة والاصطفاء واختيار الرسل وأوصياءهم من بعض.
يا طيب : يجب أن يكون النبي ذو طباع كريمة وسيرة حسنة شريفة ، ومنها العدالة في التصرف والأمانة والصدق والوفاء بالعهد والوعد ، ويجب أن يكون عطوف رؤوف رحيم بر محسن وجامع لجميع الأخلاق الحميدة والصفات الفاضل على نحو الكمال والتمام ، وبهذه المواصفات يصدقه الناس ويتبعوه ويحبوه ويتعلموا ومنه ويطيعوه في كل معارف هداه .
فلذا يجب أن لا يكون لئيم ولا فض غليظ القلب ولا يستخدم الغش والخيانة ، ولا إي صفة أخرى تدل على خسة الطبع ولا حتى قلة المروءة ولا الابتذال في التصرف ولا الانكباب على الدنيا وزينتها ، ويعمل بما يعلم من مكارم الأخلاق ، فقد قال تعالى :
{ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَ غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } آل عمران 161 .
ويكفيك : أن تراجع حياة الأنبياء وكيفية دعوتهم لأممهم وكم مدحهم الله تعالى وزكاهم ، وعرفنا سبحانه في قصصهم في كثير من الآيات علو خُلقهم وكمال دينهم وحسن سيرتهم ، وأيضا راجع بحث العصمة الآتي ، وراجع البحث السابق في احتياج مجتمع النبي له ، وانظر قوله تعالى :
{ ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } النحل 125 .
و هذا سبيل : جميع الأنبياء في دعوتهم راجع قصصهم تعرف إنهم على خُلق عظيم .
ولهذه المطالب : يكفي دليل بأنهم أنبياء مختارون لله ومصطفون لتعليم دينه القيم وهداه الموصل لكل خير ونعيم ، ولا ينال هذا المنصب إلا من كان أفضل أهل زمانه وأحسنهم وأكملهم علما وتعليما وتبليغا بكلامه وسيرته وسلوكه وبكل تصرف ، حتى يكون قدوة حسنه يوصل لعبودية الله والإخلاص له بكل مظهر له.
بالإضافة إلى الكمال الذاتي والخُلقي ، يجب أن يكون النبي : عنده الشجاعة على تبليغ رسالته والإصرار على نشر مبادئه ، ويكون ثابت على دعوته مؤمن بتعاليمه ، بحيث يطبقها في الأول على نفسه كما يطلب من الآخرين الإيمان والعمل بها ، وأن يكون عنده حسن السياسة والتدبير وحكيم في القيادة والهداية ، وقوي على الوعظ والإرشاد والتبليغ وبأحسن بيان ، متحمل للمصائب والمحن في سبيل تحقيقها ، ولا يداهن على مبادئه ولا يتنازل عن تعاليمه ، مصر على المضي في سبيله ودعوته لدين الله .
كما و يجب : أن لا يستعمل النبي لنشر معارف هدى الله الغش والخداع والمكر والحيلة والغدر ، ولا أي صفة من الصفات المنافية لكرامة المبد ولشرف المقصد في تحقيق هدى الله في عباده ونشره لمعارف دينه القيم .
وثبات الأنبياء : في تبليغهم تعاليم الله حكاه سبحانه في كتابه الكريم راجع قصص حياتهم الكريمة ، تعرف كم تحملوا في سبيل إعلاء كلمة الله ودينه ، وكم الله تعالى أثنى عليهم وعلى صبرهم ، حتى قال تعالى : {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} السجدة 24 .
وقال عز وجل : {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ ، وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ } الأنعام 33 ـ 34 .
ومن الأمور المهمة التي تعرفنا صدق مدعي النبوة : هو أن يخبر ويبشر بالنبي المبعوث الذي يراد تصديقه ، النبي السابق عليه ، بذكر بعض مواصفاته واسمه وبعض أحوال عصره ومكان ظهوره ، كما إنه يجب هو كذلك أن يصدق دعوا الأنبياء السابقين عليه ، وذلك لأنهم أنبياء ومرسلون وهداه لرب واحد أحد لا شريك له ، والله يريد بكل سبيل ممكن أن يعرف هداه من آدم إلى خاتم الأنبياء بل وإلى يوم القيامة يعرفنا الخلفاء والأوصياء لكي لا نختلف بهم ، بتعريف صفاتهم وملاك إمامتهم وسبب اصطفائهم واختيارهم كما تصدقهم سيرتهم .
والله صدق في القرآن دعوا جميع الأنبياء الذين أرسلهم والذين شهد التأريخ بوجودهم ، ولهذا شاهد معروف وواقعي في قصص الأنبياء في مثل انتظار بني إسرائيل موسى وعيسى ونبينا محمد صلى الله عليم وآلهم وسلم ، حتى هاجر قسم من اليهود وسكن المدينة وما حولها ، وهجرة سلمان الفارسي معروفة عند المؤمنين ، وقصص الرهبان الذين بشروا بالنبي لجده بعد المطلب وعمه أبو طالب أو عرفوه في أيام رحلاته للتجارة للشام كثيرة ذكرها كل من تكلم عن السيرة النبوية المطهرة .
وقال تعالى : { وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ } الصف 6.
والمعجزة : هي الأمر الخارق للعادة ، المقرون بالتحدي ، وعدم امكان معارضته .
والمعجزة : أمر مهم في تعريف النبي لتصدق دعوته لدين الله الحكيم العليم القادر ، وحتى تقام تعليمه هداه ومعارف دينه القيم ، ويطاع بإخلاص له وبتوجه تام لعبودية الله في السر والعلن ، وهذا التأييد الرباني للأنبياء لكي لا يبقى حجة لضعاف النفوس لعدم الإيمان بالنبي وعدم قبول دعوته ، ولإقامة الحجة البالغة من الله على الناس .
كما إن هذا التكريم للنبي بالمعجزة حتى يُتبع وتعرفه الناس بفضل من الله ورحمة ومنّة للنبي وللعباد ، وإلا كان يكفي لتصديقه هو : أصل النبي الكريم وخُلقه الحسن وآدابه الكاملة ومعارف هداه القيم الذي به كمال الفطرة وطلبه له ، وتصديق الأنبياء له من آدم حتى خاتم الأنبياء وتعريفهم لمحل ظهوره ومكانه ومواصفاته ، وبسلسلة متصلة من أول نبي مخلوق حتى خاتمهم وتعريفهم لبعضهم البعض ، وذلك بعد إن آمنا بالله وإنه لابد من هادي يُعرف دينه بالعقل .
ثم المعجزة لكي تكون معجزة بما عرفت من التعريف يجب أن تكون :
أولاً : خارقة للعادة : ووجودها حقيقي وبأسباب غير معروفة عادة ، وخفي على البشر العاديين الوصول لسرها وعمل مثلها .
ثانياً : مقترنة بالتحدي : أن تكون المعجزة للنبي مقرونة بالتحدي لتأييد دعوة النبي ، وإلا إذا لم تكون مقرونة بالتحدي فهي كرامة مثل الرزق الذي أعطي لمريم عليها السلام ابتداء من غير تحدي لأحد فقط لبيان فضلها ، مع عدم امكان إتيان الناس مثلها وعدم القدرة بمعارضتها فهي تفضل من غير تحدي لأحد.
ثالثاً : وأن لا تكون عن رياضة وتمرين وتدريب ، بحيث يمكن لغيره لو تمرن من إتيانها ، كما ويجب أن يمكن النبي من عمل غيرها من المعجزات بإذن الله وتأييد، وحسب الضرورة التي بها يمكنه أن يثبت بها دينه وتوجيه الناس لله تعالى.
رابعاً : وأن يكون الغرض من إتيانها دعم دعوة النبي وتأييد منزلته عند الله القادر على كل شيء ، وتساعد على دعوة الناس لمبادئ النبي وعقائده .
خامساً : ويجب أن يكون ما يقوله النبي فيما سوف يأتي به من المعجزة مطابق لقوله ـ لا يقول شيء ويحصل شيء آخر مثل مسيلمة الكذاب تفل في بئر قليلة الماء ليزيده فغار جميع مائه ونشف ـ .
و في الغالب تكون أهم معجزة النبي غالبة وفوق ما اشتهر من فنون عصره وزمانه ، كما يمكنه عمل غير ذلك ، وقد اشتهر السحر في زمان نبي الله موسى عليه السلام فجاءهم بمعجزات تماثل أعمالهم وتفوقهم كاليد البيضاء والعصا وغيرهن ، والطب في زمن عيسى اشتهر فكان عليه السلام يحيي الموتى ويبرأ الأكمة والأبرص ويشافي المرضى ، والبلاغة اشتهرت في زمن نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم فجاءهم بالمعجزة العظمى القرآن الكريم .
وبعض المعجزات خالدة كالقرآن الكريم ، وبعضها تختص بزمان محدود ، وبعضها من الإخبار بالمغيبات وتحققها بعد حين ولو بعد زمان حياته ، ومعجز الأنبياء تناقلتها الأخبار والأمم ، وبعضها لها آثر باقية كما حكي عن سفينة نوح ووجوده في جبال تركية مع ألواح نقش عليها أسماء أهل البيت عليهم السلام ، وهكذا توجد آثار عاد وثمود والفراعنة وتسخير اليهود لبنائها وغيره في الأمم .
واعظم معجزة : هي معجزة القرآن الكريم الخالدة التي أيدت دعو جمع الأنبياء وصدقتهم ، فضلاً عن تصديق دعوة خاتم المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلام ، وذكر فيه تحقق المعجزة من النبي وآله كثير في معارف الدين وتأريخه، كما أن السنة المطهرة زاخرة في شرح معجزات الأنبياء .
ونتبرك هنا : بذكر بعض الآيات الذاكرة لبعض معجزات الأنبياء والتفصيل في حياة كل نبي في صحف الأنبياء من موسوعة صحف الطيبين في المستقبل إن شاء الله إن مد الله بعمرنا ، وأما معجزات نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبالخصوص القرآن الكريم فسوف نتكلم عنها في النبوة الخاصة إن شاء الله تعالى ، وقال سبحانه : {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ } المجادلة 20ـ21 .
وقال سبحانه:{اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا …فَلَمَّا أَن جَاء الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا }يوسف93، 96.
وقال تعالى : { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُورً فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا }الإسراء 101ـ 103.
وقال عز وجل : { أ َنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } آل عمران49 .
وقال تعالى : { وَمَا كَانَ هَـذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ } يونس 37 ـ 39 .
وسيأتي بيان الشاهد للحي القرآن المجيد وبتصديق ما فيه تصديق لنبينا الأكرم ولكل معجزات الأنبياء المذكورة فيه ، وفيه معارف جمة تؤيد تحقق آياته في الآفاق والأنفس ،ودلالاته في البيان والبرهان محكمة لتعريف حقه وهداه بحق .
وفيه أمور :
العصمة : هي من الصفات النفسية الدالة على علو الهمة وكمال الروح في التوجه لله وتطبيق هداه بما يحب ويرضى ، وبها يعتصم النبي أو وصيه ويتنزه عن الذنوب والمعاصي صغيرها وكبيرها وعن الخطأ والنسيان والغفلة عن ذكر الله بكل حال له ، وكذا التنزه والطهارة عن ارتكاب ما يدل على خسة طبع وما يخالف المروءة في جميع أحواله سواء في فرحه أو في غضبه أو حله أو ترحاله .
فالعصمة : هي ملكة تقوى الله تعالى الحاصلة عن المعرفة به تعالى في أعلى مرتبة ممكنة للبشر ، وهي مطلقة في العلم والعمل والتبليغ والظهور بكل معارف الله وتعاليمه، ونشرها حسب الوسع والطاقة بأحسن صورة ممكنة لعبد من العباد ، غير محدودة في جانب معين ، وتحصل للأنبياء ولأوصيائهم بلطف من الله تعالى، وباقي الناس قد تحصل لهم عصمة حسب مراتب تقواهم وقوتهم في الكون مع الله وذكره بكل حال لهم ، وقد تكون من جوانب أو في جانب معين.
وتحصل العصمة للمعصوم : لعلمه القطعي بعواقب الأمور من حسن الطاعة وقبح المعصية والدناءة ، فتسموا وتوله نفسه في حب الله وطاعته ، وتطهر عن معصيته ولا يطيب له فعل إلا فيما يكون به رضا الله مع الإخلاص له ؛ وبهذا يشتغل المعصوم في جميع أحواله في إطاعة الله وعبوديته ورفض معصيته علما وعملا ، وكل ذلك عن إرادة واختيار من المعصوم من غير جبر على ترك المعصية والخطأ ، بل خوف الله وحب طاعته ورجاء فضله ، فلطف الله به وبره يوصله لمقامها ، فإن من يكون في هذه المرتبة من التقوى يسدده الله في القول ويوفقه في العمل ويختاره لتبلغ رسالته وتعليم معارفه وبيانها للناس ويؤيده بالمعجزة .
فالعصمة : هي لطف من الله تعالى لمن له ملكة راسخة في إطاعة الله تعالى ، وعن علم حقيقي وتقوا شديدة تصونه عن الوقوع في الخطأ والمعصية .
والمعصوم : هو الذي له ملكة العصمة ويختاره الله تعالى على علم على العالمين لتبليغ تعاليمه ، ويكون المعصوم هو المبين للمعارف الإلهية ومع القدرة على القول الحسن والعمل الصالح بكل حال له حتى في السيرة والتقرير لما يرى من الأمور ، وبهذا يثق به و يصدقه الناس ويطمئنون بأنه لا يقول شيء من عنده إل ويكون له أصل فيما شرعه الله له و لمن يتبعه ، ولولا هذا لما كان مؤثر في التربية والتعليم ، ولما قبلت دعوته ودافع عنه أصحابه وأتباعه مع الإصرار على قبول تعاليمه على طول الزمان .
ولمِا مرّ يجب أن نؤمن : أن جمع الأنبياء ومن يقوم مقامهم من الأوصياء في كل زمان ومكان كانوا فيه ، لأنه لا تخل أرض الله من حجة إلى يوم القيامة ، ولله الحجة البالغة التامة ، كلهم معصومون في القول والفعل سرا وعلناً قبل البعثة وبعدها وفي جميع أحوالهم ، وذلك لكي يقبلهم الناس لصلاحهم وحسن وجودهم وهداهم في كل حال وزمان لهم ، وعلى هذا نعرف يجب أن يكون المعصوم معصوم في أمران مهمان يجمعها معنى واحد ينطوي فيه التفصيل وهو :
غرض الله سبحانه وتعالى : في عصمة أولياء دينه القيم وهداه الحق ، هو هداية البشر لحقيقة تعاليمه التي شرعها لهم أو رفع ما اختلفوا فيه من بينهم بالمعصوم ، فلابد أن يكون من يبعثه الله تعالى لتبليغهم تعاليمه ومعارفه له القدرة والقوة والفهم الصحيح لتقيها بصورة تامة ، ووفق ما أراد الله تعالى لتعليمه للبشر حقيقة من دون أي تخلف ولا اختلاف ، وإلا لو كان رسوله يخطأ في تلقيها وتعلمه ، أو في تطبيقها والظهور بها ، أو في تعليمها وتبليغها لأخل بغرضه وتخلف مقصودة سبحانه في بعث الأنبياء واصطفاء الرسل وأوصياءهم ، وهذا ينافي إحاطة الله تعالى وعلمه وحكمته بالعباد وما يصلحهم ، بل وخلاف قدرته وعدله في تبليغ تعاليمه وإيصالها لعباده ، وفي عدم علمه بالأصلح في اختياره للرسل بل للأنبياء وأوصياءهم ، وتعالى الله عن ذلك علواً كثيرا ، وقد قال سبحانه :
{ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيه } البقر 213 . وقال تعالى : {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا } الجن 26ـ28 .
وقال تعالى : { إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} الرعد7 .
ولو كان يغلط ويخطأ المبلغ عن الله لتعاليمه لما كان النبي الأكرم منذر ولم يكن وصيه هادي حقيقي كما يريد الله ، وتعالى الله من أن يصطفي من لا يفي بغرضه لتبليغ هداه القيم وتعاليمه الصالحة المصلحة للنفس وهداها بما يحب .
فهذه الآيات : تبين أن الله تعالى يبعث الأنبياء لرفع اختلاف الناس ويبين لهم حقيقة تعاليمه جميعها من دون اختلاف ولا تخلف ، وهذا معناه أن النبي والهادي بعده لا يمكن إلا أن يكون معصوم ولا يخطأ في تلقي الوحي وتبليغه .
القبس الثاني : العصمة عن المعصية التي فيها هتك للعبودية :
يا طيب عرفت إن العصمة : تكون حاصلة لمن له مرتبة عالية من المعرفة و التقوى ، ولمن حصل له لطف من الله تعالى ليختاره لتبليغ تعاليمه ، وهي حاصلة لنبي أو ولصي نبي ، وذلك لأن الله تعالى غرضه إيصال تعاليمه للناس ليقبلوه ، ولو كان مبلغها قد عصى الله أو صدر منه ما هو مخالف للمروءة لم تقر له الروح ولا تسكن النفوس إلى صدقه وقبول دعوته .
والإنسان المبلغ للتعاليم الدينية : ليس مثل غيره ممن يتعلم تعاليم أخرى ويعلمها ، فلكي تسكن النفس الطالبة لكمالها بتعاليم الله تعالى ، ولتطمئن بأن هذه التعاليم حقيقة من الله تعالى لابد أن يكون مبلغها معصوم من المعصية صغيره وكبيرها قبل التبليغ والجهر بالدعوة وبعدها من أول عمره لأخره ، وذلك لكي يكون أكثر قبولا عند الناس من إنسان صدرت منه بعض المعاصي ولو تعد صغيره ، وهذا بالخصوص لمن يدعي النبوة والإمامة بل والخلافة والوصاية للنبي ، وأن تعاليم الله الحقيقة عنده ، وأن الله قد اختاره ووفقه لهذا المنصب العظيم الذي وأجب على الناس أتباعه والعمل بأقواله .
نعم لو كان فرد يقول : أنا من أتباع النبي أو أنا قد أخط ولا يدعي إن جميع تعاليم الله عنده التي أنزلها لتعليم عباده وهدايتهم ، لأمكن القول : أنه يكفي أن يكون متقي ظاهر الصلاح الآن ، بل من الممكن أن يكون تائب بعد معصية وان كان اطمئنان الناس وقبول التعاليم منه أقل تأثير وليس مثل من لا يُعلم منه معصية ولا وقعت عنه أصلاً .
والله تعالى : إذا كان يريد أن يوصل حقيقة تعاليمه ويريد من الناس أن يقبلوها بكل وجودهم وبتمام الطاعة بكل حال لهم ، فيجب أن يكون قد أختار ووفق بعض البشر بلطفه للعصمة عن المعصية قبل البعثة وبعدها وعلى طول حياتهم من الولادة إلى الممات ، وذلك لكي تتم حجته ، ويكون أبلغ في تبليغ تعاليمه وقبوله من قبل عباده ، وليتم غرض دعوته لدينه وهداية للناس لتعاليمه سبحانه ، وبأحسن صراط مستقيم وهدى قويم ، وبهذا تكون له الحجة التامة البالغة عز وجل . وقال الله سبحانه :
{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ } النساء64. ولو أطيع من يخطأ في القول والفعل ومن تصدر منه المعصية ، ثم يُقتدى به في جمع حالاته ، لكان الله أمر بما يخالف غرضه من هداية الناس لتعاليمه ، والله تعالى يريد قطع عذر الناس وقبول تعاليمه بأحسن وجه ، وقد قال تعالى :
{ رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } النساء 164 .
ولو كان مبلغ رسالاته عاصي في فترة من حياته لكان للناس عذر في عدم طاعته ولفترات فضلا عن فترة ومره أو في شيء منها كل العمر ، ولكان لهم حق التواني في إجابته أو الإبطاء في تطبيق تعاليمه أو بعضها .
كما وحسب ما عرفنا سبحانه : إنه من يكون نبي لابد أن لا يلبس أيمانه بظلم ، وكل معصية هي ظلم من العبد لحق المعرفة بالله وهداه ، وقد قال تعالى:
{ الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ * وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَ إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ
وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ } 82 –90 .
وجعل آل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقرباه وآل بيته : هم المعصومون بعده لتعليم الناس معالم دينهم ، إذ عرفت أن آخر الآيات السابقة أن أجر رسول الله ذكرى للعالمين وهو به يتم الهدى ، ثم جعل الله تعالى الذكرى للعالمين هي متابعة آله وقرباه ومودتهم بقوله تعالى :
{ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُو الصَّالِحَاتِ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ } الشورى 23 ، فجعل اقتراف الحسنات وزيادتها هي نفس متابعتهم ومودتهم ومعناه اخذ تعاليم الله تعالى منهم بعد نبيه .
فإنه لا أسألكم عليه أجرا إلا أن يكون ذكرى تنفع تعليمكم ، ولا أسألكم عليه أجر إلا المودة في القربى ، فنفس الأجر في الآيتين متحد وهو : المذكر لهدى الله هو يتم ونتمكن منه حين المودة للقربى ، وبه تحصل لن الحسنات ومغفرة الله تعالى لعباده بل وشكره لنا لإطاعته بتعاليمه الحقة من المهتدون بحق.
ويؤيد هذا المعنى ما حكى الله تعالى عن نبيه إبراهيم عليه السلام : لأنه طلب من الله أن يبعث رسل يزكوهم ، فلابد أن يكون من يزكي الناس زكي طول حياته إذ قال : { رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ } البقرة 129 .
والمراد من التزكية هو التطهير من الرذائل ودعوتهم للهدى ، فلذا جعل بعده أئمة المسلمين مطهرون بالحصر التام والعناية الكاملة منه تعالى إذ قال سبحانه: { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}الأحزاب33 . وقال : {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ} الجمعة 2 .
فلذا كان المبلغ عن الله تعالى : زكي طاهر من المعصية لأنه عالم بمعارف الله وراسخ فيها حتى لا يعصيه ، وبهذا عرفنا أنه راسخ في تطبقيها في كل شيء لا رجس له لا في فكره ولا في تطبيقه ولا في تبليغه ، ولا له شيطان يعتريه ولا يفلت في حكم وموقف يتسلط به على رقاب الناس ويحكم بهم برأيه وقياسه ، بل يجب أن يكون قد اعتنى به الله تعالى ورسوله وعلمه .
وفي بحوث العصمة : أدلة كثيرة من يريدها كلها ، يرجع للمطولات وبالخصوص بحوث الإلهيات لآية الله السبحاني أو تفسير الميزان وغيرها ، ونكتفي بهذ المختصر ، ونذكر ما يجعل خاتمة بحثنا مسك في عصمة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم بذكر ما قال الله عزّ وجلّ :{بسم الله الرحمن الرحيم : وَالنَّجْمِ إِذَ هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ } النجم 1 ـ 3 . وبقي بعض القول في تفسر بعض الآيات التي يقال يشم منها عدم عصمة الأنبياء ، ذكرها ممن تسول له نفسه أن الله قد يجعل تعليم اصل معارفه بيد العصاة ، وتركنها لركاكة استدلالهم ومن أراد أن يعرف المزيد عليه بكتب التفسير كتفسير الميزان للعلامة الطباطبائي قدس الله نفسه الزكية يعرف الحق في ذلك ، أو راجع كتاب الانتصار ( أهم مناظرات الشيعة في شبكات الانترنيت ) الجزء الرابع ، فإن فيه بحوث عميقة وكثر الجدل والنقاش فيه بين الطائفة المحقة القائلة بعصمة الأنبياء ، والطائفة المبطلة الباطل قولها يعصمون ممن دونهم من علمائهم ولا يقولون بعصمة الأنبياء.
يا طيب : إن غرضنا مما ذكرنا من المعارف والبحوث للنبوة العامة ، وهو أن تكون أسس لما يجب تطبيقه في معرفة الأنبياء وكان هذا مختصر الكلام في النبوة العامة ، وبقيت أمور ومناقشات لا يسعها هذا المختصر ، ومن أراد فعليه بالكتب المختصة المطولة ، وأما الكلام في النبوة الخاصة لكل نبي من أنبياء الله تعالى فسوف نتعرض له في صحف الأنبياء ونقدم البحث الآن في نبوة نبيينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ونطبق ما ذكرنا من الأسس في معرفة النبوة العامة ، ثم نذكر بحوث باقي الأنبياء من آدم إلى عيسى عليهم السلام ، ونذكر ما يمكن أن يستفاد من العبر والموعظة البالغة في معارف نبوتهم وتبليغهم وسيرتهم في أنفسهم ومع قومهم ، والتي إن شاء الله تقوي إيماننا وتهبنا العزم على تطبيق معارف الله وهداه ، وبكل إخلاص وعلم حق ، بل وتبليغ ونشر بحسب القوة والوسع والطاقة ، حتى لنكون من الصالحين بفضل الله وتوفيقه وفضله .
وبهذا عرفنا يا طيب : إنه كان ما ذكر هنا في النبوة العامة هو معرفة وأسس أهم البحوث التي يجب طرحاه في البحث عن النبوة الخاصة وكأصول عامة تُطبق فيها ، أي عند البحث عن نبوة كل نبي من الأنبياء ، ولما كان تصديقنا بالبحوث العامة لنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله بنفسه يكون أساس لتصديق نبوة جميع الأنبياء ، لأنه لا يمكن الاطلاع الحقيقي عن خواص الأنبياء ومواصفات دعوتهم إل من خلال هدى ومعارف القرآن الكريم ومن شرح سنة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم لمعارف دعوتهم وسيرتهم بالحق ، وذلك لأن كتبهم قد حُرفت وأممهم قد غبرت ولا يوجد منه إلا آثار قليلة .
ولهذا قد ذكرنا : ضمن البحوث السابقة في النبوة العامة بعض الشيء عما يتعلق بنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ويثبت ضرورة بعثته عليه السلام وخاتميته نبوته وبعض ما خص اصطفاءه و معجزاته صلاة الله عليه وعلى آله وسلم ، لأنه بها يعرف خواص ممن كان قبله من الأمم وأوصياءهم ، لأنه صدقهم وعرف أحقية هداهم وضلال من خالفهم .
هذا فضلا عن قُرب سيرة نبينا وتديننا بمعارفه : وما كان من العناية الإلهية للمحافظة على هداه في كتابه المنزل عليه ، والذي فيه كل شيء يمكن أن يُعلم البشر ويُعرف أسس الحقائق عن كل شيء حتى أنبياء وسنن الهداة للأمم السابقة وما يجب أن تكون عليه مواصفاتهم ، ولذا سنقدم البحث عن نبوة نبينا صلى الله عليه وآله في الباب الآتي وما بعده ثم نحلق به معارف الهداة قبله وبعده.
يا أخي الطيب : من الأمور العامة التي يتم بحثها في النبوة كمعرفة كليه ، هي عدد الأنبياء والمرسلين أو أوصيائهم كمبلغين معصومين عن الله يعرفون عباد الله هداه والمصطفون الأخيار من قبله تعالى ، ولأنهم أحسن البشرية والخلق في كل علمهم وعملهم ، ومن أول الخليقة حتى نهاية الدنيا ، وحسب ما وردن من معارفهم ومعرفتهم ، وإن كان بينهم تفاضل ودراجات أيضا .
و قد صرح الله سبحانه : في كتابه الكريم بأسماء عدة من الأنبياء وقصصهم مع أممهم ، ولم يذكر عز وجل أسماء جميع الأنبياء ، ولهذا قال تعالى : { وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا * رُّسُلاً : مُّبَشِّرِينَ ، وَمُنذِرِينَ ؛ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ، وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } النساء 164 - 165 .
والأنبياء والرسل الذين ذكرهم الله تعالى في القرآن المجيد { 27 } اسم من أسماء الأنبياء ، وهم عليهم السلام : { آدم ، نوح ، إدريس ، هود ، صالح ، إبراهيم ، لوط ، إسماعيل ، اليسع ، ذو الكفل ، الياس ، يونس ، اسحق ، يعقوب ، يوسف ، شعيب ، موسى ، هارون ، داود ، أيوب ، سليمان ، أيوب ، زكريا ،يحيى ، إسماعيل صادق الوعد ، عيسى ، نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم } .
كما وبعض الأنبياء لم يصرح الله سبحانه وتعالى بأسمائهم ولكن أشار لشيء من قصصهم ، والكثير الباقي لم يصرح بأسمائهم ولا أشار لقصصهم ، وجاء في الروايات عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم :
( أن الأنبياء عددهم مائة وأربعة وعشرون ألف نبي ، والمرسلون منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر نبياً ) .
وسادت الأنبياء هم أولي العزم : وهم كما عرفت خمسة ( نوح ، إبراهيم ، موسى ، عيس ، محمد ، صلاة الله عليهم وآلهم أجمعين ) وسيدهم وخاتمهم نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وعرفت : إن كل نبي من أولي العزم كتاب فيه أحكام إلهية مناسبة لعصره ولما بعده حتى زمان النبي المرسل بعده ، وخاتمة التعاليم الإلهية هي تعالم نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
كما أن بعض الأنبياء لهم صحف وكتب ، لكنها لا تحتوي على أحكام زائدة على ما في كتب أولي العزم ، مثل زبور داود المخصص للدعاء .
واعلم يا أخي الكريم : إنه يجب أن نؤمن بجميع الأنبياء والمرسلين الذين أخبر الله عنهم وعرفنا بهم ، فنؤمن بأنهم أنبياء ورسل الله لتبليغ هداه وإن تعاليمهم من الله ، وإن مَن أطاعهم فقد أطاع الله وهو في جنة الخلد في رضا الله ورحمة الله عليه ، وإن من عصاهم في نار جهنم خالد وعليه لعنة الله وبالخصوص من قاتلهم وحاربهم ومنع من نشر هداهم ، ولذا قال تعالى :
{ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَ وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ } البقرة 285 .
ولهذا : المكذب لواحد منهم يكون مكذب لهم جميعهم ، لأن دينهم واحد ودعوتهم واحدة وكلمتهم متفقة على التوحيد ، قال الله تعالى في قوم نوح مع إنهم كذبوا نوح ، عرفنا بأنهم كذبوا جميع الرسل قال تعالى :
{ وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمً } الفرقان 37 .
وفي الحقيقة : إنكار دعوة الأنبياء إنكار لجدية الله تعالى في دعوته لدينه القيم ، وتنقيص لاهتمامه بهداه الحق وما يريد من حقيقة عبوديته بما يحب ويرضى .
كما يجب أن نؤمن : أن الإسلام أخر الأديان السماوية وهو ناسخ لجميع الأحكام السابقة والمبين لحقيقة تعاليم الله تعالى ، وغير التعاليم الإسلامية من المتبقي بيد غير المسلمين شرائع محرفة غير مقبولة عند الله تعالى ولا يرضى أن يعبد بها ، ولذا قال تعالى : { قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } آل عمران 84 -85 .
فإن الإيمان : بأن الله بعث أنبياء للأمم السابقة وأنزل عليهم كتب وشريعة ، وأمرنا بالتصديق بما يدعوا إليه العقل من طلب الكمال والهدى الذي فيها بالنسبة للأمم السابقة ، وإن معارفهم حقه قد أخبر بها الله تعالى في القرآن ، وإن أمرها يقره الدين في زمانهم ، فهذا أمر ضروري يجب الإيمان به لأنه له أثار كريمة في تعريفنا جدية الله وعنايته بخلقه ، وإنه تعالى يهدي الهدى التكويني والتشريعي ، ولكل العباد في كل البلاد في كل الزمان ، ولم يهمل رعاية عبادة بتعريف دينه بالصادقين الأخيار الأبرار وبهدى كان فيه صلاحهم وخيرهم .
وأما الآن : إن ما بين المتدينين بالأديان السابقة هي نفس ما أنزل الله على الأنبياء ، وهي غير محرفة أمر آخر ، لم يقره الله لهم ، ولهذ كما كانت تعاليم المسيح عليه السلام ناسخة للتعاليم التي كانت بيد بين إسرائيل المنسوبة لموسى عليه السلام ، مع الوجوب بالإيمان ببعثة موسى والمسيح عليهم السلام ، وهكذا نسخت تعاليم موسى تعاليم نبي الله إبراهيم التي حرفها من جاء بعده وهكذ هو حاله مع شريعة نوح ونوح مع آدم .
فإن الإسلام كذلك : ناسخ لما يتعبدون به ولم يرضى الله غير الإسلام دينا لأنهم انحرفوا عن دينهم وبدلوا فيه ، وإن الدين الإسلامي هو المراد فعلا التعبد به وهو أكمل لهداية البشر في استعدادهم وحالهم الجديد وللزمان مع تطور البشر في كل جميع مجالات الحياة ، وبالخصوص في معارف العبودية والشكر لله وإطاعته بما يحب ويرضى .
فلذا نحن نؤمن : ببعث الأنبياء والرسل السابقين وأن ما أتو به هو تشريع من الله تعالى، كما نؤمن أن شرائعهم منسوخة بالإسلام والمراد لله تعالى الآن هو التعبد بهدى خاتم الأديان ، كما وإن الموجود من التعاليم بين المتدينين كاليهود والمسيح هي تعاليم محرفة وليست هي التي أنزلها الله تعالى ، وأن الحق هو ما أنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وآله، وهو خاتم الأنبياء وسيد المرسلين وبدينه القيم يريد الله سبحانه من جميع الناس أن يعبدوه به وبه صلاحهم .
يا طيب : ما بحثنا وذكرنا في النبوة العامة كانت أهم الأصول العامة لبحث النبوة ، وسنطبقها في البحث عن النبوة الخاصة لنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وفيها نبحث عن أهم الشواهد الموجبة لضرورة وجوده المبارك وبعثته .
وبإثبات صدق نبينا وأن دينه حق ونبوته واقعية ، يؤيدها تأريخ الدين وتعاليمه والعقل والوجدان ، ولها شواهد صدق لا يمكن إنكارها ولا تجاهله ويجب الإيمان بها حتى يمكن معرف تعليم الله وصفاته وشكره بما يحب ويرضى ، وإن نبين محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاتم الأنبياء ، وإن كتابه الكريم خاتم تعاليم الله ، وإن سنته الكريمة وأخلاقه الفاضلة وأقواله وأحاديثه الشريفة هي بتعليم الله ورعايته له ، وهي التي بها يهدي عباده للصراط المستقيم .
فبعد إثبات ما ذكرنا ومعرفته : يمكن معرفة صحة دعوة باقي الأنبياء وحقيقة وجودهم ومعرفة أحوالهم ، بل معرفة الأوصياء وأئمة المسلمين بعده وخلفائه الحقيقيين .
وذلك بما يبين لنا : كتاب الله المجيد القرآن الكريم ، وسنة نبينا الأكرم وأقواله الشريفة الدالة والمبرهنة على أحوال الأنبياء السابقين والأئمة بعده ، وبما يعرفاه لنا مما يجب أن تكون عليه حقيقتهم وأوصافهم وخصائصهم وملاك إمامتهم وولايتهم .
فلذا يكون البحث : بعد هذا الباب وفي الأبواب الآتية في شواهد الصدق في النبوة الخاصة الدالة والمبرهنة على وجود نبوة نبينا الكريم وضرورته ، ونوكل البحث عن باقي الأنبياء من آدم حتى عيسى عليهم السلام لصحفهم الخاصة ، وكما وسيأتي بعد هذا الكتاب البحث عن الإمامة وضرورة وجود خلفاء وأوصياء لنبين الأكرم حقيقيين ومختارون من قبل الله تعالى ، وقد عرفنا بهم في كتابه الكريم وفي سنة نبيه المطهرة ، وبهذا نقيم الشواهد عليها ونثبت ضرورة وجود الأئمة من آل نبين الكريم بعده صلى الله عليه وسلم أجمعين .
وبهذا يكون معرفة صدق نبوة نبينا الكريم كخاتم الأنبياء ، شاهد صدق لنبوة جميع الأنبياء قبله ولإمامة جميع خلفائه الذي عرفنا بهم وبأوصافهم بعده ، وذلك لما سنرى بأنه لا يوجد كلام لله تعالى فيه حقيقة تعاليمه إلا القرآن الكريم ، وهو المعجزة الخالدة التي سنتكلم عنها في الباب الثامن لنبوة نبينا الكريم ، وكذا سنته المطهرة : التي نقلها عنه أهل بيت النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم وصحبهم النجباء .
وعن آل نبينا عن نبينا وما عرفونا من نبوة الأنبياء وأحوالهم مع أممهم وتعاليمهم وعن القرآن الكريم وشرحهم له ، نعرف أخبار الأنبياء وقصصهم على الحقيقة وما يستفاد منها من العبر والموعظة بواقع التعاليم الهادي لهدى الله ، كما بها تتم معرفة جدية الله تعالى في دعوته لدينه في تواتر الأنبياء والإصرار على عدم خلو أرضه من خليفة حقيقي منصوب من قِبله ، سواء قبل نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو بعده من أهل بيته الطيبين الطاهرين كأوصياء وخلفاء حق له ، ويكون كل واحد في زمانه هو ولي الناس وقائدهم لتعاليم الله الحقيقة ، ويكون هو الذي يوصلهم للصراط المستقيم بما أنعم عليهم سبحانه من التوفيق للعصمة في الذات والصفات والقول والعمل وبكل ما يؤيد صدقه من سيرته الحسنة وكلامه البليغ الحكيم .
ولما عرفنا أن الله تعالى : قد ختم النبوة ولابد من محافظ على التعاليم الإلهية من الاختلاف فيها والانحراف عن صراطه المستقيم بمصطفين مختارين من قبله لهداية الناس ، وقد أنعم عليهم بالعصمة بالذات والصفات والقول والعمل ، ويجب أن يكون أحسن المسلمين وخيرة المؤمنين هو ولي دينهم ومعلمهم تعاليمه ورافع للاختلاف بينهم والانحراف عنه ، فيكون قد جعلهم سبحانه هم القادة لعباده المسلمين ، وهم الهداة لدينه الحق وأولياء المؤمنين وخلفاء الرسول الصادقين ،وهم الأئمة المعصومين وبهم يجب أن يأتم المسلمون لمعرفة حقائق دين لله القويم .
ولهذا يأتي البحث في الأصل الرابع للدين الذي هو الإمامة بعدم عرفنا التوحيد والعدل والنبوة ، والآن تعال معي يا طيب لمعرف أبواب شواهد الصدق لضرورة وجود نبينا الكريم وتعاليمه الواجب أن يتعبد بها لله ، فنطبق ما عرفنا من أسس المعارف للنبوة العامة في النبوة الخاصة ، ونسأل الله أن يهبنا التوفيق لبيانها والشكر التام بإقامة تعاليمها فضلا عن الإيمان بها ، إنه أرحم الراحمين وصلى الله على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .
في هذا الباب : بعد معرفة النبوة العامة ، نتعرف على أول تطبيق لما ذكرنا من أسس وأصول تطبيق معارف النبوة العامة في النبوة الخاصة لكل نبي ، فهنا إقامة براهين وشواهد الصدق على ضرورة بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين نبين الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
هذه صحيفة النبوة الخاصة :
لسيد المرسلين والسادات ، وملتقى رحمة الله والمكرمات ، نبي الأنبياء ، وصفي الأصفياء ، نجي الله ونجيبه ، وخليل الله وحبيبه ، صاحب المقام المحمود ، وغاية إيجاد كل موجود ، شمس سماء العرفان ، واس بناء الإيمان ، شرف الأشراف ، وغرة عبد مناف ، بحر السخاء ، ومعدن الحياء ، هادي العباد ، وربيع البلاد ، الذي به اكتسى الفخر فخرا والشرف شرفا ، أفضل مخلوق في كل مراتب التكوين ، وشفيع العباد هنا و يوم الدين ، ونور الله الساطع ومصباح الهدى وسفينة النجاة ، والذكر الحكم ، والهادي المستقيم ، والصراط للنعيم ، البشير النذير ، والسراج المنير ، خاتم الأنبياء والمرسلين ، المصطفى الماجد الأمين ، المعروف بالسماء بأحمد وبالأرض :
أبو القاسم محمد بن عبد الله
صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وسلم.
يا طيب : قد وضح الأمر في مسألة ضرورة النبوة في التكوين والتشريع والمجتمع في الباب الأول وبان لنا أهمية بعثة الأنبياء في النبوة العامة ، وكان بصورة تكفي لاطمئنان المؤمنين ببعثتهم ، وتقطع لجاجة المعاندين لهم ، وترفع الشك من المشتبهين بعدم أهميتهم ، وبه يكون لدينا دليل مقنع على اعتقاداتنا بالأنبياء وبرهان قوي لسبب أيماننا بهم ، وبه نعرف أصلا ثالثاً من أصول الدين ، وواجب معرفته بالبرهان والدليل لتطمئن القلوب الطيبة وليزداد إيمان الخيرين .
ولذا يا طيب : هنا نحاول أن نشبع بحث ضرورة بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وآله ، وبأسلوب آخر وبمعنى أوسع ليكون ذكرى لنا ويرسخ في قلوبن .
وقد عرفت يا أخي : في الباب الأول لبحوث النبوة العامة أهم الأصول التي يجب طرحها في البحث عن نبوة كل نبيا من الأنبياء ، وإن تطبيق هذه البحوث في النبوة الخاصة لنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتسليمها والإذعان لأدلته ، كما يثبت ضرورة التصديق بنبوة نبينا الأكرم ، كذلك يثبت وجوب التصديق بنبوة جميع الأنبياء ، بل وأئمة الحق بعده إلى يوم الدين ، وبنفس الضرورة يكون وجود كلا في زمانه .
فلذا نقدم هنا : بيان لأهم ما يدل على ضرورة نبوة نبينا الأكرم وضرورة بعثته لكافة البشر بالإضافة لما عرفت ، وبنفسه يعرفنا أهميها وخواصها وكثير من المعارف المرتبطة بتكريم الله له ولنا به ، بل للأنبياء وأممهم قبله بما شرفهم ببعثتهم وهداهم الذي فيه سعادة المؤمنين وكل عباد الله المطيعين .
ولذا يكون بمعرفة ضرورة بعثة نبينا الأكرم محمد صلى الله عليه وآله بمعرفة كريمة وفق الدليل والبرهان ، معرفة لأمور مهمة عرفنا أصولها في النبوة العامة ، وهي ضرورة بعثة نبينا الكريم للحاجة الملحة لحضوره في المجتمع في زمانه ولكل زمان بعده إذ ختمت به النبوة والرسالة الإلهية ، فضلا عن ضرورة وجود النبي بأكمل هدى هو من الضرورة الكونية التشريعية في الوجود لما فيه من إتقان الصنع والهدى ، وببعثته يرفع الله سبحانه العباد من الكفر والظلم والعادات الخسيسة التي تخالف الكرامة الإنسانية ، ويجعلهم في أرقى معارف تسعدهم في كل شيء من النعيم الحق ، سواء في الروح أو البدن أو الأخلاق الكريمة والآداب الحسنة الراقية ، وفي العدل والإحسان والحلال الطيب وكل ما يُعبد به الله تعالى من طاعته وشكره ، ولهذا البحث براهين عدة .
وهذه البراهين والأدلة هنا : هي كشاهد حق لبنوة وبعثة نبين الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وتأتي في الأبواب الأخرى بحوث لشواهد عدة تعرفنا صدقه وعناية الله به وتكريمه ورعايته في كل أحواله وتأييده ونصره في كل ما ينشر دين الله ويُعرف هداه الحق ، وتوفيقه بفضل الله وكرمه للظهور بكل نور هداه علما وعملا وتبليغا ، ولكل البشر فضلا عن مجتمع وزمانه ، وحافظ على هداه بما يُعرفه وجود دينه القيم بحق عند المنعم عليهم من آله صلى الله عليهم وسلم ومن سار على صراطهم المستقيم لمعرفة عظمة الله وهداه ، فنسأل الله التوفيق لبيانها والانتفاع بها إنه ولي حميد :
يا طيب : التفكر والتدبر في هذا الوجود الواسع والمترامي الأطراف بوجوده المتقن والمحكم والذي يسير لغايته بأحسن نظم دقيق وهدى متقن ، وبكل مدد نور يصلحه ويجعله بأجمل تكامل وبكله المجموع وبما في ذلك الإنسان فيه ، كما يدل الإنسان الواعي والمتفكر على وجود خالق له ، نفس هذا التفكر والتدبر يدل الإنسان الواعي إن خير من يسد النقص ويعطي كل حاجة وكل أمر ضروري وغير ضروري سواء من الأمور المادية أو المعنوية ، هو الطلب من خالق الكون والتضرع له والسير لما يوصل لوده ورضاه وبالدعاء والعبودية وشكره على نعمه سبحانه ولطلب المزيد من كراماته وهداه ونعيمه الطيب الذي يسعد العبد به ويرتاح بالتصرف به والكون فيه .
ولما كان الإنسان : بعد النعم المادية ، باحث بطبعه عن النعم المعنوية التي بتطبيقها كقوانين ينعم بالنعم المادية فضلاً عن المعنوية ، ويسير بها في حياته بأمن وسلام وسعادة ، ويتكامل وجوده بفرح وسرور ، وباطمئنان قلبي بم قسم له .
ولما كان الإنسان العادي : يقصر عن الوصول لما عند الله تعالى من التعاليم يسعى للبحث عن مَن عنده تلك التعاليم ، ومَن تمكن مِن الوصول للحصول عليها وأخبر إنه منبئ عنها وعن هدى معارفها ، فيبحث عن الأنبياء وأوصياءهم لأخذ تعاليم الله تعالى منهم ، ويجد في تطبيقها العاقل وذو اللب المتفكر في طلب حقيقة سعادته وروحه .
وبعبارة أخرى : إن الإنسان بوجوده ونفسه و في طبيعته وفي ذاته يحب الكمال ويسعى إليه ويحاول أن يحصل على كل ما ينفعه ويُكمله ويسد نقصه ويرفع حاجته المادية والمعنوية ، فيتجه إلى من عنده الكمال المطلق وهو الله تعالى فيحاول الاتصال به بنفسه ، وإذا عجز بحث عمن قد ساعدته العناية الربانية وأتصل بخالق الكون ليأخذ منه كل ما يُكمله ويوصله للكمال المطلق وما أنزل إليه من المعارف والتعاليم الربانية .
ونفس هذا التفكر : يدعوا الإنسان الباحث عن الكمال الحقيقي بأن يبحث عن آخر تعاليم الله من غير تحريف واختلاف ، ويجب أن يؤمن بآخر الأنبياء ، وإذا اخبر بختم النبوة يجب عليه البحث عن أوصياءه الحقيقيين وبالدليل المحكم وبالبرهان الواقعي القطعي ليتصل بهم وبمعارفهم فيأخذ هدى الله منهم .
وإذا عرفت هذا يا أخي الكريم : تعرف أن النبوة ضرورة فطرية مغروسة في فطرة الإنسان السليمة ، وهي تبع للفطرة الباحثة عن إله والطالبة للكمال منه والساعية لرافع النقص والحاجة عند الإنسان ، وبالوصول للنبوة وعند معرفة ختمه ، يدعوه الوجدان والعقل للبحث عن الأمام والخليفة الحق بعد النبي .
وأما من فسدت فطرته : واتبع هواه وأغواه الشيطان فهذا له كلام أخر ويكون في الغالب يرى كماله في المصالح الشخصية الآنية دون المستقبلية ، ويتهرب من المسؤولية الدينية والعبادية ، ولهذا يكون أيضا ممن جحدوا بها واستيقنته أنفسهم ، وبالخصوص إن عرف الله ولم يطلب هداه بحق .
والله تعالى : قد أرشدنا لما ذكرنا في القرآن الكريم في مواطن متفرقة :
فقال تعالى : { قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى }طه50.
وقال سبحانه : { اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقً لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } إبراهيم 32 ـ 34 .
وقال عزّ وجلّ : { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ } النحل 36 .
فإذا عرفنا : أن الله أعطى كل شيء خلقه ثم هداه الهداية التكوينية ، نعرف أن الهداية التشريعية هي غاية وجود الإنسان الذي هو خلاصة الوجود وثمرته ، والتي بها سخر الله تعالى له كل شيء وأعطاه كل ما سأله في وجوده وحاله ومقاله ، فبعث سبحانه في كل أمة رسولا يهدي العباد الهداية التشريعية ويُعلم المعارف والتعاليم الربانية ، وهذا مشهود لكل من يسير في أفاق وجود الكون ونفسه ليشعر أن الله تعالى كما خلقه بعث له هداة يعلموه ما يجب عليه سلوكه في مسيره في هذه الحياة وما هو المراد منه فيها وما يوصله لنعيمه الآن ويكون خالدا فيه ، ونفس الشيء يحصل لكل من يسير بتفكيره السليم في أفق التأريخ الديني للأمم الماضية ، فيرى كل البشر طالبين لهادي من رب العباد ولكن بعضهم قد يجد ويصيب ولي دينه ، وبعض قد يقصر أو يُقصر أو يعاند لطمع بالدنيا أو لكسل في تحصيل مصلحته الحقيقة ونعيمه الأبدي فيضل .
والله تعالى : أمرنا أن نسأله في كل يوم الهداية مع أنا مهتدون لدينه مسلمون له ، وما ذلك إلا لنبحث عن الحقيقة الإيمانية التي يجب تعلمها من خاتم أنبياءه و ببيان أوصياءه وخلفاءه الحقيقيين ، فقال تعالى : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهدِنَـــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ } الفاتحة 5 ـ 7 .
فمن هذا الجانب يا طيب : بأن وجود الإنسان يستلزم الهداية التشريعية المستلزم لبعث الأنبياء ، وجب البحث عن التعاليم الربانية منهم بعد معرفتهم بالدليل والتحقيق لا من كل مدعي لوجود التعاليم الربانية عنده .
وقد عرفنا : إن الله ختم دينه بنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقوله عز وجل : { مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا } الأحزاب 40 .
وقال تعالى : { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا } الفتح 48 ، وقال تعالى : { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } التوبة 33 . ولذا قال سبحانه وتعالى : { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } آل عمران 85 .
فأراد الله بعد ما ختم النبوة أن يظهر دينه برفع راية الإسلام وينصر رسوله ، وقد وفي الله بوعده كما يشهد لهذا تاريخ الإسلام وكثرة من اسلم ، ففاق المسلمون كل مذهب ودين ، وأن كان المطلوب منهم بعد الإيمان ومعرفة النبي الكريم ، وهو البحث عن حقيقة التعاليم الإسلامية التي عند أهلها من أوصياء النبي الحقيقيين وبالخصوص حين يعرفوا وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة ، حيث أمرهم سبحانه وتعالى بطلب الهداية للصراط المستقيم من المنعم عليهم بتعليم هداه ولهم خصوصيات وملاك عرّفه لنا الله بسنة نبيه وفي كتابه وفي كل يوم عشر مرات طلب منا أن سأله هذه المعرفة والتوفيق لمعرف المنعم عليهم بحق لنكون معهم ومنهم لا من المغضوب عليهم ولا الضالين ، ولله الحجة البالغة ، وعلى الناس معرفة الهداة الصادقين والحقيقيين بالدليل والبرهان للصراط المستقيم بعد النبي الكريم ووجوب إتباعهم وعدم الانحراف عنهم م داموا مؤمن بالله.
في الحقيقة ضرورة بعث الأنبياء وتجديد عهد التعاليم الربانية لهداية البشر التشريعية في كل فترة حسب استعدادهم لتحملهم المسؤولية الدينية ، ضرورة لا بد منها ، ومسيرها مرافق لمسير الهداية التكوينية بل هو منها وإن سميت بعثة الأنبياء ورسالتهم هداية تشريعية ، فكما أن الوجود محتاج في كل آن لربوبية الله وهداه وقيومية التكوينية ليسير الكون بكائناته إلى غايته وغرض وجوده ومستقره الذي أعده له الله تعالى بأحسن صورة ممكنة للخلق ، فإنه لابد لبقاء الكائنات من مدد نور الله وفيض رحمته ليستمر وجودها وليتكامل وإلا يفنى وينعدم .
كذلك البشر وكل وجود مُشرف بالهداية التشريعية والواجب عليه إطاعة التعاليم الربانية والتي بها صلاحهم ونعيمهم ، يحتاج لربوبية الله وهدايته وقيومية التشريعية ، ويجب أن يكون سيرهم لتطبيقها وفق صراط الله المستقيم الذي أعده الله تعالى لهم بكل معارف دينه القيم ، وبه يصل العباد لحقيقة عبوديته سبحانه ولسعادتهم بنعيم في الدارين .
ثم إن الهداية التكليفية : متعلقة بأفعال العباد لتسلك بهم وتهديهم وتربيهم لحقيقة التعاليم الربانية في نعم الأخلاق وطلب الحلال والعبودية وفي جميع شؤون الحياة ووفق آخر استعداد لهم ، كما كانت ولا زالت الهداية التكوينية متعلقة بذواتهم ونفس وجودهم ، وتنعم عليهم بالبقاء والاستمرار بالحياة وفق أحسن الظروف والأحوال المناسبة لهم ، وهذا غاية التكوين كما عرفت .
وبعثة الأنبياء وتواترهم : واحد بعد الآخر ، ضرورة وجودية تشريعية ملازمة للهداية التكوينية ، ومكملة لمسير تكامل الكائنات في كل مرحلة ومرتبة وجودية وفي نفس الزمان الأرضي .
بل الهداية التشريعية : هي غرض الهداية التكوينية وغايته ، وبها يتم حسن وجود الخلق وجمال فعل الله تعالى وبه تمام الكمال الكوني ، ويمكن أن يقال لا معنى للهداية التكوينية بدون وجود الهداية التشريعية.
ونبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبعثته في آخر وأعلى استعداد للبشر لتلقي وتعلم المعارف الربانية ، كان ضرورة تشريعية لابد منها لتتم به هداية الله تعالى وربوبيته وقيومية التكليفية التي ينزلها للبشر وليوصلهم به لسعادة الدنيا والآخرة ، ولو كان بعد يوجد هناك تطور واستعداد أعلى للبشر لتعلم المعارف الربانية لما ختم الله تعالى النبوة به .
ولكنه سبحانه ختم النبوة : وجعل لنبينا الأكرم أوصياء وخلفاء أوجب حبهم ومودتهم وطاعتهم بنص كتابه المجيد ، وكما قام سبحانه باختيار الأنبياء وجعل لهم أوصياء و خلفاء وأئمة مختارون ومصطفون من قبله تعالى ، فإنه بعده يقومون مقام الأنبياء في المحافظ على الدين وتعاليمه الربانية ولكن من غير تشريع جديد ولا يحتاج لتنزل معارف أخرى بالوحي كما كان في السابق للأنبياء .
فسبحانه أتم علينا نعمة الهداية التشريعية وفق أخر استعداد للبشر ، وأنزل تعاليمه في خاتم الأديان لكل العباد ولكل الناس في كل البلاد وإلى يوم الدين ، وإلا يكون ختم الدين مع عدم نصب من يعتصم به المسلمون من الاختلاف في تعاليم الله والمعارف التي أنزلها لهداية البشر هداية تشريعية ، خلاف غرض الخلقة والهداية التكوينية والتشريعية .
وبهذا نعرف : إن الله تعالى جعل أنبياء على طول التأريخ والزمان وختم النبوة بنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله ، لأنه لا استعداد للبشر أفضل في تلقي معارف جديد غير الدين الإسلامي ، وحافظ على تعاليمه وهداه بكتاب أنزله ، وحافظ عليه بتعليمه بكل معانيه بما يحب ويرضى بأوصياء للنبي الخاتم ، وهم يبينون تعاليمه ومعارفه وحقائقها وشرحها وفق ما أنزلت على خاتم الأنبياء ، ومن دون أي تحريف واختلاف وتخلف ؛ وبهذا تتم نعم الله ويكمل دينه وتختم النبوة ويحصل بمتابعة الأوصياء رضا الرب .
وهذا دليل عقلي عرفت أصله في الباب الأول وهنا ، ويؤده الله في كتابه الكريم ، وتبرهن عليه السنة المطهرة لخاتم الأنبياء ، ويقر به كل منصف ومتتبع لتعاليم الله تعالى وسنة نبيه وتأريخ الديانات ، ويقنع به كل من له إلمام بسيط بالثقافة والتعاليم الربانية ومؤمن بمعارفه ، وهذا بنفسه يثبت ضرورة بعثة نبينا الأكرم لاحتياج البشر لرسالته وختم النبوة به وجعل الأوصياء له .
والآن يا طيب : في البرهان الآتي ندعم ما ذكرنا هنا وهناك بالآيات القرآنية والشواهد الأخرى تيمنا وتبركاً ، وليطيب قراءة البحث للمؤمنين ، ويحسن تكامل شرح البرهان للخيرين ، والطالبين بحق معارف الهدى من أصول الدين ، وبالخصوص معارف النبوة وتكاملها بتمام معناها وخواصها.
قد بينا في بحث النبوة العامة وأشرنا هنا بأن : أهم الأمور لبعث الأنبياء هو هدايتهم لمعارف الله ، وهذا معناه احتياج البشر للنبي ولتعاليمه التي فيها حقيقة العبودية الله والموصلة لنعيمه في الدارين ، وبالخصوص حين تتغير معارف الله المنزلة على الأنبياء السابقين والرسل من أولي العزم الماضيين ، فضل عن كون البشر قد استعد لتحمل معارف رسالة جديدة وفق ظروف زمانه الجديد وتطوره العقلي والبشري ، فيكون بحاجة شديدة لنبي مرسل به تُعرف معارف هدى الله الحق والذي به سعادة البشر وما يحب الله سبحانه أن يعبد به وفق أخر تكامل لهم وتطور في وجودهم فضلا عن فقدانهم لمعارفه الواقعية والصادقة .
وحينها : بعد أن يُحرف دين الله تعالى وتفقد تعاليمه ومعارفه من الأرض بالتحريف ، فيعم المجتمع والبشر الضلال عما يرضي الله وعما به سعادتهم وينتشر الكفر ، وهم في أنفسهم تكون عندهم الطاقة لمعرفة أكمل معارف لله التي يمكن أن تسعدهم .
يكون من لطف الله ورحمته : أن ينزل معارف دينه القيم الذي يهدي به عباده بأفضل أهل الأرض في ذلك الزمان ، وأحسنهم قدرة وطاقة لتعلم وتعليم وتطبيق معارف الله مع طهارته في نفسه ، فيقوم النبي المرسل صلى الله عليه وآله وسلم بتبليغ دين الله تعالى بكل طاقة وسعة ممكنة له ، وينشر بها دين الله تعالى وهداه ، ويكون مُجد له همة عالية في نشر دينه وتعليمه فضلا عن تطبيقه في نفسه ، وهذا ما تشهد له معارف نبينا محمد صلى الله عليه وآله وحال مجتمعه ونفس همته وجديته في تطبيق معارفه ، كما ستعرف .
وهذا البرهان : يشهد له الوجدان الحق والفطرة الطالبة لنور هدى الله ، والتي يراها بحق متحققة بتعاليم نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ويؤيده بكل يقين تأريخ الدين وتعاليم رب العالمين في الأمم السابقة ، وما سنعرف من تأريخ سيد المرسلين .
فإنه باليقين : بمعرفة ما عليه الناس في زمان النبي من التوجه للبلاغة والشعر وكل ما يلهم الفخر وحب الظهور ، فضلا عن جهلهم التام بمعارف الله حتى عبدوا الأصنام ، فقام سبحانه بإنزال أحكم تعاليم وأبلغ كتاب هدى ، وبه عرفن بحق المعرفة العظيمة لحُسن هدايته ، والتي تصلح لكل البشر وفي كل زمان ومكان ، حتى لتوجب علينا إطاعة نبينا وحبه وحب معارفه لما فيها من البركة والخير في كل شيء من معارف الحياة والعبودية لله ، وشكره على نعمة الهدى الكبرى ، كما ويوجب علينا تعلم هداه وتطبيقه بكل جد ، وكما يحب الله ويرضى بوجوب تعلمه من الصادقين المصدقين .
وبعبارة أخرى : أن الهداية الربانية ضرورة وجودية كالهداية التكوينية لتصل بالبشر لسعادة الدنيا والآخرة ، وهي موافقة لأخر استعداد لهم ، وذكرنا في البرهان الأول آيات من القرآن الكريم تبين ذلك للمتدبر بها ، فإنه وإن كان البرهان الأول : أعد للنظر في نفس الكون وحكمة الله في حسن تدبيره ومن خلال تفكر الإنسان الفطري فيه ، والبرهان الثاني : ناظر لتكامل الوجود بالهداية التشريعية وهي غاية له من جهة عليا موجبة لوجود النبي في كل زمان ومكان أو من يقوم مقامه من الأوصياء ، وهذا البرهان الثالث : ناظر للطف الله حين ينحرف العباد عن الهدى الحق ،و مع وجود استعداد لهم لتقبل معارف أعلى وهدى أكمل لإصلاح حالهم ومآلهم .
لكن التدبر : في الآيات السابقة نفسه يرينا حيثية هذا البرهان كما يرشدنا للبرهانين السابقين ، وهنا نذكر آيات سورة الجمعة الدالة على ضرورة بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، لما كان عليه حال مجتمعه بل دين الله في كل بقاع الأرض من الاختلاف فيه بين الأمم ومن الانحراف عن واقع تعاليمه ، فتفضل على العباد بدينه القيم وهداه الجديد المنزل بمعارف خاتم الأديان ، وبه تعرف لطف الله ببعث نبينا الأكرم وتفضيله بالنبوة والرسالة ، وتعريفه لنا بما علمه وما أقدره على تبليغ هداه .
فقال الله تعالى : { بسم الله الرحمن الرحيم
يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ، هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ
وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ }الجمعة 1-4 .
فهذه آيات من سورة الجمعة : تبين أن الله برحمانيته ورحيميته وبحكمته وعزته التي لا يحتاج بها لمساعد ، جعل معنى للوجود المخلوق وقيمة حسنى وجمال أكمل حين جعل كل شيء يسبح بحمد خالق الكون ويقدسه بتكوينه ووجوده ، ويظهر علو مقام موجده وعظيم علمه وقدرته ، كما إن الكون بعجائب موجوداته ودقت صنعها وسعة كونها وكثرتها يدل على جسيم نعمه التي لا تحصى ، وهي كلها مسخرة للإنسان لكي يقيم هدى الله تعالى ، فجاء دور عصارة الوجود والمفضل على كثير من الخلق أقصد الإنسان بعد أن أصبح ضالا عبد الأصنام وأشرك بالله ، و لا يعرف شيء من تزكية النفس ول من التعاليم الله الحقة ولا معارفه الواقعية التي تسعده ، ولو بقي هكذا لفقد حكمة وجوده.
فبعث الله العزيز الحكيم : من نفس هؤلاء البشر الأميين رسولاً يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ، وهو سبحانه المتفضل عليه وعليهم ، فعمهم خيره وفضله بتعاليمه لتشمل جميع جوانب الحياة و لكل من يطلب الحق سواء كان في زمن النبي الأمي الأمين ، أو لمن يأتي بعده ، لأن الله ختم بتعاليمه التي أنزلها عليه النبوة ونزول الوحي منه ، وذلك بعد أن جعل عليها محافظ من أوصياءه وآله الطاهرين أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب وذريته من بعده ، الذي بقي خلفه يصلي في تلك الجمعة المشهودة ومن أقر له بعد رسول الله بالخلافة ولم يتبع اللهو والتجارة كما عرفن سبحانه في باقي السورة ، حيث أنفض المسلمين من حوله.
فإن الباقين وإن كانوا يصلون خلفه نبي الرحمة: في تلك الجمعة لكن لنداء بيع وشراء لشيء من زينة الحياة الدنيا ، تركوا النبي يصلي بهذا الرهط المختار لتحمل تعاليم الله ، فصلى بهم تلك الجمعة المشهودة التي نزلت بها هذا السورة.
وبهذا السورة الكرية: شبه الله تعالى الحادثة بمن يحمل علم الله ولا يعمل به مثل اليهود والحمار الذي يحمل أسفاراً لا يعرف ما يحمل ، تدبر سورة الجمعة إلى آخرها تعرف ما ذكرنا واستعلم حال من بقي يصلي خلف رسول الله من العلماء بالله تعالى وتعاليمه ومن تبع اللهو التجارة تعرف الأمام والخليفة الحق بعد رسول الله من غيره .
ويا طيب : الآيات كثيرة في ضرورة وجود نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وضرورة بعثته وحاجة الناس له بعد فترة من الرسل ، والله هو اللطيف الرحيم والبر بعباده لم يتركهم سدى بعد إن خلقهم ، ولكن كرمهم بهداه وبتعاليمه الكريمة التي تهبهم معنى الحياة الراقية في كل أحوالهم الاجتماعية والاقتصادية في تعاملهم وملكهم وزواجهم وكل شيء من سلوكهم ، فضلا عن التوجه له تعالى والاطمئنان بذكره وفضله ووعده ووعيده ، كما في قوله تعالى :
{ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنْ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } المائدة19.
وفي قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجً مُنِيرًا } الأحزاب46 .
وفي قوله تعالى : { وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (8) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ }الحديد9.
وفي قوله تعالى : {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} سبأ 28 .
أقول : القرآن كله هو نور هدى الله لعباده ليهديهم للصراط المستقيم وليخرجهم من الظلمات إلى النور ، وكذا خُلق النبي وسيرته وكل تعاليمه ، وحاجة البشر للنبي الكريم وتعاليمه صلى الله عليه وآله وسلم هي اشد من حاجتهم للماء والهواء والغذاء ، ما قيمة الإنسان أن يكون عنده كل ما يحتاج من المادة ولوازم زينتها ، وهو يتعلم ويعمل بها بكل ما مكنه الله ليظلم أبناء جنسه ويعتدي على آخرين ويتسلط عليهم ، ويفسد في الأرض بكل ما آتاه الله من قوة ، فضلا عن ارتكاب الفسق والفجور وكل ما يخالف شأن الإنسان الكريم في نفسه وفي أسرته وفي مجتمعه وفي تعامله ، فضلا عن الكفر بالله وعدم شكره على نعمه التي لا تحصى ، ويفقد كل ما تطمئن به نفسه من القيم وكل ما يريح بها باله من مكارم الأخلاق والآداب الحسنة ، إذا لم يكن له وازع ديني يحثه عليها ولا أيمان بالله يدعوه للتمسك بها ، ولا فطرة سليمة تجعله يتوق للتحلي بها .
فيا أخي الكريم : لولا تعاليم الله تعالى المنزلة على الأنبياء وبالخصوص خاتمهم وسيد المرسلين ، لكان الإنسان أضل من الحيوان ، بل الحيوان ليسمو عليه ويكتفي بما يسد رمقه ووحش الغاب لا يعتدي بعد الشبع ، والإنسان طماع لا يشبعه ملك الدنيا ، ولو ملكها لطب الفضاء وطرق السماء ليحب أن يتسلط عليها ويتملكها ولو لأيام قليلة في حياته الدنيا وبكل وسيلة مشروعة أو غير مشروعة ، ومع علمه إنه سيفارق كل ما جمعه مع حسرة وندامة مادام لم يتفرغ للتمتع به بحق ولأيام تستحق هذا التعب وألم الحرب والغصب ومنغصات المقاومين من المظلومين وتأنيب الضمير إن بقي عنده منه شيء يذكر .
ولكن بتعاليم الله تعالى : يسموا الإنسان ويكون لحياته قيمة ولوجوده معنى ، وكم من التعاليم التي بثها الإسلام حتى في المعاندين له وألزم به أشد أعداءه وجعلهم أناس يحترمون الأخلاق الفاضلة وينادون بها ، ويتشبثون بأنهم يطبقوها ويتظاهرون بها ، وإن كانوا في الداخل من وجودهم يشم الفطن منهم كل مكر وحيله وخداع وحب الوعد والوعيد والتسلط من غير حياء ، وترى بأقل تدبر في سيرتهم إن في فكرهم وعلمهم وعملهم غير ما يذكرون .
فإن الإسلام وتعاليمه الكريمة : هي التي تملئ عقل الإنسان وقلبه معنى واقعي لحب البر والإحسان وطلب المغفرة من الرب الرحمان ، حتى جعل الإنسان الآن بما عرفنا من تعاليمه فيه بعض الخير والصلاح واحترام للحقوق ولو ظاهرا ، وهذا كافي لأن يسير الإنسان بسلام بعض الوقت ، حتى يقيم الله دولة الحق في اليوم الموعود ويمكن عباده ، إذ قال الله تعالى : { وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ } القصص5 .
فنسأل الله أن يظهر دينه بوليه الحق ويجعلنا معه إنه أرحم الراحمين .
كان في زمان بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم : المجتمع البشري بصورة عامة في جميع بقاع الأرض وبالخصوص في شبه الجزيرة العربية ؛ بحاجة ماسة وضرورة قائمة لنبي كريم يقوم بأعباء الرسالة والتبليغ لأحكامه الله تعالى وتعاليمه ، ولكي يرفع الناس إلى العدل والإنصاف والإيمان بالله تعالى ويدلهم على مكارم الخلاق والصفات الحميدة ، وبصورة صحيحة ليصل بهم لسعادة الدنيا والآخرة ، وذلك بعدما ساد الجهل والظلم و انحطوا في الكفر والشرك والنفاق وتعاملوا بالخيانة والغدر والمكر والحيلة ، و بدلو أكثر الناس نعم الله كفرا ، وضلوا عن سموا معرفته وعبوديته ، وآياته الحكيمة لتربيتهم وتهذيبهم وعن أحكامه الطيبة وتعاليمه المطهرة للروح وللبدن ولكل شيء في المجتمع .
فبعث الله سبحانه وتعالى : نبي كريم في ذاته ونسبه وصفاته و شريف في جمع خصائصه وحالاته ، سيد المرسلين وخاتم للنبيين وحبيب لقلوب العالمين ، آلا وهو نبينا محمد بن عبد الله عليه وعلى آله أجمعين صلاة الله وسلامه ، وأيده بنصره بالنبوة ومعارف الكتاب والحكمة ، فأنزل عليه كلامه الكريم القرآن المجيد بعد أن نص عليه بالتوراة والإنجيل الغير محرفين ، وعرّفه الأنبياء السابقين لأممهم وبشروا به مجتمعاتهم ، فضلا عما أختص به صلى الله عليه وآله وسلم من خُلق عظيم يفوق جميع من سبقه ومن لحقه من الأولين والآخرين .
وهذه وصية لوصي النبي وخليفته بالحق : علي بن أبي طالب عليه السلام يبين حال الناس في زمان بعثة نبينا الأكرم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ويبين ضرورة بعثته وحاجة الناس إليه ، وكيف إنه مختار مصطفى على علم بإخلاصه في تبليغ دينه ، وهي تعرفنا شرفه وكرامته عند الله وتكامل هداه لكل البشر فيسعدهم تطبيقه ، ولكي لا أطيل عليك الكلام يا طيب ، نذكر كلام سيد البشر عليه السلام بعد نبينا ، وقد ذكرنا قسمه الأول في النبوة العامة ، وهذا القسم الآخر في النوة الخاصة ونتدبر فيه :
قال الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام :
(( .... إِلَى أَنْ بَعَثَ اللهُ سُبْحَانَهُ مُحَمَّداً صلى الله عليه وآله لإنجاز عِدَتِهِ وَتَمامِ نُبُوَّتِه ِ.
مَأْخُوذاً عَلَى النَّبِيِّينَ مِيثَاقُهُ ، مَشْهُورَةً سِمَاتُهُ كَرِيماً مِيلادُهُ.
وَأهْلُ الأرض يَوْمَئِذٍ مِلَلٌ مُتَفَرِّقَةٌ ، وَأَهْوَاءٌ مُنْتَشِرَةٌ ، وَطَرَائِقُ مُتَشَتِّتَةٌ ، بَيْنَ مُشَبِّهٍ للهِِ بِخَلْقِهِ ، أَوْ مُلْحِدٍ في اسْمِهِ ، أَوْ مُشِيرٍ إِلَى غَيْرهِ .
فَهَدَاهُمْ بهِ مِنَ الضَّلاَلَةِ ، وَأَنْقَذَهُمْ بمَكانِهِ مِنَ الجَهَالَةِ .
ثُمَّ اخْتَارَ سُبْحَانَهُ لِمحَمَّدٍ صلى الله عليه لِقَاءَهُ ، وَرَضِيَ لَهُ مَا عِنْدَهُ ، فَأَكْرَمَهُ عَنْ دَارِ الدُّنْيَا ، وَرَغِبَ بِهَ عَنْ مُقَارَنَةِ البَلْوَى ، فَقَبَضَهُ إِلَيْهِ كَرِيماً ، وَخَلَّفَ فِيكُمْ مَا خَلَّفَتِ الأنبياء في أُمَمِها ، إذْ لَم يَتْرُكُوهُمْ هَمَلاً ، بِغَيْر طَريقٍ واضِحٍ ، ولاَ عَلَمٍ قَائِمٍ )) .
نهج البلاغة ، الخطبة الأولى .
وقال عليه السلام في خطبة أخرى له : (( وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، أرْسَلَهُ بِالدِّينِ المشْهُورِ، وَالعَلَمِ المأْثُورِ ، وَالكِتَابِ المسْطُورِ ، وَالنُّورِ السَّاطِعِ ، وَالضِّيَاءِ اللاَّمِعِ ، والأمر الصَّادِعِ .
إزَاحَةً لِلشُّبُهَاتِ ، وَاحْتِجَاجاً بِالبَيِّنَاتِ ، وَتَحْذِيراً بِالآيَاتِ ، وَتَخْويفاً بِالمَثُلاَتِ .
وَالنَّاسُ في فِتَنٍ انْجَذَمَ ، فِيها حَبْلُ الدِّينِ ، وَتَزَعْزَعَتْ سَوَارِي ، اليَقِينِ ، وَاخْتَلَفَ النَّجْرُ ، وَتَشَتَّتَ الاََْمْرُ وَالمَصْدَرُ .
فَالهُدَى خَامِلٌ ، واَلعَمَى شَامِلٌ .
عُصِيَ الرَّحْمنُ ، وَنُصِرَ الشَّيْطَانُ ، وَخُذِلَ الإيمان ، فَانْهَارَتْ دَعَائِمُهُ ، وَتَنكَّرَتْ مَعَالِمُهُ، وَدَرَس